سنن أبي داود ت الأرنؤوطصفحات 511-550

كتاب الفرائض

صفحات 511-550
عن هذه الطبعة
عَلَم
السجستاني، أبو داود
الكتاب
سنن أبي داود
المؤلف
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
المحقق
شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
الناشر
دار الرسالة العالمية
الطبعة
الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

1 -

باب في تعليم الفرائض

2885 - حدَّثنا أحمدُ بن عَمرو بن السَّرح، قال: أخبرنا ابنُ وهْبٍ، حدثني عبدُ الرحمن بن زياد، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخِيِّ عن عبد الله بن عَمرو بن العاصِ، أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "العلمُ ثَلاثةٌ، وما سِوى ذلك فهو فضلٌ: آيةٌ مُحكَمةٌ، أو سنةٌ قائمةٌ، أو فريضةٌ عادلةٌ" (1).

2 -

باب في الكَلاَلةِ

2886 - حدَّثنا أحمدُ بن حنْبلٍ، حدَّثنا سفيانُ، قال سمعتُ ابنَ المُنكَدِر أنه سممع جابراً يقول: مرضتُ فأتاني النبي - صلَّى الله عليه وسلم - يعودُني هو وأبو بكر ماشِيَيْن، وقد أُغْمِيَ عليَّ، فلم أُكلِّمه، فتوضَّأ وصبَّه عليَّ، فأفَقْتُ، فقلتُ: يا رسول الله، كيف أصنعُ في مالي ولي أخَوَاتٌ؟ قال: فنزلتْ آيةُ المواريث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ 2 [النساء: 176].1

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = منصور المكي والفضل بن الصباح، وقتيبة بن سعيد في بعض رواياته، وغيرهم، ولم يذكرها عنه عبدُ الله بن محمد الجعفي وعلي بن المديني وقتيبة بن سعيد في روايات أخرى.
ووافقهم على عدم ذكرها شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، وإنما قالا: نزلت آية الفرائض أو آية الميراث، لكن قال شعبة في إحدى الروايات عند مسلم: فقلت لمحمد بن المنكدر: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾؟ قال: هكذا أنزلت.
فدلَّ على أنها مدرجة في الحديث من قول سفيان بن عيينة.
ويؤيد أنها من إدراج ابن عيينة أن ابن جريج وعمرو بن أبي قيس قد روياه عن محمد بن المنكدر فذكرا آية الميراث الأولى في سورة النساء: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ يعني إلى آخر قوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
وكذلك رواه عبد بن حميد، عن يحيى بن آدم، عن سفيان ابن عيينة.
لكن ذلك غير محفوظ عن سفيان بن عيينة.
وقد رواه أبو الزبير، عن جابر كما في الطريق الآتي بعده عند المصنف، وذكر فيه قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: 176] إلا أن أبا الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي- مدلِّس وقد عنعن.
ومن ثَمَّ قال الحافظ في "الفتح" 8/ 244: فالحاصل أن المحفوظ عن ابن المنكدر أنه قال: آية الميراث أو آية الفرائض، والظاهر أنها: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ كما صرح به في رواية ابن جريج ومن تابعه، وأما من قال: إنها: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ فعمدتُه أن جابراً لم يكن له حينئذٍ ولد، وإنما يورث كلالة، فكان المناسب لقصته نزول الآية الأخيرة، لكن ليس ذلك بلازم، لأن الكلالة مختلف فىِ تفسيرها، فقيل: هي اسم المال الموروث، وقيل: اسم الميت، وقيل: اسم الإرث، وقيل: ما تقدم، فلما لم يعين تفسيرها بمن لا ولد له ولا والد، لم يصح الاستدلال، لما قدمته أنها نزلت في آخر الأمر، وآية المواريث نزلت قبل ذلك بمدة ... إلى أن قال: وإذا تقرر جميع ذلك ظهر أن ابن جريج، لم يهم كما جزم به الدمياطي ومن تبعه، وأن من وهمَّه هو الواهم، والله أعلم.
=

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وهو في "مسند أحمد" (14298). وأخرجه مسلم (1616) عن عمرو الناقد، وابن ماجه (2728) عن هشام بن عمار، والترمذي (2228)، والنسائي في "الكبرى" (6288) و (11069) عن محمد ابن منصور المكي، و (7456) عن قتيبة بن سعيد، أربعتهم عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
كرواية المصنف.
إلا أن هشاماً وهم فقال: نزلت آية الميراث، في آخر النساء ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ الآية.
و ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الآية.
ذلك لأن الآية الأولى ليست في آخر سورة النساء، وإنما هي في أولها عند آية الفرائض الثانية.
وأخرجه البخاري (5651) عن عبد الله بن محمد الجُعفي، و (6723) عن قتيبة ابن سعيد، و (7309) عن علي بن المديني، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة، به فلم يذكروا الآية، واقتصروا على قولهم: آية الميراث أو المواريث.
وأخرجه أحمد (14186)، والبخاري (194) و (5676) و (6743)، ومسلم (1616)، والنسائي في "الكبرى" (6287) و (7470) من طريق شعبة بن الحجاج، ومسلم (1616) من طريق سفيان الثوري، كلاهما عن محمد بن المنكدر، به.
فقال شعبة: نزلت آية الفرائض، وقال الثوري: نزلت آية الميراث، ولم يذكراها، لكن جاء في إحدى روايات شعبة عند مسلم: فقلت لمحمد بن المنكدر: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾؟ قال: هكذا أنزلت.
وأخرجه البخاري (4577)، ومسلم (1616)، والنسائي في "الكبرى" (6289) و (11025) من طريق ابن جريج، والترمذي (2227) من طريق عمرو بن أبي قيس، كلاهما عن محمد بن المنكدر، به.
لكنهما قالا: فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية.
وأخرجه الترمذي (3262) عن عبد بن حميد، عن يحيى بن آدم، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، به.
فذكر الآية التي ذكرها ابن جُريج وعمرو بن أبي قيس، وليس ذلك بمحفوظ في حديث سفيان بن عيينة كما أسلفنا.
وانظر ما بعده.
=

3 -

باب مَنْ كان ليس له ولد وله أخوات

2887 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا كثيرُ بن هشامٍ، حدَّثنا هشامٌ -يعني الدَّستُوائيَّ- عن أبي الزبير عن جابر، قال: اشتكيْتُ وعندي سبعُ أخَواتٍ، فدخَلَ عليَّ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فنفخ في وجهي، فأفقْتُ، فقلت: يا رسولَ الله، ألا = قال النووي في "شرح مسلم" عند حديث معدان بن أبي طلحة برقم (1617): واختلفوا في اشتقاق الكلالة، فقال الأكثرون: مشتقة من التكلل، وهو التطرف، فابن العم مثلاً يقال له: كلالة، لأنه ليس على عمود النسب، بل على طرفه، وقيل: من الإحاطة، ومن الإكليل، وهو شبه عصابة تزيّن بالجوهر، فسموا كلالة لإحاطتهم بالميت من جوانبه، وقيل: مشتقة من كَلَّ الشيء إذا بعد وانقطع، ومنه قولهم: كلّت الرحم: إذا بعدت وطال انتسابها، ومنه: كلَّ في مشيه: إذا انقطع لبُعد مسافته، قال: واختلف العلماء في المراد بالكلالة في الآية على أقوال: أحدها: المراد الوراثة، إذا لم يكن للميت ولد ولا والد، وتكون الكلالة منصوبة على تقدير: يورث وراثة كلالة.
قلنا: يعني قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ [النساء: 12].
والثانى: أنه اسم للميت الذي ليس له ولد ولا والد، ذكراً كان الميت أو أنثى، كما يقال: رجل عقيم، وامرأة عقيم، وتقديره: يُورَث كما يورث في حال كونه كلالة، وممن روي عنه هذا أبو بكر الصديق وعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس رضى الله عنهم أجمعين.
والثالث: أنه اسم للورثة الذين ليس فيهم ولد ولا والد، احتجوا بقول جابر رضي الله عنه: إنما يرثني كلالة، ولم يكن ولد ولا والد.
والرابع: اسم للمال الموروث، قال الشيعة: الكلالة من ليس له ولد، وإن كان له أب أو جد فورثوا الإخوة مع الأب، قال القاضي: وروي ذلك عن ابن عباس، قال: وهي رواية باطلة لا تصح عنه، بل الصحيح عنه ما عليه جماعة العلماء، قال: وذكر بعض العلماء الإجماع على أن الكلالة من لا ولد له ولا والد.

أُوصي لأخَواتي بالثُلثَين؟ قال: "أحْسِنْ" قلت: الشطر؟ قال: " أحْسِنْ" ثم خرج وتركني، فقال: "يا جابر، لا أُرَاكَ مَيِّتاً من وَجَعِكَ هذا، وإن الله قد أنزلَ فبَيَّن الذي لأخَواتِك، فجعل لهن الثُّلثَين" قال: فكان جابرٌ يقول: أُنزلتْ هذه الآيةُ في: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ 1 [النساء: 176]. 2888 - حدَّثنا مُسلمُ بن إبراهيمَ، حدَّثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ عن البراء بن عازب، قال: آخرُ آيةِ نزلت في الكَلاَلة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ 2.

2889 - حدَّثنا منصورُ بن أبي مُزاحِم، حدَّثنا أبو بكر، عن أبي إسحاقَ عن البراء بن عازب، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسولَ الله، يستفتونك في الكَلالةِ، فما الكَلالةُ؟ قال: "تُجزيكَ آيَةُ الصَّيْفِ" فقلت لأبي إسحاقَ: هو من مات ولم يدَعْ ولداً ولا والداً؟ قال: كذلك ظَنُّوا أنه كذلك 1. = وقد اختُلف في أيِّ الآيات نزل آخراً، فذكر البراء هذا الذي أورده المصنف وهو عند الشيخين، وذكر ابنُ عباس أن آخر آية نزلت هي آية الربا، وهو عند البخاري (4544)، وروى النسائي في "الكبرى" (10991) و (10992) عن ابن عباس رواية أخرى بأن آخر ما نزل هو ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 281]، وروى أحمد في "مسنده" (246)، وابن ماجه (2276) وغيرهما عن عمر بن الخطاب أن آخر آية نزلت آية الربا كرواية ابن عباس الأولى، وروى أحمد (21113) والحاكم 2/ 338 وغيرهما عن ابن عباس عن أبي بن كعب أن آخر ما نزل ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128]، وروي غير ذلك، ونقل الحافظ الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" 1/ 371 عن البيهقي في "دلائل النبوة" 7/ 139 أنه جمع بين هذه الروايات فقال: هذا الاختلاف يرجع -والله أعلم- إلى أن كل واحد منهم أخبر بما عنده من العلم، أو أراد أن ما ذُكِرَ مِن أواخرِ الآياتِ التي نزلت، والله أعلم.

4 -

باب ماجاء في الصُّلْب

2890 - حدَّثنا عبدُ الله بن عامرِ بن زُرَارةَ، حدَّثنا عليُّ بن مُسهِرٍ، عن الأعمشِ، عن أبي قيسٍ الأودِيّ عن هُزيلِ بن شُرَحْبيل الأوْدِي، قال: جاءَ رجلٌ إلى أبي موسى الأشعريِّ وسلمانَ بنِ ربيعةَ فسألهما، عن ابنة، وابنة ابن، وأخت لأب وأم، فقالا: لابنتِه النصفُ، وللأختِ من الأب والأم النصفُ، ولم يُورِّثا ابنة الابن شيئاً، وأْتِ ابنَ مسعودٍ فإنه سَيُتَابِعُنَا، فأتاه الرجلُ فسأله وأخبَره بقولهما، فقال: لقد ضَلَلْت إذاً وما أَنا من المهتدين، ولكن أقضِي فيها بقضاءِ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: لابنتِه النصفُ، ولابنة الابنِ سهمُ تكملةِ الثُّلُثين، وما بقي فللأُخت من الأب والأم 1. قال الخطابي: قوله: " تجزيك آية الصيف" فإن الله سبحانه أنزل في الكلالة آيتين، إحداهما في الشتاء، وهي الآية التي نزلت في سورة النساء، وفيها إجمال وإبهام، لا يكاد يتبين هذا المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية الأخرى، وهي في آخر سورة النساء، وفيها زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء، فأحال السائل عليها ليستبينَ المرادَ بالكلالة المذكورة فيها، والله أعلم.
وقال: وقد روي أن هذا الرجل الذي سأل رسول - صلَّى الله عليه وسلم - عن هذا هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويشبه أن يكون -والله أعلم- إنما لم يفتِهِ عن مسألته ووكل الأمرَ في ذلك إلى بيان الآية اعتماداً على علمه وفقهه، ليتوصل إلى معرفتها بالاجتهاد الذي هو طريق التبيُّن، ولو كان السائل غيره ممن ليس له مثل علمه وفهمه لأشبه أن لا يقصر في مسألته على الإشارة إلى ما أُجمل في الآية من الحكم دون البيان الشافي في التسمية له والنص عليه، والله أعلم.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه البخاري (6736)، وابن ماجه (2721)، والترمذي (2223)، والنسائي في "الكبرى" (6294) و (6295) و (6296) من طريق أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان الأودي، به.
وهو في "مسند أحمد" (3691)، و"صحيح ابن حبان" (6034). قال الخطابي: في هذا بيان أن الأخوات مع البنات عصبة، وهو قول جماعة الصحابة والتابعين وعامة فقهاء الأمصار إلا ابن عباس رضي الله عنه، فإنه خالف عامة الصحابة في ذلك، وكان يقول في رجل مات وترك ابنة وأختاً لأبيه وأمه: إن النصف للابنة وليس للأخت شيء، وقيل له: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى بخلاف ذلك: جعل للأخت النصف وللابنة الصف، فقال: أهمُ أعلم أم الله؟ يريد قوله سبحانه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 176] فإنما جعل للأخت الميراث بشرط عدم الولد.
ثم قال الخطابي وجه ما ذهب إليه الصحابة من الكتاب مع بيان السنة التي رواها عبد الله بن مسعود رضى الله عنهم أجمعين، أن الولد المذكور في الآية إنما هو الذكور من الأولاد دون الإناث، وهو الذي يسبق إلى الأوهام ويقع في المعارف عندما يقرع السمع، فقيل: ولد فلان، وإن كان الإناث أيضاً أولاداً في الحقيقة كالذكور.
ويدل على ذلك قوله الله سبحانه حكاية عن بعض الكفار: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77] وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ [الممتحنة: 3] (الممتحنة: 3) وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15] فكان معلوماً أن المراد بالولد في هذه الآي كلها الذكور دون الإناث؛ إذا كان مشهوراً من مذاهب القوم أنهم لا يتكثرون بالبنات، ولا يرون فيهن موضع نفع وعزٍّ، بل كان مذاهبهم وأْدُهُنَّ ودفنهن أحياء والتعفية لآثارهن.
وجرى التخصيص في هذا الاسم كما جرى ذلك في اسم المال إذا أطلق في الكلام، فإنما يختص عرفاً بالإبل دون سائر أنواع المال، ومشهور في كلامهم أن يقال: غدا مال فلان وراح، يريدون سارحة الإبل والمواشى دون ما سواها من أصناف المال.
وإذا ثبت أن المراد بالولد المذكور في قوله سبحانه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 176] الذكور من الأولاد دون الإناث لم يمنع الأخوات الميراث مع البنات.
=

2891 - حدَّثنا مُسدَّد، حدَّثنا بِشْر بن المُفضَّل، حدَّثنا عبد الله بن محمد ابن عَقيل عن جابر بن عبد الله، قال: خرجْنا مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - حتى جئنا امرأةً من الأنصارِ في الأسوافِ، فجاءتِ المرأةُ بابنتين فقالت: يا رسولَ الله، هاتان بنتا ثابتِ بن قيسٍ قُتل معك يومَ أُحد، وقد استفاء عَمُّهُمَا مالَهما وميراثَهما كلَّه، فلم يَدَع لهما مالاً إلا أخذَه، فما ترى يا رسولَ الله؟ فوالله لا تُنْكحَان أبداً إلا ولهما مالٌ، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "يَقْضِي اللهُ في ذلكِ" قال: ونزلتْ سورةُ النساء ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11] فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "ادْعُوا لي المرأةَ وصاحِبَها" فقال لعمِّهما: " أعطِهما الثُّلثَين، وأعطِ أمّهما الثُّمنَ، وما بقي فَلَكَ" 1. = قلنا: وقوله "ولابنة الابن سهم تكملة الثلثين" يعنى: السدس، لأن تكملة الثلثين مع النصف تعني السُّدس، ويكون الباقي.
الذي أخذته الأخت الشقيقة تعصيباً مع البنت هو الثلث.

قال أبو داود: أخطأ فيه بشرٌ، هما ابنتا سعد بن الربيع، ثابتُ بن قيس قُتِلَ يوم اليمامة.
2892 - حدَّثنا ابنُ السَّرحِ، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، أخبرني داود بن قَيسٍ وغيرُه من أهل العلم، عن عبد الله بن محمد بن عَقيل عن جابر بن عبد الله، أن امرأةَ سعدِ بن الرَّبيع قالت: يا رسولَ الله، أن سعداً هَلَكَ وترك ابنتين، وساق نحوه 1. قال أبو داود: وهذا هو أصحُّ.
2893 - حدَّثنا مُوسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا أبانُ، حدَّثنا قتادةُ، حدثني أبو حسانَ، عن الأسودِ بن يزيد: أن معاذ بن جبل ورَّثَ أختاً وابنةً، جعلَ لكلِّ واحدةٍ منهما النصفَ، وهو باليمن، ونبيُّ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يومئذِ حَيٌّ 2. = قال الخطابي: قولها: استفاء مالهما، معناه: استردّ، واسترجع حقهما من الميراث فافتات به عليهما.
وأصله من الفيء، وهو الرجوع، ومنه الفيء الذي يؤخذ من أموال الكفار، إنما هو مالٌ ردّه الله إلى المسلمين كان في أيدي الكفار.

5 -

باب في الجَدَّةِ

2894 - حدَّثنا القَعْنبيُّ، عن مالكٍ، عن ابن شِهابٍ، عن عثمانَ بن إسحاق ابن خَرَشَةَ عن قَبيصةَ بن ذُؤيبٍ، أنه قال: جاءتِ الجدةُ إلى أبي بكر الصّدّيقِ تسأُله ميراثَها، فقال: ما لَكِ في كتابِ الله تعالى شيءٌ, وما علمتُ لك في سنةِ نبيِّ الله - صلَّى الله عليه وسلم - شيئاً، فارجعي حتى أسألَ الناسَ، فسألَ الناسَ فقال المغيرةُ بن شعبةَ: حضرتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - أعطاها السُّدسَ، فقال أبو بكرٍ: هل مَعَكَ غيرُك؟ فقام محمدُ بن مَسْلَمةَ، فقال مثل ما قال المغيرةُ ابن شعبة، فأنفَذَه لها أبو بكرٍ، ثم جاءتِ الجدةُ الأخرى إلى عمرَ بن الخطابِ رضي الله عنه تسأله ميراثَهَا، فقال: مالكِ في كتابِ الله تعالى شيءٌ، وما كان القضاءُ الذي قُضِيَ به إلا لغيرِكِ، وما أنا بزائدٍ في الفرائضِ، ولكن هو ذلك السُّدسُ، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكُما خَلَتْ به فهو لها 1. = قلنا: وقد أخرجه البخاري (6734) من طريق أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود قال: أتانا معاذ بن جبل باليمن معلماً وأميراً، فسألناه عن رجل توفي وترك ابنته وأخته، فأعطى الابنة النصف والأخت النصف.
هكذا موقوفاً.
قال ابن بطال في "شرح البخاري": أجمعوا على أن الأخوات عصبة للبنات فيرثن ما فضل عن البنات، فمن لم يخلف إلا بنتاً وأختاً، فللبنت النصف، وللأخت النصف الباقي على ما في حديث معاذ، وإن خلف بنتين وأختاً، فلهما الثلثان، وللأخت ما بقي، وإن خلف بنتاً وأختاً وبنت ابن، فللبنت النصف ولبنت البنت تكملة الثلثين وللأخت ما بقي على ما في حديث أبن مسعود عند البخاري (6741).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = رجاله، إلا أن صورته مرسل، فإن قبيصة لا يصح له سماع من الصديق، ولا يمكن شهوده للقصة، وقال ابن الملقن في "البدر المنير" 7/ 208 - 209: على كل حال هو حجة، لأنه إما مرسل صحابي، أو لأنه يجوز أن يكون سمعه بعد ذلك من المغيرة أو محمد بن مسلمة، وتصحيح الترمذي وابن حبان والحاكم له، وقبلهم الإمام مالك كافٍ، وقد قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للجدة السدس إذا لم تكن أمٌّ، وهذا عاضدٌ له أيضاً.
قلنا: وقد أعله قوم بالانقطاع كابن حزم وعبد الحق الإشبيلي وابن القطان الفاسي؛ لأن قبيصة بن ذؤيب ولد عام الفتح، فلم يسمع من أبي بكر، ولكن أهل العلم صححوا مراسيل أمثال سعيد بن المسيب وغيره من جلة التابعين، وعدّوها مسندة على المجاز كما قال أبو حاتم الرازي في رواية سعيد بن المسيب عن عمر، وقبيصة من كبار التابعين، وربما سمع القصة من محمد بن مسلمة أو من المغيرة بن شعبة.
وهو في "موطأ مالك" 2/ 513، ومن طريق أخرجه ابن ماجه (2724)، والترمذي (2233)، والنسائي في "الكبرى" (6312). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ولم يذكر النسائى في روايته قصة عمر بن الخطاب مع الجدة الأخرى.
وهو في "مسند أحمد" (17980)، و"صحيح ابن حبان" (6031). وأخرجه الترمذي (2232)، والنسائي في "الكبرى" (6311) من طريق سفيان بن عيينة.
عن الزهري، عن رجل، عن قبيصة بن ذؤيب - وعند الترمذي: حدَّثنا الزهري، قال مرة: قال قبيصة، وقال مرة: عن رجل عن قبيصة.
وقال الترمذي: حديث مالك أصح من حديث ابن عيينة، وقال النسائي بإثر (6308): الزهري لم يسمعه من قبيصة، وقال الدارقطني في "العلل" 1/ 248 - 249: يشبه أن يكون الصواب ما قاله مالك وأبو أويس, وأن الزهري لم يسمعه من قبيصة، وإنما سمعه من عثمان عنه.
وأخرجه ابن ماجه (2724)، والنسائي في "الكبرى" (6310) من طريق يونس ابن يزيد الأيلي، والنسائي (6305) من طريق صالح بن كيسان، و (6306) من طريق الأوزاعي، و (6307) من طريق معمر بن راشد، و (6308) من طريق إسحاق بن راشد، و (6309) من طريق شعيب بن أبي حمزة، كلهم عن الزهري، عن قبيصة.
=

2895 - حدَّثنا محمدُ بن عبد العزيز بن أبي رِزمَةَ، أخبرني أبي، حدَّثنا عُبيد الله العَتكيُّ، عن ابن بريدة عن أبيه: أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - جعلَ للجدة السدسَ، إذا لم تكن دُونها أمٌّ (1).

6 -

باب في ميراثِ الجد

2896 - حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، أخبرنا همّامٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ1 = وصرح صالح بن كيسان في روايته عن الزهري بإخبار قبيصة للزهري بهذا الحديث، لكن أهل العلم لم يعدُّوا ذلك شيئاً كما بيناه قبل قليل، استناداً إلى رواية مالك التي ذكر فيها بينهما واسطة.
وهو في "مسند أحمد" (17978). وفي الباب عن بريدة الأسلمي سيأتي عند المصنف بعده.
وعن ابن عباس عند ابن ماجه (2725)، والبيهقي 6/ 234، وفيه شريك النخعي وليث بن أبي سليم، وهما ضعيفان يعتبر بهما في الشواهد.
وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر عند مالك 2/ 513 - 514، وعبد الرزاق (19084)، وسعيد بن منصور (81) و (82)، والدارقطني (4133)، والبيهقي 6/ 235 قال: أتت الجدتان إلى أبي بكر الصديق، فأراد أن يجعل السدس للتي من قِبل الأم، فقال له رجل من الأنصار: أما إنك تترك التي لو ماتت وهو حي كان إياها يرث، فجعل أبو بكر السدس بينهما.
وإسناده إلى القاسم صحيح، لكن القاسم لم يدرك جده أبا بكر.
وانظر تمام شواهده في "المسند" (17978).

عن عمران بن حُصَينٍ: أن رجلاً أتى النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - فقال: إن ابن ابني ماتَ، فما لي من ميراثِه؟ قال: "لك السدسُ" فلمَّا أدبَرَ دَعَاه، فقال: "لك سُدسٌ آخرُ" فلما أدبر دَعَاه فقال: "إن السدسَ الآخَرَ طُعْمَةٌ" 1. قال قتادةُ: فلا يدرُون مع أيِّ شيءِ ورَّثه، قال قتادةُ: أقلُّ شيءٍ وُرِّثَ الجدُّ السدسُ.

2897 - حدَّثنا وهبُ بن بقيّةَ، عن خالد، عن يونسَ، عن الحسنِ أن عمر قال: أيكم يعلم ما وَرَّث رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - الجدَّ؟ فقال مَعقِلُ ابن يَسارٍ: أنا، وَرَّثَهُ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - السُّدسَ، قال: مع من؟ قال: لا أدري، قال: لا دَرَيتَ، فما تُغْني إذاً؟! (1)

7 -

باب في ميراث العَصَبة

2898 - حدَّثنا أحمدُ بن صالحٍ ومَخلَدُ بن خالدٍ -وهذا حديث مخلد، وهو أشْبَعُ- قالا: حدَّثنا عبدُ الرزاق، حدَّثنا مَعمَرٌ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيه عن ابن عباس، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "اقْسِمِ المالَ بين أهل الفرائضِ على كتابِ الله، فما تَرَكَتِ الفَرَائِضُ فَلأِوْلَى ذَكَرٍ" 2.1

8 -

باب في ميراثِ ذوي الأرحام

2899 - حدَّثنا حفصُ بن عمر، حدَّثنا شعبةُ، عن بُدَيلٍ، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن راشدِ بن سعد، عن أبي عامرٍ عن المقدام، قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "مَنْ تَرَكَ كَلاًّ فإليَّ -وربما قال: " إلى الله وإلى رسوله"- ومن ترك مالاً فلورثتِه، وأنا وارثُ مَنْ لا وارثَ له: أعِقلُ له، وأرِثُه، والخالُ وارثُ مَنْ لا وارِث له: يَعْقِلُ عنه، ويرثُه" 1. = وأخرجه البخاري (6732)، ومسلم (1615)، وابن ماجه (2740)، والترمذي (2229) و (2230)، والنسائي في "الكبرى" (6297) من طرق عن عبد الله بن طاووس، به.
وهو في "مسند أحمد" (2657)، و"صحيح ابن حبان" (6028). والمراد بالفرائض هنا: الأنصباء المقدرة في كتاب الله تعالى، وهي النصف ونصفه ونصف نصفه، والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما، والمراد بأهلها: من يستحقها بنص القرآن.
قال الخطابي: معنى "أولى" هاهنا: أقرب، والوَلي: القرب، يريد أقرب العصبة إلى الميت كالأخ والعم، فإن الأخ أقرب من العم، وكالعم وابن العم، فالعم أقرب من ابن العم، وعلى هذا المعنى.
ولو كان قوله: "أولى" بمعنى أحق لبقي الكلامُ مبهماً، لا يُستفادُ منه بيان الحكم.
إذ كان لا يدرى من الأحق ممن ليس بأحق؟ فعُلم أن معناه: أقرب النسب، على ما فسرناه، والله أعلم.
وقال النووي: أجمعوا على أن الذي يبقى بعد الفروض للعصبة يقدم الأقرب فالأقرب، فلا يرث عاصب بعيد مع عاصب قريب، والعصبة: كل ذكر يدلي بنفسه بالقرابة ليس بينه وبين الميت أنثى، فمتى انفرد أخذ جميع المال، وإن كان مع ذوي فروض غير مستغرقين أخذ ما بقي، وإن كان مع مستغرقين فلا شيء له.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقد صحح هذا الحديث ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" 3/ 541، وحسنه أبو زرعة فيما نقله ابن أبي حاتم في "العلل" 2/ 50. وأخرجه ابن ماجه (2738)، والنسائي في "الكبرى" (6321) و (6322) من طريق علي بن أبي طلحة، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (17175)، و"صحيح ابن حبان" (6035). وانظر تمام تخريجه من هذا الطريق عندهما.
وأخرجه أبو عوانة (5636)، وابن حبان (6036)، والطبراني في "الكبير" 20/ (627) من طريق عبد الله بن سالم الأشعري، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن عائذ الثُّمالي، عن المقدام بن معدي كرب.
وقال ابن حبان: سمع هذا الخبر راشد بن سعد، عن أبي عامر الهوزني، عن المقدام، وسمعه من عبد الرحمن بن عائذٍ الأزدي، عن المقدام بن معدي كرب، فالطريقان محفوظان، ومتناهما متباينان.
قلنا: وسواء كان الواسطة بين راشد والمقدام هذا أو ذاك فكلاهما ثقة، والاختلاف في مثل ذلك لا يضر.
وأخرجه أحمد في "مسند" (17199)، والنسائى في "الكبرى" (6320) و (6386) من طريق معاوية بن صالح بن حدير الحضرمي، عن راشد بن سعد، عن المقدام بن معدي كرب فأسقط من إسناده بين راشد والمقدام الواسطة، وقد وقع التصريح بالسماع عند النسائي في الموضع الثاني، وقال الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" -وقد أخرج الحديث (2750) -: ليس ينكر على راشد بن سعد أن يكون سمع المقدام بن معدي كرب، لأنه قد سمع ممن كان في أيامه من أصحاب رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -،قد سمع من معاوية بن أبي سفيان، وأهل الحديث قد يختلفون في أسانيد الحديث، فيزيد بعضهم فيها على بعض الرجلَ ومن هو أكثر منه في العدد، فوجب أن يُحمل أمر معاوية بن صالح في ذلك على مثل ما حملوه عليه فيه.
ونحوه هنا قال ابنُ التركماني في "الجوهر النقي" -بهامش "السنن الكبرى" للبيهقي- 6/ 214 - 215. قلنا: كذا قالا، ويؤيده ذكر أبي داود لطريق معاوية بن صالح، وفيها تصريح راشد بسماعه من المقدام، لكن الدارقطني في "العلل" 5/ ورقة 15 ذكر أن رواية علي=

2900 - حدَّثنا سليمانُ بن حَربٍ في آخرين، قالوا: حدَّثنا حمَّادٌ، عن بُديلِ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن راشدِ بن سعْدٍ، عن أبي عامرٍ الهَوْزنيِّ عن المِقدام الكِنْدي، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "أنا أوْلَى بكُلِّ مؤمنٍ من نفسِه، فمن ترك دَيْناً اْو ضَيعَةً فإليَّ، ومن ترك مالاً فلِورثته، = ابن أبي طلحة أشبه بالصواب من طريق معاوية بن صالح، وتابعه ابن القطان الفاسي في "بيان الوهم والايهام" 3/ 541. وانظر ما بعده.
وسيأتي من طريق آخر عن المقدام عند المصنف برقم (2901). وله شاهد من حديث عمر بن الخطاب عند أحمد (189)، وابن ماجه (2737)، والترمذي (2235)، والنسائي في "الكبرى" (6317)، وحسنه الترمذي، وإسناده حسن.
ولفظه: "الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له".
ومن حديث عائشة عند الترمذي (2236) -وقال: غريب-، والنسائي في "الكبرى" (6318)، وقد اختُلف فيه بين الرفع والوقف، ورجح الدارقطي والبيهقي وقفه فيما حكاه عنهما ابن الملقن في "البدر المنير" 7/ 199، وصححه الحاكم 4/ 344. وقوله: "أعقِل له"، معناه: أدفع الدية عنه، والعَقل: الدية.
قال الخطابي: والحديث حجة لمن ذهب إلى توريث ذوي الأرحام.
وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل.
وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما.
وكان مالك والأوزاعي والشافعي لا يورثون ذوي الأرحام.
وهو قول زيد بن ثابت.
وتأول هؤلاء حديث المقدام على أنه طعمة أُطعِمها الخال عند عدم الوارث، لا على أن يكون للخال ميراثٌ راتبٌ، ولكنه لما جعله يخلف الميت فيما يصير إليه من المال سماه وارثاً، على سبيل المجاز، كما قيل: الصبر حيلة من لا حيلة له، والجوع طعام من لا طعام له، وما أشبه ذلك من الكلام.
وقال الترمذي: وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام، وأما زيد بن ثابت فلم يورثهم.

وأنا مَولَى مَن لا مَولى له: أرثُ مالَه، وأَفُكُّ عَانَهُ، والخالُ مَولَى مَن لا مَولَى له: يرثُ مالَه، ويَفُكُّ عَانَه" 1. قال أبو داودَ: رواهُ الزُّبَيديُّ عن راشدٍ عن ابن عائذٍ، عن المقدام.
ورواه معاويةُ بن صالحٍ عن راشدٍ قال سمعتُ المقدامَ.
قال أبو داودَ يقولُ: الضيعةُ معناه عِيَالٌ.
2901 - حدَّثنا عبدُ السَّلام بن عَتيقِ الدمشقيُّ، حدَّثنا محمدُ بن المبارَك، حدَّثنا إسماعيلُ بن عَيّاشٍ، عن يزيدَ بن حُجْر، عن صالح بن يحيى بن المِقدامِ، عن أبيه عن جده، قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقولُ: "أنا وارِثُ مَن لا وارثَ له: أفُكُّ عانِيَهُ، وأرثُ مالَه، والخالُ وارثُ مَن لا وارثَ له: يفُكُّ عانِيَه، ويرِثُ مالَه" 2. 2902 - حدَّثنا مُسَدد، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا شعبةُ (ح) وحدَثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا وكيعُ بن الجرّاح، عن سفيان، جميعاً عن ابنِ الأصبهانيِّ، عن مجاهدِ بن وَردَانَ، عن عُروةَ

عن عائشةَ رضي الله عنها، أن مولى للنبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم - ماتَ وترك شيئاً، ولم يَدَعْ ولداً ولا حَميماً، فقال النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم -: "أعطُوا ميراثَهُ رجلاً من أهل قريتِه" 1. قال أبو داودَ: وحديثُ سفيانَ أتمُّ.
وقال مسَدَّدٌ: قال: فقالَ النبي - صلَّى الله عليه وسلم -: "هاهُنا أحدٌ من أهلِ أرضِه"؟ قالوا: نعم، قال: "فأعْطُوه مِيرَاثه".
2903 - حدَّثنا عبدُ الله بن سعيد الكِنْديُّ، حدَّثنا المحاربيُّ، عن جبريلَ بن أحمرَ، عن عبدِ الله بن بريدةَ عن أبيه، قال: أتى النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - رجلٌ، فقال: إن عندي ميراثَ رجلِ من الأزْد، ولستُ أجدُ أزدياً أدفعُه إليه، قال: "اذهب فالتَمِسْ أزديّاً حَوْلاً"، قال: فأتاه بعد الحَول، فقال: يا رسولَ الله، لم أجد أزدياً أدفعُه إليه، قال: "فانطلقْ، فانظر أوَّلَ خُزَاعيٍّ تلقاهُ فادفعْهُ إليه"

فلما وَلَّى قال: "عَلَىَّ الرجُلَ".
فلما جاءه قال: لا انظر كُبْرَ خُزاعةَ، فادْفَعْه إليهِ" 1. 2904 - حدَّثنا الحسينُ بن أسودَ العِجليُّ، حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، حدَّثنا شَريكٌ، عن جبريلَ بن أحمرَ أبي بكر، عن ابن بُرَيدةَ عن أبيه قال: ماتَ رجلٌ من خُزاعةَ، فأُتي النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلم - بميراثِه، فقال: "التمِسُوا له وارثاً، أو ذا رَحِم" فلم يجدُوا له وارثاً ولا ذا رَحِمٍ، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: " أعطوهُ الكُبْرَ من خُزاعةَ" قال يحيى: قد سمعتُه مرةً يقول في هذا الحديث: "انظُروا أكبرَ رجلٍ من خُزاعةَ" 2.

2905 - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حمّادٌ، أخبرنا عَمرو بن دينارٍ، عن عَوسَجَةَ عن ابن عباس: أن رجلاً مات ولم يَدَع وارثاً إلا غلاماً له، كانَ أعتقه فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "هل له أحد؟ " قالوا: لا إلا غلاماً له كان أعتقَه، فجعلَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- ميراثَه له (1).

9 -

باب ميراث ابن الملاعَنَةِ

2906 - حدَّثنا إبراهيمُ بن موسى الرازيُّ، حدَّثنا محمدُ بن حَرْبٍ، حدَّثني عُمر بن رُوْبهَ التَّغْلِبيُّ، عن عبدِ الواحد بن عبد الله النَّصريِّ عن واثلةَ بن الأسْقَع، عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال "المرأة تُحرِزُ ثلاثَةَ مَواريثَ: عتيقَها، ولقيطَها، وولَدها الذي لاعنت عنه" 2.1

2907 - حدَّثنا محمودُ بن خالدٍ ومُوسى بن عامرٍ، قالا: حدَّثنا الوليدُ، أخبرنا ابنُ جابرٍ حدَّثنا مكحولٌ، قال: جعلَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ميراثَ ابنِ الملاعَنَةِ لأمه، ولورثتها من بعدها 1. = وأخرجه ابن ماجه (2742)، والترمذي (2248)، والنسائى في "الكبرى" (6326) و (6327) و (6387) من طريق عمر بن رُؤبة، به، وقال الترمذي: حديث حسن غريب! وصححه الحاكم 4/ 340 - 341، وسكت عنه الذهبي! وهو في "مسند أحمد" (16004). ولتحصيل المرأة ميراث ولدها الذي لا عنت عنه انظر تالييه.
وقال الخطابي: أما اللقيط فإنه في قول عامة الفقهاء حرٌّ، وإذا كان حراً فلا ولاء عليه لأحد، والميراث إنما يُستَحق بنسب أو ولاء، وليس بين اللقيط وملتقطِه واحد منهما.
وكان إسحاق بن راهويه يقول: ولا اللقيط لملتقطه.
ويحتج بحديث واثلة.
وهذا الحديث غيرُ ثابت عند أهل النقل، وإذا لم يثبت الحديث لم يلزم القولُ به.
وكان ما ذهب إليه عامة العلماء أولى.
وقال بعضهم: لا يخلو اللقيط من أن يكون حراً فلا ولاء عليه، أو أن يكون ابن أمة قوم، فليس لملتقطه أن يسترقّه.
وقال البغوي في "شرح السنة" 8/ 362: واتفق أهل العلم على أنها تأخذ ميراث عتيقها.
وكذلك قال ابن القيم في "تهذيب السنن" بأن ميراث المرأة عتيقها متفق عليه.

2908 - حدَّثنا مُوسى بن عامر، حدَّثنا الوليدُ، أخبرني عيسى أبو محمد، عن العلاءِ بن الحارث، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، مثله 1.

10 -

باب هل يرث المسلم الكافر؟

2909 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن علي بن حُسينٍ، عن عَمرو بن عُثمانَ = ومنها: ما رواه أيضاً عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - مثله.
ومنها: ما رواه أبو داود أيضا عن عَبد الله بن عُبيد، عن رجل من أهل الشام: أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "ولدُ الملاعنة عصبته عصبة أمه" ذكره في "المراسيل" ص 265 وفي لفظ له عن عبد الله بن عُبيد بن عمير قال: كتبت إلى صديق لي من أهل المدينة من بني زريق أسأله عن ولد الملاعنة، لمن قضى به رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -؟ فكتب إليّ: إني سألتُ، فأُخبرتُ: أنه قضى به لأمه، وهي بمنزلة أبيه وأمه.
وهذه آثار يشد بعضها بعضاً.
وقد قال الشافعي: إن المرسل إذا روي من وجهين مختلفين أو روي مسنداً، أو اعتضد بعمل بعض الصحابة، فهو حُجة، وهذا قد روي من وجوه متعددة، وعمل به من ذكرنا من الصحابة، والقياس معه، فإنها لو كانت معتقة كان عصبتها من الولاء عصبة لولدها، ولا يكون عصبتها من النسب عصبة له.
ومعلوم أن تعصيب الولاء الثابت لغير المباشر بالعتق فرع عن ثبوت تعصيب النسب، فكيف يثبت الفرع مع انتفاء أصله؟ وأيضاً فإن الولاء في الأصل لموالى الأب، فإذا انقطع من جهتهم رجع إلى موالي الأم، فإذا عاد من جهة الأب، انتقل من موالي الأم إلى موالي الأب، وهكذا النسب: هو في الأصل للأب وعصباته، فإذا انقطع من جهة باللعان عاد إلى الأم وعصباتها، فإذا عاد إلى الأب باعترافه بالولد وإكذابه نفسه رجع النسب إليه، كالولاء سواء، بل النسب هو الأصل في ذلك والولاء ملحق به.
قال: وإذا ثبت أن عصبة أمه عصبة له فهي أولى أن تكون عصبته، لأنهم فرعها، وهم إنما صاروا عصبة له بواسطتها، ومن جهتها استفادوا تعصيبهم، فلأن تكون هي نفسها عصبة أولى وأحرى.
وانظر "المغني" لابن قدامة 9/ 116 - 118.

عن أسامةَ بن زيدِ، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "لا يرثُ المُسلِمُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المُسلِمَ 1.

2910 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبلٍ، حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا مَعمر، عن الزهري، عن علي بن حُسينٍ، عن عَمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أين تنزلُ غداً؟ -في حجته- قال: "وهَل ترك لنا عَقِيلٌ منزلاً؟ " ثم قال: "نحنُ نازِلُون بخَيْفِ بني كِنانةَ، حيث قاسمتْ قريشٌ على الكفْرِ"، يعني: الْمُحصَّب، وذلك أن بني كِنانةَ حالفتْ قريشاً على بني هاشمٍ: أن لا يناكِحُوهم، ولا يبايِعُوهم ولا يُؤوُهُم 1. قال الزهريُّ: والخَيفُ: الوادي.
2911 - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حمّادٌ، عن حَبيبٍ المُعلم، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا يتوارثُ أهلُ مِلَّتَين شتَّى" 2. = وقال الخطابي: واختلفوا في ميراث المرتد: فقال مالك بن أنس وابن أبي ليلى والشافعى: ميراث المرتد فيءٌ ولا يرثُه أهله، وكذلك قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن.
وقال سفيان الثوري: ماله التليد لورثته المسلمين، وما اكتسبه وأصابه في ردته فهو فيء للمسلين، وهو قولُ أبي حنيفة.
وقال الأوزاعي وإسحاق بن راهويه: ماله كله لورثته المسلمين، وقد روي ذلك عن علي كرم الله وجهه وعبد الله، وهو قول الحسن البصري والشعبي وعمر بن عبد العزيز (وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن).

2912 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الوارث، عن عمرو الواسطىِّ، حدَّثنا عبدُ الله بن بُريدة، أن أخوين اختصما إلى يحيى بن يَعْمَر: يهودي ومسلمٌ، فورَّث المُسلمَ منهما، وقال: حدَّثني أبو الأسود، أن رجلاً حدَّثه، أن معاذاً قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقول: "الإسلامُ يزيدُ ولا يَنقُصُ" فورَّثَ المسلمَ 1. = وهو في "مسند أحمد" (6664). قال الخطابي: عموم هذا الكلام يوجب أن لا يرث اليهودي النصراني، ولا المجوسي اليهودي، وكذلك قال الزهري وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل.
وقال أكثر أهل العلم: الكفر كله ملة واحدة، يرث بعضهم بعضاً، واحتجوا بقول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 73].
وقد علق الشافعي القول في ذلك، وغالب مذهبه: أن ذلك كُلَّه سواءٌ.

2913 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيي بنُ سعيد، عن شعبةَ، عن عَمرو بن أبي حَكيم، عن عبد الله بن بُريدةَ، عن يحيى بن يَعمَر عن أبي الأسودِ الدِّيليِّ: أن معاذاً أُتي بميراثِ يهودي وارِثُهُ مُسلمٌ، بمعناه، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- (1).

11 -

باب فيمن أسلم على ميراثٍ

2914 - حدَّثنا حجاجُ بن أبي يعقوبَ، حدَّثنا موسى بن داودَ، حدَّثنا محمدُ بن مُسلمٍ، عن عَمرو بن دينارٍ، عن أبي الشَّعثاءِ عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "كلُّ قَسْمٍ قُسمَ في الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قَسْمٍ أدركَه الإسلامُ فإنه على قَسْم الإسلامِ" 2.1 = والشاشي (1379) من طريق زيد بن الحباب، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن عمرو بن أبي حكيم، عن يحيى بن يعمر، عن معاذ بن جبل.
فأسقط من إسناده عبد الله بن بريدة وأبا الأسود الدؤلي والرجل المبهم وشك حماد في رواية زيد ابن الحباب فقال: عن يحيى بن يعمر أو غيره.

12 -

باب في الولاء

2915 - حدَّثنا قتيبةُ بن سعيد، قال: قُرئ على مالكٍ وأنا حاضر، قال مالك: عَرَضَ عليَّ نافعٌ عن ابن عمر، أن عائشةَ أمَّ المؤمنين رضي الله عنها أرادت أن تشتري جاريةً تُعتِقُها، فقال أهلُها: نبيعُكِها على أنَّ ولاءَها لنا، فذكرتْ عائشة لِرسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -،فقال: "لا يمنَعُكِ ذلك، فإن الولاء لمن أعتقَ" 1.

2916 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا وكيعُ بن الجرَّاح، عن سفيانَ الثوريِّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ عن عائشةَ، قالت: قالَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "الولاءُ لمن أعطى الثمنَ وَوَلِيَ النّعمةَ" 1. 2917 - حدَّثنا عبدُ الله بن عَمرو بن أبي الحجاجِ أبو مَعمرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارث، عن حسينٍ المُعلِّمِ، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رِيَاب بنَ حُذيفةَ تزوَّج امرأةً، فولَدَتْ له ثلاثةَ غِلْمةٍ، فماتت أمُّهم، فورِثُوها رِباعَها وولاءَ مَوالِيها، وكان عمرو بن

العاصِ عصبةَ بَنِيها، فأخرجَهم إلى الشام، فماتُوا، فقدم عَمرو بن العاصِ، ومات مَولى لها، وترك مالاً، فخاصمه إخوتُها إلى عُمر بن الخطاب، فقال عُمرُ: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "ما أحرزَ الولدُ، أو الوالد، فهو لعصبتِه مَنْ كان".
قال: فكتبَ له كتاباً فيه شهادةُ عبد الرحمن بن عَوف، وزيدِ بن ثابتٍ، ورجلٍ آَخَرَ، فلما استُخلِفَ عبدُ الملك اختصَمُوا إلى هشامِ بن إسماعيلَ -أو إلى إسماعيلَ بن هشام- فرفَعَهم إلى عبدِ الملك، فقال: هذا من القضاء الذي ما كنتُ أُراه، قال: فقضى لنا بكتابِ عُمر بن الخطاب، فنحن فيه إلى الساعةِ (1).

13 -

باب في الرجل يُسْلم على يدَي الرجل

2918 - حدَّثنا يزيدُ بن خالدِ بن مَوهَب الرَّمْليُّ وهشامُ بن عمار، قالا: حدَّثنا يحيى - قال أبوداود: وهو ابن حمزةَ- عن عبد العزيز بن عمر، قال: سمعت عبدَ الله بن مَوهَبٍ يحدث عمرَ بن عبد العزيز، عن قَبيصةَ بن ذُؤيبٍ -قال هشام:- عن تميمٍ الداريّ أنه قال: يا رسولَ الله -وقال يزيد: إن تميماً قال: "يا رسولَ الله- ما السُّنةُ في الرجلِ1

يُسلِمُ على يدَي الرجلِ من المُسلمين؟ قال: "هو أولَى الناس بمَحْيَاهُ ومماتِه" 1.

14 -

باب في بيع الولاء

2919 - حدَّثنا حفصُ بن عمرَ، حدَّثنا شعبةُ، عن عبدِ الله بن دينار عن ابن عمر، قال: نهى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - عن بيعِ الولاءِ، وعن هِبَتِه 1. = قلت [القائل الخطابي]: ودلالة الحديث مبهمة.
وليس فيه أن يرثه، إنما فيه: أنه أولى الناس بمحياه ومماته، وقد يحتمل أن يكون ذلك في الميراث.
ويحتمل أن يكون ذلك في رعي الذّمام والإيثار بالبر وما أشبههما من الأمور.
وقد عارضه قوله - صلَّى الله عليه وسلم -: "الولاء لمن أعتق" وقال أكثر الفقهاء: لا يرثه، وضعف أحمد بن حنبل حديث تميم هذا، وقال: عبد العزيز: راويه ليس من أهل الحفظ والإتقان.

15 -

باب في المولود يَستهِلّ ثم يموت

2920 - حدَّثنا حسينُ بن مُعاذِ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثنا محمد -يعني ابنَ إسحاقَ- عن يزيدَ بن عبد الله بن قُسَيط عن أبي هريرة، عن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم -، قال: "إذا استهَلَّ المولودُ وُرِّثَ" 1. = قال: وسمعتُ أبا الوليد حسان بن محمد يذكر أن الذي وهبته ميمونة من الولاء كان ولاء سائبة، وولاء السائبة قد اختلف فيه أهل العلم.
قلنا: حسان بن محمد هذا ترجمه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" 15/ 492، وقال عنه الإمام الأوحد الحافظ المفتي، شيخ خراسان الشافعي العابد.

16 -

باب نسخِ ميراثِ العقد بميراث الرحم

2921 - حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن ثابتٍ، حدَّثني عليُّ بن حُسينٍ، عن أبيه، عن يزيدَ النّحْويَّ، عن عكرمةَ.
عن ابن عباس قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33]، كان الرجل يُحَالِفُ الرجلَ، ليس بينهما نسبٌ، فيرثُ أحدُهما الآخرَ، فنَسخَ ذلك الأنفالُ، فقال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75] 1.

2922 - حدثنا هارونُ بن عبد الله، حدَثنا أبو أسامةَ، حدثني إدريسُ بن يزيدَ، حدّثنا طلحةُ بن مُصَرِّف، عن سعيد بن جُبيرِ = بِبَعْضٍ} (الأنفال: 75) قال: نزلت هذه الآية في العصبات، كان الرجل يُعاقد الرجل يقول: ترثنْي وأرثُك، فنزلت ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.وإسناده صحيح.
قال ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 71 - 72: فيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أهل الحلف، كان الرجل يحالف الرجل، فأيهما مات ورثه الآخر، فنسخ ذلك بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ...﴾ وممن قال هم الحلفاء: سعيد ابن جبير وعكرمة وقتادة.
والثاني: أنهم الذين آخى بينهم رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وهم المهاجرون والأنصار، كان المهاجرون يورثون الأنصار دون ذوى رحمهم للأخوة التي عقدها رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بينهم، رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وبه قال ابن زيد.
والثالث: أنهم الذين كانوا يتبنَّون أبناء غيرهم في الجاهلية، هذا قول سعيد بن المسيب.
فأما أرباب القول الأول، فقالوا: نسخ حكم الحلفاء الذين كانوا يتعاقدون على النصرة والميراث بآخر الأنفال، وإليه ذهب ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة والثوري والأوزاعي ومالك وأحمد والشافعي.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: هذا الحكم باقي غير أنه جعل ذوي الأرحام أولى من موالي المعاقدة.
وذهب قوم إلى أن المراد: فآتوهم نصيبهم من النصر والنصيحة من غير ميراث، وهذا مروي عن ابن عباس ومجاهد.
وذهب قوم آخرون إلى أن المعاقدة إنما كانت في الجاهلية على النصرة لا غير، والإسلام لم يغير ذلك، وإنما قرره، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إيما حلف كان في الجاهلية، فإن الإسلام لم يزده إلا شدة" [أخرجه مسلم (2530)، وسيأتي عند المصنف برقم (2925)].
وقوله: "عاقدت" هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "عَقَدَت" بلا ألف.

عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، قال: كان المُهاجرون حين قدِموا المدينة تُوَرِّثُ الأنصَارَ دون ذوي رحمه، للأُخوَّة التي آخَى رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم-بينهم، فلما نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: 33] قال: نسختها ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النَّصْرِ والنصيحةِ والرِّفَادَةِ، ويُوصِي له، وقد ذهبَ الميراثُ 1. 2923 - حدَثنا أحمدُ بن حنبل وعبد العزيز بن يحيى -المعنى- قال أحمدُ: حدَثنا محمدُ بن سلمةَ، عن ابنِ إسحاقَ عن داودَ بن الحُصَين، قال: كنت أقرأُ على أم سعْدٍ بنتِ الربيع، وكانت يتيمةً في حِجْر أبي بكر، فقرأت ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فقالت: لا تقرأ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إنما نزلتْ في أبي بكرٍ وابنِه عبدِ الرحمن حين أبى الإسلامَ، فحلَف أبو بكرِ ألا يُورِّثه، فلما

أسلمَ أمَرهُ نبي الله أن يؤتيَه نصيبَه - زاد عبد العزيز: فما أسلم حتى حُمِلَ على الإسلامِ بالسيفِ 1. [قال أبو داود: من قال: (عَقَدَتْ) جعله حلفاً، ومن قال: (عاقَدَتْ) جعله حَالفاً، قال: والصواب حديث طلحة (عاقَدتْ)] 2. 2924 - حدَّثنا أحمدُ بن محمد بن ثابت، حدَّثنا علي بن حُسينٍ، عن أبيه، عن يزيدَ النّحويّ، عن عكرمةَ عن ابن عبَّاس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا ....... وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72] فكان الأعرابيُّ لا يرثُ المُهاجِرَ، ولا يرثُه المهاجرُ، فنسختْها، فقال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ 3 [الأنفال: 75].

17 -

باب في الحِلْفِ

2925 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا محمدُ بن بشر وابن نُمير وأبو أُسامةَ، عن زكريا، عن سعْدِ بن إبراهيمَ، عن أبيه عن جُبير بن مُطعِمٍ، قال: قالَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا حِلْفَ في الإسلامِ، وأيُّما حِلْفٍ كانَ في الجاهلية لم يَزدهُ الإسلامُ إلَّا شدّةً" 1. 2926 - حدَّثنا مُسَدد، حدَّثنا سفيانُ، عن عاصم الأحولِ، قال: سمعتُ أنس بن مالك يقول: حَالَفَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار في دارِنا، فقيل له: أليس قالَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا حِلْفَ في الإسلام"؟ فقال: حَالفَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصارِ في دارِنا، مرتين أو ثلاثاً 2. = وأخرجه الطبري 10/ 51 - 52 من طريق علي بن أبي طلحة،10/ 52 من طريق عطية العوفي، كلاهما عن ابن عباس.
وعلي بن أبي طلحة لم يدرك ابن عباس، وفي الطريق إليه عبد الله بن صالح كاتب الليث ضعيف، وعطية العوفي ضعيف، وفي الطريق إليه ثلاثة ضعفاء من عقِبِه.

جارٍ التحميل