سنن أبي داود ت الأرنؤوطصفحات 671-13

كتاب الفرائض

صفحات 671-13
عن هذه الطبعة
عَلَم
السجستاني، أبو داود
الكتاب
سنن أبي داود
المؤلف
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
المحقق
شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
الناشر
دار الرسالة العالمية
الطبعة
الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

3065 - حدَّثنا هارونُ بن عبد الله، قال: قال محمدُ بن الحَسَنِ المخزوميُّ: "ما لم تنَلْه أخفافُ الإبلِ": يعني: أن الإبلَ تأكل مُنتَهى رؤُوسِها، ويُحمَى ما فوقَه 1. 3066 - حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ القرشيُّ، حدَّثنا عبدُ الله بن الزبيرِ، حدَّثنا فَرَجُ بن سَعيدٍ، حدثني عمي ثابتُ بن سعيدٍ، عن أبيه، عن جده عن أبيضَ بن حَمَّالٍ: أنه سألَ رسولَ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلم - عن حِمَى الأراكِ، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا حِمَى في الأراكِ" فقال: أراكةٌ في حِظَاري، فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا حِمَى في الأراكِ" قال فَرجٌ: يعني بحِظاري: الأرضَ التي فيها الزرعُ المُحَاط عليها 2. = وقال الخطابي: وهذا يبين ما قلناه من أن المعدن الظاهر الموجود خيره ونفعه لا تقطعه أحدٌ، و"الماء العِدّ": هو الماء الدائم الذي لا ينقطع.
قال: وفيه من الفقه: أن الحاكم إذا تبين الخطأ في حكمه نقضه، وصار إلى ما استبان من الصواب في الحكم الثاني.
وقوله: "ما لم تنله أخفاف الابل" ذكر أبو داود عن محمد بن الحسن المخزومي أنه قال: معناه: أن الإبل تأكل منتهى رؤوسها ويحمى ما فوقه.
وفيه وجه آخر: وهو أنه إنما يُحمى من الأراك ما بعدُ عن حضرة العمارة، فلا تبلغه الإبل الرائحة إذا أرسلت في الرعي.
وفى هذا دليل على أن الكلأ والرعي لا يمنع من السارحة وليس لأحد أن يستأثر به دون سائر الناس.

3067 - حدَّثنا عمر بن الخطاب أبو حفصٍ، حدَّثنا الفريابيُّ، حدَّثنا أبانُ - قال عمرُ: وهو ابن عبد الله بن أبي حازم - حدثني عثمانُ بن أبي حازمٍ، عن أبيه عن جده صخر: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - غزا ثقِيفاً، فلما أن سمع ذلك صخرٌ ركب في خَيْل يُمِدُّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم -، فوجد نبيَّ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قد انصرفَ ولم يُفتَح، فجعل صخرٌ حينئذٍ عهدَ اللهِ وذمتَه أن لا يفارق هذا القَصْر، حتى ينزلوا على حُكمِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فلم يفارقْهم حتى نزلُوا على حكمِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فكتب إليه صخر: أما بعد، فإن ثقِيفاً قد نزلتْ على حُكمِك يا رسولَ الله، وأنا مُقبِلٌ إليهم وهم في خيلٍ، فأمر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بالصلاةِ جامعةً، فدعا لأَحْمَسَ عَشرَ دعواتٍ: "اللهم بارك لأحمسَ في خيلِها ورجالِها" وأتاه القومُ فتكلَّم المغيرةُ بن شعبةَ، فقال: يا رسول اللهِ، إن صخراً أخذَ عمتي ودخلَتْ فيما دخل فيه المسلمون، فدعاه فقال: "يا صخرُ، إن القومِ إذا أسلموا أحرزُوا دماءَهم وأموالَهم، فادفع إلى المغيرةِ عمتَه" فدفَعها إليه، وسأل رسولَ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلم - مَاءً لِبَني سُلَيم قد هَرَبُوا، عن الإسلام، وتركوا ذلك الماء، فقال: يا نبي الله أنزِلْنيهِ أنا وقومي، قال: "نعم"، فانزلَه وأسلَم -يعني السُّلَمِيين- = وأخرجه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2472)، والطبراني في "الكبير" (808)، والضياء المقدسي في "المختارة" (1283) من طريق فرج بن سعيد، بهذا الإسناد.
وانظر ما سلف برقم (3064). قال الخطابي: يشبه أن تكون هذه الأراكة يوم إحياء الأرض، وحظر عليها قائمة فيها فملك الأرض بالإحياء، ولم يملك الأراكة إذ كانت مرعى للسارحة، فأما الأراك: إذا نبت في ملك رجل، فإنه محميٌّ لصاحبه غير محظور عليه تملكه والتصرف فيه، ولا فرق بينه وبين سائر الشجر الذي يتخذه الناس في أراضيهم.

فأتوا صخْراً، فسألُوه -وقال غيره: الأسلميون مكان السلميين- أن يدفع إليهم الماء، فأبى، فأتوا النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- فقالوا: يا نبىَّ الله، أسلمنا وأتينا صخْراً ليدفع إلينا ماءَنا فأبى علينا، فَدعاهُ فقال: "يا صخرُ، إن القومَ إذا أسلمُوا أحرزُوا أموالَهم ودماءَهم، فادْفع إلى القوم ماءَهم قال: نعم، يا نبي الله، فرأيتُ وجهَ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يتغيَّر عند ذلك حُمرةً حياءً، من أخذِه الجاريةَ وأخذِه الماءَ 1.

3068 - حدَّثنا سليمانُ بن داود المَهريُّ، أخبرنا ابنُ وهب، حدثني سَبْرَةُ ابن عبد العزيز بن الربيع الجُهنىُّ، عن أبيه عن جده: أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - نزل في موضعِ المسجدِ تحت دَوْمَةٍ، فأقام ثلاثاً، ثم خرج إلى تَبُوكَ، وإن جهينةَ لحِقُوه بالرَّحْبَةِ، فقال = أبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة".
ومحمد بن الحسن الأسدي عند الطبراني أيضاً (7280)، وقيس بن الربيع عند أبي نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة"، أربعتهم، عن أبان، عن عثمان بن أبي حازم، عن صخر.
وقرن محمد بن الحسن في روايته بعثمان كثير بن أبي حازم.
وكثير هذا لم نقع له على ترجمة فيما بين أيدينا من المصادر.
ورواه أبو أحمد الزبيري، عن أبان، عن صخر ومعمر وغير واحد، عن أبي حازم، عن أبيه صخر.
أخرجه كذلك ابن قانع في "معجم الصحابة" 2/ 20 - 21. كذا جاء في مطبوع "معجم الصحابة" وكذا قال البغوي فيما حكاه عنه ابن حجر في "الإصابة" 3/ 416، لكن قال المزي في "تحفة الأشراف" (4851): ورواه أبو أحمد الزبيري عن أبان، عن صخر ورواه معمر وغير واحد، عن أبان، عن عثمان بن أبي حازم، عن صخر بن العيلة - فجعله إسناداً آخر منفصلاً! وانظر "معرفة الصحابة" لأبي نعيم الأصبهاني، و "تحفة الأشراف" للمزي 4/ 160، و"الإصابة" لابن حجر 3/ 416، و"أُسد الغابة" لابن الأثير 3/ 12 - 13. قال الخطابي: يشبه أن يكون أمره إياه برد الماء عليهم إنما هو على معنى استطابة النفس عنه، ولذلك كان يظهر في وجهه أثر الحياء، والأصل أن الكافر إذا هرب عن مال له، فإنه يكون فيئاً، فإذا صار فيئاً وقد ملكه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ثم جعله لصخر، فإنه لا ينتقل عنه ملكه إليهم بإسلامهم فيما بعد، ولكنه استطاب نفس صخر عنه ثم ردّه عليهم تألفاً لهم على الإسلام وترغيباً لهم في الدين، والله أعلم.
وأما ردّه المرأة فقد يحتمل أن يكون على هذا المعنى أيضاً كما فعل ذلك في سبى هوازن بعد أن استطاب أنفس الغانمين عنها، وقد يحتمل أن يكون ذلك الأمر فيها بخلاف ذلك، لأن القوم إنما نزلوا على حُكم رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فكان السبي والدماء والأموال موقوفة على ما يريه الله فيهم، فرأى - صلَّى الله عليه وسلم - أن ترد المرأة وأن لا تُسبَى.

لهم: "مَنْ أهْلُ ذِي المَرْوةِ؟ " فقالوا: بنو رفاعة من جُهَينةَ، فقال: "قد أقطعْتُها لبني رِفاعَةَ" فاقتسَموها: فمنهم من باعَ، ومنهم من أمسَكَ فعمل، ثم سألتُ أباهُ عبدَ العزيز عن هذا الحديث، فحدَّثني ببعضِه ولم يحدثْني به كلِّه 1. 3069 - حدَّثنا حسينُ بن عليٍّ، حدَّثنا يحيى -يعني ابنَ آدم- حدَّثنا أبو بكر بن عيّاش، عن هشامِ بن عروة، عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - أقطعَ الزبيرَ نَخْلاً 2.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فقد أخرج أحمد (26937)، والبخاري (3151).، ومسلم (2182)، والنسائي في "الكبرى" (9125) من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت أنقُل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، على رأسي، وهى مني على ثلثي فرسخ.
وأخرج أبو عبيد في "الأموال" (678)، وعنه حميد بن زنجويه في "الأموال" (1011) عن أبي معاوية الضرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه -قال أبو عُبيد: وغير أبي معاوية يُسنده عن أسماء بنت أبي بكر- أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - أقطع الزبير أرضاً بخيبر فيها شجر ونخل.
وأخرج البيهقي في "السنن الكبرى" 6/ 145 من طريق سفيان بن عيينة و 6/ 146 من طريق جعفر بن عون، كلاهما عن هشام، عن أبيه -مرسلاً- أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - أقطع الزبير أرضاً.
وعلّق البخاري في "صحيحه" بإثر الحديث (3151) عن أبي ضمرة أنس بن عياض، عن هشام، عن أبيه مرسلاً -أن النبي- صلَّى الله عليه وسلم - أقطع الزبير أرضاً من أموال بني النضير.
وأخرج أبو عبيد (677)، وعنه حميد بن زنجويه (1009) عن هشيم بن بشير، قال: حدَّثنا يونس بن عُبيد، وحميد بن زنجويه (1010) من طريق عبد الله بن عون، كلاهما عن محمد بن سيرين -واللفظ ليونس- قال: أقطع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - رجلاً من الأنصار -يقال له: سليط، وكان يذكر من فضله- أرضاً.
قال: فكان يخرج إلى أرضه تلك، فيقيم بها الأيام، ثم يرجع.
فيقال له: لقد نزل من بعدك من القرآن كذا وكذا، وقضى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - في كذا وكذا، قال فانطلق إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن هذه الأرض التي أقطعتنيها قد شغلتني عنك، فاقبلها مني، فلا حاجة لي في شيء يشغلني عنك، فقبلها النبي - صلَّى الله عليه وسلم - منه، فقال الزبير: يا رسول الله، أقطعنيها، قال: فأقطعها إياه.
وهذا إسناد مرسل رجاله ثقات.
وانظر (3072). قال أبو عبيد: أما إقطاع النبي - صلَّى الله عليه وسلم - الزبير أرضاً ذات نخل وشجَر، فإنا نراها الأرض التي كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - أقطعها الأنصاري فأحياها وعمرها، ثم تركها بطيب نفس منه،=

3070 - حدَّثنا حفصُ بن عُمر وموسى بن إسماعيلَ -المعنى واحد- قالا: حدَّثنا عبدُ الله بن حسان العَنبريُّ حدثتْني جدتاي صفيّهُ وُدَحيْبَةُ ابنتا عُلَيْبَةَ -وكانتا ربيبتَيْ قَيلَةَ بنتِ مَخْرَمةَ، وكانت جدةَ أبيهما- أنها أخبرتْهما، قالت: قدمنا على رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، قالت: تقدَّم صاحبي -تعني حُرَيْثَ بن حسان، وافدَ بكرِ ابن وائلٍ- فبايعَه على الإسلامِ عليه وعلى قومه، ثم قال: يا رسول الله، اكتُب بيننا وبين بني تميم بالدَّهناء: أن لا يجاوزَها إلينا منهم أحدٌ إلا مسافرٌ أو مُجاوِرٌ 1، فقال: "اكتب له يا غلام بالدّهناء" فلما رأيتُه قد أمر له بها شُخِصَ بي وهي وطني وداري، فقلت: يا رسولَ الله، إنه لم يسألْك السَّويَّةَ من الأرضِ إذ سألك، إنما هذه الدهناءُ عندك مُقَيَّدُ الجَمَلِ، ومَرْعَى الغنم، ونساءُ تميم وأبناؤها وراءَ ذلك، فقال: = فأقطعها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - للزبير.
وهو مفسّر في حديث ابن سيرين الذي ذكرناه، فإن لم تكن تلك فلعلها مما اصطفى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - من خيبر, فقد كان له من كل غنيمة الصفى وخمس الخمس.
وقد ذكرنا ما كان له خاصاً من الغنائم في أول الكتاب.
فإن كانت أرض الزبير من ذلك فهي ملك يمين رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، يعطيها من شاء عامرة وغير عامرة، ولا أعرف لإقطاعه أرضاً فيها نخل وشجر وجهاً غير هذا.
وقال الإمام النووي في "شرح مسلم" 14/ 165: وفي هذا دليل لجواز إقطاع الإمام، فأما الأرض المملوكة لبيت المال، فلا يملكها أحد إلا بإقطاع الإمام، ثم تارة يقطع رقبتها، ويُملكلها الإنسان يرى فيه مصلحة فيجوز، ويملكها كما يملك ما يعطيه من الدراهم والدنانير وغيرها إذا رأى فيه مصلحة، وتارة يقطعه منفعتها، فيستحق الانتفاع بها مدة الإقطاع، وأما الموات، فيجوز لكل أحد إحياؤه، ولا يفتقر إلى إذن الإمام، هذا مذهب مالك والشافعى والجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يملك الموات بالإحياء إلا بإذن الإمام.

"أمسِك يا غلامُ، صدَقتِ المسكينةُ، المسلمُ أخو المسلم، يَسعُهُما الماءُ والشجرُ، ويتعاونان على الفَتَّانِ" 1. سُئل أبو دَاود عن الفتّان؟ فقال: الشيطان 2.

3071 - حدَّثنا محمد بن بشّار، حدَّثني عبد الحميد بن عبد الواحدِ، حدَّثتني أم جَنوبٍ بنتُ نُمَيلةَ، عن أُمها سويدة بنتِ جابرٍ، عن أُمها عَقيلةَ بنتِ أسمرَ بن مُضَرِّس عن أبيها أسمرَ بنِ مُضرِّسٍ، قال: أتيتُ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - فبايعتُه، فقال: "مَنْ سبق إلى ما لم يَسْبقْه إليه مسلمٌ فهو له" قال: فخرج الناسُ يَتَعادَوْنَ يَتخاطُّونَ 1. 3072 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا حمادُ بن خالدٍ، عن عَبدِ الله بن عمر، عن نافعٍ

عن ابن عمر: أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - أقطعَ الزبيرَ حُضْرَ فرسِه، فأجرى فرسَه حتى قام، ثم رمَى بسَوطِه، فقال: "أعطُوه من حيث بلغَ السَّوطُ" (1).

37 -

باب في إحياء الموات

3073 - حدَّثنا أبو موسى محمدُ بن المُثنَّى، حدَّثنا عبدُ الوهابِ، حدَّثنا أيوبُ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه عن سعيدِ بن زيد، عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "من أحيا أرضاً ميتةً فهي له، وليس لِعِرقٍ ظالمٍ حقٌ" 2.1

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ووصله أيضاً يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه، كما سيأتي بعده، حيث قال: خبَّرني الذي حدثني هذا الحديث، وهذا -وإن كان في إسناده عنعنة محمد بن إسحاق؛ فإنها تحتمل هنا- موصول كذلك، وإبهام الصحابي فيه لا يضر أيضاً، وسواء كان هو أبو سعيد الخدري كما قال في الرواية الآتية برقم (3075) أو لم يكن، فالصحابة كلهم عدول.
ولا يمنع أن يكون عروة سمعه من عدد من الصحابة منهم سعيد بن زيد وعائشة وأبو سعيد الخدري وغيرهم، يؤيد ذلك روايته الآتية عند المصنف برقم (3076) حيث قال فيها: جاءنا بهذا الذين جاؤوا بالصلواتِ عنه - صلَّى الله عليه وسلم -. ولهذا صحح إسناد هذا الحديث ابن الملقن في "البدر المنير" 6/ 766. وحسنه الترمذي (1433). أما الدارقطني فقد قال في "العلل" 4/ 414.المرسل عن عروة أصح.
وأخرجه الترمذي (1433)، والبزار في "مسنده" (1256)، والنسائي في "الكبرى" (5729)، وأبو يعلى (957)، والبيهقي 6/ 99 و 142، وابن عبد البر في "التمهيد" 22/ 281، وابن الجوزي في "التحقيق" (1558)، والضياء في "المختارة" (1096) - (1098) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، بهذا الإسناد.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - مرسلاً.
وأخرجه أبو يوسف في "الخراج" ص 64 عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
وأخرجه الدارقطني في "العلل" 4/ 415 من طريق سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: حدثني من لا أتهم أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال: ... وأخرجه مالك في "الموطأ" 2/ 743، ومن طريقه الشافعي في "مسنده" 2/ 133 و 134، والبيهقى 6/ 142، والبغوي في "شرح السنة" (2189)، وأخرجه أبو عبِيد القاسم بن سلام في "الأموال" (704)، ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" (2167) عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، وأبو عبيد (704) عن أبي معاوية الضرير، وابن أبي شيبة 7/ 74 عن وكيع بن الجراح، ويحيى بن آدم في "الخراج" (266) عن قيس بن الربيع، و (268) عن يزيد بن عبد العزيز، وحميد بن زنجويه في "الأموال" (1053) =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = من طريق سفيان الثوري، والنسائي في "الكبرى" (5730) من طريق يحيي بن سعيد الأنصاري والليث بن سعد، ويحيى بن آدم (267)، ومن طريقه البيهقي 6/ 142 من طريق سفيان بن عيينة، ومن طريق عبد الله بن إدريس، كلهم (مالك والجمحي وأبو معاوية ووكيع والثوري ويحيى الأنصاري والليث وقيس ويزيد بن عبد العزيز وابن عيينة وابن إدريس) عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلاً.
وقد روى هذا الحديث زمعة بن صالح، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
أخرجه من طريقه أبو داود الطيالسي (1440)، والدارقطني (4506)، والبيهقي 6/ 142. وزمعة -وإن كان ضعيفاً- متابع عند أبي يوسف في "الخراج" ص 64. وقد روي عن عائشة ذكر إحياء الموات وحده من طريق محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل، عن عروة، عنها عند البخاري (2335) بلفظ: "من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق"، وهو في "سنن النسائي الكبرى" (5759). وفي باب قوله -صلَّى الله عليه وسلم-: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" عن جابر بن عبد الله عند أحمد (14271) و (14839)، والترمذي (1434)، والنسائي في "الكبرى" (5756) - (5758)، وابن حبان (5202) وإسناده صحيح.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وعن عائشة كما سبق قريباً.
وعن سمرة بن جندب سيأتي عند المصنف (3077) ورجاله ثقات.
وعن عروة، عن الذين جاؤوا بالصلوات عنه -صلَّى الله عليه وسلم- ,سيأتي عند المصنف برقم (3076) وإسناده صحيح.
وفي باب قوله -صلَّى الله عليه وسلم-: "وليس لعرق ظالم حق" عن كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده عند يحيى بن آدم في "الخراج" (279)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 3/ 268، والبزار في "مسنده" (3393) والطبراني 17/ (4) و (5)، والبيهقي 6/ 142 و 147، وابن عبد البر في "التمهيد" 22/ 284 وإسناده حسن في الشواهد، لأن كثيراً وإن كان ضعيفاً يعتبر به.
وعن عروة عن رجل من أصحاب النبي -صلَّى الله عليه وسلم- سيأتي عند المصنف بعده وبرقم (3075). =

3074 - حدَّثنا هنَّاد بن السَّريِّ، حدَّثنا عَبدة، عن محمدٍ -يعني ابنَ إسحاقَ- عن يحيي بن عُروة عن أبيه، أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "من أحيا أرضاً فهي له" وذكرَ مثلَه.
قال: فلقد خبَّرني الذي حدَّثني هذا الحديثَ أن رجلَين اختصما إلى رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- غَرَسَ أحدهما نخْلاً في أرضِ الآخَر، فقضى لصاحبِ الأرضِ بأرضِه، وأمرَ صاحبَ النخلِ أن يُخرِجَ نخلَه منها، وقال: فلقد رأيتُها وإنها لَتُضْرَبُ أصولُها بالفُؤُوس، وإنها لنخلٌ عُمٌّ، حتى أُخرجَتْ منها 1. = وعن عائشة كما سبق قريباً.
وانظر ما بعده، وما سيأتي برقم (3075) و (3076). قال يحيى بن آدم (284): وإحياء الأرض أن يستخرج فيها عيناً أو قليباً، أو يسوق إليها الماء، وهي أرض لم تكن في يد أحد قبله يزرعها أو يستخرجها حتى تصلح للزرع، فهذه لصاحبها أبداً، لا تخرج عن ملكه وإن عطلها بعد ذلك؛ لأن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "من أحيا أرضاً فهي له" فهذا إذن من رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- فيها للناس، فإن مات فهي لورثته، وله أن يبيعها إن شاء.
قلنا: وتفسير العرق الظالم سيأتي عند الحديث التالي.
وربما ظُنَّ معارضة هذا الحديث لحديث رافع بن خديج رفعه: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته" وسيأتى عند المصنف برقم (3403)، ولات ثمة تعارضٌ كما بيناه هناك.

3075 - حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ الدارِميُّ، حدَّثنا وهْبٌ، عن أبيه، عن ابن إسحاقَ، بإسناده ومعناه إلا أنه قال عند قوله مكانَ: الذي حدَّثني هذا، فقال: رجلٌ من أصحاب النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-، وأكثرُ ظني أنه أبو سعيدٍ الخُدريُّ: فأنا رأيتُ الرجلَ يضرِبُ في أصولِ النخل 1. 3076 - حدَّثنا أحمدُ بن عَبدَةَ الآمُلىُّ، حدَّثنا عبدُ الله بن عثمانَ، حدَّثنا عبدُ الله بن المُبارَكِ، أخبرنا نافعُ بن عمر، عن ابن أبي مُلَيكةَ = "الأموال" (1054)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 4/ 118، والدارقطني (2938)، والبيهقي 6/ 99 و 142، وابن عبد البر في "التمهيد" 22/ 282، وفي "الاستذكار" (32458)، وابن الجوزي في "التحقيق (1560)، من طرق عن محمد ابن إسحاق، به.
وقرن الدارقطني وابن الجوزي بيحيى بن عروة هشام بن عروة، وقال الطحاوي في إحدى روايتيه: عن رجل من أصحاب النبي -صلَّى الله عليه وسلم-.
وانظر ما قبله وما بعده.
قال أبو عبيد: هذا الحديث مفسِّر للعرق الظالم، وإنما صار ظالماً لأنه غرس في الأرض وهو يعلم أنها ملك غيره، فصار بهذا الفعل ظالماً غاصباً، فكان حكمه أن يقلع ما غرس.
قنا: وسيأتي تفسير العرق الظالم أيضاً عن هشام بن عروة ومالك عند المصنف برقم (3078). وقال الخطابي: قوله: نخلٌ عُمٌّ، أي: طوال، واحدها عميم، ورجل عميم: إذا كان تامَّ الخلق.

عن عروة، قال: أشهدُ أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قضى أن الأرضَ أرضُ اللهِ والعبادَ عبادُ الله، ومن أحيا مَوَاتاً فهو أحق به، جاءنا بهذا عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- الذين جاؤوا بالصلوات عنه 1. 3077 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبلٍ، حدَّثنا محمد بن بِشْرٍ، حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ عن سمرة، عن النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أحاط حَائِطاً على أرضٍ فهي له" 2.

3078 - حدَّثنا أحمد بن عَمرو بن السَّرْحِ، أخبرنا ابنُ وهْبٍ، أخبرني مالكٌ، قال هشام: العِرقُ الظالم: أن يغرِسَ الرجلُ في أرض غيره فيستحقَّها بذلك، قال مالك: والعرقُ الظالم: كل ما أُخِذَ واحتُفِرَ وغُرِسَ بغير حقٍّ 1. 3079 - حدَّثنا سَهل بن بكَّارِ، حدَّثنا وُهَيبُ بن خالد، عن عَمرو بن يحيي، عن العباسِ السَّاعِدي -يعني ابنَ سهل بن سعْدٍ- عن أبي حُمَيد الساعديِّ، قال: غزوتُ مع رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- تبُوكَ، فلما أتى واديَ القُرَى إذا امرأةٌ في حديقةٍ لها، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- لأصحابه: "اخرُصُوا" فَخرَصَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- عشرةَ أوسُقٍ، فقال للمرأة: "أحْصِي ما يَخرجُ منها" قال: فأتينا تَبوكَ، فأهدى ملكُ أيلَةَ إلى رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- بغلةً بيضاءَ، وكساه بُرْدةً، وكتب له، يعني بِبَحرِه، قال: فلمَّا أتينا واديَ القُرىَ قال للمرأة: "كم كان في حديقتِك؟ " = الأربعة وعند علي ابن المدينى أن كلها سماع، وكذلك حكى الترمذي عن البخاري نحو هذا.
وقال يحيى بن سعيد القطان وجماعة كثيرون: هي كتاب، قال العلائي ووافقه أبو زرعة ابن العراقي: وذلك لا يقتضي الانقطاع! سعيد: هو ابن أبي عروبة.
وأخرجه النسائي في "الكبرى" (5731) من طريق سفيان بن حبيب، عن سعيد ابن أبي عروبة، به.
وهو في "مسند أحمد" (20130). وفي الباب عن عدد من الصحابة سلف ذكرهم في الأحاديث (3073) - (3076).

قالت: عشرةُ أوسُقٍ خَرْصَ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-.
فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: إنّي مُتَعَجِّلٌ إلى المدينةِ، فمن أراد منكم أن يتعجَّل معي فليتعجَّل" 1.

3080 - حدَّثنا عبدُ الواحدِ بن غِياثٍ، حدَّثنا عبدُ الواحد بن زياد، حدَّثنا الأعمشُ، عن جامعِ بن شدادِ، عن كلثومٍ عن زينب: أنها كانت تَفْلِي رأسَ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، وعندَه امرأةُ عثمان ابن عفّان ونساءٌ من المهاجرات، وهنَّ يشتكِين منازلَهن أنَّها تضيق عليهن ويُخرَجْن منها، فأمر رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- أن تورَّثَ دورَ المهاجرين النساء، فمات عبدُ الله بن مسعود فورِثتْه امرأتُه داراً بالمدينة 1. = فتتلفها فيكون ما يؤخذ من صاحبها مأخوذاً بدلاً مما لم يُسلم له، وأجيب بأن القائلين به لا يُضمّنون أرباب الأموال ما تلف بعد الخرص، قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان.
وقال الحافظ أيضاً: "أحصي" أي: احفظي عدد كيلها.
قلنا: وأيلة، قال ياقوت: بالفتح، مدينة على ساحر بحر القُلزُم مما يلي الشام وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام.
قلنا: هي الآن مدينة العَقَبة في المملكة الأردنية الهاشمية على ساحل البحر الأحمر الذي كان يُسمى قديماً بحر القُلزُم، وهي الميناء الوحيد للمملكة على البحر الأحمر، وإلى هذه المدينة ينسب بعض الرواة مثل يونس ابن يزيد وعُقيل بن خالد الأيليان صاحبا الزهري.
وقوله: "كتب له ببحره"، قال الحافظ في "الفتح" 3/ 345: أي: ببلده، أو المراد بأهل بحره، لأنهم كانوا سكاناً بساحل البحر، أي: أنه أقرّه عليه بما التزموه من الجزية.
قلنا: فضمير كتب يعود إلى النبي -صلَّى الله عليه وسلم-.
والوسق: ستون صاعاً، والصاع يساوي بالمكاييل المعاصرة (2.75) لتراً، أو (2175) غراماً، فيكون الستون صاعاً -يعني الوسق- يساوي (165) لتراً، أو (130.5) كيلو غراماً.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأما قوله: "وأظنها امرأة عبد الله بن مسعود، فهو بعيد جداً، لأنه ليس بينها وبين النبي -صلَّى الله عليه وسلم- محرمية، فكيف تفلي رأسَه؟ والأشبه أنها زينب بنت جحش زوج النبي -صلَّى الله عليه وسلم-.
قلنا: هذا ليس بحجة، فقد كانت أم حرام بنت ملحان يدخل عليها رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- وهي تحت عبادة بن الصامت، وكانت تفلي رأس رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-، وكان ينام عندها، ولم يثبت أن بينهما محرمية، وقصتها عند البخاري (2788). وأما كلثوم فهو كلثوم بن المصطلق، وهو كلثوم بن علقمة بن ناجية بن المصطلق، وهو ابن عامر بن الحارث بن أبي ضرار بن المصطلق نفسه، كما حققه الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" وكذلك يظهر من صنيع المزي حيث ذكر في الرواة عن كلثوم بن المصطلق: مهاجر أبو الحسن، الذي ذكر مَن ترجم لكلثوم بن عامر أنه من الرواة عنه، فكأنه عدهما واحداً، والصحيح أنه تابعي روى عنه جمع وذكره ابن حبان في "الثقات"، فيكون حسن الحديث.
وبقية رجال الإسناد ثقات.
وأخرجه أحمد (27050)، والبيهقي 6/ 156 من طريق عبد الواحد بن زياد، بهذا الإسناد.
وأخرجه أحمد (27049) عن أسود بن عامر، عن شريك، عن الأعمش، عن جامع بن شداد عن كلثوم، عن زينب: أن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- ورّث النساء خِطَطَهنَّ.
وشريك -وهو النخعي- ضعيف يعتبر به في المتابعات.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" 23/ (733) من طريق عاصم بن علي، عن قيس ابن الربيع، عن جامع بن شداد، عن كلثوم الخزاعي، عن أم سلمة أنها كانت تفلي رأس رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- فجاءت زينب امرأة عبد الله بن مسعود ... الحديث.
فجعل الحديث من مسند أم سلمة، وأنها هي التي كانت تفلي رأس رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-! وعاصم فيه ضعف، وقيس بن الربيع ضعيف يعتبر به إذا توبع، ولم يتابعه أحد على ذلك، بل خالفه الأعمش، وهو ثقة.
قال الخطابي: قد روي عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- أنه أقطع المهاجرين الدور بالمدينة، فتأولوها على وجهين: أحدهما: أنه إنماكان أقطعهم العَرَصَة ليبتنوا فيها الدور، فعلى هذا الوجه يصح ملكهم في البناء الذي أحدثوه في العَرَصَة.
=

38 -

باب الدخول في أرضِ الخَراج

3081 - حدَّثنا هارونُ بن محمد بن بكَّار بن بلالٍ، حدَّثنا محمد بن عيسى -يعني ابن سُمَيع- حدَّثنا زيدُ بن واقدٍ، حدثني أبو عبدِ الله عن معاذ بن جبل أنه قال: مَن عَقدَ الجزيةَ في عنقه، فقد برئ مما عليه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - 1. = والوجه الآخر: أنهم إنما أُقطِعوا الدور عارية، وإليه ذهب أبو إسحاق المروزي، وعلى هذا الوجه لا يصح الملك فيها، وذلك أن الميراث لا يجري إلا فيما كان المورث مالكاً له، وقد وضعَه أبو داود في باب إحياء الموات، فقد يحتمل أن يكون إنما أحيا تلك البقاع بالبناء فيها إذ كانت غير مملوكة لأحد قبل، والله أعلم.
وقد يكون نوع من الإقطاع إرفاقاً من غير تمليك، وذلك كالمقاعد في الأسواق والمنازل في الأسفار إنما يرتفق بها ولا تمتلك.
فأما توريثه الدورَ نساءَ المهاجرين خصوصاً، فيشبه أن يكون ذلك على معنى القسمة بين الورثة، وإنما خصصهن بالدور لأنهن بالمدينة غرائب لا عشيرة لهن بها، فجاز لهن الدور لما رأى من المصلحة ذلك.
وفيه وجه آخر: وهو أن تكون تلك الدور في أيديهن مدى حياتهن على سبيل الإرفاق بالسكنى دون الملك، كما كانت دور النبي -صلَّى الله عليه وسلم- وحُجَرُه في أيدي نسائه بعده لا على سبيل الميراث فإنه -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "نحن لا نورث، ما تركناه صدقه" ويحكى عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان نساء النبي -صلَّى الله عليه وسلم- في معنى المعتدات لأنهن لا ينكحن، وللمعتدة السكنى، فجعل لهن سكنى البيوت ما عِشن ولا يملكن رقابها.

3082 - حدَّثنا حَيوةُ بن شُريح الحَضرميُّ، حدَّثنا بقيةُ، حدَّثني عُمارة بن أبي الشَعْثاء، حدَّثني سِنانُ بن قَيسٍ، حدَّثني شَبيب بن نُعَيم، حدثني يزيدُ بن خُمَير حدَّثني أبو الدَّرْداء، قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "مَنْ أخذَ أرْضاً بِجِزْيَتِها فَقَدِ استَقالَ هَجْرتَه، ومَنْ نزع صَغَارَ كافِرٍ من عُنُقِهِ فجَعَلهُ في عنقِهِ فقد ولَّى الإسلام َظهره"، قال: فسمع مني خالدُ بن قعدَان هذا الحديثَ، فقال لي: أشبيبٌ حدَّثك؟ قلت: نعم، قال: فإذا قدمتَ فسَلْه فليكتبْ إليَّ بالحديث، قال: فكتبَه له، فلما قدمتُ سألني خالد بن مَعدَان القِرطاسَ، فأعطيته، فلما قرأه ترك ما في يَديه من الأرَضين حين سمع ذلك 1. = كاتب أبي الدرداء، فقد روى الحديث الطبراني في "المعجم الأوسط" (8247) فقال: مسلم بن مِشكَم، وقد ذكر المزي وتبعه ابن حجر أن في الرواة عنه زيد بن واقد، وذكر ابن حجر أن في شيوخه معاذ بن جبل.
قلنا: وسواء كان هذا أو هذا أو ذاك، فالثلاثة ثقات، فهذا اختلاف لا يضر إن شاء الله.
لكن المزي في "تهذيب الكمال" ذكر في ترجمة أبي عبد الله الأشعري أن رواية زيد بن واقد عنه مرسلة جزماً، أما في ترجمة زيد بن واقد في "التهذيب" فقد ذكر ذلك بصيغة التمريض، فقال: يقال: مرسل.
قلنا: سماعُه منه محتمل، فقد روى عن مثل طبقة أبي عبد الله هذا، وقد صرح هنا بالسماع.
وأخرجه الييهقى 9/ 139، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 58/ 150 - 151 من طريق أبي داود، بهذا الإسناد.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" 20/ (196)، وفي "مسند الشاميين" (1222) من طريق عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، عن صدقة بن خالد، عن زيد بن واقد، به.
ولفقه الحديث انظر ما بعده.

قال أبو داودَ: هذا يزيدُ بن خُمَير اليَزَنيُّ، ليس هو صاحبَ شُعبةَ.

39 -

باب في الأرض يحميها الإمامُ أو الرجلُ

3083 - حدَّثنا ابن السَّرْحِ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، أخبرني يونُس، عن ابن شهابٍ، عن عُبيد الله بن عَبد الله، عن ابن عباس عن الصَّعْبِ بن جَثّامة، أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "لا حِمَى إلا للهِ ولِرسُولهِ" 1. = قال الخطابي: معنى الجزية ها هنا الخراج، ودلالة الحديث أن المسلم إذا اشترى أرضاً خراجية من كافر، فإن الخراج لا يسقط عنه، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي، إلا أنهم لم يروا فيما أخرجت من حب عشراً، وقالوا: لا يجتمع الخراج مع العشر.
وقال عامة أهل العلم: العشر عليه واجب فيما أخرجته الأرض من حب إذا بلغ خمسة أوساق.
والخراج عند الشافعي على وجهين: أحدهما جزية والآخر بمعنى الكراء والأجرة، فإذا فتحت الأرض صلحاً على أن أرضها لأهلها، فما وضع عليها من خراج فمجراها مجرى الجزية التى تؤخذ من رؤوسهم، فمن أسلم منهم سقط ما عليه من الخراج كما يسقط ما على رقبته من الجزية ولزومه العشر فيما أخرجت أرضه وإن كان الفتح إنما وقع على أن الأرض للمسلمين، ويؤدي في كل سنة عنها شيئاً، فالأرض للمسلمين وما يؤخذ منهم عنها، فهو أجرة الأرض، فسواء من أسلم منهم، أو أقام على كفره، فعليه أداء ما اشترط عليه، ومن باع منهم شيئاً من تلك الأرضين، فبيعه باطل، لأنه باع ما لا يملك.
وهذا سبيل أرض السواد عنده.

قال ابنُ شهابِ: وبلغني أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- حَمَى النَّقِيعَ.
3084 - حدَّثنا سعيدُ بن مَنصور، حدَّثنا عبدُ العزيز بن محمد، عن عبدِ الرحمن بن الحارثِ، عن ابن شهابٍ، عن عُبيد الله بن عَبد الله، عن عبد الله ابن عباس عن الصَّعب بن جثّامة: أن.
النبي -صلَّى الله عليه وسلم- حَمَى النَّقيعَ، وقال: "لا حِمَى إلا الله" (1).

40 -

باب ما جاء في الركاز

3085 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيِّب وأبي سلمةَ1 = هو في "مسند أحمد" (16422) و (16425)، و"صحيح ابن حبان" (136) و (4684). وانظر ما بعده.
قال الخطابي: قوله: "لا حمى إلا لله ولرسوله": يريد: لا حمى إلا على معنى ما أباحه رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم -، وعلى الوجه الذي حماه، وفيه إبطال ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من ذلك، وكان الرجل العزيز منهم إذا انتجع بلداً مُخصباً، أوفَى بكلب على جبل، أو على نَشزٍ من الأرض، ثم استعوى الكلب ووقف له من يسمع منتهى صوته بالعواء، فحيث انتهى صوته حماه من كل ناحية لنفسه ومنع الناس منه.
فأما ما حماه رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- لمهازيل إبل الصدقة ولضعفَى الخيل، كالنقيع - (وهو موضع قريب من المدينة على عشرين فرسخاً منها) مستنقع للمياه ينبت فيه الكلام- وقد يقال: إنه مكان ليس بحدٍّ واسع يضيقُ بمثله على المسلمين المرعى فهو مباح، وللأئمة أن يفعلوا ذلك على النظر ما لم يضق منه على العامة المرعى، وهذا الكلام الذي سقتُه معنى كلام الشافعي في بعض كتبه.

سمعا أبا هريرة يُحدَّث، أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "في الرِّكازِ الخُمُسُ" 1. 3086 - حدَّثنا يحيى بن أيوبَ، حدَّثنا عبّاد بن العوّام، عن هشَام، عن الحسن، قال: الركازُ: الكنزُ العادِيّ 2.

3587 - حدَّثنا جعفرُ بن مُسافِرٍ، حدَّثنا ابنُ أبي فُدَيكٍ، حدَّثنا الزَّمعِى، عن عمتهِ قُرَيبةَ بنتِ عبدِ الله بن وهْب، عن أمها كَريمةَ بنتِ المقْداد عن ضُباعَةَ بنتِ الزُبير بن عبد المُطّلب بن هاشم، أنها أخبرتها قالت: ذهبَ المقدادُ لحاجتِه ببقيع الخَبخَبةِ، فإذا جُرَذٌ يُخْرِجُ من جُحْرٍ ديناراً، ثم لم يزلْ يُخرج ديناراً ديناراً، حتى أخرج سبعةَ عشرَ ديناراً، ثم أخرج خِرقة حمراءَ -يعني فيها دينارٌ أو بقي فيها دينار- فكانت ثمانيةَ عشر ديناراً، فذهب بها إلى النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم -، فأخبره، وقال له: خُذْ صدقتَها، فقال له النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلم -: "هَل هَوَيتَ إلى الجُحرِ؟ "قال: لا، فقال له رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "بَارَكَ الله لكَ فِيها" 1. = وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 3/ 225 و 12/ 256 عن عباد بن العوام، به.
والعادي: الجاهلي، ويقال لكل قديم: عادي ينسبونه إلى عاد وإن لم يدركهم.
تنبيه: هذا الأثر أثبتناه من (هـ) وحدها.

41 -

باب نبش القبور العادية يكون فيها المال

3088 - حدَّثنا يحيى بن مَعين، حدَّثنا وهبُ بن جَريرٍ، حدَّثنا أبي، سمعت محمدَ بن إسحاقَ يحدث، عن إسماعيلَ بن أُميةَ، عن بُجَيرِ بن أبي بُجير سمعتُ عبدَ الله بن عَمرو يقول: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول حين خرجْنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "هذا قبْرُ أبي رِغَالٍ، وكانَ بهذا الحرم يُدفَعُ عنه، فلما خرجَ أصابتْه النِّقمةُ التي أصابتْ قومَه بهذا المكان، فدُفن فيه، وآيةُ ذلك أنه دُفن معه غُصْنٌ من ذَهبٍ، إن أنتم نَبشْتُم عنه أصبتُمُوه معه" فابتدرَه الناسُ، فاستخرجَوا الغُصْنَ 1.

تمَّ الجزء الرابع من "سنن أبي داود" ويليه الجزء الخامس وأوله: كتاب الجنائز = وأخرجه الطحاوي (3753)، وابن حبان (6198)، والطبراني في "الأوسط" (2787) و (8533)، والبيهقي 4/ 156، وابن عبد البر 13/ 148 من طريق روح بن القاسم، عن إسماعيل بن أمية، به.
وأخرجه مرسلاً عبدُ الرزاق في "تفسيره" 2/ 232، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" 8/ 230، وأخرجه الطبري كذلك 8/ 230 من طريق محمد بن ثور الصنعانى، كلاهما (عبد الرزاق وابن ثور) عن معمر بن راشد، عن إسماعيل بن أمية.
وفي الباب عن جابر بن عبد الله عند أحمد (4160)، والبزار (1844)، والطبري في "تفسيره" 8/ 230 و 14/ 50، والطحاوي في "شرح المشكل" (3755) و (3756) و (3757)، وابن حبان (6197)، والحاكم 2/ 320 و 340 - 341،وإسناد الطبري في الموضع الثاني والطحاوي في الموضع الثالث قوي - واللفظ عند الطحاوي: أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- وهو في الحِجْر: "هؤلاء قوم صالح، أهلكهم الله عز وجل إلا رجلاً كان في حرم الله عز وجل منعه الله من عذاب الله" قيل: يا رسول الله، من هو؟ قال: "أبو رغال".
وجاء عند بعضهم: "فلما خرج أصابه ما أصاب قومه".

سنن أبي داود تصنيف الإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث الأزديَّ السِّجِسْتَانيِّ 202هـ - 275هـ حقّقهُ وضبطَ نصَّهُ وخرَّج أحَاديثهُ وعلّق عَلَيه شعيب الأرنؤوط محَمّد كامِل قره بللي الجزء الخامس دار الرسالة العالمية

بسم الله الرحمن الرحيم

سنن أبي داود (5)

بسم الله الرحمن الرحيم حقوق الطبع محفوظة للناشر طبعة خاصة 2009 م / 1430 هـ دار الرسالة العالمية جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بإذن خطي من: شركة الرسالة العالمية م. م. Al-resalah Al-a'lamiah m. Publishers الإدارة العامة Head Office دمشق - الحجاز شارع مسلم البارودي بناء خولي وصلاحي 2625 2212773 - 11 (963) 2234305 - 11 (963) الجمهورية العربية السورية Syrian Arab Republic info@resalahonline.com http:www.resalahonline.com فرع ييروت BEIRUT/LEBANON TELEFAX: 815112 - 319039 - 818615 P.O. BOX: 117460

أول كتاب الجنائز

1 -

بادٍ الأمراضِ المُكفِّرة للذنوب

3089 - حدَثنا عبد الله بن محمد النُّفَيليُّ، حدَثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن محمد بن إسحاقَ، قال: حدَّثني رجلٌ من أهل الشام يُقال له: أبو مَنظورٍ، عن عمِّه، قال: حدَّثني عمِّي عن عامرٍ الرّام أخي الخُضْر -قال النُّفيليُّ: هو الخُضْر ولكن كذا قال:- قال: إني لَبِبِلادنا إذ رُفِعَتْ لنا راياتٌ وألويةٌ، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا لِواء رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فأتيتُه وهو تحت شجرةٍ قد بُسِطَ له كساءٌ وهو جالس عليه، وقد اجتمع إليه أصحابُه، فجلستُ إليهم، فذكر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: الأسْقَام، فقال: "إنَّ المؤمنَ إذا أصابه السَّقَمُ ثم أعفاه الله منه كان كفارةً لما مضى من ذنوبه، وموعظةً له فيما يَستَقبِل، وإن المنافقَ إذا مرض ثم أُعفي كان كالبعير عَقَلَهُ أهلُه ثم أرسلُوه فلم يدْرِ لِمَ عَقَلُوه ولم يدْرِ لم أرسَلُوه" فقال رجلٌ ممن حولَه: يا رسولَ اللهِ، وما الأسقامُ؟ واللهِ ما مرضتُ قَطُّ، فقال: "قُمْ عَنّا فلَسْت مِنَّا" فبينا نحن عنده إذْ أقبلَ رجلٌ عليه كساءٌ وفي يده شيء قد التفَّ عليه، فقال: يا رسولَ الله، إني لما رأيتُك أقبلتُ فمررتُ بغَيضَةِ شجَرٍ، فسمعتُ فيها أصواتَ فراخِ طائرٍ، فاخذتُهن فوضعتُهُن في كِسائي، فجاءتْ أُمُّهن فاستدارتْ على رأسي، فكشفتُ لها عنهن، فوقعت عليهن معهن، فلففتُهن بكسائي، فهن أُوْلاء معي، قال: "ضَعْهُنَّ عَنكَ" فوضعتُهن، وأبَتْ أُمُّهن إلا لُزومَهُنَّ، فقال

رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- لأصحابه: "أتَعْجَبُونَ لِرُحْمِ أمِّ الأفرَاخ فِراخَها؟ " قالوا: نعم يا رسولَ الله، قال: "فوالذِي بَعثَنِي بالحق للهُ أرْحَمُ بعباده من أمِّ الأفراخ بفِراخها، ارجِع بهن حتى تضعَهن من حيثُ أخذتَهن وأمُّهُن مَعَهُن" فرجَع بهن 1.

3090 - حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ النُّفيليُّ وإبراهيمُ بن مَهديٍّ المِصِّيصِيُّ -المعنى- قالا: حدَّثنا أبو المليحِ، عن محمدِ بن خالدٍ قال إبراهيم: السُّلَمي -عن أبيه = وعن عائشة عند البخاري (5640)، ومسلم (2572) رفعته: "ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه، حتى الشوكة يُشاكها" وسيأتي عند المصنف نحوه برقم (3093). وعن أبي هريرة عند البخاري (5641) و (5642)، ومسلم (2573) رفعه: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه، وفي رواية لأبي هريرة عند البخاري (5645) رفعه: "من يرد الله به خيراً يُصب منه".
وفي رواية لأبي هريرة عند ابن ماجه (2562) رفعه: "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله، وما عليه خطيئة".
وإسناده حسن.
وعن عبد الله بن مسعود عند البخاري (5660)، ومسلم (2571) رفعه: "ما من مسلم يصيبه أذى، مرض فما سواه، إلا حط الله له سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها".
وعن سعد بن أبي وقاص عند ابن ماجه (4023)، والترمذي (2561)، والنسائي في "الكبرى" (7439) قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتَلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صُلبا، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة".
وهو حديث صحيح.
وعن أم العلاء سيأتي عند المصنف برقم (3092). وفي باب أن الله سبحانه وتعالى أرحم بعباده من الأم بولدها عن عمر بن الخطاب عند البخاري (5999)، ومسلم (2754)، قال: قدم على النبي - صلَّى الله عليه وسلم - سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلُبُ ثديَها تسقي، إذا وجدت صبياً في السبي أخذته، فالصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي -صلَّى الله عليه وسلم- أترون هذه طارحة ولدها في النار؟! قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: "الله أرحم بعباده من هذه بولدها".

عن جده- وكانت له صحبةٌ من رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "إن العَبدَ إذا سَبَقَت له من الله عزَّ وجلَّ منزلَةٌ لم يَبلُغْها بعملِه، ابتلاه اللهُ جل وعز في جَسَدِه، أو في مالِه، أو في وَلَدِه -زاد ابنُ نُفَيلِ: "ثم صَبَّرَه على ذلك" ثم اتفقا- "حتَّى يُبلغَهُ المنزلةَ التي سبقتْ له من الله جل وعز" (1).

2 -

باب إذا كان الرجل يعمل عملاً صالحاً فشغله عنه مرض أو سفر

2 3091 - حدَّثنا محمدُ بن عيسى ومُسَدَّدٌ -المعنى- قالا: حدَثنا هُشَيمٌ، عن العوَّام بن حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ بن عبد الرحمن السَّكْسَكىِّ، عن أبي بُردةَ1

عن أبي موسى، قال: سمعتُ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-غيرَ مرةٍ ولا مرتين- يقولُ: "إذا كان العبدُ يعملُ عملاً صالحاً فشغلهُ عنه مرض أو سفر، كُتِبَ له كصالحِ ماكان يعمَلُ وهو صحيحٌ مُقيمٌ" 1.

3 -

باب عيادة النساء

1 3092 - حدَثنا سهْلُ بن بكَّار، عن أبي عَوَانةَ، عن عبدِ الملكِ بن عُميرٍ عن أمِّ العَلاءِ، قالت: عادَني رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم- وأنا مريضة، فقال: "أبشري يا أمَّ العلاء، فإنَّ مَرَضَ المسلمِ يُذهِبُ اللهُ به خطاياهُ كما تُذهب النارُ خَبَثَ الذهَبِ والفِضَةِ" 2. 3093 - حدَثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا يحيى -وحدَّثنا محمد بن بشّار، حدَّثنا عثمانُ بن عمر- قال أبو داود: وهذا لفظ ابنِ بشّار - عن أبي عامرٍ الخَزَّازِ، عن ابن أبي مُليكةَ عن عائشةَ، قالت: قلت: يا رسول الله، إني لأعلم أشدَّ آية في القرآن، قال: "أيّةُ آيةٍ يا عائشة؟ " قالت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:123] قال: "أما علِمْتِ يا عائشةُ أنَّ المؤمنَ تُصيبُهُ النَّكْبَةُ أو الشَّوكةُ فيكافأُ بأَسوإ عمله، ومَن حُوسِب عُذِّبَ" قالت: أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8)﴾ [الانشقاق: 8]؟ قال: "ذاكمُ العَرْضُ يا عائشة، مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذبَ" 3.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقد روي بنحوه من أوجه أخرى عن عائشة كما سيأتي.
ابن أبي مليكة: هو عبد الله ابن عُبيد الله، ويحيى: هو ابن سعيد القطان، ومُسدَّد: هو ابن مسرهد.
وأخرجه إسحاق بن راهوية في "مسنده" -قسم مسند عائشة- (1249)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في تفسير ابن كثير" 2/ 371 - 372، والطبري في "تفسيره" 5/ 295، والبيهقي في "الشعب" (9810)، وابن حجر في "تغليق التعليق" 5/ 182 من طريق أبي عامر الخزاز صالح بن رستم، به ولم يذكر ابن أبي حاتم في روايته مناقشة الحساب في الآخرة.
وأخرج الشطر الأول من الحديث، وهو تكفير الذنوب بما يصيب المؤمن: أحمد (25676)، والبيهقي في "الشعب" (9811) من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "ما أصاب المسلم شيء إلا كان له كفارة".
وأخرج هذا الشطر أيضاً بنحوه سعيد بن منصور (699) -قسم التفسير- من طريق عُبيد بن عمير، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (1584) والطبري في "تفسيره" 5/ 295 من طريق أمية بنت عبد الله، وابن مردويه في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" 2/ 372 من طريق محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ، ثلاثتهم عن عائشة وفي الأسانيد إلى عائشة مقالٌ.
وأخرجه أيضاً بنحوه الطبري في "تفسيره" 5/ 294 من طريق محمد بن زيد بن المهاجر، عن عائشة عن أبي بكر الصديق.
وإسناده قوي، ولا يضر كونه عن عائشة أو عن عائشة عن أبي بكر.
ولأحمد (68) وابن حبان (2910) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي عن أبي بكر الصديق أنه قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:123]، وكلّ شيء عَمِلْنَاه جُزينا به؟ فقال: "غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟ قال: قلتُ: بلى، قال: هو ما تجزون به".
وأخرج البخاري (5640)، ومسلم (2572) من طريق عروة بن الزبير، ومسلم (2572) من طريق الأسود بن يزيد، و (2572) من طريق عمرة بنت عبد الرحمن، ثلاثتهم عن عائشة قالت: -واللفظ لعروة عند البخاري- قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "ما من =

قال أبو داود: وهذا لفظ ابن بشار قال، حدَثنا ابن أبي مليكة (1).

4 -

باب في العيادة

3094 - حدَثنا عبدُ العزيز بن يحيى، حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن محمد ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ عن أسامةَ بن زيد، قال: خرجَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يعودُ عبدَ الله بن أُبيّ في مرضه الذي مات فيه، فلما دخل عليه عَرَفَ فيه الموتَ، قال؟ "قد كُنتُ أنهاكَ عن حُبِّ يَهُود" قال: فقد أبغضهم أسعَد بن زُرارةَ فَمَهْ؟ فلما مات أتاه ابنُه فقال: يا رسول الله، إن عبد الله بن أُبيٍّ قد ماتَ، فأعطِني قميصَك أكفِّنْه فيه، فنزعَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قميصَه فأعطاه إياه 2.1 = مصيبة تصيب المسلم إلا كفّر الله بها عنه، حتى الشوكة يُشاكها" وأما الأسود وعمرة ففي روايتهما: "إلا رفعه الله بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة".
ويشهد لهذا الشطر بتمامه كما رواه المصنف حديثُ أبي هريرة عند مسلم (2574) ويشهد له بمعناه أحاديث أخرى ذكرناها عند الحديث السالف برقم (3089). وأما الشطر الثاني من الحديث وهو قوله -صلَّى الله عليه وسلم-: "ومن حُوسِب عُذِّب" ... إلى آخر الحديث، فأخرجه البخاري (103) و (4939) و (6536) و (6537)، ومسلم (2876)، والترمذي (2595) و (3627)،والنسائي في "الكبرى" (11554) و (11555) و (11595) من طرق عن ابن أبي مليكة، عن عائشة.
وهو في "مسند أحمد" (24200)، و"صحيح ابن حبان (7369) و (7370).

5 -

باب في عيادة الذمي

3095 - حدَثنا سليمانُ بن حرْبٍ، حدَّثنا حمادٌ -يعني ابن زيد- عن ثابتٍ عن أنسٍ: أن غلاماً من اليهود كان مَرِضَ، فأتاه النبي -صلَّى الله عليه وسلم- يعودُه، فقَعَد عند رأسِه، فقال له: "أسْلِم" فنظر إلى أبيه وهو عند رأسِه فقال: = 1/ 341، والخطب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (1372)، والضياء في "المختارة" (1328) - (1330) من طريق محمد بن إسحاق، بهذا الإسناد.
وقصة إلباس النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قميصه لعبد الله بن أُبيّ ثابتة في حديث عبد الله بن عمر عند البخاري (1269)، ومسلم (2400). وحديث جابر بن عبد الله عند البخاري (1270)، ومسلم (2773). قال الخطابي: كان أبو سعيد بن الأعرابي يتأول ما كان من تكفين النبي - صلَّى الله عليه وسلم - عبد الله ابن أبيٍّ بقميصه على وجهين.
أحدهما: أن يكون أراد به تألُفَ ابنه وإكرامَه فقد كان مسلماً بريئا من النفاق.
والوجه الآخر: أن عبد الله بن أبيّ كان قد كسا العباسَ بنَ عبد المطلب قميصاً، فأراد النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلم - أن يكافئه على ذلك لئلا يكون لمنافق عنده يد لم يجازه عليها.
وحدثنا بهذه القصة ابنُ الأعرابي، حدَّثنا سعدان بن نصر، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو ابن دينار، سمع جابر بن عبد الله يقول: كان العباسُ بن عبد المطلب بالمدينة، فطلبت الأنصارُ له ثوباً يكسونه، فلم يجدوا قميصاً يصلح عليه إلا قميص عبد الله بن أُبيّ، فكسوه إياه.
وكان أيضاً حدَّثنا بالحديث الأول الذي رواه أبو داود زادنا فيه شيئاً لم يذكره أبو داود.
قلت (القائل الخطابي): عبدُ الله بن أبيّ منافق ظاهر النفاق، أنزل الله تعالى في كفره ونفاقه آيات من القرآن تتلى، فاحتمل أن يكون -صلَّى الله عليه وسلم- إنما فعل ذلك قبل أن ينزلَ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84]، وأحتمل أن يكون معناه ما ذهب إليه ابن الأعرابي من التأويل -والله أعلم-.
وفي الحديث دليل على جواز التكفين بالقميص، وفيه دليل على جواز إخراج الميت من القبر بعد الدفن لعلة أو سبب.

جارٍ التحميل