كتاب المناسك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السجستاني، أبو داود
- الكتاب
- سنن أبي داود
- المؤلف
- أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
- المحقق
- شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
- الناشر
- دار الرسالة العالمية
- الطبعة
- الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
81 -
باب في كراهيةِ السيرِ أولَ الليلِ
2604 - حدَّثنا أحمدُ بن أبي شعيبِ الحرَّانيُّ، حدَّثنا زُهير، حدَّثنا أبو الزبير عن جابر قال: قال رسولُ -صلَّى الله عليه وسلم-: "لا تُرسِلُوا فَواشيَكم إذا غابتِ الشمسُ حتى تذهبَ فحمةُ العِشاءِ؛ فإن الشياطينَ تَعيثُ إذا غابتِ الشمسُ حتى تذهبَ فحمة العِشاء" 1.
قال أبو داود: الفَواشي ما يفشُو مِن كلّ شيءٍ.
وأخرجه النسائي في "الكبرى" (7813) من طريق أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، و (10322) من طريق بقية بن الوليد، كلاهما عن صفوان بن عمرو، بهذا الإسناد.
وقال النسائي عقب روايته الثانية: الزبير بن الوليد شامي ما أعرف له غير هذا الحديث.
وهو في "مسند أحمد" (6161). قوله: "ساكن البلد" قال الخطابي: يريد به الجن الذين هم سكانُ الأرض، والبلد من الأرض: ما كان مأوى للحيوان، وإن لم يكن فيه بناء ومنازل.
قال: ويحتمل أن يكون أراد بالوالد: إبليس، وما ولد: الشياطين.
82 -
باب، في أي يومٍ يُستحب السفرُ
2605 - حدَّثنا سعيدُ بن مَنصورٍ، حدَّثنا عبدُ الله بن المبارَكِ، عن يونسَ بن يزيدَ، عن الزُّهري، عن عبد الرحمن بن كعبِ بن مالكٍ عن كعب بن مالك، قال: قلَّما كانَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يَخرُجُ في سفرِ إلا يومَ الخميسِ (1).
83 -
باب في الابتكار في السفر
2606 - حدَّثنا سعيدُ بن مَنصورٍ، حدَّثنا هُشيمٌ، حدَّثنا يعلى بن عطاءٍ، حدَّثنا عُمارة بن حَديدٍ
عن صخرِ الغامديِّ، عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-، قال: "اللهم بارِك لأُمتي في بُكورِها"، وكان إذا بعثَ سَريَّةً، أو جيشاً بعثهم من أولِ النهار.1
= قوله: "فواشيكم" قال المنذري في "تهذيب السنن": جمع فاشية، وهي الماشية التي تنتشر من المال، كالإبل والبقر والغنم السائمة والصبيان وغيرهم، لأنها تفشو أي: تنتشر.
و"فَحْمة العشاء" (بفتح الفاء وسكون العين): هو إقبالُه وأول سواده، وهو أشد الليل سواداً، قال ابن الأعرابي: يقال للظُّلْمة التي بين الصلاتين: الفحمة، وللظُّلْمة التي بين العتمة والغداة: العَسْعَسَة.
وكان صخرٌ رجلاً تاجراً، وكان يبعثُ تجارتَه من أولِ النهار فأَثْرى وكثُر مالُه 1. قال أبو داود: صخرُ بن وَدَاعةَ.
84 -
باب في الرجلِ يُسافر وحدَه
2607 - حدَّثنا عبدُ الله بن مَسلمةَ القعنبيُّ، عن مالكٍ، عن عبدِ الرحمن بن حَرملةَ، عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه عن جده، قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "الراكبُ شيطانٌ، والراكبان شَيطانانِ، والثلاثةُ رَكبٌ" (1).
85 -
باب في القوم يُسافِرون يؤمِّرون أحدَهم
2608 - حدَّثنا عليُّ بن بحرِ بن بَرِّي، حدَّثنا حاتمُ بن إسماعيلَ، حدَّثنا محمدُ بن عجلانَ، عن نافع، عن أبيْ سَلَمةَ عن أبي سعيدِ الخدري، أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "إذا خرجَ ثلاثةٌ في سفرٍ فليُؤمِّروا أحدهم" 2.1
2609 - حدَّثنا علي بن بحرٍ، حدَّثنا حاتمُ بن إسماعيلَ، حدَّثنا محمدُ بن عَجلانَ، عن نافعٍ، عن أبي سلمةَ = وأخرجه أبو يعلى (1054) و (1359)، وأبو عوانة (7538)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (4620)، والطبراني في "الأوسط" (8093) و (8094)، والبيهقي 5/ 257، وابن عبد البر في "التمهيد" 20/ 7، والبغوي في "شرح السنة" (2676) من طريق حاتم بن إسماعيل، بهذا الإسناد.
وتحرف قوله: " فليؤمروا" عند أبي يعلى في الموضعين إلى: "فليؤمهم".
وأخرجه البزار (1673 - كشف الأستار) عن إبراهيم بن المستمر، عن عُبيس بن مرحوم العطار، عن حاتم بن إسماعيل، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، وإذا كانوا ثلاثة في سفر
فليؤمروا أحدهم".
قلنا: لعل إبراهيم بن المستمر أو عُبيس بن مرحوم أحدهما قد سلك في هذه الرواية الجادة، لأن جل رواية نافع عن مولاه ابن عمر.
وأخرجه مسدَّدٌ في "مسنده" كما في "إتحاف الخيرة" (5724)، والدارقطني في "العلل " 9/ 326 من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان، عن نافع، عن أبي سلمة مرسلاً.
وقال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في "العلل" 1/ 84: ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، عن نافع، عن أبي سلمة أن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- يعني مرسلاً كذلك.
ثم قال أبو حاتم: ومما يقوي قولنا أن معاوية بن صالح وثور بن يزيد وفرج بن فضالة، حدثوا عن المهاصر بن حبيب، عن أبي سلمة، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- هذا الكلام.
قلنا: رواية ثور بن يزيد عن المهاصر عند عبد الرزاق في "مصنفه" (3812) لكن تحرف اسم المهاصر بن حبيب إلى: مهاجر بن ضمرة، وإنما هو المهاصر بن حبيب أخو ضمرة بن حبيب.
والصحيح من حديث أبي سعيد الخدري ما أخرجه مسلم (672)، والنسائي (782) و (840) من طريق قتادة بن دعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم".
وهو في "مسند أحمد" (11190)، و "صحيح ابن حبان" (2132).
وانظر ما بعده.
عن أبي هريرة، أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "إذا كان ثلاثةٌ في سفرٍ فليُؤمِّروا أحدَهم" قال نافعٌ: فقُلنا لأبي سلمةَ: فأَنت أَميرُنا (1).
86 -
باب في المُصحف يُسافَر به إلى أرض العدوّ
2610 - حدَّثنا عبدُ الله بن مسلمةَ القَعنبيُّ، عن مالكٍ، عن نافع أن عبد الله بن عُمر قال: نَهَى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- أن يُسافَر بالقرآنِ إلى أرضِ العدوِّ، قال مالكٌ: أُراه مَخافةَ أن ينالَه العدوُّ 2.1
87 -
باب فيما يستحبُّ من الجيوشِ والرُّفقاءِ والسرايا
2611 - حدَّثنا زهيرٌ بن حَرب أبو خَيثمةَ، حدَّثنا وهبُ بن جَرير، حدَّثنا أبي، قال: سمعتُ يونسَ، عن الزهري، عن عُبيد الله بن عبد الله
عن ابن عباس، عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "خيْرُ الصحابةِ أربعةٌ، وخيرُ السرايا أربعُ مئةٍ، وخيرُ الجيوشِ أربعةُ آلافٍ، ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَر.
ألفاً من قِلَّةِ" 1. = العسكر الكبير والصغير في النهي عن ذلك، وحكي عن بعضهم جواز السفر به مطلقاً، وقيل: إن نهيه -صلَّى الله عليه وسلم- فيه ليس على وجه التحريم والفرض، وإنما هو على معنى الندب والإكرام للقرآن.
قال أبو داود: والصحيحُ مرسل (1).
88 -
باب في دعاءِ المشركين
2612 - حدَّثنا محمدُ بنُ سُليمانَ الأنباريُّ، حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن علقمةَ بن مَرثَدٍ، عن سليمانَ بن بُريدةَ
عن أبيه، قال: كانَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- إذا بعثَ أميراً على سَرِيّةٍ أو جيشٍ أوصاهُ بِتَقْوَى الله في خاصَّةِ نفسِه وبمن معه من المسلمين خيراً، وقال: "إذا لقيتَ عَدوَّك من المشركين فادْعُهُم إلى إحدى ثلاثِ خِصالٍ، -أو خِلالٍ- فأيَّتُها أجابوك إليها، فاقبَلْ منهم وكُفَّ عنهم: ادْعهُمْ إلى الإسلامِ، فإن أجابوك فاقبلْ منهم وكُفَّ عنَهُم، ثم ادعُهم إلى التحوُّلِ من دارهِم إلى دارِ المُهاجرينَ، وأعلِمْهم أنهم إن فَعلُوا ذلك أن لَهم ما لِلمهاجرين وأن عَليهم ما عَلى المهاجرين، فإن1 = وأخرجه أبو داود في "المراسيل" (314) من طريق عثمان بن عمر، عن يونس بن يزيد، عن عُقيل بن خالد، عن الزهري، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- بمعناه مرسلاً.
وأخرجه عبد الرزاق (9699) عن معمر بن راشد، وسعيد بن منصور (2387) وعنه أبو داود في "المراسيل" (313) عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن عُقيل كلاهما (معمر، وعقيل) عن الزهري، مرسلاً.
ولم يذكر عقيل في روايته هنا: "لن يغلب اثنا عثر ألفاً من قلة".
وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (575) من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن عُقيل، عن الزهري، مرسلاً.
وعبد الله بن صالح حسن الحديث في المتابعات.
وانظر تمام تخريجه موصولاً في "مسند أحمد".
أبَوا واختاروُا دارَهم فأعلِمهم أنهم يكونُون كأعرابِ المسلمين: يجْري عليهم حُكْمُ اللهِ الذي يَجري على المؤمنينَ، ولا يكونُ لهم في الفيء والغنيمةِ نَصيبٌ، إلا أنْ يُجاهدوا مَع المسلمينَ، فإن هم أبَوا فادعُهمْ إلى إعطاء الجِزْيَةِ، فإن أجابُوا فاقبَلْ منهم وكُفَّ عنهم، فإن أبَوْا فاستعنْ بالله وقاتِلْهم، وإذا حاصرتَ أهلَ حِصْنٍ فأرادُوك أن تُنزِلَهمْ على حكمِ الله فلا تُنزِلْهم، فإنكم لا تَدْرُون ما يحكُمُ اللهُ فيهم، ولكن أنزِلُوهم على حُكْمِكُم، ثم اقضُوا فيهم بعدُ ما شئتُم" 1.
قال سفيانُ: قال علقمةُ: فذكرتُ هذا الحديثَ لِمُقاتِل بن حَيَّان، فقالَ: حدَّثني مُسِلمٌ -قال أبو داود- هو ابن هَيْصَمَ، عن النعمانِ بن مُقرِّن عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- مثل حديث سليمانَ بن بُريدةَ 1.
2613 - حدَّثنا أبو صالح الأنطاكيُّ مَحبوبُ بن مُوسى، أخبرنا أبو إسحاقَ الفَزَاريُّ، عن سفيانَ، عن علقمةَ بن مَرثدٍ، عن سُليمانَ بن بريدةَ = وأما قوله: "فأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين" فإن المهاجرين كانوا أقواماً من قبائل مختلفة، تركوا أوطانهم وهجروها في الله، واختاروا المدينة داراً ووطناً، ولم يكن لهم أو لأكثرهم بها زرعٌ ولا ضَرْع، فكان رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- ينفق عليهم مما أفاء الله عليه أيام حياته، ولم يكن للأعراب وسكان البدو في ذلك حظ، إلا من قاتل منهم، فإن شهد الوقعة أخذ سهمه، وانصرف إلى أهله، فكان فيهم.
وقوله: "وعليهم ما على المهاجرين" أي: من الجهاد والنَّفير، أي وقتٍ دُعُوا إليه لا يتخلَّفون.
والأعراب: من أجاب منهم وقاتل أحد سهمَه، ومن لم يخرج في البعث فلا شيء له من الفيء، ولا عتْب عليه، ما دام في أهل الجهاد كفاية.
وقوله: "فإن أبو فادعُهم إلى إعطاء الجزية" فظاهره يوجب قبول الجزية من كل مشرك، كتابيٍّ أو غير كتابيٍّ، من عَبَدة الشمس والنيران والأوثان، إذا أذعَنوا لها وأعطَوها، وإلى هذا ذهب الأوزاعي.
ومذهب مالك قريب منه وحكى عنه أنه قال: تقبل من كل مشرك إلا المرتد.
وقال الشافعي: لا تقل الجزية إلا من أهل الكتاب، سواءٌ كانوا عرباً أو عجماً، وتقبل من المجوس، ولا تقل من مشرك غيرهم.
وقال أبو حنيفة: تقل من كل مشرك من العجم، ولا تقبل من مشركي العرب.
قلت (القائل الخطابي): لم يثبت عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- أنه حارب أعجمياً قط، ولا بعث إليهم جيشاً, وإنما كانت عامة حروبه مع العرب, وكذلك بعوثه وسراياه، فلا يجوز أن يصرف هذا الخطاب عن العرب إلى غيرهم.
عن أبيه، أن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "اغْزُوا باسم اللهِ، وفي سبيلِ اللهِ، وقاتِلُوا من كَفَر باللهِ، اغزُوا، ولا تَغدِرُوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتُلوا وليداً" 1.
2614 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شبةَ، حدَّثنا يحيى بنُ آدم وعُبيدُ الله بن مُوسى، عن حسنِ بن صالح، عن خالد بن الفِزْرِ
حدَّثني أنس بن مالك، أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "انطلِقُوا باسم الله، وبالله، وعلى مِلَّةِ رسول الله، ولا تقتُلوا شيخاً فانياً.
ولا طفلاً، ولا صغيراً، ولا امرأةً، ولا تَغُلُّوا، وضُمُّوا غنائمَكم، وأصلِحُوا ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ " [البقرة: 195] 2.
89 -
باب في الحَرْق في بلاد العدوّ
2615 - حدَّثنا قتيبةُ بن سعيدٍ، حدَّثنا الليثُ، عن نافع
عن ابن عمرَ: أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- حرَّق نخلَ بني النضِيرِ وقَطَع -وهي البُوَيْرةُ-، فأنزل الله -صلَّى الله عليه وسلم- عز وجل: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾ [الحشر: 5] 1. وأخرجه البيهقي 9/ 90، وابن عبد البر في "التمهيد" 24/ 233 من طريق أبي داود، بهذا الإسناد.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 12/ 382 - 383، وتمام في "فوائده" (872)، والمزي في ترجمة خالد بن الفزر من "تهذيب الكمال" 8/ 151 من طريق يحيى بن آم وحده، به.
وفي الباب عن بريدة الأسلمي، عند الطحاوي في "شرح معاني الآثار" 3/ 224، والطبراني في "الأوسط" (135) و (1431)، وفي"الصغير" (340)، والبغوي في "شرح السنة" (2669) بذكر الشيخ الكبير، وانظر ما قبله لبقية الذين نهى عن قتلهم وللغلول من الغنائم.
وعن أبي موسى الأشعري عند البزار (3122)، والطبراني في "الصغير" (514)، والخطيب في "تاريخه" 4/ 296 وسنده حسن، لكن الدارقطني حكم بغرابته من هذا الطريق كما في "أطراف الغرائب" لأبي الفضل المقدسي.
وعن أبي بكر الصديق من قوله لجيش الشام عند مالك في "موطئه" 2/ 447، وعبد الرزاق (9375)، وسعيد بن منصور (2383)، وابن أبي شيبة 12/ 383، وأبي بكر المروزي في "مسند أبي بكر" (21)، والبيهقي 9/ 89 و90 من طرق عن أبي بكر الصديق، مرسلات ورجالها ثقات، وإسناد أبي بكر المروزي متصل لكن في إسناده رجل ضعيف.
ولم يذكر سعيد بن منصور في روايته الشيخ الكبير.
وعن عمر بن الخطاب عند سعيد بن منصور في "سننه" (2476) ورجاله ثقات.
2616 - حدَّثنا هنَّادُ بن السَّرِيِّ، عن ابنِ المُباركِ، عن صالحِ بنِ أبي الأخضَر، عن الزهريِّ، قال عروةُ:
فحدَّثني أُسامةُ أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- كان عَهِدَ إليه فقال: "أغِرْ على أُبنَى صباحاً وحَرِّق" 1. = وأخرجه البخاري (2326) و (4031)، ومسلم (1746)، وابن ماجه (2844)، والترمذي (1633) و (3587)، والنسائي في "الكبرى" (8554) و (8555) و (11509) من طرق عن نافع، به.
وهو في "مسند أحمد" (4532). قال الخطابي: اختلف العلماء في تأويل ما فعل رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- من ذلك: فقال بعضهم: إنما أمر بقطع النخيل، لأنه كان مقابل القوم، فأمر بقطعها ليتسع المكان له، وكره هذا القائل قطع الشجر.
واحتج بنهي أبي بكر عن ذلك (قلنا: هي الرواية السالفة الإشارة إليها في الحديث السابق) وإلى هذا المعنى ذهب الأوزاعي.
وقال الأوزاعي: لا بأس بقطع الشجر وتحريقها في بلاد المشركين، وبهدم دورهم وكذلك قال مالك.
وقال أصحاب الرأي: لا بأس بذلك، وكذلك قال إسحاق.
وكره أحمد تخريب العامر، إلا من حاجة إلى ذلك.
قال الشافعي: ولعل أبا بكر إنما أمرهم أن يكفوا عن أن يقطعوا شجراً مثمراً، لأنه سمع النبي -صلَّى الله عليه وسلم- يخبر أن بلاد الشام تفتح على المسلمين، فأراد بقاءها عليهم.
والبويرة: تصغير بورة، وهو موضع كان به نخل بني النضير.
وقال الإمام النووي: اللينة المذكورة في القرآن: هي أنواع التمر كله إلا العجوة، وقيل: كمام النخل، وقيل: كل الأشجار.
2617 - حدَّثنا عبد الله بن عَمرٍو الغَزِّيُّ: سمعتُ أبا مُسْهِرٍ، قيل له: أُبنَى، قال: نحن أعلَمُ، هي يُننَى فلسطين (1).
90 -
باب في بَعث العُيُون
2618 - حدَّثنا هارونُ بن عبد الله، حدَّثنا هاشمُ بن القاسمِ، حدَّثنا سليمانُ -يعني ابنَ المُغيرةِ- عن ثابتٍ
عن أنسِ، قال: بعثَ النبي -صلَّى الله عليه وسلم- بُسَيْسَةَ عيناً ينظرُ ما صَنَعَتْ عِيرُ أبي سفيانَ 2.1 = وأخرجه مرسلاً ابن سعد في "الطبقات" 4/ 67 عن حماد بن أسامة، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، قال: أمر رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- أسامة بن زيد، وأمره أن يغير على أبنى من ساحل البحر.
ورجاله ثقات رجال الشيخين.
وأخرجه مرسلاً كذلك سعيد بن منصور (2641) عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار قال: أمّر رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- أسامة بن زيد على جيشٍ، وأمره أن يُحرق في يُبنى.
ورجاله ثقات رجال الشيخين.
ويشهد للتحريق حديث ابن عمر السالف قبله.
ولضبط أبنى انظر الأثر الآتي بعده.
91 -
باب في ابنِ السبيلِ يأكُلُ من الثمرة ويشرب من اللبن إذا مرَّ به
2619 - حدَّثنا عياشُ بن الوليدِ الرَّقَّام، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ
عن سَمُرةَ بن جُندبٍ أن نبيَّ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "إذا أتى أحدُكم على ماشيةٍ: فإن كان فيها صاحبُها فليستأْذنْهُ، فإن أذِنَ له فَلْيَحتلِبْ وليشربْ، فإن لم يكن فيها فَليُصَوَّتْ ثلاثاً، فإن أجابَه فليستأْذنْه، وإلا فليحْتلِب وليشربْ ولا يَحمِلْ" 1. وهو في "مسند أحمد" (12398). وقوله: بسبسة.
قال المنذري: بفتح الباء الموحدة وبعدها سين مهملة ساكنة، وبعدها باء بواحدة مفتوحة، وسين مهملة مفتوحة وتاء تأنيث، ويقال: بسبس ليس فيه هاء تأنيث، وقيل فيه أيضاً بُسيسة، وهو بسبسة بن عمرو، ويقال ابن بشر قال في "الإصابة": شهد بدراً باتفاق.
2620 - حدَّثنا عُبيدُ الله بن مُعاذٍ العَنبريُّ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا شعبةُ، عن أبي بِشرٍ = تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] , وقد أزال هذا التعارض ابن القيم في "تهذيب السنن" قال: إن الآية وعموم أحاديث النهي لا تعارضَ بينها وبين حديثي أبي سعيد وسمرة، لأن التحريم في الآية مقيد بالباطل الذي لم يأذن فيه الشارعُ ولا المالك، فإذا وجد الإذنُ الشرعي أو الإذن من المالك لم يكن باطلاً , وكذلك أحاديث النهي فإن التحريم فيها يتناول ما لم يقع فيه الإذن من الشارع ولا من المالك.
ويبقى حديث ابن عمر، وهو الآتي عند المصنف برقم (2623)، فيقول ابن القيم: إنه لا تعارض كذلك، لأن النهي في حديث ابن عمر ذاك يتناول المحتلب غير الشارب، لأنه يكون حينئذٍ كالمتخذ خُبنة من الثمار، يُشير بذلك إلى حديث عبد الله ابن عمر بن الخطاب عند الترمذي (1333) , وابن ماجه (2301)، وحديث عبد الله ابن عمرو بن العاص السالف عند المصنف برقم (1710)، وفيهما أنه -صلَّى الله عليه وسلم- قال فيمن يدخل الحائط: "يأكل غير متخذٍ خبنة" يعني: لا يأخذ منه بثوبه.
وهما حديثان حسنان.
قال: وحديث الإباحة يتناولُ المحتَلِب الشاربَ فقط، دون غيره، ويدل على هذا التفريق قوله -صلَّى الله عليه وسلم- في حديث سمرة: "فليحتلب وليشرب ولا يحمل"، فلو احتلب للحمل كان حراماً عليه، فهذا هو الاحتلاب المنهي عنه في حديث ابن عمر.
ثم قوى ابن القيم الجواز بحديث عباد بن شرحبيل الآتي عند المصنف بعده وصحح إسناده وردّ على من تكلّف ردّه بما لا يصلح التعليل به.
وأطال النَّفَس في درء التعارض في هذا البحث النفيس , بما يُقنع ويُمتع، فراجعه.
وذكر في بحثه ذلك اختلافَ الفقهاء.
في هذه المسألة على قولين، فقال: فذهبت طائفة منهم أن أحاديث الجواز محكمة، وأنه يسوغ الأكل من الثمار، وشرب البن لضرورة وغيرها ولا ضمانَ عليه، وهذا المشهور عند أحمد.
وقالت طائفة: لا يجوزُ له شيء من ذلك إلا لضرورة مع ثبوت العوض في ذمته، وهذا المنقول عن مالك والشافعي وأبي حنيفة، وحجة هؤلاء الآية السالفة الذكر وعموم أحاديث النهي عن أكل مال المرء إلا بإذنه.
ورد على الطائفة الثانية في تضمينهم للآكل والمُخزِّن على حدٍّ سواءٍ في ذلك البحث فراجعه.
عن عَبّاد بنِ شرُحْبيل، قال: أصابتْني سَنَةٌ فدخَلْتُ حائطاً من حيطانِ المدينة فَفركْتُ سُنْبُلاً، فأكلْتُ وحَمَلْتُ في ثوبي، فجاء صاحبُه فضربني وأخذَ ثَوبي، فأتيتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فقال له: "ما علَّمْتَ إذ كانَ جاهِلاً، ولا أطعَمتَ إذ كان جائعاً - أو قال: ساغِباً" وأمره فردَّ عليَّ ثوبي، وأعطاني وسْقاً أو نِصفَ وَسْقٍ من طعامٍ (1). 2621 - حدَّثنا محمدُ بن بشَّارٍ، حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، عن شعبةَ، عن أبي بِشْر قال: سمعت عبَّاد بن شُرَحْبيلَ -رجُلاً مِنَّا من بني غُبَر- بمعناه (2).
92 -
باب من قال: يأكُلُ مما سَقَطَ
3 2622 - حدَّثنا عثمانُ وأبو بكرْ ابنا أبي شيبةَ -وهذا لفظُ أبي بكرٍ- عن معتمرِ بنِ سُليمانَ، قال: سمعتُ ابنَ أبي حَكَمٍ الغِفاريَّ يقول: حدثتني جدَّتي عن عَم أبي رافعِ بن عَمرٍو الغفاريِّ، قال: كنتُ غُلاماً أرمي نَخْلَ الأنصار، فأُتِي بي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا غُلامُ، لِمَ تَرمي النخلَ؟ "12
قال: آكُلُ، قال "فلا تَرمِ النَّخلَ وكُل ما يَسقُطُ في أسفلِها" ثم مَسَحَ رأسَه، فقال: "اللَهُمَّ أشبغ بَطْنَه" (1).
93 -
باب فيمن قال: لا يحلُب
2623 - حدَّثنا عبدُ الله بن مَسلمةَ، عن مالكٍ، عن نافع عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "لا يَحلُبَنَّ أحَدٌ ماشيةَ أحَدٍ بغير إذنه، أيُحِبُّ أحدُكم أن تُؤتَى مَشْرَبَتُه فتكسَرَ خِزانتُهُ فيُنْتَثَلَ طعامُه؟ فإنما تَخزُن لهم ضُروعُ مواشيهم أطعِمَتَهم فلا يَحلُبَنَ أحَدٌ ماشيةَ أحَدٍ إلاَّ بإذنِه" 2.1
94 -
باب في الطاعةِ
2624 - حدَّثنا زهيرُ بن حَربٍ، حدَّثنا حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيج: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] في عبدِ الله بن قَيسِ بن عَدِيٍّ، بعثَه النبي -صلَّى الله عليه وسلم- في سريةٍ، أخبَرَنيه يَعْلَى، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ 1. = قلنا: وقد سلف تلخيص كلام الإمام ابن القيم في "تهذيب السنن" في درء التعارض بين بهذا الحديث، وبين حديث سمرة بن جندب السالف عند المصنف برقم (2619) فراجعه هناك.
2625 - حدَّثنا عَمرو بن مَرزُوقِ، أخبرنا شعبةُ، عن زُبَيدٍ، عن سَعد بن عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرحمن السُّلَميِّ
عن علي: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- بَعَثَ جيشاً وأَمَّرَ عليهم رجلاً، وأمَرَهُم أن يَسمَعُوا له ويُطيعوا، فأجَّجَ ناراً وأمَرَهُم أن يَقتحِمُوا فيها، فأبَى قومٌ أن يدخُلُوها، وقالوا: إنما فَرَرْنا من النار، وأراد قومٌ أن يدخُلُوها، فبلغ ذلك النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- فقال: "لَو دخلُوها -أو دخَلُوا فيها- لم يزالُوا فيها".
وقال: " لا طاعةَ في معصيةِ اللهِ، إنما الطاعةُ في المعروفِ" 1. = قال الخطابي: هذه القصة وما ذكر فيها من شأن النار والوقوع فيها يدل على أن المراد به طاعة الولاة، وأنها لا تجب إلا في المعروف كالخروج في البعث إذا أمر به الولاة والنفوذ لهم في الأمور التي هي طاعات ومعاون للمسلمين ومصالح لهم، فأما ما كان فيها من معصية كقتل النفس المحرمة وما أشبهه، فلا طاعة لهم في ذلك.
2626 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيد الله، حدَّثني نافعٌ
عن عبد الله، عن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-، أنه قال: "السمعُ والطاعةُ على المرء المسلمِ فيما أَحبَّ وكَرِهَ، ما لم يُؤمَر بمعصيةٍ، فإذا أمُر بمعصيةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعةَ" 1.
2627 - حدَّثنا يحيى بنُ مَعينٍ، حدَّثنا عبدُ الصَّمد بن عبد الوارثِ، حدَّثنا سليمانُ بن المغيرةِ، حدَّثنا حميدُ بن هِلالٍ، عن بِشْرِ بن عاصمٍ
عن عُقبةَ بن مالكٍ -من رَهْطِهِ- قال: بعثَ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- سريةً فسلَّحتُ رجلاً منهم سيفاً، فلما رجَعَ قال: لو رأيتَ ما لامَنا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "أعَجَزْتُم إذْ بعثتُ رجلاً منكم، فلم يَمْضِ لأمري، أن تجعلُوا مكانَه مَن يمضي لأمري؟ " 2. = نصَر رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- في الجملة، وإلى التعدد جنح ابن القيم، وأما ابن الجوزي فقال: قوله: من الأنصار، وهم من بعض الرواة وإنما هو سهمي.
قلت (القائل ابن حجر): ويؤيده حديث ابن عباس ... قلنا: يعني الحديث السالف قبله.
ورواية شعبة بن الحجاج عن زُبيد اليامي التي عند المصنف والشيخين ليس فيها قوله: من الأنصار، فيترجح قول ابن الجوزي، والله تعالى أعلم.
وهو في "مسند أحمد" (622).
95 -
باب ما يؤمَرُ من انضمامِ العَسْكر وسَعَتِه
2628 - حدَّثنا عَمرو بن عثمانَ الحمصي ويزيدُ بن قُبيسٍ -من أهل جَبَلةَ، ساحلِ حمصَ، وهذا لفظ يزيد- قالا: حدَّثنا الوليدُ بن مسلم، عن عبدِ الله بن العلاء، أنه سمع مُسلَم بنَ مِشكَمِ أبا عُبيد الله يقول:
حدَّثنا أبو ثعلبةَ الخُشَنيُّ قال: كان الناسُ إذا نزلوا منزلاً -قال عمرو: كان الناس إذا نزل رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- منزلاً- تفرَّقُوا في الشِّعَابِ والأوْدِيةِ، فقال رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "إنَّ تَفَرُّقَكُم في هذه الشِّعابِ والأوديةِ إنما ذلكمُ من الشيطانِ"، فلم ينزلْ بعدَ ذلكَ مَنزلاً إلا انضَمَّ بعضُهم إلى بعض، حتى يقال: لو بُسِطَ عليهم ثَوبٌ لَعَمَّهُم 1. = النسائي، وإن لم يكُنه، فقد روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في "الثقات" فهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات.
وقد صحح هذا الحديث العراقي في "أماليه" كما قال المناوي في "فيض القدير"، وصححه ابن حزم في "المحلى" 9/ 362. وأخرجه أحمد (17007)، وابن حبان (4740)، والحاكم 2/ 114 - 115، وابن حزم في "المحلى" 9/ 362، والمزي في ترجمة عقبة بن مالك من "تهذيب الكمال" 20/ 220 من طريق سليمان بن المغيرة، بهذا الإسناد.
وقد أدرجه ابن حبان تحت قوله: ذكر البيان بأن صاحب السرية إذا خالف الإمام فيما أمره به كان على القوم أن يعزلوه ويولوا غيره، وقوله: سلحتُ رجلاً سيفاً على صيغة المتكلم، أي: جعلته سلاحه وهو ما أعددته للحرب من آلة الحديد، والسيف وحده يسمى سلاحاً، يقال: سلحته: إذا أعطيته سلاحاً، وقوله: "لو رأيت ما لامنا رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- "من اللوم، وجواب لو محذوف، أي: لو رأيت ما لامنا رسول -صلَّى الله عليه وسلم- على عجزنا وتقصيرنا في ترك التأمير لرأيت أمراً عجباً.
2629 - حدَّثنا سعيدُ بنَ منصورٍ، حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاشٍ، عن أَسِيد بن عبد الرحمن الخَثعميِّ، عن فَروةَ بن مُجاهِدٍ اللَّخْمِيِّ، عن سَهلِ بن معاذِ بن أنسٍ الجُهَنيِّ عن أبيه، قال: غزوتُ مع نبى الله -صلَّى الله عليه وسلم- غزوةَ كذا وكذا فَضَيّقَ الناسُ المنازلَ، وقطَعُوا الطريقَ، فبعثَ نبي الله -صلَّى الله عليه وسلم- مُنادياً يُنادي في الناسِ: أنَّ مَن ضَيّق منزلاً أو قَطَعَ طريقاً، فلا جِهادَ له 1. 2630 - حدَّثنا عَمرو بن عثمانَ، حدَّثنا بقيةُ، عن الأوزاعيِّ، عن أَسِيدِ بن عبد الرحمن، عن فَروةَ بن مُجاهِدٍ، جمن سهلِ بن مُعاذِ عن أبيه، قال: غزونا مع نبي الله -صلَّى الله عليه وسلم-، بمعناه 2.
96 -
باب في كراهية تمني لقاء العدو
2631 - حدَّثنا أبو صالحٍ مَحبوبُ بيب مُوسى، أخبرنا أبو إسحاقَ الفَزَاريُّ، عن موسى بن عُقبةَ، عن سالمِ أبي النَّضْر مولى عُمر بن عُبيد الله -يعني ابنَ مَعمرٍ- وكان كاتباً له قال: كتب إليه عبدُ الله بن أبي أوفَى حين خرج إلى الحروريَّة: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- في بعضِ أيامه التي لقي فيها العدوَّ قال: "يا أيَّها الناسُ، لا تَتَمَنَّوا لِقاءَ العدوِّ، وسَلُوا اللهَ العافيةَ، فإذا لقيتُموهم فاصبِروا، واعلَمُوا أن الجنةَ تحتَ ظِلالِ السيُّوفِ".
ثم قال: "اللهم مُنزِلَ الكتابِ، مُجْرِيَ السَّحابِ، وهازِم الأحزَاب، اهزِمهُم وانصُرنا عليهم" 1.
97 -
باب ما يُدعَى عند اللقاء
2632 - حدَّثنا نصرُ بن علي، أخبرني أبي، حدَّثنا المُثنَّى بن سعيدٍ، عن قتادةَ عن أنسِ بن مالكٍ، قال: كان رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- إذا غَزَا قال: "اللهم أَنْتَ عَضُدِي ونَصيري، بِكَ أَحُول، وبِكَ أَصُولُ، وبِكَ أُقاتِلُ" (1).
98 -
باب في دعاء المشركين
2633 - حدَّثنا سعيدُ بن منصورٍ، حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، قال: أَخبرنا ابن عَونٍ، قال:1 وقال القرطبي المحدث: وهو من الكلام النفيس الجامع الموجز المشتمل على ضروب من البلاغة مع الوجازة وعذوبة اللفظ، فإنه أفاد الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه والحض على مقاربة العدو، واستعمال السيوف، والاجتماع حين الزحف حتى تصير السيوف تظل المقاتلين.
كتبت إلى نافعٍ أسالُه، عن دُعاءِ المشركين عند القتال، فكتب إليَّ أن ذلك كان في أول الإسلام، وقد أغارَ نبيُّ الله -صلَّى الله عليه وسلم- على بني المُصْطَلِقِ وهم غَارُّون، وأنعامُهم تُسقَى على الماء، فقتل مُقاتِلَتَهُم، وسَبَى سَبْيَهُم، وأصاب يومئذٍ جُوَيرِيَةَ بنتَ الحارثِ.
حدَّثني بذلك عبدُ الله وكان في ذلك الجيش 1.
قال أبو داود: هذا حديثٌ نبِيلٌ، رواه ابن عون عن نافع، لم يَشْرَكهُ فيه أحدٌ.
2634 - حدَّثنا مُوسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ، أخبرنا ثابتٌ عن أنسٍ: أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- كان يُغيرُ عند صلاة الصبحِ، وكان يَتَسَمَّعُ، فإذا سَمِعَ أذاناً أمْسَكَ، وإلا أغارَ 1. 2635 - حدَّثنا سعيدُ بن منصورٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الملك بن نَوفَلِ ابن مُسَاحِقٍ، عن ابنِ عِصامٍ المزنيِّ عن أبيه، قال: بعثنا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- في سَرِيّةٍ، فقال: "إذا رَأيتم مَسجداً، أُو سمعتُم مُؤذِّناً، فلا تَقتُلُوا أحَداً" 2.
99 -
باب المكر في الحرب
2636 - حدَّثنا سعيدُ بن منصورٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرٍو أنه سمع جابراً، أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: الحَربُ خَدْعَةٌ" 1.
2637 - حدَّثنا محمدُ بن عُبيدٍ، حدَّثنا ابنُ ثَورٍ، عن مَعمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عبدِ الرحمن بن كعب بن مالكٍ
عن أبيه: أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- كان إذا أراد غزوةً وَرَّى غيرَها، وكانَ يقولُ: "الحربُ خَدْعَهٌ" 2. وأخرجه الترمذى (1630)، والنسائي في "الكبرى" (8780) و (8787) من طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
وهو في "مسند أحمد" (15714). ويشهد له الحديث السالف قبله.
قال أبو داود: لم يجئ به إلا معمرٌ -يعني: "الحَربُ خَدْعةٌ"- من هذا الطريق 1. = وأخرجه البيهقي 9/ 150 من طريق أبي داود، بهذا الإسناد.
وأخرجه عبد الرزاق (9744) ومن طريقه أحمد (27175)، وأبو عوانة (6548)، وابن حبان (3370)، والطبراني في "الكبير" 19/ (90)، وأبو بكر القطيعي في "جزء الألف دينار" (321)، وأخرجه أبو عوانة (6549) من طريق عبد الله بن المبارك، والقضاعي في "مسند الشهاب" (8) من طريق الحسن بن أبي جعفر، ثلاثتهم (عبد الرزاق وعبد الله بن المبارك والحسن) عن معمر، بهذا الإسناد.
إلا أن ابن المبارك قال في روايته عند أبي عوانة: عن ابن كعب بن مالك.
فلم يُسمِّه.
وليس في رواية عبد الرزاق وابن المبارك عند أبي عوانة أنه -صلَّى الله عليه وسلم- كان إذا أراد غزوة ورّى غيرها.
وأخرجه أبو عوانة (6547) من طريق زيد بن المبارك، عن محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: قال: يعني كعب بن مالك ... وأخرجه أبو عوانة (6546) من طريق يونس بن زيد، عن الزهري، عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن عمه عُبيد الله -وكان قائد أبيه- عن كعب بن مالك، وفي الإسناد إلى يونس يعقوب بن محمد الزهري ضعيف الحديث.
وأخرجه دون قوله: "الحرب خدعة": البخاري (2947) من طريق عُقيل بن خالد، ومسلم (2769) من طريق محمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي الزهري، والنسائي في "الكبرى" (8728) من طريق إسحاق بن راشد، ثلاثتهم عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن كعب بن مالك.
وأخرجه كذلك النسائي في "الكبرى" (8727) من طريق معقل بن عبيد الله، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن عمه عُبيد الله، عن كعب ابن مالك.
وأخرجه كذلك البخاري (2948) من طريق يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن جده كعب بن مالك.
وقوله: ورَّى غيرها: معنى التورية: أن يريد الإنسان الشيء فيظهر غيره.
100 -
باب في البَيات
2638 - حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، حدَّثنا عبدُ الصمدِ وأبو عامرٍ، عن عكرمةَ ابن عمَّارٍ، حدَّثنا إياسُ بن سَلمةَ عن أبيه، قال: أمَّرَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- علينا أبا بكرٍ، فغزونا ناساً من المشركين، فبَيَّتنْاهم نقتُلُهم، وكان شعارُنا تلك الليلة: أمِتْ، أمِتْ، قال سلمةُ: فقتلتُ بيديّ تلك الليلةَ سبعةَ أهلِ أبياتٍ من المشركين (1).
101 -
باب في لُزوم الساقَةِ
2639 - حدَّثنا الحسنُ بن شَوكَر، حدَّثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، حدَّثنا الحجاجُ ابن أبي عثمانَ، عن أبي الزبيرِ أن جابر بن عبد الله حدثهم، قال: كان رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يتخلَّف في المسير، فيرْجِي الضَّعِيفَ، ويُرْدِفُ، ويَدْعُو لهم 2.1
102 -
باب، على ما يقاتَل المشركون؟
2640 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح عن أبي هُريرةَ قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "أُمِرْتُ أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللهُ، فإذا قالُوها مَنعُوا مني دماءَهم وأموالَهم، إلا بحقِّها، وحِسابُهم على الله عزَّ وجل" 1. = وأخرجه الحاكم 2/ 115 وعنه البيهقي 5/ 257 من طريق أحمد بن حنبل، عن إسماعيل بن عُلَية، بهذا الإسناد.
قال الخطابي: قوله: "يُزجي" أي: يسوق بهم، يقال: أزجيتُ المطية: إذا حثثتُها في السَّوق.
2641 - حدَّثنا سعيدُ بن يعقوبَ الطَّالْقانيُّ، حدَّثنا عبدُ الله بن المبارَك، عن حميدٍ
عن أنس، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: " أُمِرتُ أن أُقاتِلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمداً عبدُه ورسولُه، وأن يستقبِلُوا قبلتَنا، وأن يأكُلوا ذبيحتَنا، وأن يُصَلُّوا صلاتَنا، فإذا فعلوا ذلك حَرُمَتْ علينا دماؤُهم وأموالُهم، إلا بحقها: لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين" 1. = وقوله: إلا بحقها، ولفظ حديث ابن عمر في "الصحيحين": "إلا بحق الإسلام" والمعنى إذا فعلوا ذلك لا يجوز إهدار دمائهم واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب إلا بحق الإسلام من استيفاء قصاص نفس أو طرف إذا قتل أو قطع، ومن أخذ مال إذا غصب إلى غير ذلك من الحقوق الإسلامية كقتل لنحو زنى محض، وقطع لنحو سرقة، وتغريم مال لنحو إتلاف مال الغير المحترم.
قاله القاري في "مرقاة المفاتيح" 1/ 74. وقوله: "وحسابهم على الله" فيما يُسرونه من كفر وإثم، أي: أنهم إذا أسلموا في الظاهر يجري عليهم حكمُ الإسلام وإن كانوا في الباطن على خلاف ذلك، فإذا كان باطنهم على خلاف ظاهرهم لا يتعرض لهم في الدنيا، ولكن يؤاخذون به في الآخرة، فيعاقبون عليه، لأنهم منافقون." بذل المجهود" 12/ 150.
2642 - حدَّثنا سليمانُ بن داودَ المَهريُّ، أخبرنا ابنُ وَهبٍ، أخبرني يحيى ابنُ أيوبَ، عن حُميدٍ الطَّويلِ
عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "أُمِرْتُ أن أقاتلَ المشركين" بمعناه 1.
2643 - حدَّثنا الحسنُ بن عَليٍّ وعثمانُ بن أبي شَيبةَ -المعنى- قالا: حدَّثنا يعلَى بن عُبيدٍ، عن الأعْمشِ، عن أبي ظَبيانَ
حدَّثنا أُسامة بن زيدٍ، قال: بعثَنا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- سريةً إلى الحُرقَاتِ، فَنُذِرُوا بنا، فهَربوا، فأدركْنا رجلاً، فلما غَشِيناه، قال: لا إله إلا اللهُ، فضربْناه، حتى قتلناه، فذكرتُه للنبي -صلَّى الله عليه وسلم-، فقال: "مَنْ لكَ بلا إله إلا الله يومَ القيامة؟ "، فقلت: يا رسول الله، إنما قالها مخافَةَ السلاح، قال: " أفلا شَققْتَ عن قلبه حتى تعلمَ مِن أجلِ ذلك قالها أم لا؟ مَنْ = سياه أنس بن مالك قال: يا أبا حمزة، ما يحرِّم دمَ العبد ومالَه؟ فقال: من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم.
هكذا روياه موقوفاً عليه.
وأخرجه البخاري (391) من طريق منصور بن سعد، عن ميمون بن سياه، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "من صلَّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته"، فرفعه.
لكَ بلا إله إلا اللهُ يومَ القيامةِ؟ " فما زالَ يقولُها حتى ودِدْت أني لم أُسلم إلا يومئذ 1.
2644 - حدَّثنا قتيبةُ بن سعيدٍ، عن الليثِ، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيدَ الليثيَّ، عن عُبيد الله بن عَديِّ بن الخِيَارِ عن المِقداد بن الأسود، أنه أخبره، أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن لقيتُ رجلاً من الكفار فقاتَلَني، فضرب إحدى يَدَيَّ بالسيف، ثمَّ لاذَ مِنِّي بشجرةٍ، فقال: أسلمتُ للهِ، أفأقتُلُهُ يا رسولَ الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: " لا تقتُلْه"، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنه قطعَ يَدِي، قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "لا تقتُلْه، فإن قتلْتَه فإنه بمنزلتِك قبلَ أن تقتلَه، وأنت بمنزلتِه قبل أن يقولَ كلمتَه التي قال" (1).
103 -
باب النهي عن قتل من اعتصمَ بالسجود
2 2645 - حدَّثنا هنادُ بن السَّرِي، حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن إسماعيلَ، عن قيس عن جريرِ بن عبد الله، قال: بعثَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- سريةً إلى خَثْعَمٍ، فاعتصم ناسٌ منهم بالسجود، فأَسرع فيهم القتل، قال: فبلغَ ذلك النبي -صلَّى الله عليه وسلم- فأمر لهم بنصفِ العقلِ.1
وقال: "أنا بريء من كل مُسلم يقيم بين أظْهُرِ المشركين" قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: " لا تَرَاءَى نارَاهما" 1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأخرجه الشافعي في "مسنده" 2/ 102، والبيهقي في "الكبرى" 8/ 130 من طريق مروان بن معاوية وسعيد بن منصور في "سننه" (2663) عن معتمر بن سيمان، وابن أبي شيبة 14/ 340 عن عبد الرحيم بن سليمان، والترمذي (1697) من طريق عبدة بن سليمان، والنسائي (4780) من طريق أبي خالد الأحمر، خمستهم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم مرسلاً.
وكذلك رواه مرسلاً الذين أشار إليهم المصنف بإثر الحديث، وهم هشيم ومعمر وخالد الواسطي.
وأخرج النسائي (4177) من طريق أبي نُخيلة البجلي، عن جرير بن عبد الله قصة بيعته النبي -صلَّى الله عليه وسلم-، وفيه: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "أبايعك على أن تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتُنَاصِحَ المسلمين، وتفارق المشركين" وإسناده صحيح.
ولابن ماجه (2536)، والنسائي (2568) من حديث معاوية بن حيدة، رفعه: "لا يقبل الله من مشرك أشرك بعدما أسلم عملاً حتى يفارق المشركين إلى المسلمين".
وسنده حسن.
قال الخطابي: إنما أمر بنصف العقل، ولم يكمل لهم الدية -بعد علمه بإسلامهم- لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره.
فسقط حصة جنايته من الدية.
وأما اعتصامهم بالسجود فإنه لا يُمحِّص الدلالة على قبول الدين، لأن ذلك قد يكون منهم في تعظيم السادة والرؤساء، فعُذِروا لوجود الشبه.
وفيه دليل على أنه إذا كان أسيراً ي أيديهم فأمكنه الخلاص والانفلات منهم لم يحل له المقام معهم، وإن حلَّفوه فحلف لهم أن ايخرج، كان الواجب أن يخرج، إلا أنه إن كان مكرهاً على اليمين لم تلزمه الكفارة، وإن ان غير مكره كانت عليه الكفارة عن يمينه.
وعلى الوجهين جميعاً، فعليه الاحتيال للخلاص، وقد قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه".
وقوله: "لا تَراءى ناراهما: فيه وجوه: أحدها: معناه: لا يستوي حكماهما، قاله بعض أهل العلم.
=
قال أبو داود: رواه هُشيم، ومُعمرٌ، وخَالدٌ الواسطيُّ، وجماعةٌ، لم يذكروا جَريراً.
104 -
باب في التَّولي يوم الزَّحْفِ
2646 - حدَّثنا أبو توبةَ الربيعُ بن نافعٍ، حدَّثنا ابنُ المُبارَك، عن جريرِ بن حازمٍ، عن الزُّبير بن خِرِّيتِ، عن عكرمةَ
عن ابن عباسٍ، قال: نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 65] فشقَّ ذلك على المسلمين حين فرض اللهُ عليهم أن لا يَفرَّ واحدٌ من عشرةٍ، ثم إنه جاء تخفيفٌ، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: 66] قرأ أبو توبة إلى قوله: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، قال: فلما خفَّف الله عنهم من العِدَّه نقصَ من الصبرِ بقدْرما خَفَّف عنهم 1. وقال بعضهم: معناه: أن الله قد فرق بين داري الإسلام والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يُساكن الكفار في بلادهم، حتى إذا أوقدوا ناراً كان منهم بحيث يراها.
وفيه دلالة على كراهة دخول المسلم دار الحرب للتجارة والمقام فيها أكثر من مدة أربعة أيام.
وفيه وجه ثالث ذكره بعض أهل اللغة، قال: معناه لا يتَّسم المسلم بسِمَة المشرك، ولا يتشبه به في هديه وشكله، والعرب تقول: "ما نار بعيرك؟ " أي: ما سِمَتُه، ومن هذا قولهم: "نارها نجارها" يريدون: أن مِيسَمها يدل على كَرَمِها وعِتقها، ومنه قول الشاعر: حتى سقوا آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأُوار يريد: أنهم يعرفون الكرام منها بسِماتها، فيقدمونها في السقي على اللئام.
2647 - حدَّثنا أحمد ابن يونس، حدَّثنا زهُيرٌ، حدَّثنا يزيد بن أبي زياد، أن عبدَ الرحمن بن أبي ليلى حدثه أن عبدَ الله بن عُمر حدثه: أنه كان في سَرِيَّةٍ، من سرايا رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، قال: فحَاصَ الناسُ حَيْصَةً، فكنت فيمن حَاصَ، قال: فلما بَرَزْنا قلنا: كيف نصنعُ، وقد فَرَرْنا من الزَّحْف، وبُؤْنا بالغضبِ؟ فقلنا: ندخُل المدينةَ، فنثبتُ 1 فيها، لنذهبَ، ولا يرانا أحدٌ، قال: فدخلنا، فقلنا: لو عَرَضنَا أنفسنا على رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فإن كانت لنا توبةٌ أقَمْنا، وإن كان غيرَ ذلك ذهبنا، قال: فجلسنا لِرسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- قبلَ صلاةِ الفجرِ، فلما خرج قُمنا إليه، فقلنا: نحن الفَرَّارون، فأقبلَ إلينا، فقال: "لا، بل أنتم العَكَّارون"، قال: فدنَونا فقبَّلْنا يدَه، فقال: "أنا فِئةُ المُسلمين" 2.
2648 - حدَّثنا محمد بن هشام المِصريُّ، حدَّثنا بِشر بن المُفضَّل، حدَّثنا داودُ، عن أبي نَضْرةَ عن أبي سعيدٍ، قال: نزلَتْ في يوم بدرٍ ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: 16] (1).
105 -
باب في الأسير يُكره على الكفر
2649 - حدَّثنا عَمرو بن عَونٍ، أخبرنا هُشيمٌ وخالدٌ، عن إسماعيلَ، عن قيسِ بن أبي حازمٍ1 = الصبيان يشتدون، ورسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- مقبل مع القوم على دابّة، فقال: "خذوا الصبيان فاحملوهم، وأعطوني ابن جعفر"، فأتي بعبد الله بن جعفر فحمله بين يديه.
قال: وجعل الناس يحثون على الجيش التراب، ويقولون: يا فُرّار، فررتم في سبيل الله! قال: فيقول رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "ليسوا بالفُرار، ولكنهم الكُرار إن شاء الله تعالى" وهذا مرسل حسن، وكان ذلك في قفول المسلمين من مؤتة.
وستأتي قصة تقبيل اليد برقم (5223). قال الخطابي: يقال: "حاص الرجل" إذا حاد عن طريقه، أو انصرف عن وجهه إلى جهة أخرى.
وقوله: " وأنتم العكارون" يريد: أنتم العائدون إلى القتال، والعاطفون عليه، يقال: عكرتُ على الشيء: إذا عطفتَ عليه، وانصرفتَ إليه بعد الذهاب عنه، وأخبرني ابن الزَّيبقي، حدَّثنا الكُديمي، عن الأصمعي، قال: رأيتُ أعرابياً يَفْلى ثيابه، فيقتل البراغيث، ويترك القمل.
فقلت: لم تصنع هذا؟ قال: أقتل الفرسان، ثم أعكر على الرجالة.
وقوله -صلَّى الله عليه وسلم-: "أنا فئة المسلمين" يُمهِّد بذلك عُذرهم، وهو تأويل قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: 16].