كتاب المناسك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السجستاني، أبو داود
- الكتاب
- سنن أبي داود
- المؤلف
- أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
- المحقق
- شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
- الناشر
- دار الرسالة العالمية
- الطبعة
- الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
78 -
باب أين يكون الاعتكاف؟
2465 - حدَّثنا سليمانُ بنُ داود المَهريُّ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، عن يونسَ، أن نافعاً أخبره عن ابنِ عُمَرَ: أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- كان يعتكِفُ العشر الأواخِرَ مِن رمضانَ.
قال نافع: وفد أراني عبدُ الله المكانَ الذي كان يعتكِفُ فيه رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- من المسجِدِ 1.
2466 - حدَّثنا هنّاد، عن أبي بكير، عن أبي حَصين، عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: كان النبي -صلَّى الله عليه وسلم- يعتكِفُ كُلَّ رمضانَ عشرةَ أيامٍ، فلما كان العامُ الذي قُبِضَ فيه اعْتكفَ عِشرينَ يوماً 2.
79 -
باب المعتكف يَدخُل البيت لحاجتِه
2467 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسلمةَ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ ابنِ الزبير، عن عَمْرَةَ بنتِ عبدِ الرحمن عن عائِشَةَ، قالت: كان رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- إذا اعْتكَفَ يُدْني إليَّ رأسَه فأرجلُّه، وكانَ لا يَدخُلُ البَيْتَ إلا لِحَاجَةِ الإنسانِ 1. 2468 - حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ وعبدُ الله بنُ مسلمة، قالا: حدَّثنا الليثُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروة وعَمْرَةَ، عن عائشةَ، عنِ النبي -صلَّى الله عليه وسلم-، نحوه 2. = الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاماً، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين ليلة، وإسناده صحيح، وأخرجه النسائي ولفظه: أن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فسافر عاماً، فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين.
قال أبو داود: وكذلك رواه يونسُ عن الزهري، ولم يُتابع أحدٌ مالكاً على عُروة عن عَمرة 1، ورواه معمرٌ وزيادُ بن سعدٍ وغيرهما عن الزهري عن عُروة، عن عائِشة.
2469 - حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ ومُسَدد، قالا: حدَّثنا حمادُ بن زيد، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيهِ
عن عائشة قالت: كان رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يكونُ معتكفاً في المسجدِ، فيناوِلُني رأسَه من خَلَل الحُجرَةِ فأغْسِلُ رأسَه.
وقال مُسدَّد: فأرجِّله، وأنا حائض 2. = وأخرجه البخاري (2029)، ومسلم (297)، وابن ماجه (1776)، والترمذي (816)، والنسائي في "الكبرى" (3361) من طرق عن الليث، بهذا الإسناد.
وأخرجه الترمذي (815) من طريق مالك، عن الزهري، به.
وهو في "مسند أحمد" (24521)، و"صحيح ابن حبان" (3672). وانظر ما قبله وما بعده.
2475 - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد ابن شَبُّويه المَروزِيُّ، حدثني عبدُ الرزاق، أخبرنا مَعمَرٌ عن الزهريِّ، عن علي بنِ حُسين
عن صفيَّه، قالت: كانَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- معتكفاً، فأتيتُه أزورُه ليلاً، فحدَّثتُه، ثم قمتُ، فانقلبتُ فقام معي ليَقْلِبَني، وكان مَسْكَنُها في دارِ اُسامةَ بنِ زيدِ، فمرَّ رجلانِ من الأنصَارِ،؛ فلما رأيا النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- أسْرَعَا، فقال النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم-: "على رِسْلِكُما، إنَّها صَفيةُ بنتُ حُيَيٌّ" قالا: سُبحانَ اللهِ يا رسولَ الله! قال: "إنَّ الشَيطان يَجْرِي مِن الإنسانِ مَجْرَى الدَّمِ، فَخشِيتُ أن يَقْذِفَ في قلوبِكُما شيئاً -أو قال: شرّاً- " 1. = وهو في "مسند أحمد" (24238) و (24683) و (25682)، و"صحيح ابن حبان" (1359). وانظر سابقيه.
قال الخطابي: فيه أن المعتكف ممنوع من الخروج من المسجد إلا لغائط أو بول.
وفيه أن ترجيل الشعر يجوز للمعتكف، وفي معناه حلق الرأس وتقليم الأظافر، وتنظيف البدن من الشعث والدرن.
وفيه أن بدن الحائض طاهر غير نجس.
وفيه أن من حلف لا يدخل بيتاً، فأدخل رأسه فيه، وسائر بدنه خارج لم يحنث.
2471 - حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بن فِارسٍ، حدَّثنا أبو اليمانِ، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهريِّ، بإسناده بهذا، قالت: حتى إذا كان عندَ باب المسجدِ الذي عندَ بابِ أُمِّ سلمة مرَّ بهما رجُلانِ، وساق معناه (1).
80 -
باب المعتكف يعود المريض
2472 - حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ النُّفيليُّ ومحمدُ بنُ عيسى، قالا: حدَّثنا عبدُ السلامِ بنُ حَربٍ، أخبرنا الليثُ بن أبي سُلَيم، عن عبدِ الرحمنِ بن القاسِمِ، عن أبيه
عن عائشة، قال النُّفيليُّ: قالت: كان النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- يَمُرُّ بالمريضِ وهو معتكِفٌ، فيمرُّ كما هو ولا يُعرِّج يسألُ عنه، وقال ابنُ عيسى: قالت: إن كان النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- يعودُ المريضَ وهو مُعْتكِفٌ 2.1 = وفي الحديث من الفوائد جواز اشتغاله المعتكف بالأمور المباحة من تشييع زائره، والقيام معه، والحديث مع غيره، وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة، وزيارة المرأة للمعتكف، وبيان شفقته -صلَّى الله عليه وسلم- على أمته، وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم، وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن، والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتذار.
قال ابن دقيق العيد: وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يقتدى به فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب سوء الظن بهم، وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، ومن ثم قال بعض العلماء: ينبغي للحاكم أن يبين للمحكوم عليه وجه الحكم إذا كان خافياً نفياً للتهمة.
2473 - حدَّثنا وهبُ بنُ بقيةَ، أخبرَنا خالِدٌ، عن عبدِ الرحمن -يعني ابنَ إسحاقَ- عن الزهري، عن عُروة
عن عائشةَ، أنها قالت: السُّنةُ على المُعْتكِفِ أن لا يَعُودَ مريضاً، ولا يَشْهَدَ جنازة، ولا يَمَسَّ امرأةً، ولا يُباشِرَهَا، ولا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلا لِما لا بُدَّ منه، ولا اعتكافَ إلا بِصَوْمٍ، ولا اعتكافَ إلا في مسجدٍ جَامعِ 1. وأخرجه البيهقي 4/ 321 من طريق المصنف، بهذا الإسناد.
وأخرجه من فعل عائشة مسلم في "صحيحه" (297) من طريقين عن الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قالت: إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة، وإن كان رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- لَيُدخِلُ عليَّ رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً.
قال أبو داود: غيرُ عبدِ الرحمن بن إسحاق لا يقولُ فيه: قالت: السنة.
قال أبو داود: جعلَه قولَ عائِشة.
2474 - حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبو داود، حدَّثنا عبدُ الله بن بُديل، عن عمرو بنِ دينارٍ = وذكر البيهقي في "السنن" 4/ 321 أن كثيراً من الحفاظ يقولون: إن هذا الكلام قولُ مَن دُون عائشةَ، وأن من أدرجه في الحديث وهمَ فيه، فقد رواه سفيان الثوري عن هشام بن عروة، عن عروة، قال: المعتكف لا يشهد جنازه ولا يعود مريضاً ولا يجيبُ دعوة ولا اعتكاف إلا بصيام.
قال ابن التركماني: جَعلُ هذا الكلام من قول مَن دونَ عائشةَ دعوى، بل هو معطوف على ما تقدَّم من قولها: السنة كذا وكذا، وهذا عند المحدثين من قسم المرفوع.
رواه عروة عن عائشة مرةً، وأفتى به مرة أخرى، وقد أخرجه الدارقطني (2363) من حديث القاسم بن معن، عن ابن جريج، عن الزهري، بسنده.
وفي آخره: ويؤمَرُ من اعتكف أن يصومَ.
وأخرجه أيضاً (2364) من حديث الحجاج، عن ابن جريج، بسنده.
وفي آخره: وسنةُ من اعتكف أن يصومَ.
وانظر كلام الحافظ في"الفتح" 4/ 273.
قال الخطابي في "المعالم": قولها: السنة، إن كانت أرادت بذلك إضافة هذه الأمور إلى النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قولاً أو فعلاً، فهي نصوص لا يجوز خلافها، وإن كانت أرادت الفتيا على معاني ما عقلت من السنة فقد خالفها بعض الصحابة في بعض هذه الأمور، والصحابة إذا اختلفوا في مسألة كان سبيلها النظر ... ويشبه أن يكون أرادت بقولها: لا يعود مريضاً، أي: لا يخرج من معتكفه قاصداً عيادته وأنه لا يضيق عليه أن يمر به فيسأله غير معرج عليه كما في الحديث السالف.
وقولها: لا اعتكاف إلا في مسجد جامع، فقد يحتمل أن يكون معناه نفي الفضيلة والكمال وإنما يكره الاعتكاف في غير الجامع لمن نذر اعتكافاً أكثر من جمعة لئلا تفوته صلاة الجمعة، فأما من كان اعتكافه دون ذلك فلا بأس به، والجامع وغيره سواء في ذلك.
والله أعلم.
عن ابنِ عمر: أنَّ عمر رضي اللهُ عنه جَعَلَ عليه أن يعتكِفَ في الجاهلية ليلة أو يوماً عند الكعبةِ، فسألَ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- فقال: "اعْتكِفْ وصُمْ" 1. 2475 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمر بنِ محمد بنِ أبانَ بنِ صالحٍ القرشيُّ، حدَّثنا عمرو بن محمد، عن عبدِ الله بنِ بُدَيْل، بإسناده نحوه، قال: فبينما هو مُعتكِفٌ إذ كَبّرَ الناسُ، فقال: ما هذا يا عبدَ الله؟ قال: سَبْيُ هَوَازِنَ أعتقهم النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم-، قال: وتلك الجاريةُ، فأرسِلْها معهم 2.
81 -
باب المستحاضةُ تعتكف
2476 - حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى وقتيبةُ بنُ سعيد، قالا: حدَّثنا يزيدُ، عن خالدٍ، عن عِكرمة عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، قالت: اعتكفتْ مع النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم- امرأة من أزْواجِهِ، فكانت ترى الصُّفْرةَ والحُمرَةَ، فربما وضَعْنَا الطَّستَ تحتَها وهي تُصلِّي 1. آخر كتاب الصيام والاعتكاف
أول كتاب الجهاد
1 -
باب ما جاء في الهجرة وسكنى البَدوِ
2477 - حدَّثنا مُؤمل بن الفَضل، حدَّثنا الوليد -يعني ابنَ مُسلم- عن الأوزاعيّ، عن الزهري، عن عطاء بن يزيدَ عن أبي سعيد الخدري: أن أعرابياً سأل النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- عن الهجرة، فقال: "وَيحَكَ! إن شأن الهجرةِ شديدٌ فهل لك من إبلٍ؟ " قال: نعم، قال: "فهل تؤدي صدقتها؟ " قال: نعم، قال: " فاعمل من وراء البحار؛ فإن الله لن يَتِركَ مِن عملِك شيئاً" 1. 2478 - حدَّثنا أبو بكر وعثمانُ ابنا أبي شيبةَ، قالا: حدَّثنا شريكٌ، عن المِقدام بن شُريحٍ، عن أبيه، قال: سألت عائشةَ، عن البَدَاوة، فقالت: كان رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يبْدو إلى هذه التِّلاع، وإنه أراد البَدَاوة مرةً، فأرسل إليَّ ناقةً مُحرَّمة من إبل
الصَّدقة، فقال لي: "يا عائشةُ ارفُقي، فإن الرِّفق لم يكن في شيء قطُّ إلا زانَهُ، ولا نُزِع من شيء قط إلا شانَه" (1).
2 -
باب في الهجرةِ هل انقطعتْ؟
2479 - حدَّثنا إبراهيمُ بن موسى الرازيُّ، أخبرنا عيسى، عن حَريزٍ، عن عبد الرحمن بن أبي عوفٍ، عن أبي هندٍ عن معاويةَ، قال: سمعتُ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "لا تنقطع الهجرةُ حتى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطعُ التوبةُ حتى تطلعَ الشمسُ من مَغربِها" 2.1
2480 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا جَرير، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن طاووسٍ عن ابن عباسٍ، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- يوم الفتح -فتحِ مكةَ-: "لا هجرةَ، ولكن جهادٌ ونيةٌ، وإذا استُنْفرتمْ فانفِروا" 1. = وأخرجه أحمد (1671) من طريق مالك بن يخامر، عن معاوية بن أبي سفيان وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص.
وإسناده حسن.
وقوله: لا تنقطع الهجرة ... معناه: لا تنقطع الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام إلى يوم القيامة.
قال الإمام البغوي في "شرح السنة" في الجمع بين هذا الحديث وبين حديث ابن عباس: "لا هجرة بعد الفتح": إن قوله: "لا هجرة بعد الفتح" أراد به من مكة إلى المدينة، وإن قوله: "لا تنقطع الهجرة" أراد بها هجرة من أسلم في دار الكفر عليه أن يفارق تلك الدار ويخرج من بنيهم إلى دار الإسلام.
وقد فصل الحافظ في "الفتح" في هذه المسألة، فقال: فمن به (أي: في البلد التي لم يفتحها المسلمون) من المسلمين أحد ثلاثة: الأول: قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه بها، ولا أداء واجباته، فالهجرة منه واجبة.
الثاني: قادر، لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين بها ومعونتهم ... الثالث: عاجز يُعْذَر من أسر أو مرض أو غيره، فتجوز له الإقامة، فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر.
2481 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا يحيي، عن اسماعيلَ بن أبي خالدٍ، حدَّثنا عامر، قال:
أتى رجلٌ عبدَ الله بن عَمرو وعنده القوم حتى جلس عندَه، فقال: أخبِرْني بشيء سمعتَه من رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فقال: سمعتُ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "المسلم من سَلِم المسلمون من لِسانه ويده، والمُهاجر مَنْ هجر ما نهى اللهُ عنه" 1. = وقوله: ولكن جهاد ونية.
قال النووي: يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة، فاخرجوا إليه.
3 -
باب في سُكنى الشام
2482 - حدَّثنا عُبيد الله بن عمرَ، حدَّثنا مُعاذ بن هِشام، حدثني أبي، عن قتادةَ، عن شهرِ بن حَوشب عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعتُ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "ستكون هجرةٌ بعد هجرةٍ، فخِيار أهلِ الأرضِ ألْزمُهمِ مُهاجَرَ إبراهيمَ، ويبقى في الأرضِ شرارُ أهلها، تَلفِظُهم أرَضُوهُم، تقْذَرُهم نَفْسُ اللهِ، وتحشُرهم النارُ مع القردةِ والخنازيرِ" 1.
2483 - حدَّثنا حيوةُ بن شُريح الحضرمي، حدَّثنا بقيةُ، حدثني بَحيرٌ، عن خالدٍ - يعني ابنَ مَعدانَ - عن أبي قُتَيلةَ 1
عن ابن حَوالةَ، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "سيصير الأمرُ إلى أن تكونوا جنُوداً مُجنَّدةً، جندٌ بالشام، وجندٌ باليمن، وجندٌ بالعراق" قال ابن حَوالة: خِرْ لي يا رسول الله إن أدركتُ ذلك، فقال: "عليك بالشامِ فإنها خِيَرةُ اللهِ من أرضِه، يجْتبي إليها خِيَرتَه من عبادِه، فأما إن أبيتُم فعليكم بيَمَنِكم، واسقُوا من غُدُرِكم، فإن الله تَوكّل لي بالشامِ وأهلِه" 2. وأخرجه البيهقي فيما قاله ابن كثير في "تفسيره" 6/ 284 من طريق أبي النضر إسحاق بن يزيد وهشام بن عمار الدمشقيين، عن يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، عن نافع، -وقال أبو النضر: عمن حدثه عن نافع- عن عبد الله بن عُمر.
قال ابن كثير: غريب من حديث نافع، والظاهر أن الأوزاعي قد رواه عن شيخ له من الضعفاء، والله أعلم.
وروايته من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أقرب إلى الحفظ.
وأخرجه مرسلاً ابن جرير الطبري في "تفسيره" 20/ 142 من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن نبي الله -صلَّى الله عليه وسلم- كان يقول .. مهاجر إبراهيم: موضع هجرة إبراهيم عليه السلام وهو الشام.
تقذرهم: تكرههم.
نفس الله بسكون الفاء: ذاته.
4 -
باب في دوام الجهاد
2484 - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حماد، عن قتادةَ، عن مُطَرِّفٍ عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "لا تزال طائفةٌ من أُمتي يقاتِلون على الحق ظاهرين على من ناوأَهم حتى يُقاتِل آخرُهُم المسيحَ الدجّالَ" 1. = وأخرجه بنحوه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" 2/ 288 - 289، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2295)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (1114)، والطبراني في "مسند الشاميين" (2540)، وأبو نعيم في "الحلية" 2/ 3 - 4، وفي "الدلائل" (478)، والبيهقي في "الدلائل" 6/ 327، وأبو عمرو الداني في "الفتن " (500)، والبيهقي 9/ 179، وضياء الدين المقدسي 9/ (241) من طرق عن يحيى بن حمزة الحضرمي، عن نصر بن علقمة الحضرمي يردُّه إلى جبير بن نفير، عن عبد الله بن حوالة.
وهذا الإسناد وإن كان ظاهره الانقطاع بين نصر وبين جبير، إلا أن نصراً صرح بسماعه من الواسطة بينهما، وهو عبد الرحمن بن جبير بن نفير في آخر الحديث فاتصل الإسناد، ورجاله ثقات.
وأخرجه ابن حبان (7306)، والحاكم 4/ 510 من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبد الله بن حوالة.
وهذا إسناد صحيح.
وانظر تمام تخريجه في "مسند أحمد" (17005). خِر لي: اختر لي جنداً ألزمه، وغدره جمع غدير، أي: حياضه.
توكل لي بالشام وأهله، أي: تكفل لأجلي وإكراماً لي في أمتي، وقيل: تكفل لي بأمر الشام وحفظ أهله من بأس الكفرة واستيلائهم بحيث يتخطفهم ويدمرهم بالكلية.
5 -
باب في ثواب الجهاد
2485 - حدَّثنا أبو الوليدِ الطيالسيُّ، حدَّثنا سليمانُ بن كثيرٍ، حدَّثنا الزُّهري، عن عطاء بن يزيدَ
عن أبى سعيد، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- أنه سُئِلَ: أيُّ المؤمنين أكملُ إيماناً؟ قال: "رجلٌ يُجاهد في سبيل الله بنفسه ومالِه، ورجلٌ يعبُد الله في شِعْب من الشِّعاب قد كفَى الناسَ شرَّه" 1. = وجاء في رواية أحمد: "حتى يأتي أمر الله وينزل عيسى ابن مريم" بدل قوله: "حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال".
وأخرجه أبو عوانة (7513) والطبرانى 18/ (254) من طريق مطرّف، عن عمران بن الحصين.
وفي رواية أبي عوانة: "حتى تقوم الساعة" بدل "حتى يقاتل آخرهم ... ". وأخرجه موقوفاً على عمران ضمن حديث أحمد (19895) من طريق يزيد بن عبد الله بن الشخير أبي العلاء، عن أخيه مُطرِّف، عن عمران.
قوله: "ناوأهم": قال الخطابي: يريد ناهضهم للقتال، وأصله من ناء ينوء، إذا نهض، والمناوأة مهموزة مفاعلة منه.
وأما هذه الطائفة فقال البخاري: هم أهل العلم، ويرى الإمام النووي أن هذه الطائفة متفرقة بين أنهل من المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض.
6 -
باب في النهيِ عن السِّياحة
2486 - حدَّثنا محمد بن عثمان التَّنُوخِيُّ أبو الجُماهِر، حدَّثنا الهيثمُ بن حُميدٍ، أخبرني العلاءُ بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن
عن أبي أُمامة: أن رجلاً قال: يا رسول الله، ائذن لي بالسِّياحة، قال النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم-: "إن سياحةَ أُمتي الجهادُ في سبيل الله" 1. = رجاء السلامة من الفتن، ومذهب طوائف أن الاعتزال أفضل، وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه محمول على الاعتزال في زمن الفتن والحروب أو هو فيمن لا يسلم الناسُ منه، ولا يصبر عليهم أو نحو ذلك من الخصوص، وقد كانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين، فيحصّلون منافع الاختلاط كشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المرضى وحِلَق الذكر وغير ذلك.
قال: وأما الشِّعْب فهو ما انفرج بين جبلين، وليس المراد نفس الشعب خصوصاً، بل المراد الانفرادُ والاعتزالُ، وذكر الشعب مثالاً، لأنه خالٍ عن الناس غالباً.
قال العيني في "شرح البخاري " وذكر كلام النووي هذا: قلت: يدل لقول الجمهور قوله -صلَّى الله عليه وسلم-: "المؤمنُ الذي يخالِطُ الناسَ ويَصبِرُ على أذاهم أعظم أجراً مِن المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" رواه الترمذي في أبواب الزهد [2675] وابن ماجه [4032].
7 -
باب في فضل القَفْل في الغزو
2487 - حدَّثنا محمد بن المصُفَّى، حدَّثنا عليُّ بن عَيَّاش، عن الليث بن سعدٍ، حدَّثنا حيْوةُ، عن ابن شُفَيٍّ عن شُفيِّ بن ماتِعٍ عن عبد الله -هو ابنُ عَمرو- عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "قَفْلةٌ كغزوةٍ" 1. = لنفسه بمفارقة المألوفات والمباحات واللذات، وترك الجمعة والجماعات، وتعلم العلم ونحوه، فردّ عليه ذلك كما ردّ على عثمان بن مظعون التبتُّل.
8 -
باب فضل قتال الروم على غيرهم من الأمم
2488 - حدَّثنا عبدُ الرحمن بن سلاَّم، حدَّثنا حجّاج بن محمد، عن فَرَج بن فَضَالةَ، عن عبد الخَبير بن ثابتِ بن قَيسِ بن شَمَّاسٍ، عن أبيه عن جده، قال: جاءت امرأةٌ إلى النبي -صلَّى الله عليه وسلم- يقال لها: أُم خَلّاد، وهي مُتنَقِّبةٌ، تسألُ عن ابنِها وهو مقتولٌ، فقال لها بعضُ أصحابِ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-: جئتِ تسألين عن ابنِك وأنت مُتنقِّبةٌ؟ فقالت: إن أُرْزَإ ابني فلن أُرْزأَ حيائي، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "ابنُك له أجرُ شهيدَين" قالت: ولِمَ ذاك يا رسولَ الله؟ قال: "لأنه قتَلَه أهلُ الكتابِ" (1).
9 -
باب في ركوب البحر في الغزو
2489 - حدَّثنا سعيدُ بن منصور، حدَّثنا إسماعيلُ بن زكريا، عن مُطرِّفٍ، عن بشرٍ أبي عبد الله، عن بَشيرِ بن مُسلم عن عبد الله بن عَمرو قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "لا يركبُ البحرَ إلا حاجٌّ أو معتمرٌ أو غازٍ في سبيل الله، فإن تحتَ البحرِ ناراً، وتحت النارِ بحراً" 2.1
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وضعفه كذلك ابن عبد البر في "التمهيد" 1/ 240 بل قال: مظلمُ الإسناد لا يُصححه أهلُ العلم بالحديث، لأن رواتَه مجهولون لا يُعرفون.
وقال الخطابي: ضعفوا إسناد هذا الحديث، ونقل الحافظ في "التلخيص" 2/ 221 عن أبي داود نفسه أنه قال: رواته مجهولون.
وضعف هذا الحديث أيضاً العيني في "شرح البخاري" 14/ 87. مطرّف: هو ابن طريف.
وهو في "سنن سعيد بن منصور" (2393)، ومن طريقه أخرجه البيهقي 4/ 334، وابن الجوزي في "التحقيق في أحاديث الخلاف" (1200).
ورواه أحمد بن الهيثم الشعراني وأحمد بن بشر المرثدي، عن سعيد بن منصور -فقالا:- عن إسماعيل بن زكريا، عن مطرف بن طريف، عن بشير أبي عبد الله، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
فأسقطا من إسناده بشير بن مسلم، وجعلا اسم بشر أبي عبد الله بشيراً! أخرجه من هذا الوجه البيهقي 6/ 18.
وكذلك رواه أبو الربيع الزهراني، عن إسماعيل بن زكريا، عن مطرف، وكذا أبو حمزة السكري، عن مطرّف فيما قاله البخاري في "تاريخه " 2/ 104.
ورواه سعيد بن سليمان الواسطي، عن إسماعيل بن زكريا وصالح بن عمر الواسطي، عن مطرف بن طريف، عن بشير بن مسلم، عن عبد الله بن عمرو.
فأسقط من إسناده بشراً أبا عبد الله.
أخرجه من هذا الوجه البيهقي 4/ 334.
وخالفه محمد بن الصباح الدولابي، فرواه عن صالح بن عمر الواسطي، عن مطرّف عن بشير بن مسلم، عن رجل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
أخرجه من هذا الوجه البخاري في "تاريخه" 2/ 104.
وقد رُوي هذا الحديث موقوفاً على عبد الله بن عمرو بن العاص من طريق شعبة وهمام، عن قتادة بن دعامة، عن أبي أيوب المراغي الأزدي، عن عبد الله بن عمرو قال: ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا من جنابة.
إن تحت البحر ناراً ثم ماءً ثم ناراً حتى عدّ سبعة أبحر وسبعة أنيار.
أخرجه البيهقي 4/ 334 وإسناده صحيح موقوفاً.
وفي الباب عن عبد الله بن عمر بن الخطاب عند البزار (1668 - كشف الأستار) وابن حبان في "المجروحين" 2/ 234 وفي إسناده ليث بن أبي سُليم سيئ الحفظ، وقد=
2490 - حدَّثنا سليمانُ بن داودَ العَتكيُّ، حدَّثنا حمادٌ -يعني ابنَ زيد- عن يحيى بن سعيدٍ، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن أنس بن مالك، قال: حدَّثتني أمُّ حَرامٍ بنتُ مِلْحانَ أختُ أُم سُليم: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قالَ عندهم، فاستيقظ وهو يضحَك، قالت: فقلت: يا رسولَ الله، ما أضحكك؟ قال: "رأيتُ قوماً ممن يركبُ ظهرَ هذا البحرِ كالملوك على الأسِرَّةِ" قالت: قلت: يا رسول الله، ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم، قال: "فإنك منهم" قالت: ثم نام فاستيقظ وهو يضحكُ، قالت: فقلتُ: يا رسول الله، ما أضحكك؟ فقال مثل مَقالتِه، قالت: قلت: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم، قال: "أنتِ من الأَوَّلِين" قال: فتزوجها عُبادة بن الصامت فغزا في البحر فحملها معه، فلما رجع قُرِّبت لها بغلةٌ لتركبَها فصرعتْها فاندقَّت عنقُها فماتت 1. = اختُلِف عليه فيه، فرواه مرة عن نافع عن ابن عمر كما عند البزار وابن حبان، ورواه مرة عن مجاهد من قوله كما أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (2392)، وابن أبي شيبة 5/ 315. وعن أبي بكرة الثقفي عند الحارث بن أبي أسامة (359 - زوائده) وفي إسناده الخليل بن زكريا الشيباني البصري متروك الحديث.
2491 - حدَّثنا القَعنبيُّ، عن مالكٍ، عن إسحاقَ بن عبد الله بن أبي طلحةَ عن أنس بن مالك أنه سمعه يقول: كان رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- إذا ذهب إلى قُباء يدخل على أمِّ حرام بنتِ مِلْحانَ، وكانت تحت عُبادةَ بن الصَّامت، فدخل عليها يوماً، فأطعمتْه وجلستْ تَفْلِي رأسَه، وساقَ هذا الحديثَ 1. قال أبو داود: وماتت بنتُ مِلحان بقُبرسَ 2492 - حدَّثنا يحيى بن مَعين، حدَّثنا هشام بن يوسفَ، عن مَعمر، عن زيدِ بن أسلَم، عن عطا، بن يسارٍ عن أُخت أُمِّ سُليم الرُّميصاءِ، قالت: نام النبي -صلَّى الله عليه وسلم- فاستيقظ، وكانت تغسِل رأسَها، فاستيقظ وهو يضحكُ، فقالت: يا رسول الله، أتضحكُ من رأسي؟ قال: "لا" وساق هذا الخبرَ: يَزيدُ، ويَنقُص 2.
قال أبو داود: الرُّميْصاء أختُ أُمِّ سُليم من الرَّضاعة.
2493 - حدَّثنا محمد بن بكار العَيشيُّ، حدَّثنا مروانُ (ح)
وحدَّثنا عبدُ الوهاب بن عبد الرحيم الجَوبَري الدمشقي -المعنى- قال: حدَّثنا مروانُ، أخبرنا هلالُ بن ميمونٍ الرَّمليُّ، عن يَعلى بن شدَّادٍ عن أُمِّ حرام، عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- أنه قال: "المائدُ في البحر الذي يصيبُه القيء له أجرُ شهيدٍ، والغَرِقُ له أجرُ شهيدَين" 1.
2494 - حدَّثنا عبدُ السلام بن عَتيقٍ، حدَّثنا أبو مسهرٍ، حدَّثنا إسماعيلُ بن عبد الله -يعني ابنَ سَمَاعةَ- حدَّثنا الأوزاعيُ، حدَّثني سليمانُ بن حبيب
عن أبي أُمامةَ الباهلي، عن رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "ثلاثةٌ كلُّهم ضامنٌ على الله عزَ وجل: رجلٌ خرج غازياً في سبيل الله فهو ضامنٌ على الله = الدارقطني في "علله" 5/ ورقة 225، لأن أحمد رواه عن عبد الرزاق فقال: إن امرأة حدثته، قلنا: وهذه المرأة هي أم حرام بنت مِلحان، وقال الطبراني: عن امرأةٍ كانت عند رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- يوماً وهو نائم ... فوافقت رواية أحمد، وهو الصحيح.
وانظر ما سلف برقم (2490).
حتى يَتَوفاه فيدخلَه الجنةَ، أو يَرُدَّه بما نال من أجرٍ وغنيمةِ، ورجلٌ راحَ إلى المسجد فهو ضامنٌ على الله حتى يَتَوفاه فيدخلَه الجنةَ أو يردَّه بما نال من أجرٍ وغنيمةٍ، ورجل دخلَ بيتَه بسلامٍ فهو ضامنٌ على الله عزَّ وجل" (1).
10 -
باب في فضل من قتل كافراً
2495 - حدَّثنا محمد بن الصَّباح البزّازُ، حدَّثنا إسماعيل -يعني ابنَ جعفرٍ- عن العلاء عن أبيه1
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "لا يجتمعُ في النارِ كافرٌ وقاتلُه أبداً" (1).
11 -
باب في حرمةِ نساء المجاهدين على القاعدين
2496 - حدَّثنا سعيدُ بن منصورٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن قَعنَبِ، عن علقمةَ بن مرثَدٍ، عن ابن بُريدة عن أبيه، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "حُرمةُ نساءِ المجاهدين على القاعدين كحرمةِ أمَّهاتهم، وما من رجلٍ من القاعدين يخلُف رجلاً من المجاهدين في أهلِه إلا نُصِب له يومَ القيامةِ، فقيل: هذا قد خَلَفَك في أهلك فخُذ من حسناتِه ما شئتَ" فالْتفتَ إلينا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فقال: "ما ظَنُّكم؟ " 2.1
[قال أبو سعيد (1): قال أبو داود: كان قعنبٌ رجلاً صالحاً، وكان ابنُ أبي ليلى أراد قعنباً على القضاء، فأبى عليه، وقال قعنبٌ: أنا أُريد الحاجةَ بدرهمٍ فاستعينُ عليها برجلٍ، قال: وأيُّنا لا يستعينُ في حاجتِه؟ قال: أخرِجوني حتى أنظرَ، فأُخرِجَ، فتَوارَى، قال سفيان: فبينما هو مُتَوارٍ إذ وقعَ عليه البيتُ فماتَ].
12 -
باب السَّرية تُخفِقُ
2497 - حدَّثنا عُبيد الله بنُ عُمر بنِ مَيسرةَ، حدَّثنا عبد الله بن يزيدَ، حدَّثنا حيوةُ وابنُ لهيعةَ، قالا: حدَّثنا أبو هانئ الخَولانيُّ، أنه سمع أبا عبد الرحمنِ الحُبُليَّ يقول:
سمعتُ عبد الله بن عَمرو يقول: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "ما مِن غازيةٍ تغزو في سبيل الله فيصيبون غنيمةً إلا تعجَّلوا ثلُثَي أجرِهم من الآخرةِ، ويبقى لهم الثلثُ، فإن لم يُصيبوا غنيمةً تمّ لهم أجرُهُم" 2.1 = والثاني: في برِّهن والإحسان إليهن وقضاء حوائجهن التي لا يترتب عليها مفسدة ولا يُتوصَّل بها إلى ريبة ونحوها.
وقال عن قوله: "فما ظنكم؟ ": معناه: ما تظنون في رغبته في أخذ حسناته والاستكثار منها في ذلك المقام، أي: لا يبقي منها شيئاً إن أمكنه، والله أعلم.
13 -
باب في تضعيفِ الذكر في سبيل الله عز وجل
2498 - حدَّثنا أحمدُ بن عَمرو بن السَّرح، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، عن يحيى بن أيوبَ وسعيدِ بن أبي أيوبَ، عن زبَّانِ بن فائدٍ، عن سهل بن مُعاذ عن أبيه قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "إن الصلاةَ والصيامَ والذكر يُضاعَفُ على النفقةِ في سبيل الله بسبع مئة ضِعْفٍ" 1. = قال النووي في "شرح مسلم": معنى الحديث فالصواب الذي لا يجوز غيره أن الغزاة إذا سَلِموا وغَنِموا يكونُ أجرهم أقل من أجر مَن لم يَسلم أو سَلِم ولم يغنَم، وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم، فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمةُ من جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله: منا من مات ولم يأكل مِن أجره شيئاً، ومنا من أينعت له ثمرتُه فهو يَهدِبُها، أي يجتنيها، فهذا الذي ذكرنا هو الصواب وهو ظاهر الحديث، ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا فتعين حملُه على ما ذكرنا، وقد اختار القاضي عياض معنى هذا الذي ذكرناه.
14 -
باب فيمن مات غازياً
2499 - حدَّثنا عبد الوهّاب بن نَجْدةَ، حدَّثنا بقيةُ بن الوليد، عن ابن ثوبانَ، عن أبيه، يَرُدُّ إلى مكحولٍ، إلى عبد الرحمن بن غَنمٍ الأشعري
أن أبا مالك الأشعريَّ قال: سمعتُ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "مَن فَصَل في سبيل الله فماتَ أو قُتل فهو شهيد، أو وقَصه فرسُه أو بعيرُه أو لدغَتْه هامَّةٌ أو مات على فراشه بأيِّ حَتْفٍ شاء اللهُ فإنه شهيدٌ، وإن له الجنةَ" 1. = وأخرجه أحمد (15647) عن إسحاق بن عيسى ابن الطباع، عن ابن لهيعة، عن خير بن نعيم الحضرمي، عن سهل بن معاذ، به.
بلفظ: "يفضل الذكر على النفقة في سبيل الله تبارك وتعالى بسبع مئة ألف ضعف".
وخالف ابنَ الطباع يحيي بنُ بُكير، فرواه عن ابن لهيعة، به بلفظ: "الذكر يفضل على النفقة في سبيل الله مئة ضعف".
15 -
باب في فضل الرِّباط
2500 - حدَّثنا سعيدُ بن منصورٍ، حدَّثنا عبدُ الله بن وهب، حدثني أبو هانئ، عن عَمرو بن مالك عن فَضالةَ بنِ عُبيد، أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "كلُّ الميِّت يُختَم على عمله، إلا المُرابِطَ، فإنه ينمو له عملُه إلى يوم القيامة ويُؤمَّن من فَتَّان القبرِ" (1).
16 -
باب فضل الحَرَس في سبيل الله عز وجل
2501 - حدَّثنا أبو توبةَ، حدَّثنا مُعاويةُ -يعني ابنَ سلَّام-، عن زيدٍ -يعني ابنَ سلَّام-، أنه سمع أبا سلّامٍ قال: حدثني السَّلُوليُّ أبو كَبشةَ1 وحديث عقبة بن عامر عند ابن أبي عاصم في "الجهاد" (237)، وأبي يعلى (1752)، والطبراني في "الكبير" (17/ (892) بلفظ: "من صُرع عن دابته في سبيل الله فهو شهيد".
وإسناده صحيح.
قوله: "مَن فَصل في سبيل الله" قال في"النهاية": أي: خرج من منزله وبلده.
قلنا: ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة: 249]. وقوله: "وقصه فرسُه" من الوقْص: وهو كسر العُنُق.
وقوله: "هامَّة" واحدة الهوامِّ، وهي الحيّات وكُلُّ ذي سمٍّ يقتل سمُّه، فأما ما يسم ولا يقتل، فهو السامَّة كالعقرب والزنبور.
وقوله: "حتفٍ"، أي: هلاكٍ.
أنه حدَّثه سهلُ ابن الحَنْظليةِ: أنهم ساروا مع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- يومَ حُنينٍ، فأطنَبُوا السيرَ حتى كانَ عشيَّةً، فحضرتُ الصلاةَ عند رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فجاء رجلٌ فارسٌ، فقال: يا رسول الله، إني انطلقتُ بين أيديكم حتى طلعتُ جبلَ كذا وكذا، فإذا أنا بهَوازنَ على بَكْرةِ آبائهم، بظُعُنهِم ونَعَمِهم وشائهم اجتمعوا إلى حنينٍ، فتبسّم رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- وقال: "تلك غنيمةُ المسلمين غداً إن شاء الله" ثم قال: "من يحرُسُنا الليلةَ؟ " قال أنسُ بن أبي مَرْثَدٍ الغَنَويُّ: أنا يا رسول الله، قال: "فاركَبْ" فركب فرساً له، فجاء إلى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فقال له رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "استقبِلْ هذا الشِّعْبَ حتى تكون في أعلاهُ ولا نُغَرَّنَّ من قِبَلِكَ الليلةَ " فلما أصبحنا خرجَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- إلى مُصلاّه فركع ركعتين، ثم قال: "هل أحسسْتم فارسَكم؟ " قالوا: يا رسول الله ما أحسَسْناه، فثُوِّب بالصلاة، فجعلَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يصلي وهو يلتفتُ إلى الشعبِ حتى إذا قضى صلاتَه وسلَّم، قال: " أبشِروا فقد جاءكم فارسُكم" فجعلنا ننظُر إلى خِلال الشَّجر في الشِّعب، فإذا هو قد جاء حتى وقفَ على رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فسلّم، فقال: إني انطلقتُ حتى كنتُ في أعلى هذا الشِّعب حيث أمرني رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فلما أصبحتُ اطَّلعتُ الشَّعبَين كليهما، فنظرتُ فلم أرَ أحداً، فقال له رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "هل نزلتَ الليلةَ؟ " قال: لا، إلا مُصلياً أو قاضياً حاجةً، فقال له رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "قد أَوْجَبْتَ، فلا عليك أن لا تعملَ بَعَدها 1.
17 -
باب كراهيةِ تركِ الغزو
2502 - حدَّثنا عبدةُ بن سُليمانَ المروزيُّ، أخبرنا ابنُ المباركِ، أخبرنا وُهَيبٌ -قال عَبدة: يعني ابنَ الوَرْدِ- أخبرني عُمر بن محمد بن المنكَدِر، عن سُميٍّ، عن أبي صالح عن أبي هريرة، عن النبيّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "من ماتَ ولم يَغزُ ولم يحدث نفسَه بغزوٍ، ماتَ على شُعبةٍ من نِفاقٍ" 1. = وأخرجه النسائي في "الكبرى" (8819)، والطبراني في "المعجم الكبير" (5619) وفي "الأوسط" (407)، وفي "الشاميين" (2866)، والحاكم 1/ 237 و 2/ 83 - 84، والبيهقي 2/ 13 و 9/ 149 من طريق أبي توبة الربيع بن نافع، والبيهقي 9/ 149 من طريق مروان بن محمد، كلاهما عن معاوية بن سلام، بهذا الإسناد.
وصححه الحاكم في الموضعين وسكت عنه الذهبي.
وقد سلفت قصة التثويب بالصلاة والتفاته -صلَّى الله عليه وسلم- عند المصنف برقم (916). قوله: "فأطنبوا السيرَ" من الإطناب وهو المبالغة.
وقوله: "على بكْرة أبيهم" هذه كلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفير العدد، وأنهم جاؤوا جميعاً لم يتخلف منهم أحدٌ.
قاله في "اللسان".
وقوله: "بظُعُنهم" قال الخطابي: أي: النساء، واحدتها ظعينة، وأصل الظعينة الراحلة التي تَظْعَن وترتحل، فقيل للمرأة: ظعينة، إذا كانت تظعن مع الزوج حيثما ظَعَن، أو لأنها تُحمل على الراحلة إذا ظعنت، وهذا من باب تسمية الشيء باسم سببه كما سمَّوا المطر سماءً.
2503 - حدَّثنا عَمرو بن عثمانَ، وقرأتُه على يزيدَ بن عبدِ ربِّه الجُرْجُسيِّ، قالا: حدَّثنا الوليد بن مُسلمٍ، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن
عن أَبي أُمامةَ، عن النبيّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "من لم يغزُ أو يجهِّزْ غازياً أو يَخلُفْ غازياً في أهله بخير أصابَه الله بقارعةٍ".
قال يزيدُ بنُ عبدِ ربِّه في حديثه: "قبل يوم القيامة" 1.
2504 - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ، عن حُميدٍ = وأخرجه الترمذي (1761)، وابن ماجه (2763) من طريق إسماعيل بن رافع، عن سمي، به بلفظ: "من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله وفيه ثُلمةٌ".
وإسماعيل بن رافع ضعيف الحديث.
قال النووي في "شرحه على مسلم": قوله: "نُرى" بضم النون، أي: نظن وهذا الذي قاله ابن المبارك محتمل، وقد قال غيره: إنه عامٌّ، والمراد: أن مَن فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإنَّ ترك الجهاد أحدُ شُعَبِ النِّفاقِ.
عن أنسٍ أن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "جاهِدوا المشركين بأَموالِكم وأَنفُسِكُم وأَلسنتِكم" (1).
18 -
باب في نسخِ نفيرِ العامّة بالخاصّة
2505 - حدَّثنا أحمدُ بن محمد المَروزيُّ، حدَّثني عليُّ بن الحُسينِ، عن أبيه، عن يزيدَ النحويِّ، عن عِكرمةَ عن ابن عباس قال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 39] و ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 120 - 121]: نسخَتْها الآيةُ التي تَليها: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] 2.1
2506 - حدَّثنا عثمانُ بن أَبي شيبةَ، حدَّثنا زيدُ بن الحُباب، عن عبدِ المؤمن ابن خالد الحَنفيِّ، حدَّثني نَجدةُ بن نُفَيع، قال: = وأخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في "الناسخ والمنسوخ" (385)، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 366 من طريق حجاج بن محمد المصيصي الأعور، عن ابن جريج وأبو عبيد القاسم (385)، والبيهقي 9/ 47 من طريق عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني، كلاهما (ابن جريج وعثمان بن عطاء) عن عطاء بن أبي مسلم الخراساني، عن ابن عباس لم يذكرا بينهما عكرمة.
وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس، وقال الحافظ أبو مسعود الدمشقي فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في "الفتح" 8/ 667، وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني، وإنما أخذه من ابنه عثمان بن عطاء فنظر فيه، ونقل الحافظ ابن حجر كذلك عن ابن المديني قوله: سألت يحيي القطان، عن حديث ابن جريج عن عطاء الخراساني فقال: ضعيف، فقلت له: يقول: أخبرنا، قال: لا شيء، إنما هو كتاب رفعه إليه.
قال الحافظ معلقاً: وكان ابن جريج يستجيز إطلاق أخبرنا في المناولة والمكاتبة.
وأخرجه أبو جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ" ص 201 من طريق جويبر بن سعيد الأزدي، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس.
وجويبر ضعيف جداً.
قال الطبري 10/ 135: ولا خبر بالذي قال عكرمة والحسن من نسخ حكم هذه الآية التي ذكرا يجب التسليم له، ولا حجة تأتي لصحة ذلك، وقد رأى ثبوت الحكم بذلك عدد من الصحابة والتابعين سنذكرهم بعد، وجائز أن يكون قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 39] لخاص من الناس، ويكون المراد من استنفره رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- فلم ينفر على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس (قلنا: يعني حديثه الآتي عند المضنف بعده).
وإذا كان ذلك كذلك كان قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] نهياً من الله المؤمنين عن إخلاء بلاد الإسلام بغير مؤمن مقيم فيها، وإعلاماً من الله لهم أن الواجب النفر على بعضهم دون بعض، وذلك على من استنفر منهم دون من لم يستنفر، وإذا كان ذلك كذلك لم يكن في إحدى الآيتين نسخ للأخرى، وكان حكم كل واحدة منهما ماضياً فيما عُنيت به.
وإلى القول بالإحكام وعدم النسخ ذهب ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ونسبه إلى ابن جرير الطبري -وقد أسلفنا كلامه- وإلى أبى سليمان الدمشقي.
سألتُ ابنَ عباسٍ، عن هذه الآية: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 39] قال: فأمسكَ عنهم المَطَرَ وكان عذابَهم (1).
19 -
باب الرخصةِ في القعود من العُذْر
2507 - حدَّثنا سعيدُ بن منصورٍ، حدَّثنا عبدُ الرحمن بن أبي الزَّنادِ، عن أبيه، عن خارجةَ بن زيدٍ عن زيد بن ثابتٍ، قال: كنتُ إلى جنْبِ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فغشِيَتْه السكينةُ فوقعتْ فخذُ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- على فَخِذي، فما وجدتُ ثِقلَ شيءٍ أثقلَ من فَخِذِ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، ثم سُرِّيَ عنه، فقال: "اكتُبْ" فكتبتُ في كتِفٍ: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) إلى آخر الآية، فقام ابنُ أُم مكتومٍ، وكان رجلاً أعمى، لمّا سمع فضيلةَ المجاهدين، فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيعُ الجهادَ من المؤمنين؟ فلمّا قَضَى كلامَه غشيتْ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- السَّكينةُ فوقعتْ فخذُه على فَخِذِي، ووجدت من ثِقلِها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأُولى ثم سُرِّيَ عن رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فقال: "اقرأ يا زيدُ" فقرأتُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 95] فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الآية كلها [النساء: 95] , قال زيد: فأنزلها الله عزَّ وجل وحدها، فألحقتُها، والذي نفسي بيده1
لكأنّي أَنظُرُ إلى مُلْحَقِها عند صَدْعٍ في كَتِفٍ 1. 2508 - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حماد، عن حُميدٍ، عن مُوسى ابن أنسٍ بن مالكٍ عن أبيه، أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "لقد تركتم بالمدينةِ أقواماً ما سِرْتمْ مَسيراً، ولا أنفقتم من نفقةٍ، ولا قطعتمْ من وادٍ إلا وهم معكم فيهِ" قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينةِ؟ فقال: "حبَسَهُم العُذْر" 2.
20 -
باب ما يُجزئ من الغزو
2509 - حدَّثنا عبدُ الله بن عمرِو بن أبي الحَجَّاج أبو مَعمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ حدَّثنا الحُسينُ، حدثني يحيى، حدثني أبو سلمةَ، حدثني بُسرُ بن سعيدٍ = قال البخاري بإثر (2839): وهو أصح، لكن قال الحافظ في "الفتح" 6/ 47: وإنما قال البخاري ذلك لتصريح حميد بتحديث أنس له كما تراه من رواية زهير عنده [يعني الحديث رقم (2838)]، وكذلك قال معتمر.
قال الحافظ: ولا مانع من أن يكونا محفوظين، فلعل حميداً سمعه من موسي عن أبيه، ثم لقي أنساً فحدثه به، أو سمعه من أنس فثبّته فيه ابنه موسى.
قلنا: وفي تصريح حميد بسماعه من أنس لقطعة من أصل الحديث ردٌّ على ابن عبد البر، إذ قال في "التمهيد" 12/ 268: هذا الحديث لم يسمعه حميد من أنس.
وأخرجه البخاري معلقا (2839)، والبيهقي 9/ 24 وابن عبد البر في "التمهيد" 19/ 204 من طريق موسى بن إسماعيل وأبو يعلى (4209) من طريق عفان بن مسلم، كلاهما عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (12629).
وفي هذا الحديث دليل على أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه العُذر عن العمل.
وأخرجه البخاري (2839) من طريق حماد بن زيد، و (4423) من طريق عبد الله ابن المبارك، وابن ماجه (2764) من طريق محمد بن أبي عدي، ثلاثتهم عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك.
دون ذكر موسى بن أنس في الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (12009)، و"صحيح ابن حبان" (4731).
قال الحافظ في "الفتح" 6/ 47 عن معنى الحديث: قال المهلّب [وهو أحد شراح البخاري]: يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] ,فإنه فاضَلَ بين المجاهدين والقاعدين، ثم استثنى أولي الضرر من القاعدين، فكأنه ألحقهم بالفاضلين، وفيه أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل.
حدَّثني زيدُ بن خالد الجهنيُّ، أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "من جهَّز غازياً في سبيل الله فقد غَزا، ومن خَلَفَه في أهله بخيرٍ فقد غزا" 1. 2510 - حدَّثنا سعيدُ بن منصورٍ، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني عمرو بن الحارِث، عن يزيدَ بن أبي حبيب، عن يزيدَ بن أبي سعيد مولى المَهريَّ، عن أبيه عن أبي سعيد الخدري: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- بعث إلى بني لَحيانَ وقال: "لِيخرُجْ من كل رجلين رجلٌ" ثم قال للقاعد: "أيّكّم خَلَفَ الخارجَ في أهله ومالِه بخيرٍ كان له مثلُ نصفِ أجرِ الخارجِ" 2.
21 -
باب في الجُرأة والجبن
2511 - حدَّثنا عبدُ الله بن الجرّاح، عن عبدِ الله بن يزيدَ، عن موسى بن عُليِّ بن رَباح، عن أبيه، عن عبدِ العزيز بن مَروان، قال:
سمعتُ أبا هريرةَ يقول: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "شَرُّ ما في رجُلٍ شُحٌّ هالعٌ وجُبنٌ خالعٌ " 1. وهو في "سنن سعيد بن منصور" (2326)، وعنه مسلم (1896). وأخرجه مسلم (1896) من طرق عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سعيد مولى المهري، عن أبي سعيد الخدري.
وهو في "مسند أحمد" (11110)، و "صحيح ابن حبان" (4629). ولا تعارض بين هذا الحديث والذي قبله فإن لفظة النصف أطلقت فيه بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي والخالف له بخير، فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين، كان لكل منهما مثل ما للآخر أفاده الحافظ في "الفتح".