سنن أبي داود ت الأرنؤوطصفحات 215-254

كتاب الفرائض

صفحات 215-254
عن هذه الطبعة
عَلَم
السجستاني، أبو داود
الكتاب
سنن أبي داود
المؤلف
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
المحقق
شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
الناشر
دار الرسالة العالمية
الطبعة
الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أول كتاب البيوع

1 -

باب في التجارة يُخالطها الحلِف واللَّغو

3326 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائل عن قيس بن أبي غَرَزةَ، قال: كنا في عهد رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- نُسمَّى السماسِرةَ، فمرَّ بنا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فسمانا باسم هو أحسنُ منه، فقال: "يا مَعشَرَ التجّار، إن البيعَ يحضُره اللغوُ والحلِفُ، فشُوبوه بالصَّدَقة" 1. 3327 - حدَّثنا الحسنُ بن علي والحُسين بن عيسى البَسطاميُّ وحامدُ بن يحيى وعَبدُ الله بن محمد الزهريُّ، قالوا: حدَّثنا سفيانُ، عن جامعِ بن أبي راشدٍ وعبدِ الملك بن أَعْيَنَ وعاصمٍ، عن أبي وائلٍ

عن قيس بن أبي غَرَزةَ، بمعناه، قال: "يحضُره الحلف والكذبُ" وقال عبدُ الله الزهريُّ: "اللغوُ والكذبُ" (1).

2 -

باب في استخراج المعادن

3328 - حدَّثنا عبدُ الله بن مَسلمةَ القَعنبيُّ، حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد-، عن عَمرٍو -يعني ابنَ أبي عَمرٍو-، عن عِكرمةَ عن ابن عباس: أن رجلاً لزم غَرِيماً له بعشرة دنانير، قال: والله ما أفارقُك حتى تقضيَني، أو تأتيَني بحَمِيلٍ، قال: فتَحَمَّلَ بها النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-، فأتاه بقَدْر ما وعَدَه، فقال له النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-: "مِن أين أصَبْتَ هذا الذهبَ؟ " قال: من مَعْدِنٍ، قال: "لا حاجةَ لنا فيها، ليس فيها خيرٌ" فقضاها عنه رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- 2.1

3 -

باب اجتناب الشبُهات

3329 - حدَّثنا أحمدُ بن يونسَ، حدَّثنا أبو شِهابٍ، حدَّثنا ابنُ عَونٍ، عن الشعبيِّ قال: = وأخرجه ابن ماجه (2406) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، بهذا إلاسناد.
قال الخطابي: في هذا الحديث إثبات الحمالة والضمان، وفيه إثبات ملازمة الغريم، ومنعه من التصرف حتى يُخرِجَ الحقَّ الذي عليه.
وأما ردّه الذهب الذي استخرجه من المعدن، وقوله: "لا حاجة لنا فيه ليس فيه خير" فيشبه أن يكون ذلك لسبب علمه فيه خاصة، لا من جهة أن الذهب المستخرج من المعدن لا يباح تموله وتملكه، فإن عامة الذهب والورِق مستخرجة من المعادن، وقد أقطع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- بلال بن الحارث المعادن القَبَليَّه، وكانوا يؤدون عنها الحق، وهو عمل المسلمين وعليه أمر الناس إلى اليوم.
ويُحتمل أن يكون ذلك من أجل أن أصحاب المعادن يبيعون ترابها ممن يعالجه فيحصل ما فيه من ذهب أو فضة، وهو غرر، لا يدرى هل يوجد فيه شيء منهما أم لا؟ وقد كره بيع تراب المعادن جماعة من العلماء منهم عطاء والشعبي وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وفيه وجه آخر: وهو أن معنى قوله: "لا حاجة لنا فيها، وليس لنا فيها خير" أي: ليس لها رواج ولا لحاجتنا فيها نجاح، وذلك أن الذي كان تحمله عنه دنانير مضروبة، والذي جاء به تِبْر غير مضروب، وليس بحضرته من يضربه دنانير، وإنما كان تحمل إليهم الدنانير من بلاد الروم، وأول من وضع السكة في الإسلام وضرب الدنانير عبدُ الملك ابن مروان.
وقد يحتمل ذلك أيضاً وجهاً آخر، وهو أن يكون إنما كرهه لما يقع فيه من الشبهة، ويدخله من الغرر عند استخراجهم إياه من المعدن، وذلك أنهم إنما استخرجوه بالعشر أو الخمس أو الثلث مما يصيبونه، وهو غرر لا يُدرى هل يصيب العامل فيه شيئاً أم لا؟ فكان ذلك بمنزلة العقد على رد الآبق والبعير الشارد، لأنه لا يُدرى أيظفر به أم لا؟ وفيه أيضاً نوع من الخطر والتغرير بالأنفس، لأن المعدن ربما انهار على من يعمل فيه، فكره من أجل ذلك معالجته واستخراج ما فيه.

سمعتُ النعمانَ بن بَشيرٍ -ولا أسمع أحداً بعده- يقول: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقولُ: "إن الحلال بَيِّنٌ، وإن الحرامَ بَيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مشتَبِهات -أحياناً يقول: مشتبهة- وسأضرِبُ لكم في ذلك مثلاً: إن الله حَمَى حِمًى، وإن حِمى الله ما حَرَّمَ، وإنه مَن يَرْع حَول الحِمى يُوشك أن يُخَالطَه، وإنَّه مَن يُخَالِطُ الريبةَ يُوشِكُ أن يَجسُرَ" 1. 3330 - حدَّثنا إبراهيمُ بن موسى الرازيُّ، أخبرنا عيسى، حدَّثنا زكريا، عن عامرِ الشعبيِّ، قال: سمعتُ النعمان بن بَشير، يقول: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول، بهذا الحديث، قال: "وبينهما مُشَبَّهاتٌ لا يعلمها كثيرٌ من الناس، فمن اتَّقَى الشبهاتِ استبرأ عِرضَهُ ودينَهُ، ومن وقع في الشبهاتِ وقعَ في الحرامِ، 2.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ومعنى قوله: "وبينهما أمور مشتبهات" أي: إنها تشتبه على بعض الناس دون بعض، وليس أنها في ذوات أنفسها مشتبهة لا بيان لها في جملة أصول الشريعة، فإن الله تعالى لم يترك شيئا يجب له فيه حكم إلا وقد جعل فيه بياناً، ونصب عليه دليلاً، ولكن البيان ضربان: بيان جلي، يعرفه عامة الناس كافة، وبيان خفي لا يعرفه إلا الخاص من العلماء الذين عُنوا بعلم الأصول فاستدركوا معاني النصوص، وعرفوا طريق القياس والاستنباط ورد الشيء إلى المثل والنظير.
ودليلُ صحة ما قلناه، وأن هذه الأمور ليست في أنفسها مشتبهة: قوله: "لا يعرفها كثير من الناس" وقد عقل ببيان فحواه أن بعض الناس يعرفونها، وإن كانوا قليلي العدد، فإذا صار معلوماً عند بعضهم فليس بمشتبه في نفسه، ولكن الواجب على من اشتبه عليه أن يتوقف ويستبرىء الشكَّ، ولا يُقدم إلا على بصيرة، فإنه إن أقدم على الشيء قبل التثبت والتبيُّن لم يأمن من أن يقع في المحرم عليه، وذلك معنى الحمى، وضربه المثل به.
وقوله: "الحلالُ بينٌ والحرام بين" أصل كبير في كثير من الأمور والأحكام إذا وقعت فيها الشبهة، أو عرض فيها الشك، ومهما كان ذلك، فإن الواجبَ أن ينظرَ، فإذا كان للشيء أصل في التحريم والتحليل، فإنه يتمسك به ولا يفارقه باعتراض الشك حتى يزيلَه عنه يقينُ العلم فالمثال في الحلال الزوجة تكون للرجل والجارية تكون عنده يتسرى بها ويطؤها، فيشك هل طلق تلك، أو أعتق هذه، فهما عنده على أصل التحليل حتى يتحقق وقوع طلاق أو عتق، وكذلك الماء يكون عنده وأصله الطهارة، فيشك: هل وقعت فيه نجاسة أم لا؟ فهو على أصل الطهارة حتى يتيقن أن قد حلته نجاسة وكالرجل يتطهر للصلاة ثم لك في الحدث، فإنه يصلي ما لم يعلم الحدث يقيناً وعلى هذا المثال.
وأما الشيء إذا كان أصلُه الحظر وإنما يستباح على شرائط وعلى هيئات معلومة كالفروج لا تحل إلا بعدَ نكاح أو ملك يمين، وكالشاة لا يحِلُّ لحمها إلا بذكاة، فإنه مهما شك في وجود تلك الشرائط وحصولها يقيناً على الصفة التي جعلت علماً للتحليل كان باقياً على أصل الحظر والتحريم، وعلى هذا المثال فلو اختلطت امرأته بنساء أجنبيات أو اختلطت مذكاة بميتات ولم يميزها بعينها، وحب عليه أن يجتنبها كلها ولا يقربها، وهذان القسمان حكمهما الوجوب واللزوم.
=

3331 - حدَّثنا محمدُ بن عيسى، حدَّثنا هُشَيمٌ، أخبرنا عبَّاد بن راشدٍ، سمعت سعيد بن أبي خَيرةَ، حدَّثنا الحسنُ منذ أربعين سنة، عن أبي هريرة، قال: قال النبي -صلَّى الله عليه وسلم-.
قال أبو داود: وحدَّثنا وهبُ بن بقيةَ، أخبرنا خالدٌ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ -وهذا لفظه- عن سعيد بن أبي خَيْرةَ، عن الحسن عن أبي هريرة، أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "لَيأتيننَّ على النَّاس زمانٌ لا يبقَى أحدٌ إلا أكل الرِّبا، فإن لم يأكله أصابه من بُخارِه" قال ابن عيسى: "أصابه من غُبارِه" 1. = وهاهنا قسم ثالث: وهو أن يوجد الشيء ولا يُعرف له أصل متقدم في التحريم ولا في التحليل، وقد استوى وجه الإمكان فيه حلاً وحرمة، فإن الورع فيما هذا سبيله الترك والاجتناب، وهو غير واجب عليه وجوب النوع الأول، وهكذا كما روي عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - أنه مرّ بتمرة ملقاة في الطريق، فقال: "لولا أني أخاف أن تكون صدقة لأكلتها، وقدم له الضب فلم يأكله، وقال: "إن أمة مسخت فلا أدري لعلها منها" أو كما قال، ثم إن خالد بن الوليد أكله بحضرته فلم ينكره، ويدخل في هذا الباب معاملة من كان في ماله شبهةٌ أو خالطه الربا، فإن الاختيار تركها إلى غيرها، وليس بمحرم عليك ذلك ما لم يتيقن أن عينه حرام أو مخرجه من الحرام، وقد رهن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- درعه من يهودي على أصوعُ من شعير أخذها لقوت أهله، ومعلوم أنهم يربون في تجاراتهم، ويستحِلُّون أثمان الخمور، ووصفهم الله تعالى بأنهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة:42] فعلى هذه الوجوه الثلاثة يجري الأمر فيما ذكرته لك.
وقوله: "فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه" أصل في باب الجرح والتعديل، وفيه دلالة على أن من لم يتوق الشبهات في كسبه ومعاشه، فقد عرض دينه وعرضه للطعن، وأهدفهما للقول.
وقوله: "من وقع في الشبهات وقع في الحرام" يريد أنه إذا اعتادها واستمر عليها أدته إلى الوقوع في الحرام بأن يتجاسر عليه فيواقعه.
يقول: فليتق الشبهة ليسلم من الوقوع في المحرم.

3332 - حدَّثنا محمدُ بن العلاء، أخبرنا ابنُ إدريسَ، أخبرنا عاصمُ بن كُلَيب، عن أبيه عن رجل من الأنصار، قال: ْ خرجْنا مع رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- في جَنَازةٍ، فرأيتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- وهو على القبر يُوصي الحافرَ: "أوْسِعْ من قِبَلِ رجلَيه، أوسِعْ من قِبَل رأسِه"، فلما رجع استقبلَه داعي امرأةٍ، فجاء، وجيء بالطَّعام فوضَع يدَه، ثم وضع القومُ فأكلُوا، ففطِنَ آباؤنا ورسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يلوكُ لقمةَ في فمه، ثم قال: "أجِدُ لحمَ شاةٍ أُخِذَت بغير إذن أهلها" فأرسلتِ المرأةُ: يا رسولَ الله، إني أرسلتُ إلى النقيع تُشتَرى لي شاةٌ، فلم أجِدْ، فارسلتُ إلى جارٍ لي قد اشترى شاةً: أن أرسِلْ بها إليّ بثمنِها فلم يوجَدْ، فأرسلتُ إلى امرأتِه، فأرسلتْ إليّ بها، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "أطْعِمِيهِ الأُسارَى" 1. = وأخرجه ابن ماجه (2278)، والنسائي (4455) من طريق داود بن أبي هند، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (10410). وأخرج البخاري في "صحيحه" (2583) من حديث أبي هريرة، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "لياتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ من المال، أمِن الحلال أم من حرام.

4 -

باب في آكلِ الربا وموكلِه

3333 - حدَّثنا أحمدُ بن يونَس، حدَّثنا زهيرٌ، حدَّثنا سماكٌ، حدَّثني عبدُ الرحمن بن عبد الله بن مَسعودِ عن أبيه، قال: لعنَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- آكِلَ الربا وموكلَه وشاهدَه وكاتبَه 1.

5 -

باب في وَضْعِ الربا

3334 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو الأحوصِ، حدَّثنا شَبيبُ بن غَرقَدةَ، عن سليمانَ بن عَمرٍو عن أبيه، قال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- في حجةِ الوداعِ يقول: "ألا إنَّ كلَّ رباً من ربا الجاهليةِ مَوضوعٌ، لكم رؤوسُ أموالِكم لا تَظلِمونَ ولا تُظلَمونَ، ألا وإن كلَّ دمٍ من دمِ الجاهلية مَوضوعٌ، وأولُ دمٍ أضعُ منها دَمُ الحارثِ بن عبد المطّلب" كان مُستَرْضَعاً في بني ليث، فقَتلتْه هُذَيلٌ، قال: "اللهم هلْ بلَّغت"، قالوا: نعم، ثلاث مرات، قال: "اللهم اشهد" ثلاث مرات 1.

6 -

باب كراهية اليمين في البيع

3335 - حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن السَّرْح، حدَّثنا ابنُ وفبِ وحدَّثنا أحمدُ ابن صالح، حدَّثنا عَنبسةُ، عن يونسَ، عن ابن شهابٍ، قال: قال ابنُ المسيَّب: إن أبا هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "الحَلِفُ مَنْفَقةٌ للسِّلعةِ مَمْحَقةٌ للبركة -قال ابن السَّرح: للكَسْبِ-" وقال: عن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرةَ، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- 1. = فإنه يُنظر: فإن كانت لم تقبضه منه كلَّه، فإنا نُوجب لها عليه مهر المثل.
ولو قبضت نصفه وبقي النصفُ، فإنا نوجب عليه الباقي من نصف المهر، ونجعل الفائت من النصف الآخر كأن لم يكن، وعلى هذا إن كان نكاحاً يريدون أن يستأنفوا عقده فإنا لا نجيزُ من ذلك إلا ما أباحه حكمُ الإسلام، فإن كان أمراً ماضياً فإنا لا نفسخه ولا نَعرِض له، وعلى هذا القياس جميعُ هذا الباب.
وقوله: "دم الحارث بن عبد المطلب" فإن أبا داود هكذا رواه، وإنما هو في سائر الروايات: "دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب".
وحدثني عبد الله بن محمد المكي قال: حدَّثنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيدة قال: وأخبرني ابن الكلبي: أن ربيعة بن الحارث لم يُقتل وقد عاش بعد النبي -صلَّى الله عليه وسلم- إلى زمن عمر، وإنما قُتل له ابن صغير في الجاهلية، فأهدر النبي -صلَّى الله عليه وسلم- دمه فيما أهدر، ونسب الدم إليه لأنه هو وليُّ الدم.

7 -

باب في الرجحان في الوزن، والوزن بالأجر

3336 - حدَّثنا عُبيد الله بن مُعاذٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا سفيانُ، عن سماكِ بن حَرْبٍ حدَّثني سويدُ بن قيسِ، قال: جَلَبتُ أنا ومَخْرَفَةُ العبْديُّ بَزّاً من هَجَر، فأتينا به مكَّة، فجاءَنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يمشي، فساومَنا بسراويلَ، فبعناه، وثمَّ رجلٌ يزِنُ بالأجْر، فقال له رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "زِنء وأَرْجِحْ" 1. = وقوله: "الحلف" بفتح الحاء وكسر اللام: اليمين الكاذبة على البيع، وفي رواية مسلم: "اليمين" ولأحمد "اليمين الكاذبة".
"منفقة": مفعلة من: نفقَ البيعُ: راج ضد كسد.
"للسلعة" بكسر السين: البضاعة، أي: رواج لها.
ممحقة: مفعلة من المحق، أي: مذهبة للبركة، أي: مَظنَّة للمحق وهو النقص والمحو والإبطال.
قال الراغب: فحق المسلم أن يتحاشى من الاستعانة باليمين في الحق، وأن يتحقق قدر المقسم به، ويعلم أن الأعراض الدنيوية أخسُّ من أن يُفزع فيها إلى الحلف بالله، فإنه إذا قال: والله إنه لكذا تقديره: إن ذلك حق كما أن وجود الله حق، وهذا الكلام يتحاشى منه من في قلبه حبة خردل من تعظيم الله ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة:41]

2337 - حدَّثنا حفصُ بن عُمر ومسلمُ بن إبراهيمَ -المعنى قريب-، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن سماكِ بن حرب عن أبي صفوانَ بن عَميرةَ، قال: أتيتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- بمكة قبل أن يُهاجِر، بهذا الحديث، ولم يذكر: يزنُ بأجرٍ 1. قال أبو داودَ: رواه قيسٌ كما قال سفيانُ، والقولُ قولُ سفيانَ.
3338 - حدَّثنا ابنُ أبي رِزْمَةَ، سمعتُ أبي يقول: قال رجلٌ لشعبةَ: خالفَك سفيانُ، قال: دمَغْتَني.
وبلَغني عن يحيى بن معين، قال: كل مَن خالف سفيانَ، فالقول قولُ سفيان 2. 3339 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا وكيع، قال: قال شعبةُ: كان سفيانُ أحفظَ مني 3. = قال الشيخ: وفي مخاطبة النبي - صلَّى الله عليه وسلم - وأمره إياه به كالدليل على أن وزن الثمن على المشتري، فإذا كان الوزن عليه، لأن الإبقاء يلزمه، فقد دل على أن أجرة الوازن عليه، فإذا كان على المشتري فقياسه في السلعة المبيعة أن تكون على البائع.

8 -

باب في قول النبي -صلَّى الله عليه وسلم-: "المكيال مكيال أهل المدينة"

3340 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا ابن دُكَين، حدَّثنا سفيانُ، عن حنظلةَ، عن طاووسٍ عن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "الوزْنُ وزْنُ أهلِ مكةَ، والمكيالُ مكيالُ أهلِ المدينة" 1.

قال أبو داودَ: وكذا رواهُ الفِريابيُّ وأبو أحمدَ عن سفيان، وافقَهما في المتن، وقال أبو أحمد -وأخطأ- عن ابن عباس، مكانَ ابن عمر ورواه الوليد بن مسلم، عن حنظلةَ، قال: وزنُ المدينةِ ومكيالُ مكةَ.
= من أهل هذه البلدان محمول على عرف بلده وعادة قومة، لا يُنقَل عنها، ولا يُحمل على سواها، وليست كالدراهم والدنانير التي حُمل الناس فيها على عيارٍ واحدٍ وحكمٍ سواء ... ثم قال: وأما قوله: "والمكيال مكيال أهل المدينة" فإنما هو الصاع الذي يتعلق به وجوب الكفارات، ويجب إخراج صدقة الفطر به، ويكون تقدير النفقات وما في معناها بعياره، والله أعلم.
وللناس صيعان مختلفة: فصاع أهل الحجاز خمسة أرطال وثلث بالعراقي.
وصاع أهل البيت -فيما يذكلره زعماء الشيعة- تسعة أرطال وثلث، وينسبونه إلى جعفر بن محمد، وصاع أهل العراق ثمانية أرطال، وهو صاع الحجاج الذي سعّر به على أهل الأسواق.
ولما ولي خالد بن عبد الله القسري العراق ضاعف الصاع فبلغ به ستة عر رطلاً.
فإذا جاء باب المعاملات حملنا الصاع العراقي على الصاع المتعارف المشهور عند أهل بلاده، والحجازي على الصاع المعروف ببلاد الحجاز، وكذلك كل أهل بلد على عرف أهله.
وإذا جاءت الشريعة وأحكامها فهو صاع المدينة، فهو معنى الحديث ووجهه عندي، والله أعلم.
قلنا: مقدار ما سبَق ذكره من المكاييل والأوزان بالمقاييس المعاصرة كما سيأتى: أما الدرهم فيساوي (2.975) غم.
وأما الدينار فيساوي (4.25) غم.
والقيراط يساوي (0.2475) غم إذا اعتبرنا المثقال مقسماً إلى اثنين وعشرين قيراطا.
والحبة تساوي (0.059) غم من الذهب.
والعشرة دراهم تساوي (2.975 × 10) = (29.75) غم.
والرطل البغدادي يساوي (408) غم، وعليه يكون الصالح البغدادي (2176) غم وتحسب سائر الصيعان على أساس الرطل البغدادي.

واختُلِف في المتن في حديث مالك بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- في هذا.

9 -

باب التشديد في الدَّين

3341 - حدَّثنا سعيدُ بن منصورٍ، حدَّثنا أبو الأحوص، عن سعيدِ بن مَسروقٍ، عن الشعبيِّ، عن سَمعانَ عن سمرةَ، قال: خَطَبَنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فقال: "ها هُنا أحدٌ من بني فلانِ؟ " فلم يُجبْه أحدٌ، ثم قال: "ها هنا أحدٌ من بني فُلان؟ " فلم يُجبْه أحدٌ، ثم قال:، ها هنا أحدٌ من بني فُلان؟ " فقام رجل، فقال: أنا يا رسولَ الله، فقال -صلَّى الله عليه وسلم-: "ما مَنَعكَ أنْ تُجيبَني في المرتينِ الأولَيَينِ؟ إني لم أُنوِّة بكم إلا خيراً، إنَّ صاحبكم مَأسورٌ بدَيْنهِ" فلقد رأيتُه أُدِّي عنه حتى ما أحدٌ يطلبُه بشيءٍ 1.

قال أبو داود: سَمعان: ابنُ مُشَنَّجٍ.
3342 - حدَّثنا سليمانُ بن داودَ المَهْرِيُّ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، حدَّثني سعيدُ ابن أبي أيوبَ، أنه سمع أبا عبد الله القُرشيَّ يقول: سمعت أبا بُردةَ بنَ أبي موسى الأشعريَّ يقول: عن أبيه، عن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- أنه قال: "إنَّ من أعظمِ الذنوبِ عندَ الله أن يَلقاهُ بها عَبدٌ بعدَ الكبائرِ التي نَهى الله عنها: أن يموتَ رجلٌ وعليه دَينٌ لا يَدَعُ له قَضاءً" 1. = وأخرجه الطبراني في "الكبير" (6755) من طريق سعيد الوراق، و (6756) من طريق وكيع، كلاهما عن سفيان الثوري، عن أبيه، عن الشعبي، عن سمرة.
دون ذكر سمعان.
وأخرجه الطيالسي (891) و (892) وأحمد (20232)، والطبراني (6750 - 6753)، والحاكم 2/ 25 من طريق فراس بن يحيى، وأحمد (20124)، والطبراني (6754)، والبيهقي في "السنن الكبرى" 6/ 76، وفي "شعب الإيمان" (5545) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، والطبراني في "الأوسط" (3070) من طريق العلاء بن عبد الكريم، ثلاثتهم عن الشعبي، عن سمرة بن جندب.
دون ذكر سمعان في إسناده.
وفي باب حبس الميت بدينه عن أبي هريرة عند ابن ماجه (2413)، والترمذي (1101) و (1102) وهو حديث صحيح، ولفظه: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه".
وعن سعد بن الأطول عند ابن ماجه (2433)، وهو حديث صحيح.
وانظر تمام شواهده في "مسند أحمد" (20076).

3343 - حدَّثنا محمدُ بن المتوكِّل العَسقَلانيُّ، حدَّثنا عبدُ الرزَّاق، أخبرنا معمرٌ، عن الزهري، عن أبي سلمةَ عن جابر، قال: كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - لا يُصَلِّي على رجلٍ مات وعليه دَين، فَأُتي بميتٍ، فقال: "أعليه دين؟ " قالوا: نعم ديناران، قال: "صَلُّوا على صاحبكم" فقال أبو قتادةَ الأنصاريُّ: هما عليَّ يا رسول الله، فصَلَّى عليه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - فلما فتحَ اللهُ على رسوله قال: "أنا أوْلَى بكُلِّ مُؤمِنٍ من نفسِهِ، فمَن تَركَ ديناً فعَلَيَّ قَضاؤُهُ، ومَن ترك مالاً فلِورثتِه" 1. 3344 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ وقتيبةُ بن سعيدِ، عن شريكٍ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، رفعه.

قال عثمانُ: وحدَّثنا وكيعٌ، عن شريكٍ، عن سماك، عن عكرمةَ عن ابن عبَّاسٍ، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، مثله، قال: اشترى من عِيرٍ بَيعاً، وليس عنده ثمنُه، فأُربِحَ فيه، فباعَه، فتصدَّق بالربح على أرامل بني عبد المطّلب، وقال: "لا أشتري بعدَها شيئاً إلا وعندي ثمنُه" (1).

10 -

باب في المَطْل

3345 - حدَّثنا عبد الله بن مَسلَمةَ القَعْنَبيُّ: عن مالكٍ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرجِ عن أبي هريرة، أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "مَطْلُ الغنى ظُلمٌ، وإذا أُتبِعَ أحدُكم على مَليءٍ فليَتْبَعْ" 2.1

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وهو في "مسند أحمد" (7336) و (7541)، و"صحيح ابن حبان" (5053). قال الخطابي: قوله: "مطل الغني ظلم" دلالته أنه إذا لم يكن غنياً يجد ما يقضيه لم يكن ظالماً، وإذا لم يكن ظالماً بم يجز حبسُه، لأن الحبس عقوبة، ولا عقوبة على غير ظالم.
وقوله: "أُتبع" يريد: إذا أُحيل، وأصحاب الحديث يقولون: "إذا اتُّبعَ" بتشديد التاء، وهو غلط، وصوابه: "أُتْبعَ" ساكنة التاء على وزن أفعل، ومعناه: إذا أُحيل أحدكم على مليء فليحتل، يقال: تبعت الرجل بحقى أتبعتُه تباعة: إذا طالبتَه، وأنا تبيعُه، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء:69].
وفيه من الفقه إثبات الحوالة، وفيه دليل على أن الحق يتحول بها إلى المحال عليه، ويسقط عن المُحيل، ولا يكون عليه للمحتال سبيل عند موت المحال عليه أو إفلاسه، وذلك لأنه قد اشترط عليه الملاءمة، والحوالة قد تصح حكماً على المليء، فكان فائدة الشرط ما قلناه، والله أعلم.
وقد يستدل بهذا الحديث من يذهب إلى أن له الرجوع على المحيل إذا مات أو أفلس المُحال عليه، ويتأوله على غير وجهه الأول بأن يقول: إنما أمر بأن يتبعه إذا كان مليئاً، والمفلس غير مليء فليكن غير متبع به.
قال الشيخ: والدلالة على الوجه الأول هي الصحيحة، لأنه إنما اشترط له الملاءة وقت الحوالة لا فيما بعدها لأن (إذا) كلمة شرط موفت فالحكم يتعلق بتلك الحال لا بما بعدها، والله أعلم.
وقوله: "فليتبع" معناه: فليحتل، وهذا ليس على الوجوب، وإنما هو على الإذن له والإباحة فيه إن اختار ذلك وشاءه، وزعم داود أن المحال عليه إن كان مليئاً كان واجبا على الطالب أن يحوّل ما له عليه ويكره على ذلك إن أباه.
وقد اختلف العلماء في عود الحق إلى ذمة الغريم إذا مات المحال عليه أو أفلس، فقال أصحاب الرأي: إذا مات ولم يترك وفاء أو أفلس حياً، فإن المحتال يرجع به على الغريم.
وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور: لا يرجع.
واحتجوا كلهم بهذا الحديث.
وفيه قول ثالث، ذكره ابن المنذر عن بعضهم فلا أحفظه: أنه لا يرجع ما دام حياً، فإن الرجل يُوسر ويُعسر ما دام حياً، فإذا مات ولم يترك وفاء رجع به عليه.

11 -

باب في حسن القضاء

3346 - حدَّثنا القَعْنَبيُّ: عن مالكِ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يَسارِ عن أبي رافعٍ، قال: اسْتسْلَفَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بَكْراً، فجاءتْه إبلٌ من الصدقةِ، فأمرني أن أقضيَ الرجلَ بكْرَهُ، فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملاً خِياراً رَباعِيَاً، فقال النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-: "أعْطِه إياه، فإن خِيارَ الناسِ أحسنُهم قضاء" 1.

3347 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبلٍ، حدَّثنا يحيى، عن مِسعَرٍ، عن محاربٍ، قال: سمعت جابرَ بن عبد الله قال: كان لي على النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم - دَين، فقضاني وزادَني 1. = وفيه من الفقه: جواز تقديم الصدقة قبل مَحِلِّها، وذلك أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - لا يحلُّ له الصدقةُ، فلا يجوز أن يقضي من أهل الصدقة شيئاً كان لنفسه، فدل أنه إنما استسلف لأهل الصدقة من أرباب الأموال، وهو استدلال الشافعي.
وقد اختلف العلماء في جواز تقديم الصدقة على محل وقتها، فأجازه الأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وقال الشافعي: يجوز أن يعجل صدقة سنة واحدة، وقال مالك: لا يجوز أن يخرجها قبل حلول الحول، وكرهه سفيان الثوري.
وقال الإِمام الثوري: يجوز للمقرض أخذ الزيادة سواء زاد في الصفة أو في العدد، ومذهب مالك أن الزيادة في العدد منهي عنها، وحجة أصحابنا عموم قوله -صلَّى الله عليه وسلم-: "فإن خير الناس أحسنهم قضاءً".
وفي الحديث دليل على أن رد الأجود في القرض أو الدين من السنة ومكارم الأخلاق وليس هو من قرض جر منفعة، لأن المنهي عنه ما كان مشروطاً في عقد القرض.

12 -

باب في الصَّرْف

3348 - حدَّثنا عبد الله بن مسلمة القَعْنَبيُّ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن مالكِ بن أوسٍ عن عمر، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "الذهبُ بالورِقِ رِباً إلا هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ رِباً إلا هاء وهاء، والتمرُ بالتمرِ رِباً إلا هاء وهاء، والشعيرُ بالشعيرِ رباً إلا هاء وهاء" 1. = وهو في "مسند أحمد" (14192) و (14195)، و"صحيح ابن حبان" (2715). قال البغوي في "شرح السنة" 8/ 192 عند حديث أبي رافع مولى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - حين قال له رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - لما أخبره أنه لم يجد إلا أحسن من الجمل الذي استسلفه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - من الأعرابي: "أعطِه إياه"، قال البغوي: فيه دليل على أن من استقرض شيئاً فردَّه أحسن أو أكثر من غير شرط، كان محسنا، ويحل ذلك للمُقرض، قال النبي - صلَّى الله عليه وسلم - لبلال في قضاء ثمن جمل جابر: "اقضه وزده" واشترى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- سراويل، وثمَّ رجل يزن بالأجر، فقال للوزان: "زن وأرجح".
قال: فأما إذا شرط في القرض أن يردَّ أكثر أو أفضل، أو في بلد آخر فهو حرام ...

3349 - حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، حدَّثنا بشْرُ بن عمر، حدَّثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن أبي الخليل، عن مُسلمٍ المكيِّ، عنَ أبي الأشعثِ الصنعانيِّ عن عبادة بن الصامت، أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "الذهب بالذهبِ تِبْرُها وعَينُها، والفضةُ بالفضةِ تِبْرها وعَينُها، والبُرُّ بالبُرُّ مُدْيٌ بمُدْيٍ، والشعيرُ بالشعيرِ مُدْي بمُديِ، والتمرُ بالتمرِ مُدْي بمُديٍ، والملحُ بالملحِ مُدْي بمُدْيٍ، فمن زادَ أو ازداد -فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهبِ بالفضةِ والفضة أكثرُهما يداً بيدِ، وأمَّا نسيئةَ فلا، ولا بأس ببيع البُرِّ بالشعيرِ والشعيرُ أكثرُهما يداً بيد، وأما النسيئةُ فلا" 1. = وأخرجه البخاري (2170) -دون قوله: "الذهب بالورق"-، ومسلم (1586)، وابن ماجه (2260)، والترمذي (1287) من طريق الليث بن سعد، عن الزهري، به وهو في "مسند أحمد" (162) و (314)، و"صحيح ابن حبان" (5013). وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في "سنن ابن ماجه" بتحقيقنا.
قال الخطابي: "هاء وهاء" معناه التقابض، وأصحاب الحديث يقولون: (ها وها) مقصورين، والصواب مدهما ونصب الألف منهما.
وقوله: (هاء) إنما هو قول الرجل لصاحبه إذا ناوله الشيء: (هاك) أي: خذ، فأسقطوا الكاف منه وعوضوه المدّ بدلاً من الكاف، يقال للواحد: هاء، والاثنين: هاؤما، بزيادة الميم، وللجماعة: هاؤم، قال الله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:19]، وهذا قول الليث بن المظفر.

قال أبو داود: روى هذا الحديث سعيدُ بن أبي عَروبةَ وهشامٌ الدَّستُوائيُّ، عن قتادةَ، عن مسلمِ بن يَسارٍ، بإسناده.
3350 - حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن خالدِ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي الأشعثِ الصَّنْعانىٍّ = وأخرجه النسائي (4563) من طريق قتادة، عن مسلم بن يسار، به.
فأسقط من إسناده أبا الخليل!! وقال يحيى القطان ويحيى بن معين: لم يسمع قتادة من مسلم بن يسار.
وأخرجه أحمد (22729)، وابن ماجه (2254)، والنسائي (4560) و (4561) و (4562) من طريق سلمة بن علقمة التميمي، عن محمد بن سيرين، عن مسلم بن يسار وعبد الله بن عُبيد، عن عبادة بن الصامت.
ومسلم بن يسار لم يسمع هذا الحديث من عبادة، بينه وبينه أبو الأشعث كما مضى، وكما في إسناد المصنف.
وأخرجه أحمد (22724)، والنسائي (4566) من طريق حكيم بن جابر، عن عبادة بن الصامت.
وانظر ما بعده.
قال الخطابي: قوله: "تبرها وعينُها" التبْر: قطع الذهب والفضة قبل أن تُضرب وتطبع دراهم ودنانير، واحدتها: تبرة، ومن هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 139]، والله أعلم.
والعين: المضروب من الدراهم والدنانير، والمدي: مكيال يعرف ببلاد الشام وبلاد مصر يتعاملون به، وأحسبه خمسة عشر مكوكاً، والمكوك صاع ونصف.
وحرَّم رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - أن يباع مثقال ذهب عين بمثقال ذهب وشيء من تبر غير مضروب، وكذلك حرَّم التفاوت بين المضروب من الفضة وغير المضروب، وذلك معنى قوله: "تبرها وعينها" أي: كلاهما سواء، وهذا من باب معقول الفحوى، ثم زاده بياناً بما نسق عليه من قوله: "ولا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يداً بيد" وكان ذلك من باب دليل الخطاب ومفهومه وكلا الوجهين بيان، وأهل اللغة يتفاهمون بها، ثم هو قول عامة المسلمين إلا ما روي عن أسامة بن زيد وابن عباس في جواز بيع الدرهم بالدرهمين، وقد روي عن ابن عباس أنه رجع عنه.

عن عُبادة بن الصامتِ، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، بهذا الخبر يزيدُ ويَنقُصُ، وزاد: قال: "فإذا اختلفتْ هذه الأصنافُ فبيعوا كيف شئتُم، إذا كان يداً بيد" (1).

13 -

باب في حِلية السيف تُباع بالدراهم

3351 - حدَّثنا محمد بن عيسى وأبو بكر بن أبي شيبةَ وأحمدُ بن مَنيعٍ قالوا: حدَّثنا ابن المبارك (ح) وحدَّثنا ابنُ العلاء، أخبرنا ابنُ المبارك، عن سعيدِ بن يزيدَ، حدَّثني خالدُ ابن أبي عِمرانَ، عن حَنَشٍ عن فَضَالة بن عُبيدِ، قال: أُتيَ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- عامَ خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز -قال أبو بكر وابنُ مَنيع: فيها خرزٌ مُعَلَّقة بذهب، ثم اتففوا- ابتاعها رجلٌ بتسعةِ دنانيرَ أو بسبعةِ دنانيرَ، فقال النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-: "لا، حتى تُمَيِّزَ بينه وبينه" فقال: إنما أردتُ الحجارةَ، فقال النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم-: "لا، حتى تُمَيِّزَ بينَهما" قال: فردَّه حتى ميَّز بينهما، وقال ابن عيسى: أردتُ التجارة 2.1

قال أبو داود: وكان في كتابه؟ الحجارة.
3352 - حدَّثنا قتيبةُ بن سعيدٍ، حدَّثنا الليثُ، عن أبي شجاعٍ سعيدِ بن يزيدَ، عن خالد بن أبي عِمرانَ، عن حَنَشِ الصَّنعانيِّ = وأخرجه مسلم (1591)، والترمذي (1300) من طريق عبد الله بن المبارك، بهذا الإسناد.
وأخرج مسلم (1591) من طريق عامر بن يحيى المعافري، عن حنش الصنعاني، قال: كنا مع فضالة بن عُبيد في غزوة، فطارت لي ولأصحابي قلادة فيها ذهب وورِق وجوهر، فأردت أن أشتريها، فسألت فضالة بن عبيد فقال: انزع ذهبها، فأجعله في كفة، واجعل ذهبك في كفة، ثم لا تأخذن إلا مثلاً بمثل، فإني سمعت رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلاً بمثل".
وأخرج نحو لفظ ابن المبارك مسلم (1591) من طريق عُلَيّ بن موسى اللخمي، عن فضالة بن عُبيد، إلا أنه قال في روايته: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "الذهب بالذهب وزناً بوزن".
وهو في "شرح مشكل الآثار" (6096). وانظر تالييه.
قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي - صلَّى الله عليه وسلم - وغيرهم: لم يروا أن يباع السيف محلَّى أو مِنطقة مفضضة، أو مثل هذا، بدراهم حتى يُميَّز ويُفصَل، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقد رخص بعض أهل العلم في ذلك من أصحاب النبي - صلَّى الله عليه وسلم - وغيرهم.
وقال الخطابي: وقال أبو حنيفة: إن كان الثمن أكثر مما فيه من الذهب جاز، وإن كان مثله أو أقل منه لم يجُز.
وذهب مالك إلى نحو من هذا في القلة والكثرة إلا أنه حدّد الكثرة بالثلثين، والقلة بالثلث.
وقال حماد بن أبي سليمان: لا بأس بأن تشتريه بالذهب، كان الثمن أقل أو أكثر.

عن فَضَالةَ بن عُبيدٍ، قال: اشتريتُ يومَ خيبرَ قلادةً باثني عشر ديناراً، فيها ذهبٌ وخَرَزٌ، ففَضَّلتُها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي -صلَّى الله عليه وسلم-، فقال: "لا تُبَاع حتى تُفَصَّل" (1). 3353 - حدَّثنا قتيبةُ بن سعيدٍ، حدَّثنا الليثُ، عن ابن أبي جعفرِ، عن الجُلاح أبي كثيرِ، حدَّثني حنشٌ الصَّنعانيُّ عن فَضَالةَ بن عُبيد، قال: كنا مع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- يوم خيبرَ نُبَايع اليهودَ الأوقيةَ من الذهب بالدينار -قال غيرُ قُتيبةَ: بالدينارين والثلاثة، ثم اتفقا- فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا تَبِيعُوا الذهبَ بالذهب إلا وَزناً بوَزن" (2).

14 -

باب اقتضاء الذهب من الوَرِق

3354 - حدَّثنا مُوسى بن إسماعيلَ ومحمدُ بن مَحبوبٍ -المعنى واحد- قالا: حدَّثنا حمادٌ، عن سِمَاكِ بن حَرْبٍ، عن سعيد بن جُبَيرٍ12

عن ابن عُمر، قال: كنتُ أبيعُ الإبلَ بالبقيع، فأبيعُ بالدنانير وآخذُ الدراهمَ، وأبيعُ بالدراهمِ وآخذُ الدنانيرَ، آخذُ هذه من هذه، وأُعطي هذه من هذه، فأتيتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- وهو في بيت حفصةَ، فقلت: يا رسول الله، رُوَيْدَك أسألْك، إني أبيعُ الإبلَ بالبقيع، فأبيعُ بالدنانير وآخذُ الدراهمَ، وأبيعُ بالدراهمِ وآخذُ الدنانيرَ، آخذُ هذه من هذه، وأُعطي هذه من هذه، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا بَأسَ أن تأخُذَها بسعْرِ يومِها، ما لم تَفْترِقا وبينكُما شيءٌ" 1.

3355 - حدَّثنا حُسين بن الأسودِ العجلي، حدَّثنا عُبيد الله، أخبرنا إسرائيلُ، عن سِمَاكٍ، بإسناده ومعناه، والأول أتم، لم يذكر: "بِسعْرِ يومِها" (1).

15 -

باب في الحيوان بالحيوان نسيئةً

3356 - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ عن سمرةَ: أن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- نَهَى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً 2.1 = ما لم يضمن، واقتضاء الذهب من الفضة خارج عن هذا المعنى، لأنه إنما يراد به التقابض، والتقابض من حيث لا يَشُقُّ ولا يتعذر دون التصارت والترابح، ويبين لك صحة هذا المعنى قوله: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها" أي: لا تطلب فيها الربح ما لم تضمن، واشترط أن لا يتفرقا وبينهما شيء، لأن اقتضاء الدراهم من الدنانير صرف، وعقد الصرف.
لا يصح إلا بالتقابض.
وقد اختلف الناس في اقتضاء الدراهم من الدنانير، فذهب أكثر أهل العلم إلى جوازه، ومنع من ذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن وابن شبرمة، وكان ابن أبي ليلى يكره ذلك إلا بسعر يومه، ولم يعتبر غيره السعر، ولم يتأولوا كان ذلك بأغلى أو بأرخص من سعر اليوم، والصواب ما ذهبت إليه، وهو منصوص في الحديث، ومعناه ما بينته لك فلا تذهب عنه، فإنه لا يجوز غير ذلك، والله أعلم.

16 -

باب في الرخصة فيه

3357 - حدَّثنا حفصُ بن عُمر، حدَّثنا حمادُ بن سلمةَ، عن محمد بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن مُسلم بن جُبيرٍ، عن أبي سفيانَ، عن عَمرو بن حَرِيش عن عبد الله بن عمرو: أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -صلَّى الله عليه وسلم- أمره أن يجهِّز جيشاً، فنَفِدَتِ الإبلُ، فأمره أن يأخذَ في قِلاصِ الصدقةِ، فكان ياخُذُ البَعيرَ بالبَعيرين إلى إبلِ الصدقة 1. = وثالث من حديث ابن عباس عند ابن حبان (5028). وإسناده صحيح.
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي-صلى الله عليه وسلم- صلَّى الله عليه وسلم - وغيرهم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وبه يقول أحمد.
ورخَّص بعض أهل العلم من أصحاب النبي - صلَّى الله عليه وسلم - وغيرهم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو قول الشافعي وإسحاق.
وقد ذكر البغوي في "شرح السنة" 8/ 74 أن ممن رخص في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة علي وابن عمر، وأنه إليه ذهب سعيد بن المسيب وابن سيرين والزهري، وأنه قول الشافعي وإسحاق، سواء كان الجنس واحداً أو مختلفاً، مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم، وسواء باع واحداً بواحد أو باثنين فأكثر.
ونقل عن مالك أنه قال: إن كان الجنس مختلفاً يجوز، وإن كان متفقاً فلا.
وذكر أن حجة القائلين بالجواز حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -وهو الآتي عند المصنف بعد هذا الحديث-.

17 -

باب في ذلك إذا كان يداً بيد

3358 - حدَّثنا يزيدُ بن خالدٍ الهَمْدانيُّ وقتيبةُ بن سعيدِ الثقفيُّ، أن الليثَ حدَّثهم، عن أبي الزُّبير عن جابر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اشترى عَبْداً بعبدَين (1).

18 -

باب في الثمَر بالتمْر

3359 - حدَّثنا عبدُ الله بن مَسلمةَ، عن مالكِ، عن عَبد الله بن يزيدَ، أن زيداً أبا عيَّاشٍ أخبرَه1 = وأخرجه أحمد (6593)، والدارقطني (3053) من طريق جرير بن حازم، وأحمد (7025) من طريق إبراهيم بن سعد، كلاهما عن محمد بن إسحاق، عن أبي سفيان، عن مسلم بن جبير، عن عمرو بن الحريش، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
فأسقطا من الإسناد يزيد بن أبي حبيب، وقدّما أبا سفيان على مسلم بن جبير.
وانظر تمام تخريجه وبيان الاختلاف فيه في "المسند".
وله طريق أخرى يقوى بها أخرجها الدارقطني (3052)، ومن طريقه البيهقي 5/ 287 - 288 من طريق ابن وهب، عن ابن جريج، أن عمرو بن شعيب أخبره، عن أبيه عن عبد الله بن عمرو.
وإسناده حسن، وقد قواه الحافظ في "الفتح" 4/ 419. وانظر فقه الحديث عند الحديث السابق.
قوله: قِلاص: هو جَمعُ قلوص، وهي الفتية من الإبل.

أنه سأل سعْدَ بن أبي وَقَّاص، عن البَيضاء بالسُّلْت، فقال له سعْدٌ: أيهما أفضلُ؟ قال: البيضاء، قال: فنهاه عن ذلك".
وقال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يسأل عن شراءِ التمْر بالرطَب، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أينقصُ الرطبُ إذا يبسَ؟ " قالوا: نعم، فنهاه عن ذلك 1. قال أبو داود: رواه إسماعيلُ بن أُميةَ نحو حديث مالك.
3360 - حدَّثنا الربيعُ بن نافع أبو توبةَ، حدَّثنا معاويةُ -يعني ابن سلاَّم- عن يحيى بن أبي كثيرِ، أخبرنا عَبد الله، أن أبا عيّاشِ أخبره أنه سمع سعد بن أبي وَقَّاص يقول: نهى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم-، عن بيعِ الرطبِ بالتمرِ نسيئةً 2.

قال أبو داود: رواه عِمرانُ بن أبي أنَسٍ، عن مولًى لبني مخزوم، عن سعْدٍ، عن النبي-صلى الله عليه وسلم- نحوه.

19 -

باب في المزابنة

1 3361 - حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، حدَّثنا ابن أبي زائدةَ، عن عُبيد الله، عن نافعٍ عن ابن عمر: أن النبي-صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع الثَّمَر بالتمر كيلاً، وعن بيعِ العنبِ بالزبيبِ كيلاً، وعن بيعِ الزرعِ بالحسّنطةِ كيلاً 2.

20 -

باب في بيع العَرايا

3362 - حدَّثنا أحمدُ بن صالحٍ، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، أخبرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، أخبرني خارجةُ بن زيدِ بن ثابتٍ عن أبيه: أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- رَخَّصَ في بيعِ العَرايا بالتمْر والرطَب 1. 3363 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا ابنُ عُيينةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن بُشَير بن يسارٍ

عن سهْل بن أبي حَثْمَةَ: أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -صلَّى الله عليه وسلم- نهى عن بيع الثمَرِ بالتمْر، ورخَّصَ في العَرِيَّة أن تباعَ بخَرْصِها، يأكلُها أهلُها رُطَباً (1).

21 -

باب في مقدار العَريَّة

3364 - حدَّثنا عبد الله بن مَسْلَمةَ، حدَّثنا مالك، عن داودَ بن الحُصَين، عن مولى ابنِ أبي أحمدَ -قال أبو داود: وقال لنا القَعْنبيُّ فيما قرأ على مالك: عن أبي سفيانَ، واسفه قُزْمان مولى ابن أبي أحمدَ- عن أبي هريرة: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- رَخَّصَ في بيعِ العرايا فيما دون خَمسةِ أَوْسُقٍ -أو في خَمسةِ أَوْسُقٍ- شك داودُ بن الحُصَين 2. قال أبو داود: حديثُ جابر إلى أربعةِ أوسقٍ.1

22 -

باب تفسير العَرايا

3365 - حدَّثنا أحمدُ بن سعيد الهَمْدَانيُّ، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني عَمرو بن الحارث عن عبدِ ربِّه بن سعيدٍ الأنصاريِّ، أنه قال: العَرِيَّةُ: الرجلُ يُعْرِي الرَّجلَ النَّخلَةَ، أو الرجلُ يستثني من ماله النخلةَ أو الاثنتَين يأكلُها، فيبيعُها بتمرِ (1). 3366 - حدَّثنا هنّادُ بن السَّريِّ، عن عبدةَ عن ابن إسحاقَ، قال: العرايا أن يهَبَ الرجلُ للرجلِ النخَلات فيشُقُّ عليه أن يقُوم عليها، فيبيعُها بمثلِ خَرْصِها (2).

23 -

باب في بيعِ الثمارِ قبل أن يَبْدُوَ صلاحُها

3367 - حدَّثنا عبدُ الله بن مَسلمةَ القَعْنبيُّ، عن مالكٍ، عن نافعِ عن عبدِ الله بن عُمر: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- نَهَى عن بيع الثمارِ حتى يَبدُوَ صلاحُها، نَهَى البائعَ والمشتريَ 3.12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه البخاري (2194)، ومسلم (1534)، وابن ماجه (2214)، والنسائي (4519) من طرق عن نافع، به.
وأخرجه البخاري (2183) و (2199) ومسلم بإثر (1538)، والنسائي (4520) من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، والبخاري (1486)، ومسلم (1534) من طريق عبد الله بن دينار، كلاهما عن ابن عمر.
وأخرجه البخاري (2247) و (2249) من طريق أبي البختري، عن ابن عمر قال: نُهي عن بيع النخل حتى يصلح، وعن بيع الوَرِقِ نَساءً بناجزِ، أي: عن بيع الوَرق وهو الفضة بالذهب نَساء: تاخيراً.
هو في "مسند أحمد" (4525) و (6058)، و"صحيح ابن حبان" (4981) و (4989). وانظر ما بعده، وما سيأتي برقم (3467). قال الخطابي: الثمرة إذا بدا صلاحها أمنت العاهة غالباً وما دامت وهي رخوة رَخْصة -أي: رطبة- قبل أن يشتد حبها أو يبدو صلاحها فإنها بعرض الآفات، وكان نهيه البائع عن ذلك لأحد وجهين: أحدهما: احتياطاً له بأن يدعها حتى يتبين صلاحها، فيزداد قيمتها ويكثر نفعه منها.
وهو إذا تعجّل ثمنها لم يكن فيها طائل لقلّته، فكان ذلك نوعاً من إضاعة المال.
والوجه الآخر: أن يكون ذلك مناصحة لأخيه المسلم، واحتياطاً لمال المشتري لئلا ينالها الآفة، فيبور ماله، أو يطالبه برد الثمن من أجل الحاجة، فيكون بينهما في ذلك الشر والخلاف، وقد لا يطيب للبائع مال أخيه منه في الورع إن كان لا قيمة له في الحال، إذ لا يقع له قيمة فيصير كأنه نوع من أكل المال بالباطل.
وأما نهيه المشتري: فمن أجل المخاطرة والتغرير بماله، لأنها ربما تلفت بأن تنالها العاهة فيذهب ماله، فنهى عن هذا البيع تحصيناً للأموال، وكراهة للتغرير.
ولم يختلف العلماء أنه إذا باعها أو شرط عليه القطع جاز بيعها، وإن لم يبد صلاحها، وإنما انصرف النهي إلى البيع قبل بدوّ الصلاح من التبقية، إلا أن الفقهاء اختلفوا فيما إذا باعها بعد بدوِّ الصلاح.
=

3368 - حدَّثنا عبدُ الله بن محمد النُّفَيليُّ،،، حدَّثنا ابن عُلَيةَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ عن ابن عمر: أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعِ النخْل حتى يَزْهُوَ، وعن السُّنبُلِ حتى يَبْيضَّ ويأمَنَ العاهَةَ، نهى البائعَ والمشتريَ 1. 3369 - حدَّثنا حفصُ بن عُمر النَّمَريُّ، حدَّثنا شعبةُ، عن يزيدَ بن خُمَيرِ، عن مولًى لقُريشٍ عن أبي هريرة قال: نهى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم عن بيعِ الغنائم حتى تُقْسَم، وعن بيعِ النخلِ حتى تُحْرَزَ من كلَّ عارِضٍ، وأن يُصليَ الرجل بغير حِزامٍ 2. = فقال أبو حنيفة: البيع جائز على الإطلاق.
وعليه القطع.
فيكون في معنى من شرط القطع.
وقال الشافعي: البيع جائز، وعلى البائع تركها على الشجر حتى تبلغ إناها، وجعل العرف فيها كالشرط، واستدل بما روي عن النبي-صلى الله عليه وسلم- من طريق حميد عن أنس: أنه نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها.
وقال: أرأيت إن منع له الثمرة، فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ " قال: فدل ذلك على أن حكم الثمرة التبقية، ولو كان حكمها القطع، لم يكن يقع معه منع الثمرة.

3370 - حدَّثنا أبو بكر محمدُ بن خلاَّد الباهليُّ، حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن سليمِ بن حيّانَ، أخبرنا سعيدُ بن مِيناء، قال: سمعت جابرَ بن عبد اللهقول: نهى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن تُباعَ الثمرةُ حتى تُشْقِحَ، قيل: وما تُشْقِحُ؟ قال: "تَحْمارُّ وتَصْفارُّ، ويُؤكَل منها" 1. = وأخرجه أحمد (9017) و (9909) و (10105)، والخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق" 2/ 20 من طرق عن شعبة بن الحجاج، بهذا الإسناد.
وأخرجه قطعة النهي عن بيع المغانم حتى تُقسم: ابنُ أبي شيبة 12/ 437 من طريق شعبة، به.
وأخرج قطعة الاحتزام: البيهقي 2/ 240 من طريق شعبة، به.
وأخرج مسلم (1538) من طريق عبد الرحمن بن أبي نُعم، ومسلم أيضاً بإثر (1539) وابن ماجه (2215)، والنسائي (4521) من طريق سعيد بن المسيب وأبي سلمة ابن عبد الرحمن، ثلاثتهم عن أبي هريرة رفعه: "لا تبتاعوا الثمر حتى يَبْدُوَ صلاحُه".
وسيأتي عند المصنف برقم (3376) من طريق الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي-صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع الغرر.
وهو في "صحيح مسلم" (1513). وبيع الغرر يدخل فيه بيع الغنائم حتى تُقسم وبيع النخل حتى يُحرَزَ، لأن كلاهما من بيوع الغرر التي فيها جهالة.
ويشهد لقطعة النهي عن الصلاة بغير حزام حديث سلمة بن الأكوع السالف عند المصنف برقم (632) قال: قلت: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إني رجلٌ أصيدُ، أفأصلي في القميص الواحد؟، قال: "نعم" وازرُزه ولو بشوكة".
وإسناده حسن.
وقوله: بغير حزام، أي: من غير أن يشد ثوبه عليه، لأنهم كانوا قلّما يتسَرْولُون، وإذا لم يُشَدّ الوسط، ربما بدت العورة.
انظر"النهاية".

3371 - حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، حدَّثنا أبو الوليد، عن حماد بن سلمةَ، عن حميدٍ عن أنس: أن النبيَّ- صلى الله عليه وسلم -صلَّى الله عليه وسلم- نهى عن بيعِ العنَبِ حتى يَسْوَدَّ، وعن بيعِ الحبِّ حتى يَشتدَّ 1. = وأخرجه مسلم بإثر (1543) من طريق أبو الوليد المكي وعطاء بن أبي رباح، عن جابر بلفظ: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-صلَّى الله عليه وسلم- أن يُشترى النخل حتى يُشْقِه، والإشقاه أن يحمّر أو يصفّر أو يؤكل منه شيء، وهذا يحتمل أن يكون من تفسيره -صلَّى الله عليه وسلم-، ويحتمل أن يكون من جابر، وربما كان من عطاء أو من دونه.
وهو في "مسند أحمد" (14438)، و"صحيح ابن حبان" (4992). وأخرجه مسلم (1536) من طريق أبي الزبير، ومسلم (1536) والنسائي (3921) من طريق عمرو بن دينار كلاهما عن جابر قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-صلَّى الله عليه وسلم- عن بيع الثمر حتى يطيب.
وقال عمرو بن دينار: حتى يبدوَ صلاحُه.
وسيأتي برقم (3373) بلفظ: أن النبي-صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه.
وانظر تمام تخريجه هناك.
قال الخطابي: التشقيح: تغتر لونها إلى الصفرة والحُمرة، والشقحة: لون غير خالص في الحمرة والصفرة، وإنما هي تغير لونه في كُمودة، ومنه قيل: قبيح شقيح، أي: تغير اللون إلى السماجة والقُبح.
وإنما قال: تَحْمارُّ وتَصْفارُّ، لأنه لم يُرد به اللون الخالص، وإنما يُستعمل ذلك في اللون المتميل، يقال: ما زال يحْمارّ وجهه ويَصْفارّ، إذا كان يضرب مرة إلى الصفرة ومرة إلى الحمرة، فإذا أرادوا أنه قد تمكن واستقر قالوا: تحمَّر وتصفَّر.
وفي قوله: "حتى تشقح" دليل على أن الاعتبار في بدوّ الصلاح إنما هو بحدوث الحمرة في الثمرة دون إتيان الوقت الذي يكون فيه صلاح الثمار غالباً.

جارٍ التحميل