سنن أبي داود ت الأرنؤوطصفحات 559-598

كتاب الفرائض

صفحات 559-598
عن هذه الطبعة
عَلَم
السجستاني، أبو داود
الكتاب
سنن أبي داود
المؤلف
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
المحقق
شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
الناشر
دار الرسالة العالمية
الطبعة
الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

عن جده، عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم -، قال: "لا يُقتَلُ مؤمِنٌ بِكافرٍ، ومَنْ قَتَلَ مؤمِناً متعمِّداً دُفِعَ إلى أولياءِ المقتولِ: فإن شاؤوا قَتَلُوه، وإن شاؤوا أخَذُوا الدِّية" (1).

5 -

باب مَن قَتل بعد أخذِ الديةِ

2 4507 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ، أخبرنا مَطَرٌ الورَّاقُ، قال: وأحسبه، عن الحسنِ1

عن جابر بنِ عبد الله، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا أعْفِيَ من قَتَلَ بَعْدَ أخذِ الدِّيةِ" 1.

6 -

باب فيمن سَقَى رجلاً سمَّاً أو أطعمه فمات، أيُقاد منه؟

4508 - حدَّثنا يحيى بنُ حبيبِ بنِ عربيٍّ، حدَّثنا خالدُ بنُ الحارِثِ، حدَّثنا شُعبةُ، عن هشام بنِ زيد عن أنس بنِ مالكٍ: أن امرأةً يهوديةً أتت رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بشاةٍ مَسمُومةٍ، فأكَلَ منها، فجيء بها إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فسألها، عن ذلك، فقالت: أردتُ لأقْتُلَكَ، فقال: "ما كان اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ليُسَلِّطَكِ على ذلك -أو قال: عليٍّ- "قال: فقالوا: ألا نقتُلُها؟ قال: "لا"، قال: فما زِلْتُ أعْرِفُها في لَهَواتِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - 1.

4509 - حدَّثنا داودُ بن رُشَيدٍ، حدَّثنا عبادُ بنُ العوَّام (ح) وحاثنا هارونُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمانَ، حدَّثنا عبادٌ، عن سفيانَ بنِ حُسين، عن الزهريِّ، عن سعيد وأبي سلمةَ -قال هارونُ:- عن أبي هُريرة: أن امرأةً مِن اليهودِ أهدَتْ إلى النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم- شاةً مَسمُومَةً، قال: فما عَرَضَ لها النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلم - 1. = ثم قال: واختلفت الآثار والعلماء هل قتلها النبي - صلَّى الله عليه وسلم - أم لا، فوقع في "صحيح مسلم" [وهي رواية المصنف هنا] أنهم قالوا: ألا نقتُلها؟ قال: لا، ومثله عن أبي هريرة وجابر، وعن جابر من رواية أبي سلمة أنه قتلها، وفي رواية ابن عباس أنه -صلَّى الله عليه وسلم- دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن معرور، وكان أكل منها فمات بها فقتلوها، وقال ابن سحنون: أجمع أهلُ الحديث أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - قتلها.
قال القاضي: وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها أولاً حين اطلع على سمها، وقيل له: اقتلها، فقال: لا، فلما مات بشر بن البراء من ذلك، سلَّمها لأوليائه فقتلوها قصاصاً، فيصح قولهم: لم يقتُلها، أي: في الحال، ويصح قولهم: قتلها، أي: بعد ذلك، والله أعلم.
قلنا: نقل الحافظ في "الفتح" 7/ 497 هذا التوجيه في الجمع بين الروايات عن البيهقي [وهو في "الدلائل" 4/ 262] والسُّهيلي، ثم قال: ويحتمل أن يكون تركها لكونها أسلمت، وإنما أخّر قتلها حتّى مات بشر؛ لأن بموته تحقق وجوب القصاص بشرطه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه ابن حزم في "المحلى" 11/ 26، والبيهقي في "السنن الكبرى" 8/ 46 من طريق أبي داود، بهذا الإسناد.
وأخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" 2/ 201، والبيهقي في "دلائل النبوة" 4/ 260، والخطيب في "تاريخ بغداد" 7/ 372 من طريق سعيد بن سليمان الواسطي، بهذا الإسناد لكن لم يذكر الخطيبُ في إسناده أبا سلمة بن عبد الرحمن، ولم يذكر أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - تركها ولم يعرض لها.
وأخرج الحاكم 3/ 219 - 220، والبيهقي في "السنن الكبرى" 8/ 46 من طريق حماد بن سلمة، وابن حزم في "المحلى" 11/ 27، والبيهقي 8/ 46 من طريق عباد بن العوام، والطبراني في "الكبير" (1202) من طريق سعيد بن محمَّد الوراق، ثلاثتهم عن محمَّد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ولفظ رواية حماد بن سلمة والوراق بنحو الرواية الآتية بعده عند المصنف، ولفظ عباد مختصر.
لكن جاء في رواياتهم: أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قتل تلك المرأة اليهودية.
وإسناده حسن من طريق حماد وعباد.
وسيأتي هذا الحديث برقم (4511) و (4512) من رواية خالد الطحان عن محمَّد ابن عمرو، عن أبي سلمة مرسلاً وفيه أنه -صلَّى الله عليه وسلم- قتلها أيضاً.
قال الخطابي: قوله: "مصليّة": هي المشوية بالصّلاء.
وقد اختلف الناس فيما يجب على مَن جعل في طعام رجل سمّاً، فأكله فمات: فقال مالك بن أنس: عليه القود، وأوجب الشافعي في أحد قوليه إذا جعل في طعامه سماً وأطعمه إياه، أو في شرابه فسقاه ولم يُعلمه أن فيه سماً، قال الشافعي: وإن خلطه بطعام فوضعه ولم يقل له فأكله أو شربه فمات فلا قود عليه.
قلت [القائل الخطابي]: والأصل أن المباشرة والسبب إذا اجتمعا كان حكم المباشرة مقدماً على السبب كحافر البئر والدافع فيها، فأما إذا استكرهه على شرب السم فعليه القود في مذهب الشافعي ومالك.
وعن أبي حنيفة: إن سقاه السم فمات لم يقتل به، وإن أوجره إيجاراً كان على عاقلته الدية.
=

قال: أبو داود: هذه أختُ مَرحْبِ اليهوديةُ التي سَمَّتِ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-.
4510 - حدَّثنا سليمانُ بنُ داود المَهْريُّ، حدَّثنا ابنُ وهب، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: كان جابرُ بنُ عبدِ الله يُحدِّثُ أن يهُوديةً مِن أهلِ خيبَرَ سمَّت شاةً مصليَّةً، ثم أَهدتْها لرسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فأخذَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - الذِّرَاعَ، فأكَلَ منها، وأكل رهطٌ مِنْ أصحابِه مَعَهُ، ثم قال لهم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "ارفَعُوا أيدِيَكم"، وأرسل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - إلى اليهوديةِ فدعاها، فقال لها: "أسممتِ هذه الشَّاةَ؟ " قالتِ اليهوديةُ: من أخبَرَكَ؟ قال: "أخبرتني هذه في يدي" للذراع، قالت: نعم، قال: "فما أردت إلى ذلك؟ "، قالت: قلتُ: إن كان نبياً فلن يَضُرَّهُ، وإن لم يكن نبياً استَرَحْنا منه، فعفا عنها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، ولم يعاقِبْها، وتوفِّي بعضُ أصحابِه الذين أكلوا من الشَّاة، واحتجم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - على كاهِلِهِ مِنْ أجلِ الذي = قلت [القائل الخطابي]: أما حديث اليهودية، فقد اختلفت الرواية فيه، وأما حديث أبي سلمة فليس بمتصل، وحديث جابر أيضاً ليس بذاك المتصل؛ لأن الزهري لم يسمع من جابر شيئاً.
قلنا: يعني الخطابيُّ الحديثَ الآتي عند المصنف بعد هذا الحديث.
ثم إنه ليس في هذا الحديث أكثر من أن اليهودية أهدتها لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - بأن بعثت بها إليه، فصارت ملكاً له، وصارت أصحابُه أضيافاً له، ولم تكن هي قدمتها إليهم وإليه، وما هذا سبيلُه فالقود ساقط لما ذكرنا من علة المباشرة وتقديمها على السبب.
وفي الحديث دليل على إباحة أكل طعام أهل الكتاب، وجواز مبايعتهم ومعاملتهم مع إمكان أن يكون في أموالهم الربا ونحوه من الشبهة.
وفيه حجة لمن ذهب إلى أن الهدية توجب العوض، وذلك أنه يك لا يقبل الهدية من يهودية إلا من حيث يرى فيها التعويض، فيكون ذلك عنده بمنزلة المعاوضة بعقد البيع، والله أعلم.

أكلَ من الشاة، حَجَمَهُ أبو هِندٍ بالقَرنِ والشَّفْرةِ، وهو مولى لبني بياضَةَ من الأنصارِ 1. 4511 - حدَّثنا وهبُ بنُ بقيةَ، حدَّثنا خالد، عن محمَّد بنِ عَمرو عن أبي سلمة: أن رسُولَ اللهِ - أهدت له يَهُودَيةٌ بخيبر شاةً مصليَّةً، نحو حديثِ جابرٍ، قال: فمات بشرُ بنُ البَراء بن مَعْرُورٍ الأنصاريُّ، فأرسلَ إلى اليهوديِة: "ما حَمَلَكِ على الذي صنعتِ؟ " فذكر نحو حديث جابرِ، فأمر بها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - فقُتِلَت، ولم يذكُرْ أمرَ الحِجامة 2.

4512/ 1 - حدَّثنا وهبُ بنُ بقيةَ، عن خالدٍ، عن محمدِ بنِ عَمرٍو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقبلُ الهديةَ ولا يأكُلُ الصَّدقَةَ 1. = محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وهما ثقتان، ومحمد بن عمرو بن علقمة الليثي حسن الحديث، فالإسناد من طريق عباد وحماد حسن.
وأخرجه الدارمي (67) عن جعفر بن عون وابن سعد في "الطبقات" 2/ 200 عن سعيد بن محمَّد الوراق الثقفي، كلاهما عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلاً.
وأخرجه الحاكم 3/ 219 - 220، والبيهقي في "السنن الكبرى" 8/ 46 من طريق حماد بن سلمة وابن حزم في "المحلى" 11/ 27، والبيهقي 8/ 46 من طريق عباد بن العوّام، والطبراني في "الكبير" (1202) من طريق سعيد بن محمَّد الوراق، ثلاثتهم عن محمَّد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
فوصلوه.
ولفظ عباد مختصر بذكر قتل النبي -صلَّى الله عليه وسلم- للمرأة اليهودية التي وضعت السم.
وأخرجه القاضي عياض في "الشفا" 1/ 316 من طريق أبي سعيد ابن الأعرابي، عن أبي داود السجستاني، عن وهب بن بقية، عن خالد الطحان، عن محمَّد بن عمرو ابن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فوصله.
قال المزي في "تحفة الأشراف" 11/ 6: هكذا وقع هذا الحديث في رواية أبي سعيد ابن الأعرابي عن أبي داود.
وعند باقي الرواة: عن أبي سلمة أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - ليس فيه أبو هريرة.
وقد جوّده ابن الأعرابي عن أبي داود.
ويشهد له حديث جابر السالف قبله، وانظر تمام شواهده عنده.
وانظر ما سلف برقم (4509). وانظر تالييه.

4512/ 2 - حدَّثنا وهبُ بنُ بقيةَ في موضِع آخَرَ، عن خالدٍ، عن محمَّد بنِ عَمرو عن أبي سَلَمَةَ، ولم يذكر أبا هريرة، قال: كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يأكُلُ الهدية، ولا يأكُلُ الصَّدَقَةَ، زاد: فأهدت له يهودية بخيبرَ شاةً مصليَّةً سمّتها، فأكل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - منها وأكلَ القومُ، فقال: "ارفعُوا أيديكم؛ فإنها أخبرتني أنها مسمومةٌ" فمات بشر بنُ البراءِ بن معرور الأنصاري، فأرسلَ إلى اليهودية: "ما حملك على الذي صَنَعْتِ؟ " قالت: إن كنت نبياً لم يضُرَّكَ الذي صنعتُ، لان كنتَ ملِكاً أرحتُ الناسَ منك، فأمر بها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فقُتِلَت، ثم قال: في وجَعِهِ = وقد روي من طريق محمَّد بن عمرو مرة مرسلاً كما في الطريق الآتي بعده، ولكن الوصل صحيح، وقد صح من غير طريق محمَّد بن عمرو بن علقمة كذلك.
وأخرجه أحمد (8714)، وابن حبان (6381) من طريق محمَّد بن عمرو بن علقمة، به.
وأخرج البخاري (2576)، ومسلم (1077) من طريق محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - إذا أتى بطعام سأل عنه: "أهدية أم صدقة؟ " فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: "كلوا" ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده -صلَّى الله عليه وسلم- فأكل معهم.
هذا لفظ البخاري.
وقد جاء عند البيهقي 7/ 39 بلفظ رواية المُصنًف من طريق محمَّد بن زياد.
ويشهد له بلفظ المصنف حديث عبد الله بن بسر عند أحمد (17688) وانظر تمام شواهده هناك.
وانظر ما بعده.
تنبيه: هذا الحديث أثبتناه من (ب) وهامش (هـ)، وأشار في هامش (هـ) إلى أنه وقع لأحمد -قلنا: وهو ابن سعيد بن حزم- عن أبي سعيد ابن الأعرابي.
قلنا: ونسبه أيضاً المزيُّ في "التحفة" (15025) إلى ابن الأعرابي.

الذي ماتَ فيه: ما زِلتُ أجِدُ مِنَ الأكلَةِ التي أكلتُ بخيبرَ، فهذا أوانُ قَطَعَتْ أبهَرِي" 1. 4513 - حدَّثنا مخلدُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا عبدُ الرزاق، حدَّثنا معمر، عن الزهريِّ، عن ابنِ كعبِ بنِ مالكٍ عن أبيهِ: أن أم مُبشِّر قالت للنبى -صلَّى الله عليه وسلم- في مرضه الذي ماتَ فيه: ما تتَّهم بكَ يا رسولَ الله؟ فإني لا أتَّهِمُ بابني شيئاً إلا الشاة المسمومةَ التي أكلَ معكَ بخيبَر، فقال النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم-: "وأنا لا أتَّهِمُ بنفسي إلا ذلك، فهذا أوانُ قطعِ أبهرِي" 2.

قال أبو داود: ورُبَّما، حدَّث عبدُ الرزاق بهذا الحديثِ مُرسلاً، عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-.
وربما حدَّثَ به عن الزهريِّ، عن عبدِ الرحمن بنِ كعب بنِ مالكٍ.
وذكر عبدُ الرزاق: أن معمراً كانَ يُحدِّثهم بالحديثِ مرةً مرسلاً، فيكتبونه، ويحدَّثهم مرةً به فَيُسنِدُه، فيكتبونه، وكل صحيح عندنا.
قال عبد الرزاق: فلما قَدِمَ ابنُ المبارك على معمرٍ أسندَ له معمرٌ أحاديثَ كان يوقفها.
4514 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا رَباحٌ، عن معمرٍ، عن الزهري، عن عبدِ الرحمن بنِ عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ عن أُمِّه أمِّ مُبشِّر: دخلتُ على النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-، فذكَرَ معنى حَدِيثِ مخلد بنِ خالدٍ.
قال أبو سعيد ابن الأعرابي: كذا قال: عن أمه، والصواب: عن أبيه، عن أم مُبشر 1. = سمع هذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب ومن ابن أخيه عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، إذ كان هذا الحديث معروفا في آل كعب بن مالك، وأم مبشر هي امرأة كعب.
وأخرجه ابن حزم في "المحلى، 11/ 25 من طريق أبي داود، بهذا الإسناد.
وانظر ما بعده.
تنبيه: هذا الحديث بطريقيه هذا والذي يليه أثبتناه من (ب) وهامش (هـ)، وهو في روايتي ابن الأعرابي وابن داسه.
وقد ذكره المزي في "التحفة" (11139).

7 -

باب مَن قَتَلَ عبده أو مَثَّل به، أيُقاد منه؟

4515 - حدَّثنا عليٍّ بنُ الجَعْدِ، حدَّثنا شعبةُ، وحدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حماد، عن قتادةَ، عن الحسنِ عن سَمُرَةَ، أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "من قتلَ عبدَهُ قتلنَاهُ، ومَنْ جَدَعَ عبدَهُ جَدَعناه" 1. = وعليه فما جاء في "مسند أحمد" (23933) من قوله: عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن كعب بن مالك، عن أمه، أن أم مبشر دخلت على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - ... الحديث - وهم.
ويكون عندئذ للزهري فيه إسنادان: أحدهما إسناد الحديث السابق وهو عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه كعب يعني من مسند كعب بن مالك الصحابي المعروف.
وثانيهما: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه عبد الله، عن أم مبشر يعني من مسندها، وهي امرأة أبيه كعب.
والإسنادان صحيحان.
تنبيه: هذا الحديث أثببناه من (ب) وهامش (هـ)، وهو في روايتي ابن داسه وابن الأعرابي.
وقد ذكره المزي في "التحفة" (11139).

4516 - حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا مُعاذُ بنُ هشام، حدَّثني أبي، عن قتادةَ، بإسنادِه مثلَه قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "مَنْ خَصى عبدَهُ خصيناهُ"، ثم ذكر مثلَ حديث شعبةَ وحمادٍ 1. قال أبو داود: ورواه أبو داودَ الطيالسيُّ، عن هشامٍ، مثلَ حديث مُعاذٍ.
4517 - حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا سعيدُ بنُ عامر، عن ابنِ أبي عَروبةَ عن قتادةَ، بإسنادِ شعبةَ مثلَه.
زاد: ثم إن الحسنَ نسيَ هذا الحديثَ؛ فكان يقولُ: لا يُقتَلُ حُرٌّ بعبدٍ 2. = قلنا: وسألَ الترمذيُّ البخاريَ كما في "العلل الكبير"، 2/ 588 عن هذا الحديث فقال البخاري: كان علي ابن المديني يقول بهذا الحديث.
وأنا أذهب إليه.
ونقل ابن عبد البر في "الاستذكار، (38122) و (38123): أن مالكاً والليث والشافعي وأبا ثور وأحمد وإسحاق قالوا: لا يقتل حر بعبد.

4518 - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هِشامٌ، عن قتادةَ عن الحسنِ، قال: لا يُقادُ الحرُّ بالعبدِ 1. 4519 - حدَّثنا محمدُ بنُ الحسنِ بنِ تَسنيم بن حَواريّ بنِ زيادِ بنِ عَمرو العتكيُّ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، أخبرنا سوَّار أبو حمزةَ، حدَّثنا عمرُو بنُ شعيب، عن أبيه عن جده، قال: جاءَ رجل مُستصرِخٌ إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، فقال: جاريةٌ له يا رسولَ الله، فقال: "ويحَكَ مالك؟ " قال: شرّاً أبصرَ لسيِّدِه جاريةً له، فغارَ، فَجَبَّ مذاكِيرَه، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "علىَّ بالرَّجُلِ" فطُلِبَ فلم يُقدَرْ عليه، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "اذهب فأنتَ حُرٌّ" فقال: يا رسول الله، على من نُصْرتي؟ قال: "على كُلِّ مُؤمِن" أو قال: "كلِّ مسلم" 2.

قال أبو داود: الذي عَتَقَ كان اسمه روحَ بنَ دينار.
قال أبو داود: الذي جبَّه زنباعٌ (1).

8 -

باب القتل بالقَسَامةِ

4520 - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عُمر بنِ ميسَرَةَ ومحمد بنُ عُبيد -المعنى- قالا: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدِ، عن يحيى بنِ سعيد، عن بَشيرِ بنِ يسار عن سهلِ بنِ أبي حثْمةَ ورافع بنِ خديج: أن مُحَيِّصَة بنَ مسعودٍ وعبدَ الله بنَ سهل، انطلقا قِبَلَ خيبرَ، فتفرقا في النخل، فقُتِلَ عبدُ الله ابنُ سهل، فاتَّهموا اليهودَ، فجاء أخوه عبدُ الرحمن بن سهلٍ وابنا عمه حُويِّصَةُ ومُحيِّصَةُ، فأتوا النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-، فتكلم عبدُ الرحمن في أمرِ أخيه1 = الواقدي، عن أسامة بن زيد الليثي، وابن سعد 7/ 506، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" ص 137 من طريق ابن لهيعة، وابن منده فيما ذكره الحافظ في "الإصابة" في ترجمة زنباع، والبيهقي 8/ 36، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 19/ 81 من طريق المثنى بن الصباح، خمستهم عن عمرو بن شعيب، به وحجاج وابن لهيعة والمثنى ضعفاء، والعرزمي والواقدي متروكان.
وقد رويت هذه القصة من حديث زنباع عند ابن ماجه (2679) وفي إسناده إسحاق بن أبي فروة متروك الحديث.
ورويتْ أيضاً من حديث سندر عند ابن سعد 7/ 507 وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2635)، والبزار (1394 - كثف الأستار)، وابن قانع في "معجم الصحابة، 1/ 322، والطبراني في"الكبير" (6726)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 19/ 82. وفي إسناده ابن لهيعة سعيء الحفظ.
وهذه المتابعات والطرق لهذا الحديث إذا ما انضم بعضها لبعض قوي الحديث بلا شك ولا ريب، والله أعلم.

وهو أصغرُهم، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "الكُبْرَ الكُبْرَ" أو قال: "ليبدأ الاكبرُ" فتكلَّما في أمرِ صاحبِهما، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "يُقسِم خمسونَ منكُم على رجُلٍ منهم، فيُدفَعُ بِرُمَّته"، قالوا: أمرٌ لم نشهده، كيف نحلِفُ؟ قال: "فتبرِّئُكُم يهودُ بأيمانِ خمسينَ منهم" قالوا: يا رسولَ الله، قومٌ كفَّارٌ، قال: فوداهُ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - مِن قِبَله.
قال سهلٌ: دخلتُ مِربَداً لهم يوماَ، فركضَتني ناقةٌ مِن تلك الإبِل ركضة بِرجلها، قال حماد هذا أو نحوه 1.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وفيه جواز وكالة الحاضر، وذلك أن ولي الدم إنما هو عبد الرحمن بن سهل أخو القتيل، وحويّصة ومُحيصة أبناء عمه.
وفيه من الفقه أن الدعوى في القسامة مخالفة لسائر الدعاوى، وأن اليمين يبدأ فيها بالمُدير قبل المُدّعَى عليه.
وفيه دلالة على وجوب رد اليمين على المدعي عند نكول المُدعى عليه.
وقد اختلف الناس فيمن يبدأ فيه بالقسامة، فقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل: يبدأ بالمدعين قولاً بظاهر الحديث.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يبدأ بالمدعى عليه على قضية سائر الدعارى.
قلت [القائل الخطابي]: وهذا حكم خاص ّجاءت به السنة، لا يقاس على سائر الأحكام، وللشريعة أن تخص كما لها أن تعم، ولها أن تخالف بين سائر الأحكام المتشابهة في الصفة، كما لها أن توفق بينها، ولها نظائر كثيرة في الأصول.
وقال أبو حنيفة وأصحابُه: إن المدعى عليهم يحلفون ويغرمون الدية، وليس في شيء من الأصول اليمين مع الغرامة، وإنما جاءت اليمين في البراءة أو الاستحقاق على مذهب من قال باليمين مع الشاهد، وقد بُدئ في اللعان بالمدعي وهو الزوج وإنما هو أيمان.
ألا ترى أن المتلاعنين يقولان: نشهد بالله، فلو كان معنى اللعان معنى الشهادة لجاز فيه حذف الاسم واقتصر على مجرد قولهما: نشهد، وقد قال -صلَّى الله عليه وسلم- في حديث الملاعنة: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" فثبت أن اللعان أيمان ثم كان مبدوءاً فيه بالمدعي كما ترى.
قلت: وفي إلزامه اليهود بقوله: "فيدفع برُمَّته" دليل على أن الدية تجب على سكان المحلة دون أرباب الخطة؛ لأن خيبر كانت للمهاجرين والأنصار.
وفيه دليل على أن المدعى عليهم إذا حلفوا برئوا من الدم، وهو قوله: "فتبرِّئكم يهود بإيمان خمسين منهم".
وفيه أن الحكم بين المسلم والذمي كالحكم بين المسلمين في الاحتساب بيمينه وإبرائه بها عن الحق المدعى قبله.
وفيه أن يمين المشرك مسموعة على المسلم كيمين المسلم عليه، وقال مالك: لا تسمع أيمانهم على المسلمين كشهاداتهم.
=

قال أبو داود: رواه بشرُ بنُ المفضَّل ومالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال فيه: " أتحلِفُون خمسين يميناً وتستحِقُّون دَمَ صاحِبِكم -أو قاتلِكم-؟ " ولم يذكر بِشرٌ دماً.
وقال عِدَّةٌ، عن يحيى كما قال حمادٌ.
ورواه ابن عُيينة، عن يحيى، فبدأ بقوله: "تُبرِّئكم يهودُ بخمسينَ يميناً يحلِفُونَ" ولم يذكُرِ الاستحقاقَ.
وهذا وَهمٌ مِن ابنِ عُيينةَ.
4521 - حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو بنِ السَّرح، أخبرنا ابنُ وهْبٍ، أخبرني مالكٌ، عن أبي ليلى بنِ عبد الله بنِ عبد الرحمن بنِ سهْلٍ = وظاهر لفظ هذا الحديث حجة لمن رأى وجوب القتل بالقسامة، وهو قوله: "وتستحقون دم صاحبكم".
وقوله: "فيدفع برمته".
وإليه ذهب مالك وأحمد بن حنبل وأبو ثور.
وروي ذلك عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي وإسحاق بن راهويه: لا يقاد بالقسامة إنما تجب الدية.
وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه والحسن البصري وإبراهيم النخعي.
وقد روي أيضاً عن النخعي أنه قال: القسامة جور، شاهدان يشهدان؟! وكان الحَكَمُ لا يرى القسامة شيئاً.
قلت: وتأويل هؤلاء قوله: "وتستحقون دم صاحبكم" أي: دية صاحبكم؛ لأنهم يأخذونها بسبب الدم، فصلح أن يسمى ذلك دماً.
وقد روي من غير هذا الطريق: "إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب"، فدل ذلك صحة هذه التأويل.
قلت: ويشبه أن يكون إنما وداه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - من قِبَلِه للعهد الذي كان جعله لليهود فلم يحب أن يبطله ولم يحب أن يهدر دم القتيل، فوداه من قبله وتحملها للإصلاح بينهم.

عن سهْل بنِ أبي حَثْمَة، أنه أخبره هو ورِجَالٌ من كُبَراء قومِه: أن عبدَ الله بنَ سهلٍ ومُحيِّصةَ خرجا إلى خيبَرَ من جُهْدٍ أصابهم، فأتى مُحيِّصةُ فأخبَرَ أن عبدَ الله بنَ سهل قد قُتِلَ وطُرِحَ في فقير أو عَينٍ، فأتى يهودَ، فقال: أنتُم واللهِ قتلتُمُوه، قالوا: واللهِ ما قتلناهُ، فأقبل حتَّى قَدِم على قومه، فذكر لهم ذلك، ثم أقبلَ هو وأخوه حُويِّصةُ -وهو أكبرُ منه- وعبد الرحمن بن سهل، فذهب مُحيِّصةُ ليتكلَّم، وهو الذي كان بخيبرَ، فقال له رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "كبِّر كبِّر" يريد السنَّ" فتكلم حُويِّصةُ، ثم تكلَّم مُحيِّصةُ، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "إما أن يَدُوا صاحِبَكم، وإمَّا أن يُؤذَنُوا بحَربِ" فكتب إليهم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بذلك، فكتُبوا: إنا واللهِ ما قتلنَاه، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - لحُويِّصةَ ومُحيِّصةَ وعبدِ الرحمن: "أتحلِفُون وتستَحِقُّون دمَ صاحِبكم؟ " قالوا: لا، قال: "فتحلِفُ لكم يهودُ" قالوا: ليسوا مسلمين، فوداه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - مِن عندِه، فبعثَ إليهم مئةَ ناقةٍ، حتَّى أُدخِلَت عليهم الدارَ، قال سهل: لقد ركضتني منها ناقةٌ حمراءُ 1.

4522 - حدَّثنا محمودُ بنُ خالد وكثيرُ بنُ عُبيدٍ، قالا: حدَّثنا.
وحدَّثنا محمدُ بنُ الصبَّاح بن سفيان، أخبرنا الوليدُ، عن أبي عمرو عن عمرو بنِ شُعيبٍ، عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: أنه قَتَلَ بالقَسَامة رجلاً مِن بني نصرِ بنِ مالكٍ ببَحْرَةِ الرُّغاءِ، على شطِّ لِيَّةِ البَحْرَةِ، فقال: القاتلُ والمقتولُ منهم، هذا لفظُ محمود: ببحرة أقامه محمود وحدَه على شط لِيَّة 1. = وهو في"موطأ مالك" برواية يحيى الليثي 2/ 877، وبرواية محمَّد بن الحسن (681) عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره رجال من كبراء قومه.
فجعلاه من مسند رجال من كبراء قوم سهل، وأن سهلاً سمعه منهم.
وأخرجه مسلم (1669)، وابن ماجه (2677) من طريق بشر بن عمر، عن مالك، عن أبي ليلى، عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره عن رجال من براء قومه.
وهذا يوافق رواية يحيى الليثي ومحمد بن الحسن الشيباني.
تنبيه: ذكر ابن عبد البر في "التمهيد" 24/ 151 أن ابن وهب رواه عن مالك، فقال في روايته: عن سهل أنه أخبره رجال من كبراء قومه، وهذا يخالف ما جاء عند المصنف والنسائي من أن الحديث من مسند سهل بن أبي حثمة ورجال من براء قومه.
وانظر ما قبله وما سيأتي برقم (4523). قال الخطابي: قوله: "إما أن تدُوا" فيه دليل على أن الواجب بالقسامة الدية، وقد كنى بالدم عنها إذ كانا يتعاقبان في الحكم فجاز أن يُعبّر عن أحدهما بالآخر.
وقد أنكر بعض الناس قوله: "وإما أن يُؤذنُوا بحرب" وقال: إن الأمة على خلاف هذا القول، فدل أن خبر القسامة غير معمول به.
قلت: ووجه الكلام بيّن، وتأويله صحيح، وذلك أنهم إذا امتنعوا من القسامة ولزمتهم الدية فأبوا أن يؤدوها إلى أولياء الدم أوذنوا بحرب كما يؤذنون بها إذا امتنعوا من أداء الجزية.
قلنا: والفقير: البئر الواسعة الفم، القريبة القعر.

9 -

باب في ترك القَوَد بالقَسَامة

4523 - حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدِ بنِ الصَّبَّاح الزعفرانيُّ، حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سعيدُ بنُ عُبيدٍ الطائيُّ، عن بُشَير بن يَسَارٍ زعمَ أن رجلاً من الأنصار يقال له: سَهْل بن أبي حَثْمَةَ، أخبره: أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خيبر، فتفرَّقوا فيها، فوجدُوا أحدَهم قتيلاَ، فقالوا للذينَ وجَدُوه عندهم: قتلتُم صاحبَنَا، فقالوا: ما قتلنا ولا عَلِمَنا قاتلاً، فانطلقنا إلى نبيِّ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، قال: فقال لهم: "تأتوني بالبينةِ على من قتلَ هذا؟ " قالوا: ما لنا بينةٌ، قال: "فيحلفونَ لكم؟ " قالوا: لا نَرْضَى بأيمانِ اليهود، فكره نبيُّ الله -صلَّى الله عليه وسلم- أن يُبطِلَ دَمَه، فوَدَاه مئةً من إبلِ الصَّدقةِ 1. = بَحرة الرُّغاء: بضم الراء، موضع بالطائف، بني بها النبي - صلَّى الله عليه وسلم - مسجداً.
ولِيّة، قال العيني في "عمدة القاري" 18/ 156: قال البكري: بكسر أوله، وتشديد الياء آخر الحروف، وهي أرض من الطائف على أميال يسيرة، وهي على ليلة من قرن.

4524 - حدَّثنا الحسنُ بنُ علي بنِ راشدٍ، أخبرنا هُشيمٌ، عن أبي حيانَ التيميِّ، حدَّثنا عبايةُ بنُ رِفاعةَ عن رافع بنِ خَديج، قال: أصبح رَجُلٌ من الأنصارِ مقتولاً بخيبرَ، فانطلقَ أولياؤه إلى النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم-، فذكروا ذلك له، فقال: "لكُم شاهدانِ يشهدانِ على قاتِلِ صاحبكم؟ " قالوا: يا رسُولَ الله، لم يكُن ثُمَّ أحدٌ مِنَ المُسلِمِينَ، وإنما هم يهُودُ، وقد يجترئونَ على أعظَم من هذا، قال: = لكن البيهقي بيّن أن لا تعارض بين هاتين الروايتين، فقال: إن صحت رواية سعيد فهي لا تخالف رواية يحيى بن سعيد عن يشعر بن يسار؛ لأنه قد يريد بالبينة الأيمان مع اللوث (قال في "النهاية": اللوث أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل أن يموت أن فلاناً قتلني أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما أو تهديد منه له أو نحو ذلك، وهو من التلوّث: التلطُّخ) كما فسرهُ يحيى بن سعيد، وقد يطالبهم بالبينة كما في هذه الرواية، ثم يعرض عليهم الأيمان مع وجود اللوث كما في رواية يحيى بن سعيد، ثم يردها على المدعى عليهم عند نكول المدعين كما في الروايتين.
قال ابن القيم في "تهذيب السنن": يدل على ما ذكره البيهقي حديثُ النسائي عن عمرو بن شعيب.
قلنا: هو ما أخرجه في "السنن الكبرى" (6896) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلاً على أبواب خيبر، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "أقم شاهدين على من قتله أدفعْه إليك برمته" قال: يا رسول الله، ومن أين أصيب شاهدين، وإنما أصبح قتيلاً على أبوابهم؟!، قال: "فتحلف خمسين قسامة؟ " قال: يا رسول الله، وكيف نحلف على ما لا أعلم؟! فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: فتستحلف منهم خمسين قسامة؟ " فقال: يا رسول الله، كيف نستحلفهم وهم اليهود؟! فقسم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ديته عليهم وأعانهم بنصفها.
وإسناد هذه الرواية حسن، لكن قال النسائي: لا نعلم أحداً تابع عمرو بن شعيب على هذه الرواية.
قلنا: ومما انفرد به عمرو بن شعيب في هذه الرواية تقسيم الدية، لأن المحفوظ أنه -صلَّى الله عليه وسلم- وداه من عنده.

"فاختاروا مِنهُم خمسينَ فاستحلِفَهم" فأبوا، فوداهُ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- مِن عندِه 1

4525 - حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ يحيى الحرَّانيُّ، حدَّثني محمَّد -يعني ابنَ سلمةَ- عن محمَّد بنِ إسحاق، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بن الحارث عن عبدِ الرحمن بن بُجيدٍ، قال: إن سهلاً، والله، أوهم الحديثَ، إن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - كتب إلى يهودَ أنه قد وُجِد بين أظهركم قتيلٌ فَدُوه، فكتبوا يحلِفُون بالله خمسين يميناً: ما قتلنا، ولا علِمنا قاتلاً، قال: فوداه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - مِن عنده مئةَ ناقة 1. 4526 - حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا عبدُ الرزَّاق، أخبرنا معمَرٌ، عن الزَّهري، عن أبي سلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن وسليمانَ بنِ يَسار عن رجَالِ مِن الأنصارِ: أنَّ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: لليهودِ وبدأ بهم: "أيحلِفُ مَنكم خمسون رجُلاً" فأبوا، فقال للأنصارِ: "استحِقُّوا"، قالوا: نحلِفَ على الغيب يا رسول الله؟! فجعلها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ديةً على يهودِ؛ لأنه وُجِدَ بين أظهُرِهم 2.

10 -

باب يُقَادُ مِن القاتل أو يُقتَل بحجرٍ بمثل ما قَتَل

4527 - حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، أخبرنا همَّامٌ، عن قتادةَ عن أنس: أن جاريةً وُجِدَت قد رُضَّ رأسُها بين حجرين، فقيل لها: من فَعَلَ بكِ هذا؟ أفلانٌ؟ أفلانٌ؟ حتى سُمِّيَ اليهوديُّ، فأومَتْ برأسِها، فأُخِذَ اليهوديُّ، فاعترفَ، فأمَرَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - أن يُرَضَّ رأسُه بالحِجَارَةِ 1. = قيم الجوزية في "تهذيب السنن" بأن معمراً انفرد به عن الزهري، وخالفه ابن جريج وغيره، فرووه عن الزهري بهذا الإسناد بعينه، عن أبي سلمة وسليمان عن رجال من أصحاب النبي - صلَّى الله عليه وسلم -: أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضي، بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود.
وهو في"مصنف عبد الرزاق" (18252). وأخرج عبد الرزاق (18254)، ومن طريقه مسلم (1670)، والبيهقي 8/ 122 عن ابن جريج، ومسلم (1670) وابن الجارود (797) من طريق يونس بن يزيد الأيلي، ومسلم (1670) من طريق صالح بن كيسان، والبيهقي من طريق عُقيل بن خالد الأيلي، أربعتهم عن الزهري، به بلفظ: أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وبعضهم يزيد فيه: وقضى بها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وفيه دليل على وجوب قتل الرجل بالمرأة، وهو قول عامة أهل العلم إلا الحسن البصري وعطاء فإنهما زعما أن الرجل لا يُقتل بالمرأة.
وفيه دليل على جواز اعتبار القتل، فيقتص من القائل بمثل ما فعله، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وروي ذلك عن الشعبي وعمر بن عبد العزيز (قلنا: ونسبه الترمذي لإسحاق بن راهويه).
وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا يقتص منه إلا بالسيف.
وكذلك قال عطاء.
قال الشيخ [يعني الخطابي]: ما يوجد في هذا الحديث بهذه اللفظة، أعني قوله: فاعترف فقتل، فيها الشفاء والبيان أن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- لم يقتل اليهودي بإيماء المدعي أو بقوله.
وقد شغب بعض الناس في هذا حين وجد أكثر الروايات خالياً من هذه اللفظة، فقال: كيف يجوز أن يُقتل أحدٌ بقول المدعي وبكلامه فضلاً عن إيمائه برأسه، وأنكروا هذا الحديث وأبطلوا الحكم في اعتبار جهة المماثلة.
قال الشيخ: وهذه اللفظة لو لم تكن مروية في هذه القصة لم يكن ضائراً؛ لأن من العلم الشائع المستفيض على لسان الأمة خاصهم وعامهم أنه لا يستحق مال ولا دم ألا ببينة، وقد يروى كثيرٌ من الأحاديث على الاختصار اعتماداً على أفهام السامعين والمخاطبين به.
وقد احتج بعض من لا يرى اعتبار جهة المماثلة بنهي النبي - صلَّى الله عليه وسلم - عن المثلة، وهذه معارضة لا تصح، لأن النهي عن المثلة إنما هو في ابتداء العقوبة بها، فأما القصاص فلا يتعلق بالمثلة، ألا ترى أن من جدع أذناً أو فقأ عيناً من كفء له اقتُصَّ منه، ولم يكن ذلك مُثلة، وعارضوا أيضاً ينهي النبي -صلَّى الله عليه وسلم- أن يعذب أحد بعذاب الله، فقالوا: إذا أحرق رجلاً بالنار، فإنه لا يحرق بها قصاصاً ويقتل بالسيف.
وهذا مثل الأول، وباب القصاص من هذا بمعزل.
وانظر "فتح الباري" 12/ 200 في الديات: باب إذا قتل بحجر أو بعصا.
وقد قال -صلَّى الله عليه وسلم- لأسامة: "اغدُ على أُبنَى صباحاً وحرِّق" وأجاز عامة الفقهاء أن يُرمى الكفار بالنيران إذا خافوهم ولم يطيقوا دفعهم عن أنفسهم إلا بها.
=

4528 - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالحٍ، حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ عن أنسٍ: أنَّ يهودياً قَتَلَ جارِيةً من الأنصارِ على حُليِّ لها، ثم ألقاها في قَلِيبٍ، ورَضَخَ رأسَها بالحِجَارة، فأُخِذَ، فأُتي به النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، فأمر به أن يُرجَم حتى يموتَ، فرُجم حتى مات 1. = فعلم أن طريق النهي عن استعمال النار خارج عن باب القصاص المباح وعن باب الجهاد المأمور به وأن من قتل رجلاً بالإحراق بالنار فإن للولي أن يقتل القاتل بالنار كذلك.
وقد تمثلوا أيضاً في هذا بأمور، كمن قتل رجلاً بالسِّحر، وكمن سقى رجلاً خمراً، أو وإلى عليه بهما حتى مات، ومن ارتكب فاحشة من إنسان فكان فيها تلفُه.
وليس يلزم شيء من هذا، والأصل فيه الحديث.
ثم العقوبات على ضربين: أحدهما: مأذون فيه أن يستعمل فيمن استحقه على وجه من الوجوه.
والآخر: محظور من جميع الوجوه.
وقد أمرنا بجهاد الكفار ومعاقبتهم على كفرهم: ضرباً بالسلاح ورمياً بالحجارة وإضراماً عليهم بالنيران، ولم يُبَح لنا أن نقتلهم بسقي الخمر ورُكوب الفاحشة منهم.
فأما السِّحْر فهو أمر يَلطُف ويَدِقُ.
والتوصل إلى علمه يصعُب ومباشرته محظورة على الوجوه كلها.
فإذا تعذَّرت علينا معرفة جهة الجناية وكيفيتها صِرْنا إلى استيفاء الحق منه بالسيف، إذ هو دائرة القتل، وكان سبيلُه سبيلَ من ثبت عند الحاكم أنه قتل فلاناً عمداً، ولم يبين جهة القتل وكيفيته، فإنه يقتله بالسيف، وكذلك إذا تعذرت جهة المماثلة، قُتِل بالسيف، والله أعلم.

قال أبو داود: رواه ابن جُريج عن أيوبَ نحوه.
4529 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن شعبةَ، عن هشام بنِ زيدٍ عن جده أنس: أن جاريةً كان عليها أوضاحٌ لها، فرضَخَ رأسها يهوديٌّ بِحَجرٍ، فدخَلَ عليها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - وبها رمَقٌ، فقال لها: "مَنْ قتلكِ؟ فلانٌ قتلكِ؟ " فقالت: لا، برأسها، قال: "مَن قتلكِ؟ فُلان قتلكِ؟ " قالت: لا، برأسِها، قال: "فلانٌ قتلكِ؟ " قالت: نعم، برأسها، فأمر به رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - فقُتل بينَ حجرينِ (1).

11 -

باب، أيقاد المسلمُ بالكافرِ؟

4530 - حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل ومُسدَّد، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، أخبرنا سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن قَتادَةَ، عن الحسنِ عن قيس بن عُبادٍ، قال: انطلقتُ أنا والأشترُ إلى عليٍّ، فقلنا: هل عَهِدَ إليك رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - شيئاً لم يعهدهُ إلى الناسِ عامةَ؟ قال: لا، إلا1 = وهو في "مسند أحمد" (12667). وانظر ما قبله.
قال السندي في "حاشيته على المسند": أن يُرجم، أي: يُرضَخ رأسه بالحجارة ما جاء، والتعبير هنا بالرجم لكونه مثلَه، والله تعالى أعلم.

ما في كتابي هذا -قال مُسَدَّدٌ: قال: فأخرجَ كتاباً، وقال أحمد: كتاباً من قِرابِ سيفه- فإذا فيه: "المؤمِنونَ تكافأُ دِماؤُهُم، وهم يدٌ على من سِوَاهم، ويسعى بذمَّتِهم أدناهُمْ، ألا لا يُقتَلُ مُؤمِنٌ بكافرٍ، ولا ذُو عَهدٍ في عهدِهِ، من أحدَثَ حدَثاً فعلى نفسِهِ، ومَنْ أحدَثَ حدَثاً أو آوى مُحدِثاً، فعليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ" 1.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وذلك أنه نفي في نكرة، فاشتمل على حسن الكفار عموماً.
وقد قال -صلَّى الله عليه وسلم-: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" فكان الذمي والمستأمَن في ذلك سواء.
وقد اختلف الناس في هذا: فقال بظاهر الحديث جماعة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار.
ثبت ذلك عن عمر وعثمان وزيد بن ثابت، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه ورضي عنهم أجمعين.
وهو قول عطاء وعكرمة والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز.
وبه قال سفيان الثوري وابن شبرمة.
وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق.
وقال الشعبي والنخعي: يُقتل المسلم بالذمي.
وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وتأوّلوا قوله: "لا يُقتل مؤمن بكافر" أي: بكافر حربي دون من له عهد وذمة من الكفار.
وادعوا في نظم الكلام تقديماً وتأخيراً، كأنه قال: لا يُقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر.
وقالوا: لولا أن المراد به هذا لكان الكلام خالياً عن الفائدة؛ لأن معلوماً بالاجماع أن المعاهد لا يُقتل في عهده، فلم يجز حمل الخبر الخاص على شيء قد استُفيد معرفته من جهة العلم العام المستفيض.
واحتجوا أيضاً بخبر منقطع عن ابن البيلماني: أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - أقاد مسلماً بكافر.
قلت [القائل الخطابي]: "لا يقتل مؤمن بكافر" كلام قام مستقل بنفسه، فلا وجه لتضميه بما بعده وإبطال حكم ظاهره، وحمله على التقديم والتأخير، وإنما يُفعل ذلك عند الحاجة والضرورة في تكميل ناقص وكشف عن مبهم، ولا ضرورة با في هذا الموضع إلى شيء من ذلك.
فأما تحديده ذكر المعاهد وأنه لا يقتل ما دام مقيماً على عهده، فإن للنبي -صلَّى الله عليه وسلم- أن يكرر البيان، وأن يظاهر بذكر الشيء مرة بعد أخرى، إشباعاً في البيان وإفهاماً للمخاطبين بالكلام.
وقد يحتمل أن يكون النبي - صلَّى الله عليه وسلم - لما أسفط القصاص عن المسلم إذا قتل كافراً احتاج إلى أن يؤكد حق دم المعاهد، فيجدد القول فيه.
لأن ظاهر ذلك يوجب توهين حرمة دم الكفار، ولا يؤمن أن يكون في ذلك الإغراء بهم، فخشي إقدام المتسرع من =

قال مُسَدَّدٌ: عن ابنِ أبي عَروبةَ.
4531 - حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بن عمر، حدَّثنا هُشيمٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عمرو بنِ شُعيبِ، عن أبيه عن جده، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، ذكر نحو حديثِ عليٍّ، زادَ فيه: "ويُجيرُ عليهم أقصَاهُم، ويردُّ مُشِدُّهم على مُضعِفِهم، ومُتَسرِّيهم على قاعدِهم" (1).

12 -

باب من وجد مع أهله رجلاً فقتلَه

4532 - حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ وعبد الوهَّاب بن نَجْدة الحَوطيُّ -المعنى واحد- قالا: حدَّثنا عبدُ العزيز بن محمَّد، عن سهيل، عن أبيه1 = المسلمين إلى دمائهم إذا أمن القود، فأعاد القول في حظر دمائهم رفعاً للشبهة، وقطعاً لتأويل متأول، والله أعلم.
وقد يحتمل ذلك وجهاً آخر: وهو أن يكون معناه: لا يقتل مؤمن بأحد من الكفار، ولا يقتل معاهد ببعض الكفار وهو الحربي.
ولا ينكر أن لفظة "واحد" يعطف عليها شيئان.
فيكون أحدهما راجعاً على جميعها، والآخر راجعاً إلى بعضها.
وقوله: "من أحدث حدثاً فعلى نفسه" يريد: أن من جنى جناية كان مأخوذاً بها، لا يؤخذ بجُرمه غيرُه.
وهذا في العمد الذي يلزمه في ماله، دون الخطأ الذي يلزم عاقلته.
وقوله: "من آوى محدثاً فعليه لعنة الله" يريد: من آوى جانياً أو أجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

عن أبي هريرة، أن سعد بن عُبَادةَ قال: يا رسول الله، الرجل يجد مع امرأته رجلاً، أيقتلُه؟ قال: "لا" قال سعد: بلى والذي أكرمك بالحقِّ، قال النبي - صلَّى الله عليه وسلم -: "اسمعوا إلى ما يقول سيِّدُكم".
قال عبد الوهَّاب: "إلى ما يقول سعْدٌ" 1.

4533 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ، عن مالكٍ، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه عن أبي هُريرة: أن سَعْدَ بنَ عُبادَةَ قال لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: أرأيتَ لو وجدتُ مع امرأتي رجلاً أمهِلُهُ حتَّى آتيَ بأربعةِ شُهداءَ؟! قال: "نعم" 1. = القصاص عن نفسه حتى يتبين ما ذكر، وهكذا كل من لزمه حق لآدمي لم يُقبل قولُه في المخرج منه إلا ببينة تشهد له بذلك.
وقال الخطابي: يشبه أن تكون مراجعة سعْد للنبي -صلَّى الله عليه وسلم- طمعاً في الرخصة لا ردّاً لقوله -صلَّى الله عليه وسلم-، فلما أبى ذلك رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، وأنكر عليه قوله، سكت سعد وانقاد.
وقد اختلف الناس في هذه المسألة: فكان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول: إن لم يأت بأربعة شهداء أعطي برُمَّته أي: أقيد به (قلنا: ونقله الحافظ في "الفتح" 12/ 174 عن الجمهور).
وقال الشافعي: وبهذا نأخذ ولا نعلم لعلي مخالفاً في ذلك.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أهدر دمه ولم ير فيه قصاصاً.
[قال ابن المنذر: جاءت الأخبار عن عمر في ذلك مختلفة، وعامة أسانيدها منقطعة].
قلت [القائل الخطابي]: ويُشبه أن يكون إنما رأى دمه مباحاً فيما بينه وبين الله عز وجل إذا تحقق الزنى منه فعلاً، وكان الزاني محصناً.
وذكر الشافعي حديث علي رضي الله عنه، ثم قال: وبهذا نأخذ، غير أنه قال: ويسعُه فيما بينه وبين الله عَزَّ وَجَلَّ قتل الرجل وامرأته -إذا كانا ثيّبين، وعلم أنه قد نال منها ما يوجب الغسل- ولا يسقط عنه القود في الحكم.
وكذلك قال أبو ثور.
وقال أحمد بن حنبل: إن جاء ببينة أنه قد وجده مع امرأته في بيته، فقتله، يُهدر دمه، وكذلك قال إسحاق.

13 -

باب العامل يُصَاب على يدِه خطأً

1 4534 - حدَّثنا محمدُ بنُ داود بن سفيانَ، أخبرنا عبدُ الرزاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عُروة عن عائشة: أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- بعثَ أبا جهمِ بن حذيفة مُصَدِّقاً فلاجَّهُ رجل في صدقته، فضربَهُ أبو جهم، فشجَّه، فأتوا النبي - صلَّى الله عليه وسلم - فقالوا: القوَدَ، يا رسولَ الله، فقال النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- "لكم كذا وكذا" فلم يَرْضَوْا، فقال: "لكم كذا وكذا" فلم يَرْضَوْا، فقال: "لكم كذا وكذا" فَرَضُوا، فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلم -: "إنِّي خاطِبٌ العشيةَ على الناسِ، ومُخبِرُهم برضَاكُم" فقالوا: نعم، فخطبَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: فقال: "إن هؤلاء اللَّيثيِّين أتوني يُرِيدونَ القودَ، فعرضت عليهم كذا وكذا فرضُوا، أرضيتُم؟ " قالوا: لا، فهمَّ المهاجِرون بهم، فأمرهم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - أن يكفُّوا عنهم، فكفُّوا، ثم دعاهم فزادهم، فقال: "أرضيتُم؟ " فقالوا: نعم، قال: "إني خاطبٌ على الناسِ، ومُخبِرُهُم برضاكم" قالوا: نعم، فخطب النبي - صلَّى الله عليه وسلم - فقال: "أرضيتُم؟ " قالوا: نعم 2.

14 -

باب القَوَد بغير حديدٍ

4535 - حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، أخبرنا همَّامٌ، عن قتادةَ عن أنس: أنَّ جاريةً وُجِدَت قد رُضَّ رأسُها بين حَجَرين، فقيل لها: من فعلَ بك هذا، أفلانٌ؟ أفلانٌ؟ حتى سُمِّيَ اليهوديُّ، فأومَتْ برأسِها، فأُخِذَ اليهوديُّ، فاعترفَ، فأمرَ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- أن يُرَضَّ رأسُه بالحجارةِ (1).

15 -

باب القود من الضربة، وقصِّ الأمير من نفسه

2 4536 - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالحٍ، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، عن عمرو بنِ الحارث، عن بُكير بنِ الأشَجِّ، عن عَبيدةَ بنِ مُسافعٍ1 = وفيه دليل على أن القول في الصدقة قول رب المال، وأنه ليس للساعي ضربه وإكراهه على ما لم يظهر له من ماله.
وفيه حجة لمن رأى وقوف الحاكم عن الحكم بعلمه.
لأنهم لما رضوا بما أعطاهم النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، ثم رجعوا عنه، لم يلزمهم برضاهم الأول، حتى كان ما رضُوا به ظاهراً.
وروي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما أقادوا من العُمّال.
وممن رأى عليهم القود: الشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه.
قلنا: قوله: "فلاجَّه" بجيم مشددة مفتوحة، من اللَّجاج، يعني خاصمه ونازعه.
وجاءت في نسخة الخطابي: "فلاحاه"، يريد نازعه وخاصمه، كما فسره الخطابي.

باب عفو النساء،

والصحيح الأليق ما أثبتناه.

عن أبي سعيدِ الخدريِّ، قال: بينما رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يَقْسِمُ قَسْماَ أقبلَ رجلٌ فأكبَّ عليه، فطعنَهُ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بعرجُونٍ كان معه، فجُرِحَ بوجهه، فقال له رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "تعال، فاستقِد" فقال: بل عفوتُ يا رسولَ الله 1. 4537 - حدَّثنا أبو صالحٍ، أخبرنا أبو إسحاقَ الفَزَاريُّ، عن الجُريريِّ، عن أبي نضرَةَ، عن أبي فراسٍ، قال: خطَبَنَا عمرُ بنُ الخطابِ، فقال: إني لم أبعَث عُمَّالي ليضرِبُوا أبشارَكم ولا ليأخُذُوا أموالكم، فمن فُعِلَ به غيرُ ذلك فليرفَعْهُ إليَّ أُقِصُّه منه، قال عمرو بنُ العاص: لو أنَّ رجلاً أدَّب بعض رعيَّته أتُقِصُّه منه؟ قال: إي، والذي نفسِي بيدِه ألا أقِصُّه، وقد رأيتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- أقصَّ من نفسِهِ 2.

16 -

باب عَفْو النساء

1 4538 - حدَّثنا داودُ بنُ رُشَيد، حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِمٍ، عن الأوزاعيِّ، سَمعَ حِصناً، أنه سَمِعَ أبا سلمةَ يُخبِر = نضرة: هو المنذر بن مالك بن قطعة، وأبو إسحاق الفزاري: هو إبراهيم بن محمَّد بن الحارث، وأبو صالح: هو محبوب بن موسى.
وأخرجه الطيالسي (54)، ومسدد في "مسنده" كما في "إتحاف الخيرة" (5808)، وابن أبي شيبة 12/ 327 - 328، وأحمد (286)، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" ص 167، وأبو يعلى (196)، وابن الجارود (844)، والحاكم 4/ 439، والبيهقي 8/ 48 و 9/ 29 و 42، والمزي في "تهذيب الكمال" في ترجمة أبي فراس 34/ 184 من طرق عن سعيد الجُريري، بهذا الإسناد.
وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي.
وأخرجه إسحاق بن راهويه كما في إتحاف الخيرة (5809) عن جرير، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن عمر بن الخطاب ورجاله ثقات إلا أن عطاء لم يدرك عمر.
وانظر الحديث السالف قبله.
قوله: أبشاركم: جمع بَشَرة، وهو ظاهر الجلد.
قال ابن القيم في "تهذيب السنن".
وقد اختلف الناس في هذه المسألة -وهي القصاص في اللطمة والضربة ونحوها- مما لا يمكن المقتص أن يفعل بخصمه مثل ما فعله به من كل وجه: هل يسوغ القصاص في ذلك أو يعدل إلى عقوبته بجنس آخر وهو التعزير؟ على قولين: أصحهما أنه شرع فيه القصاص، وهو مذهب الخلفاء الراشدين ثبت ذلك عنهم، حكاه عنهم أحمد وأبو إسحاق الجوزجاني، ونص عليه أحمد في رواية الشالنجي وغيره، قال شيخنا رحمه الله: وهو قول جمهور السلف.
والقول الثاني: أنه لا يشرع فيه القصاص، وهو المنقول عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وقول المتأخرين من أصحاب أحمد ...

عن عائشة، عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "على المُقْتتلينَ أن ينحَجزوا الأوَّل فالأول، لإن كانتِ امرأةً" (1). قال أبو داود: يعني أن عفوَ النساءِ في القتلِ جائِزٌ إذا كانت إحدى الأولياءِ وبلغني عن أبي عُبيدٍ في قوله: "ينحجِزُوا": يكفُّوا عن القَوَدِ (2).

17 -

باب من قُتِلَ في عِمِّيَّا بين قَومٍ

3 4539 - حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيد، حدَّثنا حماد.
وحدَّثنا ابنُ السَّرْح، حدَّثنا سفيانُ -وهذا حديثُه- عن عمرو12

عن طاووس، قال: مَنْ قُتِل، وقال ابنُ عُبيدٍ: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "من قُتِلَ في عِمِّيَّا، في رِمِّيَّا 1 يكون بينهم بحجارَةٍ أو بالسِّياط أو ضربٍ بعصاً فهو خطأ، وعقلُه عقلُ الخطأ، ومن قَتَلَ عمداً فهو قَوَد -قال ابنُ عُبيد: قودُ يَدٍ، ثم اتفقا- ومن حال دُونَه، فعليه لعنَةُ اللهِ وغضبُه، لا يقبَلُ منه صرْفٌ ولا عدْلٌ" 2. وحديث سفيانَ أتمُّ.

4540 - حدَّثنا محمدُ بنُ أبي غالبٍ، حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمان، عن سليمان ابنِ كثير، حدَّثنا عَمرو بنُ دينارٍ، عن طاووس عن ابنِ عباس، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ِ، فذكر معنى حديثِ سفيانَ 1. = قال الخطابي: قوله: "عميّا" وزنه فِعِّيلا، من العمى، كما يقال: بينهم رِمِّيَّا، أي: رمي ومعناه: أن يترامى القومُ، فيوجد بينهم قتيل لا يُدرى مَن قاتله، ويُعمَّى أمرُه فلا يتبين، ففيه الدية.
واختلف العلماء فيمن تلزمه دية هذا القتيل: فقال مالك بن أنس: ديته على الذين نازعوهم.
وقال أحمد بن حنبل: ديته على عواقل الآخرين، إلا أن يدعوا على رجل بعينه، فيكون قسامة وكذلك قال إسحاق.
وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: ديته على عاقلة الفريقين اللذين اقتتلوا معاً.
وقال الأوزاعي: عقله على الفريقين جميعاً، إلا أن تقوم بينة من غير الفريقين أن فلاناً قتله، فعليه القود والقصاص.
وقال الشافعي: هو قسامة إن ادّعوه على رجل بعينه، أو طائفة بعينها، وإلا فلا عقل ولا قود.
وقال أبو حنيفة: هو على عاقلة القبيلة التي وجد فيهم إذا لم يدّع أولياء القتيل على غيرهم.
وقوله: "لا يُقبل منه صرف ولا عدل" فسَّروا العدل: الفريضة، والصرف: التطوُّع.
وقوله: ومن قتل عمداً، قال القاري: بصيغة الفاعل، وعمداً مفعول مطلق أو حال، أي: قتل عمداً، أو متعمداً.

جارٍ التحميل