سنن أبي داود ت الأرنؤوطصفحات 255-294

كتاب الفرائض

صفحات 255-294
عن هذه الطبعة
عَلَم
السجستاني، أبو داود
الكتاب
سنن أبي داود
المؤلف
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
المحقق
شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
الناشر
دار الرسالة العالمية
الطبعة
الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

3372 - حدَّثنا أحمدُ بن صالح، حدَّثنا عنبسةُ بن خالدٍ، حدَّثني يونسُ، قال: سألتُ أبا الزنادِ عن بيعِ الثمر قبل أَن يَبْدُوَ صلاحُه وما ذُكر في ذلك، فقال: كان عروةُ بن الزبير يُحدِّث عن سهْل بن أبي حَثْمَةَ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: كان الناسُ يتبايعون الثمارَ قبل أن يبدُوَ صلاحُها، فإذا جَدَّ الناسُ وحضَر تقاضيهم، قال المُبتاعُ: قد أصاب الثمرَ الدُّمَانُ، وأصابَه قُشام، وأصابَه مُرَاض، عاهات يحتجُّون بها، فلما كثُرت خصومتُهم عند النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - كالمَشورة يُشير بها: "فإمَّا لا، فلا تَتبايَعوا الثمَرةَ حتى يَبدُوَ صلاحُها" لكثرةِ خُصومتِهم واختلافِهم 1.

3373 - حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ الطالْقانيُّ، حدَّثنا سفيانُ، عن ابن جُرَيجِ، عن عطاءٍ عن جابر: أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - نهى عن بيعِ الثمرِ حتى يبدوَ صلاحُه، ولا يباعُ إلا بالدينارِ أو الدرهمِ، إلا العَرايا 1. = قوله: الدَّمان: قال في "النهاية": هو بالفتح وتخفيف الميم: فساد الثمر وعفنُه قبل إدراكه، حتى يسودَّ، من الدِّمْن وهو السِّرْقين -وهو ما تُدمَلُ به الأرض- ... قال: ويقال: الدِّمال باللام أيضاً بمعناه، هكذا قيدهُ الجوهري وغيره بالفتح، والذي جاء في "غريب الخطابي" بالضم، وكأنه أشبه، لأن ما كان من الأدواء والعاهات فهو بالضم كالسُّعال والنُّحاز والزُّكام، وقد جاء في الحديث: القُشام والمُراض، وهما من آفات الثمرة، ولا خلاف في ضمهما، وقيل: هما لغتان.
والقشام: شيء يصيبه حتى لا يرطب، وقال الأصمعي: هو أن ينتقص ثمر النخل قبل أن تصير بلحاً.
وقوله: جدَّ الناسُ، أي: قطعوا الثمار.

24 -

باب في بيع السِّنين

3374 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبل ويحيى بنُ معَينٍ، قالا: حدَّثنا سفيانُ، عن حميدٍ الأعرج، عن سليمانَ بن عتيقٍ عن جابر بن عبد الله: أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- نهى عن بيع السِّنين، ووَضَعَ الجوائح 1.

قال أبو داود: لم يصحَّ، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - في الثلث شيء، وهو رأي أهل المدينة 1. 3375 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حماد، عن أيوبَ، عن أبي الزبير وسعيدِ بن مِيناء عن جابر بن عبد الله: أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - نَهى عن المُعاومة، وقال أحدُهُما: بيعِ السنين 2. = قال الشيخ [هو الخطابي]: وأمره بوضع الجوائح عند أكثر الفقهاء أمر ندب واستحباب من طريق المعروف والإحسان، لا على سبيل الوجوب والإلزام.
وقال أحمد بن حنبل وأبو عبيد في جماعة من أهل الحديث: وضع الجائحة لازم للبيع إذا باع الثمرة فأصابته الآفة فهلكت.
وقال مالك: يوضع في الثلث فصاعداً، ولا يوضع فيما هو أقل من الثلث.
قال أصحابه: ومعنى هذا الكلام أن الجائحة إذا كانت دون الثلث كان من مال المشتري، وما كان أكثر من الثلث فهو من مال البائع.
واستدل من تأول الحديث على معنى الندب والاستحباب دون الإيجاب بأنه أمر حدث بعد استقرار ملك المشتري عليها، فلو أراد أن يبيعها أو يهبها لصح ذلك منه فيها، وقد نهى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- عن ربح ما لم يُضمن، فإذا صح بيعها ثبت أنها من ضمانه، وقد نهى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- عن بيع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها، فلو كانت الجائحة بعد بدوِّ لصلاح من مال البائع لم يكن لهذا النهي فائدة.

25 -

باب في بيع الغَرر

3376 - حدَّثنا أبو بكر وعثمانُ ابنا أبي شيبةَ، قالا: حدَّثنا ابنُ إدريس، عن عُبيد الله، عن أبي الزناد، عن الأعرجِ عن أبي هريرة: أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- نَهى عن بيعِ الغَرر، زادَ عثمانُ: والحصَاةِ 1. = وأخرجه الترمذي (1360) من طريق عبد الوهاب الثففي، والنسائي (4634) من طريق إسماعيل ابن علية، كلاهما عن أيوب، عن أبي الزبير وحده، به.
وزادا البيوع الآنفة الذكر.
وأخرجه النسائي (4626) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير وحده كذلك، به بلفظ: نهى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- عن بيع السنين.
وهو في "مسند أحمد" (14358) و (14921)، و"صحيح ابن حبان" (5000). وانظر ما قبله.
وسيتكرر ضمن البيوع المذكورة آنفاً برقم (3404). بيع السنين: جمع سنة، وهو أن يبيع الإنسان ما تحمله هذه الشجرة سنة أو أكثر، وهو بيع المعاومة أيضاً، والمعاومة مأخوذة من العام الذي هو السنة.

3377 - حدَّثنا قتيبةُ بن سَعيدٍ وأحمدُ بن عَمرو بن السَّرْحِ، -وهذا لفظُه- قالا: حدَّثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن عطاص بن يزيدَ اللَّيثيِّ عن أبي سعيد الخدري: أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - نهى عن بَيعتَين وعن لبستَين: أما البَيعتان فالمُلامسةُ والمُنابذةُ، وأمَّا اللِّبستان فاشتمال الصَّمَّاء، وأن يَحْتبي الرجلُ في ثوبٍ واحدٍ كاشفاً عن فَرجِه، أو ليس على فرجِه منه شيءٌ 1. = لم يُولد، أو ثمر شجر لم تثمر في نحوها من الأمور التي لا تُعلَم، ولا يُدرَى هل تكون أم لا؟ فإن اليع فيها مفسوخ.
وإنما نهى -صلَّى الله عليه وسلم- عن هذه البيوع تحصيناً للأموال أن تضيع وقطعاً للخصومة والنزاع أن يقعا بين الناس فيها.
وأبواب الغرر كثيرة، وجماعها ما دخل في المقصود منه بالجهل.
وأما بيع الحصاة فإنه يفسر على وجهين: أحدهما: أن يرمي بحصاة ويجعل رميها إفادة للعقد فإذا سقطت وجب البيع، ثم لا يكون للمشتري فيه الخيار.
والوجه الآخر: أن يعترض الرجل القطيع من الغنم فيرمي فيها بحصاة، فأية شاة منها أصابتها الحصاة فقد استحقها بالبيع، وهذا من جملة الغرر المنهي عنه.

3378 - حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، حدَّثنا عبدُ الرزَّاق، أخبرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عطاءِ بن يزيدَ الليثيٌ عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، بهذا الحديث، زاد: واشتمالُ الصَّمَّاء: أن يشتملَ في ثوبٍ واحدٍ يضعُ طرفَي الثوبِ على عاتقِه الأيسرِ ويُبرِزُ شقَّه الأيمنَ، والمنابذةُ: أن يقولَ: إذا نَبذْتُ إليك هذا الثوبَ فقد وَجَبَ البيعُ، والمُلامسةُ: أن يَمسَّه بيدِه ولا ينشرَه ولا يُقلِّبه، وإذا مسَّه وجبَ البيعُ 1. = قال الخطابي: الملامسة: أن تلمس الثوب الذي تريد شراءه، أي: يمسه بيده ولا ينشره ولا يتأمله، ويقول: إذا لمسته بيدي فقد وجب البيع، ثم لا يكون له فيه خيار إن وجد فيه عيباً، وفي نهيه عن بيع الملامسة مستدل لمن أبطل بيع الأعمى وشراءه، لأنه إنما يَستدِلُّ ويتأملُ باللمس فيما سبيلة أن يستدرك بالعيان وحسن البصيرة.
والمنابذة: أن يقول: إذا نبذت إليك الثوب فقد وجب البيع، وقد جاء بهذا التفسير في الحديث.
وقال أبو عبد الله: المنابَذة أن ينبذ الحجر، ويقول: إذا وقع الحجر فهو لك وهذا نظير بيع الحصاة.
وأما اشتمال الصماء: فهو أن يشتمل في ثوب واحد يضع طرفي الثوب على عاتقه الأيسر ويسدل شقه الأيمن، هكذا جاء تفسيره في الحديث.
وأما الاحتباء في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء، فهو أن يقعد على أليتيه، وقد نصب ساقيه وهو غير متزر، ثم يحتبي بثوب بجمع بين طرفيه ويشدهما على ركبتيه، وإذا فعل ذلك بقيت فرجة بينه وبين الهواء تنكثف منها عورته.

3379 - حدَّثنا أحمدُ بن صالحِ، حدَّثنا عنبسةُ، حدَّثنا يونسُ، عن ابنِ شهابِ، قال: أخبرني عامرُ بن سعْدِ بن أبي وقاصِ أن أبا سعيد الخدري قال: نَهى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، بمعنى حديث سفيانُ وعبدِ الرزاق جميعاً 1. 3380 - حدَّثنا عبدُ الله بن مَسلمةَ، عن مالكِ، عن نافع عن عبد الله بن عمر: أنْ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- نهى عن بيع جَبَلِ الحَبَلةِ 2.

3381 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ اللهِ، عن نافع عن ابن عمر، عن النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم-، نحوه، قال: وحَبَلُ الحبَلةِ: أن تُنتَجِ الناقةُ بطنَها ثم تحملَ التي نُتِجَت 1.

26 - باب في بيع المضطر

3382 - حدَّثنا محمدُ بن عيسى، حدَّثنا هُشَيمٌ، أخبرنا صالحُ بن عامر -كذا قال محمد- حدَّثنا شيخٌ من بني تَميمٍ، قال: خطبنا علي بن أبي طالب -أو قال: قال عليٌّ، قال ابنُ عيسى: هكذا حدَّثنا هشيمٌ- قال: سيأتي على الناس زمانٌ عَضُوضٌ، يَعَض = وأخرجه النسائي (4622) من طريق شعبة، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
فجعله من مسند ابن عباس.
وهذا لا يضر، لأن الاختلاف في ذكر الصحابي لا يؤثِّر، إذ كلهم عُدُولٌ.
وهو في "مسند أحمد" (394) و (4491). وانظر ما بعده.
قال ابن الأثير في "النهاية": الحَبَل الأول يُراد به ما في بطون النوق من الحمل، والثاني حَبَل الذي في بطون النوق، وإنما نُهي عنه لمعنيين: أحدهما: أنه غرر وبيع شيء لم يُخلَق بعد، وهو أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة، على تقدير أن تكون أنثى، فهو بيع نِتاج النِّتاج، وقيل: أراد بحبل الحبلة أن يبيعه إلى أجل يُنتَج فيه الحمل الذي في بطن الناقة، فهو أجل مجهول ولا يصح.
وأخرجه البخاري (3843)، ومسلم (1514) من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن عُبيد الله بن عمر، به.
وهو في "مسند أحمد" (5510) (4640) عن يحيى بن سعيد القطان، و (5510) عن يحيى بن سعيد الأموي مختصراً، كلاهما عن عُبيد الله.
وانظر ما قبله.

المُوسر على ما في يدَيه، ولم يُؤمَر بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 238]، ويُبايَع المُضطرون، وقد نهى النبي - صلَّى الله عليه وسلم - عن بيع المُضطر، وبيع الغَررِ، وبيع الثمرة قبل أن تُدرِكَ (1).

27 -

باب في الشركة

3383 - حدَّثنا محمد بن سليمان المِصِّيصيُّ لُوَين، حدَّثنا محمد بن الزِّبرِقانِ، عن أبي حيَّانَ التَّيْميِّ، عن أبيه1

عن أبي هريرة، رفعه، قال: "إن الله يقول: أنا ثالثُ الشريكَين، ما لم يَخُنْ أحدُهما صاحبَه، فإذا خانَه خرجْتُ من بينهما" (1).

28 -

باب في المُضارِب يخالِفُ

3384 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن شَبيبِ بن غَرْقَدةَ، حدَّثني الحيُّ1

عن عُروةَ -يعني البارقيَّ- قال: أعطاه النبي - صلَّى الله عليه وسلم - ديناراً يشتري به أُضحيةً أو شاةً، فاشترى شاتَين، فباع إحداهما بدينار، فأتاه بشاةٍ ودينارٍ، فدعا له بالبركةِ في بيعِه، فكان لو اشترى تُرَابا لربح فيه 1.

3385 - حدَّثنا الحسنُ بن الصبَّاح، حدَّثنا أبو المُنذرِ، حدَّثنا سعيدٌ أخو حماد بن زَيد، حدَّثنا الزبير بن الخِرِّيت، عن أبي لَبيد، حدَّثني عروة البارقي، بهذا الخبر، ولفظُه مختلف 1. 3386 - حدَّثنا محمدُ بن كثير العبْديُّ، أخبرنا سفيانُ، حدَّثني أبو حُصَينٍ، عن شيخٍ من أهل المدينة عن حكيم بن حِزَام: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- بعث معه بدينار يشتري له أُضحيةً، فأشتراها بدينارٍ، وباعها بدينارَين، فرجع فاشترى له أُضحيةً بدينار، وجاء بدينار إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، فتصدق به النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، ودعا له أن يبارَك له في تجارته 2. = وقوله: باب في المضارب يخالف.
قال صاحب "عون المعبود" 9/ 172: والحديث لا يدل صريحا على ما ترجم به المؤلف رحمه الله، لأن القصة المذكورة فيه ليست من باب المضاربة كلما لا يخفى، وأدرجه صاحب "المنتقى" تحت باب: من وكل في شراء شيءٍ فاشترى بالثمن أكثر منه، وتصرف في الزيادة.

29 -

باب في الرجل يَتّجرُ في مال الرجل بغير إذنه

3387 - حدَّثنا محمدُ بن العَلاء، حدَّثنا أبو أُسامةَ، حدَّثنا عُمر بن حمزةَ، أخبرنا سالمُ بن عبد الله عن أبيه، قال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "من استطاع منكم أن يكون مثل صاحب فَرَقِ الأرزِّ فليكن مثلَه" قالوا: ومن صاحب فَرَقِ الأرزِّ يا رسول الله؟ فذكر حديث الغار حين سَقَط عليهم الجبلُ، فقال كلُّ واحد منهم: اذكروا أحسنَ عملِكم، قال: وقال الثالث: اللهم إنك تعلم أني استاجرت أجيراً بفَرَقِ أرز، فلما أمسيتُ عرضتُ عليه حقَّه فأبى أن يأخُذَه، وذهبَ، فثمَّرتُه له حتى جمعتُ له بقراً ورِعاءها، فلقيني، فقال: أعْطِني حقي، فقلت: اذهب إلى تلك البقر ورِعائها فخُذها، فذهب فأستَاقَها 1. = وأخرجه الترمذي (1302) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي حَصِين، عن حبيب بن أبي ثابت، عن حكيم بن حزام.
وقال الترمذي: حديث حكيم بن حزام لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم بن حزام.
وقد صحت هذه القصة عن عروة بن أبي الجعد البارقي كما في الحديث السالف.

30 -

باب في الشركة على غير رأس مال

3388 - حدَّثنا عُبيد الله بن معاذ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدَة عن عبد الله قال: اشتركتُ أنا وعمارٌ وسعْدٌ فيما نُصيبُ يوم بدرِ، قال فجاء سعدٌ بأسيرَين ولم أَجِىء أنا وعمار بشيءٍ 1. = قال في "النهاية": الفَرَق، بالتحريك (قلنا: وبالتسكين، والفتح أفصح): مكيال يسع سة عشر رِطْلاً، وهي اثنا عشر مُدّاً، أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز.
وقيل: الفَرَق خمسة أقساط، والقِسط، نصف صاع.
قلنا: الرِّطْل يساوي بالموازين المعاصرة (408) غم تقريباً، وعليه يكون الفرق -على مقتضى كلام ابن الأثير في "النهاية"- يساوي (6528) غم تقريباً، أي: (6.528) كيلو غرام، والله أعلم.

31 -

باب في المزارعة

3389 - حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن عَمرو بن دينارٍ، قال: سمعتُ ابن عُمر يقول: ما كنَّا نرى بالمُزَارعة بأساً، حتى سمعتُ رافعَ بن خَديج يقول: إن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- نهى عنها، فذكرتُه لطاووسِ فقال: قال ابنُ عباسِ: إن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- لم يَنْهَ عنها، ولكن قال: "لأن يمنحَ أحدُكم أرضَه خيرٌ من أن يأخذ خَراجاً مَعلوماً" 1. = فأما شركة المفاوضة، فهي عند الشافعي رضي الله عنه فاسدة، ووافقه في ذلك أحمد وإسحاق وأبو ثور وجوزها الثوري وأصحاب الرأي، وهو قول الأوزاعي وابن أبي ليلى، وقال أبو حنيفة وسفيان وأبو يوسف: لا يكون شركة مفاوضة حتى يكون رأس أموالهما سواء.
قلنا: عمار: هو ابن ياسر، وسعد: هو ابن أبي وقاص.

3390 - حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، حدَّثنا ابن عُلَيةَ.
وحدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا بِشرٌ -المعنى- عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبو عُبيدة بن محمد بن عمار، عن الوليد بن أبي الوليد، عن عُروة بن الزبير، قال: قال زيدُ بن ثابتِ: يغفرُ الله لرافعِ بن خَديجِ، أنا والله أعلمُ بالحديث منه، إنما أتاهُ رجلان -قال مسدَّدٌ: من الأنصار، ثم اتَّفقا- قد اقتتلا، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "إنْ كان هذا شأنكم فلا تُكرُوا المزارعَ " زاد مُسددٌ: فسمع قولَه: "لا تُكروا المَزارعَ" 1. = قال الخطابي: خبر رافع بن خديج من هذا الطريق خبر مجمل يفسّره الأخبار التي رويت عن رافع بن خديج وعن غيره من طرق أُخَر، وقد عقل ابن عباس معنى الخبر، وأن ليس المراد به تحريم المزارعة بشطر ما تخرجه الأرض، وإنما أريد بذلك أن يتمانحوا أرضهم، وأن يرفق بعضهم بعضاً، وقد ذكر رافع بن خديج -في رواية أخرى عنه- النوع الذي حرم منها، والعلة التي من أجلها نهى عنها، وذكره أبو داود في هذا الباب.
وانظر فقه الحديث فيما يليه.

3391 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا يزيدُ بن هارونَ، أخبرنا إبراهيمُ ابن سعْدٍ، عن محمدِ بن عكرمةَ بن عبدِ الرحمن بن الحارث بن هشام، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لَبيبةَ، عن سعيد بن المسيب عن سعْدٍ، قال: كنا نُكري الأرضَ بما على السَّوَاقي من الزرع، وما سَعِدَ بالماء منها، فنهانا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - عن ذلك، وأمرنا أَن نُكريها بذهبٍ أو فضةٍ 1. = عبد الله سأله عن أحاديث رافع بن خديج، مرة يقول: نهانا النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، ومرة يقول: عن عميه، فقال: كلها صحاح، وأحبها إليّ حديث أيوب.
قال الخطابي: وجوز أحمد بن حنبل المزارعة، واحتج بأن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - أعطى اليهود أرض خيبر مزارعة، ونخلها مساقاة، وأجازها ابن أبي ليلى ويعقوب ومحمد، وهو قول ابن المسيب وابن سيرين والزهري وعمر بن عبد العزيز.
وأبطلها أبو حنيفة ومالك والشافعي.
قال الشيخ [يعني الخطابي]: إنما صار هؤلاء إلى ظاهر الحديث من رواية رافع ابن خديج، ولم يقفوا على علته كما وقف عليه أحمد.
وقد أنعم بيان هذا الباب محمد ابن إسحاق بن خزيمة وجوزه وصنف في المزارعة مسألة ذكر فيها علل الأحاديث التي وردت فيها، فالمزارعة على النصف والثلث والربع، وعلى ما تراضيا به الشريكان جائزة إذا كانت الحصصُ معلومة والشروطُ الفاسدة معدومةً، وهي عمل المسلمين من بلدان الإسلام وأقطار الأرض شرقها وغربها، أعلم أني رأيت أو سمعت أهل بلد أو صقع من نواحي الأرض التي يسكنها المسلمون يبطلون العمل بها.
ثم ذكر أبو داود على إثر هذه الأحاديث باباً في تشديد النهي عن المزارعة، وذكر فيه طرقاً لحديث رافع بن خديج بألفاظ مختلفة كرهنا ذكرها لئلا يطول الكتاب، وسبيلها كلها أن يردَّ المُجمَل فيها إلى المفسَّر من الأحاديث التي مر ذكرها، وقد بينا عللها.

3392 - حدَّثنا إبراهيمُ بن موسى الرازيُّ، أخبرنا عيسى، حدَّثنا الأوزاعيُّ.
وحدَّثنا قتيبةُ بن سعيدٍ، حدَّثنا ليثٌ، كلاهما عن ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن -واللفظ للأوزاعي-، حدَّثني حنظلةُ بن قَيسٍ الأنصاري، قال: = وانظر ما بعده، وما سيأتي برقم (3393) و (3400). قال الخطابي: فقد أعلمك رافع في هذا الحديث أن المنهي عنه هو المجهول منه دون المعلوم، وأنه كان من عاداتهم أن يشترطوا فيها شروطاً فاسدة وأن يستثنوا من الزرع ما على السواقي والجداول فيكون خاصاً لرب المال.
والمزارعة شركة، وحصة الشريك لا تجوز أن تكون مجهولة، وقد يسلم ما على السواقي ويهلك سائر الزرع فيبقى المزارع لا شيء له، وهذا غرر وخطر.
وإذا اشترط رب المال على المضارب دراهم لنفسه زيادة على حصة الربح المعلومة فسدت المضاربة، وهذا وذاك سواء، وأصل المضاربة في السنة والمزارعة والمساقاة، فكيف يجوز أن يصح الفرع ويبطل الأصل.
والماذيانات: الأنهار، وهي من كلام العجم صارت دخيلاً في كلامهم.
قال الشيخ: وقد ذكر زيد بن ثابت العلة والسبب الذي خرج عليه الكلام في ذلك وبين الصفة التي وقع عليها النهي، ورواه أبو داود في هذا الباب.
قلنا: حديث زيد بن ثابت هو الحديث السالف برقم (3390). وقال ابن القيم في "تهذيب السنن" من تأمل حديث رافع وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمل مجملها على مفسرها ومطلقها على مقيدها، علم أن الذي نهى عنه النبي - صلَّى الله عليه وسلم - من ذلك أمر بين الفساد، وهو المزارعة الظالمة الجائرة، فإنه قال: كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، وفي لفظ له: كان الناس يؤجرون على عهد رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- على الماذيانات، وأقبال الجداول وأشياء من الزرع، وقوله: ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، وأما بشيءٍ معلوم مضمون فلا بأس، وهذا من أبين ما في حديث رافع وأصحه، وما فيها من مجمل أو مطلق أو مختصر، فيحمل على هذا المفسر المبين المتفق عليه لفظا وحكماً.
قال الليثُ بن سعد: الذي نهى عنه رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز.
وقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لتلك "العلل".

سالت رافعَ بن خَديجِ عن كِراء الأرض بالذهبِ والوَرِق، فقال: لا بأس بها، إنما كان الناس يُؤاجِرون على عهد رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- بما على الماذِيَانَاتِ وأَقبالِ الجَداول وأَشياءَ من الزرع، فيهلِك هذا ويَسلَم هذا، ويَسلَم هذا ويهلِك هذا، ولم يكن للناس كِرَاء إلا هذا، فلذلك زَجَرَ عنه، فأما شيء مضمون معلوم فلا بأس به 1. وحديث إبراهيمَ أتمُّ، وقال قتيبةُ: عن حنظلة، عن رافع.
قال أبو داود: رواية يحيى بن سعيد، عن حنظلة نحوه.
3393 - حدَّثنا قتيبةُ بن سعيدٍ، عن مالكٍ، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلةَ بن قيس

أنه سال رافعَ بن خَديجِ عن كراء الأرض، فقال: نَهَى رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- عن كراء الأرض، فقلتُ: أبالذهب والوَرِقِ؟ فقال: أما بالذهب والوَرِقِ فلا بأس به (1).

32 -

باب التشديد في ذلك

3394 - حدَّثنا عبدُ الملك بن شُعيبِ بن الليثِ، حدَّثني أبي، عن جدي الليث، حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شهاب، أخبرني سالم بن عبد الله أن ابن عمر كان يُكري أبى أرضَه حتى بلغه أن رافعَ بن خَديجٍ الأنصاريَّ كان ينهى عن كراء الأرض، فلقيه عبد الله، فقال: يا ابن خَديج، ماذا تُحدِّث عن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- في كراء الأرض؟ قال رافع لعبد الله بن عمر: سمعتُ عمَّيَّ -وكلانا قد شهدا بدراً- يُحدِّثانِ أهلَ الدارِ أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- نهى عن كراء الأرض.
قال عبدُ الله: والله لقد كنت أعلمُ في عهدِ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- أن الأرضَ تُكرى، ثم خشيَ عبدُ الله أن يكون رسولُ الله أحدث في ذلك شيئاً لم يكن علِمَه، فترك كراء الأرض 2.1

قال أبو داود: رواه أيوب وعُبيد الله وكثيرُ بن فَرْقَدِ ومالكٌ، عن نافع، عن رافع، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -. ورواه الأوزاعيُّ، عن حفص بن عِنانٍ الحنفي، عن نافع، عن رافع، قال: سمعت رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم-.
وكذلك رواه زيدُ بن أبي أُنيسةَ عن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر أنه أتى رافعاً، فقال: سمعتَ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-؟ فقال: نعم.
وكذلك رواه عكرمةُ بن عمار، عن أبي النجاشىّ، عن رافع بن خَديج قال: سمعتُ النبي - صلَّى الله عليه وسلم -. ورواه الأوزاعيُّ، عن أبي النجاشي، عن رافع بن خديج، عن عمه ظُهَير بن رافعِ، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -. قال أبو داود: أبو النجاشي: عطاء بن صهيب.
3395 - حدَّثنا عُبيد الله بن عُمر بن مَيسرةَ، حدَّثنا خالدُ بن الحارثِ، حدَّثنا سعيدٌ، عن يَعْلَى بن حكيم، عن سليمانَ بن يسارٍ أن رافع بن خديج قال: كنا نُخَابر على عهدِ رسولِ الله -، فذكر أن بعضَ عمومتِه أتاه فقال: نهى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - عن أمرِ كان لنا نافعاً، وطَوَاعِيَةُ اللهِ ورسوله أنفعُ لنا وأنفعُ، قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "مَن كانت له أرضٌ فليَزرَعْها، أو فليُزْرِعْها أخاه، ولا يُكارِها بثلثِ ولا بربعٍ، ولا بطعامِ مُسَمًّى" 1.

3396 - حدَّثنا محمدُ بن عُبيدٍ، حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، عن أيوبَ، قال: كتب إليَّ يعلى بن حكيمٍ: أني سمعتُ سليمان بن يسار، بمعنى إسناد عُبيد الله، وحديثِه 1. 3397 - حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثنا عُمر بن ذَرٍّ، عن مُجاهِدٍ، عن ابن رافع بن خديج عن أبيه، قال: جاءنا أبو رافعِ من عند رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فقال: نهانا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - عن أمر كان يَرْفُقُ بنا، وطاعةُ الله وطاعةُ رسوله أرفقُ بنا، نهانا أن يزرع أحدُنا إلا أرضاً يملِك رَقَبَتَها، أو منيحةً يُمْنَحُها رَجُلٌ 2.

3398 - حدَّثنا محمدُ بن كثيرِ، أخبرنا سفيانُ، عن منصور، عن مُجاهد، أن أُسَيد بن ظُهَير قال: جاءنا رافعُ بن خَديجِ، فقال: إن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- ينهاكم عن أمر كان لكم نافعاً، وطاعةُ اللهِ وطاعةُ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - أنفعُ لكم، إن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ينهاكُم عن الحَقْلِ، وقال: "مَنِ اسْتَغنى عن أرضه فليَمنحْها أخاه أو لِيَدَعْ" 1. = مجاهد: هو ابن جبْر المكي.
والمقصود بأبي رافع هنا عم رافع كما بيناه في تعليقنا على "المسند" (15822). وأخرجه ابن أبي شيبة 6/ 347، وأحمد (15822) عن وكيع بن الجراح، بهذا الإسناد.
لكن جاء في "مسند أحمد": عن ابن رافع بن خديج، عن أبيه، قال: جاءنا من عند رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - .. فلم يذكر في إسناده أبا رافع.
وأخرجه النسائي (3867)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 4/ 106، والطبراني في "الكبير" (4358) من طريق عبد الكريم الجزري، والطبراني (4357) من طريق خصيف، كلاهما عن مجاهد قال: أخذت بيد طاووس حتى أدخلته على ابن رافع بن خديج، فحدثه عن أبيه، عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - أنه نهى عن كراء الأرض، فأبى طاووس، فقال: سمعت ابن عباس لا يرى بذلك باساً.
وأخرجه مسلم (1550)، والنسائي (3873) من طريق عمرو بن دينار، أن مجاهداً قال لطاووس: انطلق بنا إلى ابن رافع بن خديج ... سلف ذكره قريباً.
وأخرجه بمعناه الترمذي (1440)، والنسائي (3868) من طريق أبي حصين، والنسائي (3869) من طريق إبراهيم بن مهاجر، و (3870) من طريق الحكم، و (3871) و (3872) من طريق عبد الملك بن ميسرة الزّرّاد، أربعتهم عن مجاهد -وقرن به عبد الملك في الموضع الثاني عطاةً وطاووساً- عن رافع بن خديج.
وهذا منقطع كما قال النسائي بإثر (3867) لأن مجاهداً لم يسمع من رافع.
وانظر ما بعده، وما سلف برقم (3389) و (3392).

قال أبو داود: وهكذا رواه شعبةُ ومفضَّل بن مُهلهِل، عن منصورٍ.
قال شعبة: أُسيد ابنُ أخي رافع بن خَديج.
3399 - حدَّثنا محمدُ بن بشَّارِ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا أبو جعفرِ الخَطْمِيُّ، قال: بَعَثَنِي عمي أنا وغلاماً له إلى سعيد بن المسيب، قال: فقلنا له: شيء بلغنا عنك في المزارعة، قال: كان ابن عمر لا يَرى بها بأساً، حتى بلغه عن رافعِ بن خَديجٍ حديثٌ، فأتاه فأخبره رافعٌ: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- أتى بني حارثةَ، فرأى زرْعاً في أرض ظُهيرٍ، فقال: "ما أحسنَ زرعَ ظُهَيْرٍ! " قالوا: ليس لظُهير، قال: "أليس أرضَ ظُهير؟ " قالوا: بلى، ولكنه زرْعُ فلان، قال: "فخُذوا زرعَكم، ورُدُّوا عليه النَّفَقَة": قال رافعٌ: فأخذنا زرْعَنا وردَدْنا إليه النفقةَ.
قال سعيدٌ: أفْقِر أخاك، أو أكرِهِ بالدراهم 1. = وأخرجه ابن ماجه (2460)، والنسائي (3864) و (3865) من طريق منصور بن المعتمر، بهذا الإسناد.
وأخرجه النسائي (3866) من طريق سعيد بن عبد الرحمن، عن مجاهد قال: حدثني أُسيد بن رافع بن خديج، قال: قال رافع بن خديج.
فجعل أُسيداً ابناً لرافع وإنما هو ابنٌ لظهر بن رافع.
وهو في "مسند أحمد" (15808) و (15815)، و"صحيح ابن حبان" (5198). وأخرجه النسائي (3862) من طريق جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاري، عن رافع بن أُسيد بن ظهير، عن أبيه أُسيد بن ظهير أنه قال ... نهى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - عن كراء الأرض فجعله من مسند أُسيد بن ظهير! وانظر ما قبله.
وما سلف برقم (3389) و (3392).

3400 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو الأحوصِ، حدَّثنا طارقُ بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المُسيَّب عن رافع بن خَديج، قال: نهى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - عن المُحاقَلَةِ والمُزابَنةِ، وقال: "إنما يزرعُ ثلاثة: رجل له أرضٌ فهو يزرعُها، ورجل مُنِحَ أرضاً فهو يزرعُ ما مُنح، ورجل استكرى أرضاً بذهبِ أو فضةٍ" 1. = وانظر ما سلف برقم (3389) و (3394). وانظر ما بعده، وما سيأتي برقم (3403). قوله: أفقر أخاك: أي: أعطه أرضك عارية ليزرعها، وأصل الإفقار: إعارة البعير ونحوه للركوب.

3401 - قرأتُ على سعيدِ بن يعقوبَ الطالْقاني: حدَّثكم ابنُ المُبارَك، عن سعيدِ أبي شُجاعٍ، حدَّثني عثمانُ بن سَهْل بن رافع بن خَديجِ، قال: إني ليتيم في حِجر رافع بنْ خَديج وحججتُ معه، فجاءه أخي عمران بن سَهْل، فقال: أكرينا أرضنَا فلانةً بمئتي درهمٍ، فقال: دَعْهُ، فإن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- نَهى عن كِراء الأرض 1. 3402 - حدَّثنا هارونُ بن عَبد الله، حدَّثنا الفَضْل بن دُكَينِ، حدَّثنا بُكيرٌ -يعني ابنَ عامرِ- عن ابن أبي نُعْمٍ حدَّثني رافعُ بن خَديج: أنه زرع أرضاً فمر به النبي - صلَّى الله عليه وسلم - وهو يسقيها، فسأله: لمن الزرعُ؟ ولمن الأرض؟ " فقال: زرعي ببَذْرِي وعملي، ليَ الشَّطْرُ ولبني فلانٍ الشَّطرُ، فقال: "أربَيتُما، فرُدَّ الأرضَ على أهلِها وخُذ نفقتَك" 2.

33 -

باب إذا زرع الرجلُ في الأرض بغير إذن صاحبها

3403 - حدَّثنا قتيبةُ بن سعيدٍ، حدَّثنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عطاءٍ عن رافع بن خديج قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "مَن زَرَعَ في أرضِ قومٍ بغيرِ إذنِهم، فليس لهُ مِن الزَّرعِ شي، ولهُ نفقتُه" 1.

34 -

باب في المُخابَرة

3404 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا إسماعيلُ.
وحدَّثنا مُسدَّدٌ، أن حماداً وعبدَ الوارث حدثاهم، كلُّهم عن أيوبَ، عن أبي الزبير -قال عن حمادٍ: وسعيدِ ابن ميناء، ثم اتَّفقوا- عن جابر بن عبد الله، قال: نهى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يكوَنِ عن المحاقَلةِ، والمُزابَنةِ، والمُخابرةِ، والمُعاومَةِ -قال عن حماد: وقال أحدُهما: والمُعاومةِ، وقال الآخر: بيعِ اْلسنين، ثم اتفقوا- وعن الثُّنْيَا، ورخَّص في العَرايا 1.

3405 - حدَّثنا أبو حفصٍ عُمر بن يزيدَ السَّيَّاري، حدَّثنا عبَّاد بن العَوَّامِ، عن سفيانَ بن حُسينٍ، عن يونَس بن عُبيدِ، عن عطاءٍ عن جابر بن عبد الله، قال: نهى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - عن المُزَابنةِ، والمُحاقلَة، وعن الثُّنْيَا إلا أن تُعلَم 1. = جابر بن عبد الله.
ولم يذكروا في رواياتهم المعاومة، وبعضهم لا يذكر الثنيا.
وبعضهم لا يذكر العرايا، ولفظ أبي سلمة: نهى عن المخاضرة والمزابنة.
وأخرج النسائي (3882) من طريق يزيد بن نعيم، عن جابر: أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - عن الحقل، وهي المزابنة.
وهو في "مسند أحمد" (14358): و"صحيح ابن حبان" (4992). وقد سلف ذكر النهي عن بيع المعاومة -وهو بيع السنين- بهذا الإسناد برقم (3375). وانظر تالييه.
قال الخطابي: "المحاقلة" بيع الزرع بالحب، و"المخابرة" هي المزارعة، والخبير: الأكّار، و"المزابنة" بيع الرطب بالتمر، وأما "المعاومة" فهي بيع السنين، ومعاه أن يبيعه سنة أو سنتين أو أكثر ثمرة نخلة بعينها أو نخلات، وهو بيع فاسد، لأنه بيع ما لم يوجد ولم يخلق ولا يدري هل يثمر أو لا يثمر؟ وبيع "الثنيا" المنهي عنه أن يبيعه ثمر حائطه ويستثني منه جزءاً غير معلوم، فيبطل، لأن المبيع حينئذٍ يكون مجهولاً، فإذا كان ما يستثنيه شيئاً معلوماً.
كالثلث والربع ونحوه ان جائزاً، وكذلك إذا باعه صُبْرة طعام جزافاً، واستثنى منها قفيزاً أو قفيزين كان جائزاً، لأنه استثنى معلوماً من معلوم.
وقال ابن القيم في "حاشيته على السنن": المخابرة التي نهاهم عنها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - هي التي كانوا يفعلونها من المخابرة الظالمة الجائرة، وهي التي جاءت مفسّرة في أحاديثهم، ومطلق النهي ينصرف إليها دون ما فعله هو وخلفاؤه وأصحابه من بعده، كما بيناه.

3406 - حدَّثنا يحيى بنُ معين، حدَّثنا ابن رجَاءٍ -يعني المَكيَّ- قال: ابنُ خُثَيمٍ حدَّثني، عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، قال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "من لم يَذَرِ المُخابرةَ، فليؤذن بحرب من الله ورسوله" 1. 3407 - حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، حدَّثنا عُمر بن أيوبَ، عن جعفرِ بن بُرْقانَ، عن ثابتِ بن الحجّاج = وأخرجه الترمذي (1336)، والنسائي (3880) و (4633) من طريق عباد بن العوام، بهذا الإسناد.
وزادا ذكر المخابرة.
وأخرجه البخاري (2381)، ومسلم بإثر (1543)، والنسائي (3879) و (4523) و (4524) و (4550) من طريق ابن جريج، ومسلم بإثر (1543) من طريق زيد بن أبي أنيسة، كلاهما عن عطاء بن أبي رباح، به.
وزادا في روايتهما: المخابرة ولم يذكرا الثنيا.
وهو في "مسند أحمد" (14876). وانظر ما قبله.

عن زيد بن ثابت، قال: نهى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - عن المُخابرةِ، قلت: وما المخابرةُ؟ قال: أن تأخذ الأرضَ بنصفٍ أو ثلثٍ أو ربعٍ (1).

35 -

باب في المُسَاقاة

3408 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبلٍ، حدَّثنا يحيى، عن عبيدِ الله، عن نافع عن ابن عمر: أن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- عامَلَ أهلَ خيبرَ بشَطْرِ ما يخرُج من ثَمَرٍ أو زَرْعٍ 2.1

3409 - حدَّثنا قتيبةُ بن سعيدٍ، عن الليثِ، عن محمد بن عبد الرحمن -يعني ابن عَنْج- عن نافع عن ابن عمر: أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- دَفَعَ إلى يهودِ خيبرَ نخلَ خيبرَ وأرضَها على أن يَعْتَمِلوهَا من أموالِهم، وأنَّ لرسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - شَطرَ ثمرتها 1. 3410 - حدَّثنا أيوبُ بن محمد الرَّقِّيُّ، حدَّثنا عُمر بن أيوبَ، حدَّثنا جعفرُ ابن بُرقانَ، عن ميمون بن مِهران، عن مِقْسَمٍ عن ابن عباس، قال: افتتح رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - خَيبَرَ، واشترطَ أن له الأرضَ وكلَّ صفراءَ وبيضاء، قال أهلُ خيبر: نحن أعلمُ بالأرضِ منكم فأَفعطِناها على أن لكم نصفَ الثمرة ولنا نصفٌ، فزعم أنه أعطاهم على ذلك، فلما كان حين يُصْرَمُ النخلُ بعثَ إليهم عبدَ الله بن رواحةَ فحَزَرَ عليهم النخلَ، وهو الذي يسميه أهلُ المدينةِ الخِرْصَ، فقال: في ذِهْ كذا وكذا، قالوا: أكثرتَ علينا يا ابنَ رواحةَ، فقال: فأنا ألي حَزْرَ النَّخْلِ وأعطيكم نصفَ الذي قلتُ، قالوا: هذا الحق وبه تقوم السماءُ والأرضُ، قد رضينا أن نأخذَهُ بالذي قلت 2.

3411 - حدَّثنا علي بن سَهْلٍ الرَّمْلي، حدَّثنا زَيدُ بن أبي الزَّرقاء عن جعفرِ بن بُرْقانَ، بإسناده ومعناه، قال: فحَزَر، وقال عند قوله: "وكل صفراء وبيضاء": يعني الذهبَ والفضة 1. 3412 - حدَّثنا محمد بن سليمانَ الأنباريُّ، حدَّثنا كثير -يعني ابنَ هشامٍ- عن جعفرِ بن بُرقانَ، حدَّثنا ميمونٌ عن مِقسمٍ: أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- حين افتتح خيبرَ، فذكر نحو حديث زيدٍ، قال: فحَزَرَ النخلَ، وقال: فأنا ألي جِذَاذَ النخلِ، وأعطيكم نصفَ الذي قلتُ 2. = وأخرجه مختصراً ابن ماجه (2468) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - أعطى خيبر أهلها على النصف، نخلها وأرضها.
وإسناده ضعيف لسوء حفظ ابن أبي ليلى.
وهو في "مسند أحمد" (2255) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
ويشهد له بتمامه حديث ابن عمر عند البيهقي 6/ 114، وإسناده صحيح.
وانظر تالييه.
قوله: يُصَرم النخْل، أي: يُقطَع، من الصَّرْم، وهو القطْع.
والخَرْص: من خَرَصَ يخرُصُ خَرْصاً، يقال: خَرَصَ النخلة والكرمة إذا حَزَرَ ما عليها من الرطب تمراً، ومن العنب زبيباً، فهو من الخَرْص الظَّن، لأن الحَزْر إنما هو تقدير بظن، والاسم الخِرص بالكسر.

36 -

باب في الخَرص

3413 - حدَّثنا يحيى بن مَعين، حدَّثنا حجاجٌ، عن ابن جُريج قال: أُخبِرتُ عن ابن شهابِ، عن عُروةَ عن عائشةَ قالت: كانَ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- يبعثُ عبدَ الله بن رَوَاحةَ فيَخْرُصُ النَّخلَ حين يَطيبُ قبل أن يؤكَلَ منه، ثم يُخَيِّر يهودَ: يأخذونَه بذلك الخرصِ أو يدفعونه إليهم بذلك الخرصِ، لكي تُحصى الزكاةُ قبل أن تُؤكَل الثمارُ وتُفرَّق 1. 3414 - حدَّثنا ابن أبي خَلَفٍ، حدَّثنا محمدُ بن سابقٍ، عن إبراهيمَ بن طَهمانَ، عن أبي الزبير عن جابر أنه قال: أفاءَ اللهُ على رسوله خيبرَ، فأقرَّهم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبدَ الله بن رواحةَ فخَرَصها عليهم 2.

3415 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا عبدُ الرزاق ومحمد بن بكرٍ، قالا؟ أخبرنا ابنُ جُريجٍ، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: خرَصَها ابنُ رواحةَ أربعين ألفَ وَسْقٍ، وزعم أن اليهودَ لما خيَّرهم ابنُ رواحةَ أخذُوا الثمرَ وعليهم عشرون ألف وَسْقٍ (1).

37 -

باب في كَسْبِ المُعلِّم

3416 - حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا وكيعٌ وحميدُ بن عبد الرحمن الرُّؤَاسيُّ، عن مغيرةَ بن زيادٍ، عن عبادةَ بن نُسَيٍّ، عن الأسودِ بن ثعلبةَ عن عبادةَ بن الصامتِ، قال: عَلَّمتُ ناساً من أهل الصُّفَّةِ الكتابَ والقرآنَ، فأهْدَى إليَّ رجلٌ منهم قَوْساً، فقلت: ليست بمالٍ وأرمي عنها في سبيلِ الله عز وجل، لأتِيَنَّ رسولَ الله فلأسألَنَّهُ، فأتيتُه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، رجلٌ أهدى إلي قوساً ممن كنت أُعلِّمُه الكتابَ والقرآنَ، وليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله؟ قال: "إن كنتَ تُحبُّ أن تُطَوَّقَ طَوقاً من نارٍ فاقبَلْها" 2.1

3417 - حدَّثنا عَمرو بن عثمانَ وكثيرُ بن عُبيدِ، قالا: حدَّثنا بقيةُ، حدَّثني بشْر ابن عَبد الله بن يَسارِ -قال عمرو: حدَّثني عُبادةُ بن نُسَيٍّ، عن جُنادةَ بن أبي أُميَةَ = مقسم فيه كلام، وقد خالفه بشْر بن عَبد الله السّلمي، وهو حسن الحديث، فرواه عن عبادة بن نُسيٍّ، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت.
وأخرجه ابن ماجه (2157) من طريق وكيع وحده، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (22689). وانظر ما بعده.
وفي الباب عن أبي الدرداء عند البيهقي 6/ 126. وقال ابن التركماني: إسناده جيد.
وعن أبي بن كعب عند ابن ماجه (2158)، وإسناده ضعيف.
قال الخطابي: اختلف الناس في معنى هذا الحديث وتأويله، فذهب قوم من العلماء إلى ظاهره، فرأوا أن أخذ الأجرة والعوض على تعليم القرآن غير مباح، وإليه ذهب الزهري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه.
وقالت طائفة: لا بأس به ما لم يشترط، وهو قول الحسن البصري وابن سيرين والشعبي.
وأباح ذلك آخرون، وهو مذهب عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور، واحتجوا بحديث سهْل بن سعد: أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال للرجل الذي خطب المرأة فلم يجد لها مهراً: "زوجتكها على ما معك من القرآن" [سلف عند المصنف برقم (2111)]، وتأولوا حديث عبادة على أنه أمران تبرع به، ونوى الاحتساب فيه، ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع، فحذره النبي - صلَّى الله عليه وسلم - إبطالَ أجره وتوعده عليه، وكان سبيلُ عبادة في هذا سبيلَ من رد ضالة الرجل أو استخرج له متاعاً قد غرق في بحر تبرعاً وحسبة، فليس له أن يأخذ عليه عوضا ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة كان ذلك جائزاً.
وأهل الصفة: قوم فقراء، كانوا يعيشون بصدقة الناس، فأخذُ الرجلِ المالَ منهم مكروه، ودفعه إليهم مستحب.
وقال بعض العلماء: أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات: فإن كان في المسلمين غيره ممن يقوم به حلَّ له أخذ الأجرة عليه، لأن فرض ذلك لا يتعين عليه.
وإذا كان في حال أو موضع لا يقوم به غيره لم يحل له أخذ الأجرة.
وعلى هذا تأول اختلاف الأخبار فيه.

عن عبادة بن الصامتِ، نحو هذا الخبر، والأول أتم- فقلتُ: ما ترى فيها يا رسولَ اللهِ؟ فقال: "جَمرَةٌ بين كتفَيك تَقَلّدْتَها -أو تعلقْتَها-" (1).

38 -

باب في كسْب الأطباء

3418 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو عوانةَ، عن أبي بِشْرِ، عن أبي المُتوكِّل عن أبي سعيد الخدري: أن رَهْطاً من أصحاب رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - انطلقُوا في سَفْرةِ سافروها، فنزلوا بحيٍّ من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبَوا أن يُضيِّفوهم، قال: فَلُدِغ سيِّدُ ذلك الحي، فَشَفَوْا له بكل شيء، لا ينفعُه شيءٌ، فقال بعضُهم: لو أتيتُم هؤلاء الرهطَ الذين نزلوا بكم لعل أن يكونَ عند بعضِهم شيءٌ ينفَعُ صاحبَكم، فقال بعضُهم: إن سيدَنا لُدِغَ فَشَفَينَا له بكل شيء لا ينفعُه شيٌ، فهل من شيءٍ ينفع صاحبَنا عند أحدٍ منكم؟ يعني رُقْيَةً، فقال رجلٌ من القوم: إني لأرقي، ولكن استضفناكم، فأبَيتُمْ أن تُضيِّفونا، ما أنا براقٍ حتى تجعلوا لي جُعْلاً، فجعلوا له قطيعاً مِن الشاء فأتاه فقرأ عليه بأمِّ الكتاب، ويَتْفُلُ حتى بَرَأ كأنما أُنْشِطَ من عِقالٍ، فأوفاهم جُعْلَهُمُ الذي صالحهم عليه،1

فقالوا: اقتسِمُوا، فقال الذي رَقَى: لا تفعلوا حتى نأتيَ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فنستأمِرَه، فغَدَوْا على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -،فذكروا له، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "مِن أين علمتم أنها رُقْيَةٌ؟ أحسنتم، واضْرِبُوا لي معكم بسهم" 1.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال الخطابي: وفي هذا بيان جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن.
ولو كان ذلك حراماً لأمرهم النبي - صلَّى الله عليه وسلم - برد القطيع، فلما صوّب فعلهم، وقال لهم: "أحسنتم" ورضي الأجرة التي أخذوها لنفسه، فقال: "اضربوا لي معكم بسهم" ثبت أنه طِلْق مباح، وأن المذهب الذي ذهب إليه مَن جمع بين أخبار الأباحة والكراهة في جواز أخذ الأجرة على ما لا يتعين الفرض فيه على معلمه، ونفى جوازه على ما يتعين فيه التعليم مذهب سديد، وهو قول أبي سعيد الأصطخرى (قلنا: وقال المانعون من أخذ الأجرة: إن التَّطبُّب بالقرآن وأخذ الأجرة عليه حلال، وأما قراءة القرآن وأخذ الأجرة على تعليمه فغير جائز، لأنه عبادة وأخذ الأجرة على العبادة لا يجوز، وحجتهم حديث عبادة بن الصامت السالف برقم (3416) وحديث عبد الرحمن بن شبل "اقرؤوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به" وهو حديث صحيح أخرجه أحمد في "المسند" (15529) وانظر تمام تخريجه فيه، وحديث عثمان بن أبي العاص قلت: يا رسول الله اجعلني إمام قومي، فقال: أنت إمامهم، واقتدِ بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً" أخرجه أحمد (16270) وإسناده صحيح.
وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على "مختصر سنن أبي داود" للمنذري 5/ 71: ليس في الحديث دلالة على أخذ الأجرة، لا على قراءة القرآن، ولا على تعليمه، فإن أهل الحي ما طلبوا أبا سعيد ليقرأ لهم قرآناً، ولا ليعلمهم، وإنما طلبوه ليعالج مريضَهم، فطلبوه طبيباً لا قارئاً ولا معلماً؟ وهو لم يجهر بما قرأ، ولا يعلمهم ما قرأ، ولم يكن يعلم أن في ذلك شفاء المريض.
ولكنه أيقنَ أن الله عاقَب أهلَ الحي على منعهم أبا سعيد ورفقته حقهم من الضيافة.
فسلط على رئيسهم ما لسعه مِن الهوام، ليلجئهم إلى أبي سعيد ورفقته، ويضطرهم إلى أن يرضخوا لحكمه فيما يطلب من الجعل، لأنه ورفقته بأشد الحاجة إلى الطعام.
كل هذا فهمه أبو سعيد وصحبه، وعلى ذلك لم يقع من أبي سعيد ولا غيره من صحبه أنهم فعلوا ذلك مرة أخرى.
ولو أنهم فهموا ذلك على أنه قاعدة مضطردة لفعلوه، وتتابعوا على فعله، ولاشتهر ذلك.
والله أعلم.
ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.

جارٍ التحميل