كتاب الفرائض
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السجستاني، أبو داود
- الكتاب
- سنن أبي داود
- المؤلف
- أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
- المحقق
- شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
- الناشر
- دار الرسالة العالمية
- الطبعة
- الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
4770 - حدَّثنا بِشرُ بن خالدٍ، حدَّثنا شَبابةُ بن سَوَّار، عن نُعَيم بن حكيم
عن أبي مريم، قال: إن كانَ ذلك المُخْدَجُ لمعنا يومئذٍ في المسجد، نُجالِسُه باللَّيل والنَّهار، وكان فقيراً، ورأيتُه مع المساكين يشهدُ طعامَ علىّ مع الناس، وقد كلسوتُهُ بُرنُساً لي 1.
قال أبو مريم: وكان المُخْدَجُ يُسمَّى نافعاً ذا الثُّديَّة، وكان في يده مثل ثَدْي المرأة، على رأسِه حَلَمة مثلُ حلمةِ الثَّدْي، عليه شُعيراتٌ مثلُ سِبالةِ السِّنُّور.
قال أبو داود: هو عند الناس اسمه حُرْقُوص 2. = وأخرجه أحمد في "مسنده" (1179) و (1188)، وأبو يعلى (480) و (555) من طرق عن حماد بن زيد، به.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (1189) و (1197)، والحاكم في "المستدرك" 4/ 531 - 533 من طريق يزيد بن أبي صالح، عن أبي الوضيء، به.
ورواية الحاكم مطولة.
وانظر ما قبله، وما بعده.
وقوله: عليه قُريطق، قال ابن الأثير في "النهاية": هو تصغير قُرْطَق، أي: قَبَاء، وهو تعريب: كُرْتَه، وقد تُضَم طاؤه.
وإبدال القاف من الهاء في الأسماء المُعَرَّبة كثير، كالبَرَق، والباشَق، والمُنشُق.
واليربوع: هو حيوان صغير على هيئة الجُرذ الصغير, وله ذنب طويل ينتهي بخصلة من الشعر، وهو قصير اليدين طويل الرجلين، لونه كلون الغزال.
32 -
باب في قتال اللُّصوص
4771 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، حدَّثني عبد الله بن حسنٍ، حدَّثني عمي إبراهيمُ بن محمَّد بن طلحة عن عبدِ الله بن عمرو، عن النبيِّ-صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أريد مالُهُ بغيرِ حَق، فقاتلَ، فقُتِلَ فهو شَهيدٌ" 1.
4772 - حدَّثنا هارونُ بن عبد الله، حدَّثنا أبو داودَ الطَّيالسيُّ وسليمانُ بنُ داودَ -يعني أبا أيوبَ الهاشمي- عن إبراهيمَ بن سعدِ، عن أبيه، عن أبي عُبيدةَ ابن محمَّد بن عمار بن ياسر، عن طلحة بن عبد الله بن عوف
عن سعيد بن زيدٍ، عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ.
قُتِلَ دونَ ماله فهو شهيد، ومَنْ قُتِلَ دون أهلِه أو دون دَمِه أو دون دِينِه فهو شهيدٌ" 1.
آخر كتاب السنة قال الإِمام الخطابي: قد ندب الله سبحانه في غير آية من كتابه إلى التعرض للشهادة، وإذا سمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شهيداً، فقد دلَّ ذلك على أن من دافع عن ماله أو عن أهله، أو عن دينه -إذا أريد على شيء منها- فأتى القتل عليه، كان مأجوراً فيه، نائلاً به منازل الشهداء.
وقد كره ذلك قوم، زعموا أن الواجب عليه أن يستسلم، ولا يقاتل عن نفسه، وذهبوا في ذلك إلى أحاديث رُويت في ترك القتال في الفتن، وفي الخروج على الأئمة.
وليس هذا من ذاك في شيء، إنما جاء هذا في قتال اللصوص وقطاع الطرق وأهل البغي، والساعين في الأرض بالفساد، ومن دخل في معناهم من أهل العبث والإفساد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = طلحة وسعيد بن زيد عبد الرحمن بن عمرو، قال الحافظ في "فتح الباري " 5/ 104: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون طلحة سمع هذا الحديث من سعيد بن زيد، وثبته فيه عبد الرحمن بن عمرو بن سهل، فلذلك كان ربما أدخله في السند.
والله أعلم.
وهو عند ابن حبان في صحيحها (3195) بالزيادة نفسها في السند.
قال أبو حاتم: روى هذا الخبر أصحابُ الزهري الثقات المتقنون، فاتفقوا كلهم على روايتهم هذا الخبر عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن سعيد بن زيد خلا معمر وحده، فإنه أدخل بين طلحة بن عبد الله، وبين سعيد بن زيد عبد الرحمن بن سهل، وأخاف أن يكون ذلك وهماً.
وقد قال معمر في هذا الخبر (يعني رواية ابن حبان هذه): بلغني عن الزهري، فيُشبه أن يكون سمعه من بعض أصحابه عن الزهري، فالقلبُ إلى رواية أولئك أميل.
قلنا: وأخرجه أحمد في "المسند" (1642) من طريق محمَّد بن إسحاق، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: أتتني أروى بنت أويس في نفر من قريش، فيهم عبد الرحمين بن عمرو بن سهل، فقالت ... وساقت حديثاً وفي آخره:
"ومن قتل دون ماله فهو شهيد".
وإسناده حسن.
محمَّد بن إسحاق روى له أصحاب السنن" وعلق له البخاري، وروى له مسلم متابعة، وهو صدوق حسن الحديث، وقد صرَّح بالتحديث عند أبي يعلى (950) فانتفت شبهة تدليسه، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين.
أول كتاب الأدب
1 -
باب في الحلم وأخلاق النبي-صلى الله عليه وسلم-
4773 - حدَّثنا مخلدُ بنُ خالدٍ الشَّعيري، حدَّثنا عُمرُ بنُ يونسَ، حدَّثنا عِكرِمَة -يعني ابنَ عمار-، حدَّثني إسحاقُ -يعني ابنَ عبدِ الله بنِ أبي طلحةَ- قال:
قال أنسٌ: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مِنْ أحسنِ الناسِ خُلُقاً، فأرسلَني يوماً لِحاجَةٍ، فقلتُ: واللهِ لا أذهَبُ -وفي نفسي أن أذهَبَ لما أمَرَني به نبيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -- فقال: فخرجتُ، حتى أمُرَّ على صبيانٍ، وهم يلعبونَ في السُّوق، فإذا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قابض بقفايَ من ورائي، فنظرتُ.
إليه وهو يضحكُ، فقال: " يا أنيسُ، اذهب حيثُ أمرتُك" قلتُ: نعم، أنا أذهب يا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -ِ، قال أنس: والله لقد خدمتُه سبعَ سِنين، أو تسعَ سنين، ما علمتُ قال لشيءٍ صنعتُ: لِمَ فعلتَ كذا وكذا, ولا لشيءٍ تركتُ: هلاً فعلتَ كذا وكذا 1.
4774 - حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مَسْلَمةَ، حدَّثنا سليمانُ -يعني ابنَ المُغيرةِ- عن ثابتٍ
عن أنسٍ، قال: خدمتُ النبي-صلى الله عليه وسلم- عشرَ سِنين بالمدينةِ، وأنا غلام ليس كل أمري كما يشتهي صَاحِبي أن أكونَ عليه، ما قال لي فيها أفٍّ قطٌّ، وما قال لي: لِمَ فعلتَ هذا؟ ألاَّ فعلتَ هذا 1. 4775 - حدَّثنا هارونُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا أبو عامرٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ هِلال، سَمعَ أباه يُحدثُ، قال: قال أبو هريرة وهو يُحدًثنا: كان النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يجلِسُ معنا في المجلِسِ يُحدّثنا، فإذا قامَ قُمنا قياماً حتى نراه قد دخلَ بعضَ بيوتِ أزواجِه، فحدَّثنا يوماً، فقُمنا حينَ قامَ، فنظرنا إلى أعرابي قد أدرَكُه فَجَبَذَهُ بردائِه، فحمَّر رقبَتَه، قال أبو هريرة: وكان رداء النبي -صلى الله عليه وسلم- خشناً، فالتفتَ، فقال له الأعرابي: احمِل لي على بعيرىَّ هذين، فإنَك لا تحمِلُ لي مِنْ مالِكَ ولا مِن مالِ أبيكَ، فقال النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا، وأستغفِرُ الله، لا، وأستغفِرُ الله، لا، وأستغفِرُ الله، لا أحمِلُ لك حتى تُقِيدني مِنْ جَبْذَتِك التي جَبَذْتَني"، فكل ذلك يقولُ له الأعرابيُّ: واللهِ لا أقيِدُكَها، فذكر الحديثَ، قال: ثم دعا رجلاً، فقال له: "احمِل لهُ على بعيريه
هذين: على بعيرٍ شَعيراً، وعلى الآخر تمراً"، ثم التفت إلينا، فقال: "انصرِفُوا على بركةِ الله عز وجل" (1).
2 -
باب في الوَقَار
4776 - حدَّثنا النُّفيليُّ، حدَّثنا زهير، حدَّثنا قابوسُ بنُ أبي ظبيانَ، أن أباه حدثه حدَّثنا عبدُ الله بنُ عباس، أن نبيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الهَدْيَ الصَّالحَ، والسَّمْتَ الصَّالحَ، والاقتصادَ، جُزءُ مِنْ خمْسةٍ وعشرين جُزءاً مَن النُبوَّةِ" 2.1
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وعند البيهقي في "الآداب" (174) من طريق أبي داود، بهذا الإسناد.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (2698) عن الحسن، والبخاري في "الأدب المفرد" (468)، وبإثر (791)، والطبرآني في "الكبير" (12608)، والبيهقي في "السنن" 10/ 194، وفي "الشعب" (6555) و (8010) من طريق أحمد بن يونس، كلاهما (الحسن وأحمد بن يونس) عن زهير بن معاوية، به.
وأخرجه البخاري في "الأدب" (791) من طريق عبيدة بن حميد، والطبراني (12609)، والبيهقي في الشعب، (8420) من طريق سفيان الثوري، وأبو نعيم في "الحلية" 7/ 263 من طريق مسعر، ثلاثتهم عن قابوس، به.
وأخرجه القضاعي في "مسند الشهاب" (306) من طريق سالم بن أبي الجعد، عن غريب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "التؤدة والاقتصاد والتثبتُ والصمتُ جُزءٌ من ستة وعشرين جزءاً من النبوة".
وأورده مالك في "الموطأ" بلاغاً 2/ 954 - 955 عن ابن عباس أنه كان يقول: القصد والتؤدة وحسن السمت، جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة، فجعله موقوفاً على ابن عباس.
وله شاهد بإسناد حسن من حديث عبد الله بن سرجس، أخرجه الترمذي في "سننه" (2128) بلفظ: "السمتُ الحسنُ والتُؤَدَةُ والاقتصادُ جزءُ من أربعةٍ وعشرين جُزءاً من النبوّة".
وقال الخطابي في" معالم السنن" 4/ 106: هدي الرجل: حاله ومذهبه، وكذلك سمتُه.
وأصل السمت: الطريق المنقاد.
والاقتصاد: سلوك القصد في الأمر والدخول فيه برفق وعلى سبيل يمكن الدوامُ عليه كما روي أنه قال: "خير الأعمال أدومها وإن قل".
يريد أن هذه الخلال من شمائل الأنبياء صلوات الله عليهم، ومن الخصال المعدودة من خصالهم، وأنها جزء من أجزاء فضائلهم، فاقتدوا بهم وتابعوهم عليها.
وليس معنى الحديث أن النبوة تتجزأ ولا أن من جمع هذه الخلال كان فيه جزء من النبوة مكتسبة ولا مجتلبة بالاسباب، وإنما هي كرامة ملأ الله سبحانه وخصوصية لمن أراد إكرامه بها من عباده: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] وقد انقطعت النبوة بموت النبي -صلى الله عليه وسلم-.=
3 -
باب من كَظَمَ غيظاً
4777 - حدَّثنا أحمدُ بن عَمرو ابنُ السرْح، حدَّثنا ابنُ وهب، عن سعيدٍ -يعني ابنَ أبي أيوبَ- عن أبي مرحومِ، عن سهل بن مُعاذ
عن أبيه أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -ِ قال: "من كظمَ غيظاً، وهو قادِرٌ على أن يُنفِذَهُ، دعاهُ الله عَزَّ وَجَلَّ على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ، حتى يُخيِّره مِنْ أىِّ الحُورِ شَاءَ 1 " 2. = وفيه وجه آخر وهو أن يكون معنى النبوة هاهنا: ما جاءت به النبوة ودعت إليه الأنبياء صلوات الله عليهم.
يريد أن هذه الخلال جزء من خمسة وعشرين جزءاً مما جاءت به النبوات ودعا إليه الأنبياء صلوات الله عليهم.
وقد أمرنا باتباعهم في قوله عز وجل: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:90].
وقد يحتمل وجهاً آخر، وهو أن من اجتمعت له هذه الخلال لقيه الناس بالتعظيم والتوقير وألبسه الله لباس التقوى الذي يلبسه أنبياءه، فكأنها جزء من النبوة.
والله أعلم.
قال أبو داود: اسمُ أبي مرحُومٍ: عبد الرحيم بن ميمون 1.
4778 - حدَّثنا عُقبةُ بنُ مُكرَمٍ، حدَّثنا عبدُ الرحمن -يعني ابنَ مهدىَّ- عن بِشر -يعني ابنَ منصورٍ-، عن محمدِ بنِ عجلان، عن سُويد بن وهب، عن رجل من أبناء أصحابِ النبي-صلى الله عليه وسلم-
عن أبيه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: نحوه، قال: " ملأَه اللهُ أمناً وإيماناً" لم يذكر قِصةَ "دعاه الله"، زاد: "ومن تَرَك لُبس ثوبِ جَمَالٍ وهو يَقدِرُ عليه -قال بشر: أحسبهُ قال- تواضعاً، كساه اللهُ حُلَّةَ الكرامةِ، ومن زوَّجَ للهِ تعالى، تَؤَجَهُ الله تاجَ المُلكِ" 2. = وقوله: "من كظم غيظه"، قال السندي؛ أي: حبس نفسه عن إجراء مقتضاه.
"وهو قادر على أن ينفذه"، قال السندي، أي: وهو قادر على أن يأتي بمقتضاه.
وفيه أنه إنما يحمدُ القادر على إجراء مقتضاه، وغيره يكظم جبراً، لكن إن ترك الانتقام لميل طبعه إلى المسامحة والتحمل حتى لو قدر لترك أيضاً -لا لعدم القدرة- فهو ممن يرجى له ذلك.
4779 - حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ 1، حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التيمىّ، عن الحارث بن سُويد
عن عبدِ الله قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-ِ: "ما تعدُّون الصُّرَعَةَ فيكم؟ " قالوا: الذي لا يصرعُهُ الرجالُ، قال: "لا, ولكنه الذي يملِكُ نفسه عندَ الغضبِ" 2. = وأخرجه بطوله أحمد في "مسنده" (15619) من طريق عبد الله بن لهيعة، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه معاذ، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من كظم غيظه ... ، إلى أن قال: " ومن ترك أن يلبس صالح الثياب، وهو يقدر عليه، تواضعاً له تبارك وتعالى، دعاه الله تبارك وتعالى على رؤوس الخلائق حتى يُخيِّره في حُلَلِ الإيمان أيتهن شاء".
وهو حديث حسن في الشواهد والمتابعات.
وانظر تمام تخريجه فيه.
4 -
باب ما يُقال عند الغَضَبِ
1
4780 - حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى، حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى
عن معاذ بن جَبَل، قال: استبَّ رجلانِ عندَ النبي-صلى الله عليه وسلم-، فغضبَ أحدُهما غَضَباً شديداً، حتى خُيِّلَ إليَّ أن أنفَهُ يتمزَّعُ مِن شدَّة غضبه، فقال النبيَّ- صلى الله عليه وسلم -: "إني لأعلَمُ كلمةً، لو قالها لذهبَ عنه ما يَجِدُ من الغَضَبِ"، فقال: ما هِيَ يا رسولَ الله؟ قال:" يقولُ: اللَّهُمَ إني أعوذُ بِكَ مِن الشَّيطان الرجيم"، قال: فجعل معاذٌ يأمرُه، فأبى ومَحِكَ وجعلَ يزدادُ غضباً 2. = وقوله:"الصُّرَعة"، قال ابن الأثير في "النهاية"، بضم الصاد وفتح الرَّاء: المبالغُ في الصِّرَاع الذي لا يُغلَب، فنقلَه إلى الذي يَغلِبُ نفسَه عند الغضب ويقهرُها، فإنه إذا مَلَكها كان قد قَهَرَ أقوى أعدائه وشر خُصومه، ولذلك قال: "أعدى عَدُوّ لك نفسك التي بين جنبيك".
وهذا من الألفاظ التي نُقِلَت عن وضعِها اللغويّ, لضَرب من التَّوسُّع والمجاز، وهو من فصيح الكلام؛ لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ، وقد ثارت عليه شهوةُ الغضب، فقَهَرها بحِلْمِه، وصَرَعها بثَباته، كان كالصُّرعة الذي يصرع الرجالَ ولا يَصرعونه.
4781 - حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا أبو معاويةُ، عن الأعمشِ، عن عدي بنِ ثابتٍ
عن سليمان بنِ صُرَدٍ، قال: استبً رجُلانِ عندَ النبي-صلى الله عليه وسلم-، فجعلَ أحدُهما تحمَرُّ عينَاهُ، وتنتفخُ أَوْداجُه، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إني لأعرفُ كلمةَ، لو قالها هذا لذهَب عنه الذي يجد: أعوذُ بالله مِن الشيطانِ الرًجيم"، فقال الرجلُ: هل تُرى بي من جُنون 1. = وهو في "مسند أحمد" (22086). وأخرجه النسائي في "الكبرى" من كتاب عمل اليوم والليلة (10151) عن يوسف ابن عيسى، عن الفضل بن موسى، عن يزيد بن زياد، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بن كعب.
فجعل أُبياً مكان معاذ.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين غير يزيد بن زياد، وهو ابن أبي الجعد، فقد روى له البخاري في "خلق أفعال العباد" والنسائي وابن ماجه، وهو صدوق حسن الحديث، وقال المنذري: والحديث من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بن كعب متصل.
ويشهد له حديث سليمان بن صرد الآتي بعده.
وهو متفق عليه.
وقوله: " أنفه يتمزّع"، قال ابن الأثير في "النهاية"، أي: يتقَطَّعُ ويتشقّق غضباً.
وقوله:" فأبى ومَحِك"، قال في "اللسان"، المَحكُ: المُشارّة والمنازعة في الكلام.
والمَحْك: التمادي في اللجاجَة عند المُساومة والغضب ونحو ذلك.
والمُماحَكة: المُلاجَّة.
وفيه أن الغضب في غير ذات الله من نزغ الشيطان، وأن من استعاذ من الشيطان كُفَيَهُ، وسكن غضبه.
4782 - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّد بنِ حنبل، حدَّثنا أبو معاويةَ، حدَّثنا داودُ ابنُ أبي هِنْدٍ، عن أبي حرب بنِ أبي الأسودِ عن أبي ذرٍّ: أن رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - قال لنا: "إذا غضب أحدكُم وهو قائِمٌ فليجلِسْ، فإن ذهبَ عنه الغضَبُ، وإلا فلَيْضطَجِع" 1.
4783 - حدَّثنا وهبُ بنُ بقية، عن خالدِ، عن داودَ عن بكرٍ: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث أبا ذرٍّ، بهذا الحديث 1. قال أبو داود: وهذا أصحُّ الحديثين 2. 4784 - حدَّثنا بكرُ بنُ خَلَفٍ والحسنُ بنُ علي -المعنى- قالا: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ خالدِ، حدَّثنا أبو وائلِ - قال أبو داود: يعني القاصَّ من أهل صنعاء، قال: هو -أُرَى- عبدُ الله بن بَحير، قال: دخلنا على عُروةَ بن محمَّد السعدىّ فكلمه رجُل فأغضبَه، فقام فتوضا، ثم رجَعَ وقد توضأ فقال: حدّثني أبي عن جَدِّي عطيةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-:" إن الغضبَ من الشَيطانِ، وإن الشيطان خُلِقَ مِن النار، وإنما تُطفاُ النارُ بالماء، فإذا غَضِبَ أحدُكُم فليتوضأ 3.
5 -
باب في العفوِ والتجاوز
4785 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهاب، عن عُروة ابنِ الزبيرِ
عن عائشة، أنها قالت: ما خُيِّر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في أمرينِ إلا اختارَ أيسرَهُما، ما لم يكُن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعدَ الناسِ منه، وما انتقَمَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لِنفْسِه، إلا أن تُنتَهَك حُرْمَةُ اللهِ فينتَقِمَ لله بها 1. = وأخرجه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1267) و (1431) عن الحسن بن علي الحلواني، بهذا الإسناد.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (17985)، والبخاري في "التاريخ الكبير" 7/ 8، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" (348)، وابن قانع في" معجم الصحابة" 2/ 307، وابن حبان في "المجروحين" 2/ 25، والطبراني في "الكبير" 17/ (443)، والبيهقي في "الشعب" (8291)، والبغوي في "شرح السنة" (3583)، والمزي في "تهذيب الكمال"20/ 34 - 35 و 35 من طرق عن إبراهيم بن خالد، به.
ورواية ابن أبي عاصم الأولى: "الغضب جمرة من نار".
ولقوله: "الغضب من الشيطان" شاهد بنحوه من حديث سليمان بن صرد، وهو في "الصحيحين"، وقد سلف عند المصنف (4781)، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 441، وعنه البيهقي في "شعب الإيمان" (8283)، وزاد فى آخره: فتلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 200].
4786 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا معمرٌ، عن الزُهرىّ، عن عُروة
عن عائشةَ، قالت: ما ضربَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-ِ خادِماً، ولا امرأةً قط 1. = وأخرجه مسلم (2327) و (2328) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه عروة، عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيل منه شيء قط، فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شي من محارم الله، فينتقم لله عز وجل.
وهذا لفظ مسلم الثاني.
وانظر ما سيأتي بعده عند المصنف.
وهو في "مسند أحمد" (24034) و (24830) و (24846)، و"صحيح ابن حبان" (488). قال الحافظ في الفتح، 6/ 576: وفي الحديث الحث على ترك الأخذ بالشيء لعسر، والاقتناع باليسر، وترك الإلحاح فيما لا يضطر إليه، ويؤخذ من ذلك الندب إلى الأخذ بالرخص ما لم يظهر الخطأ والحث على العفو إلا في حقوق الله تعالى، والندب إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومحل ذلك ما لم يمض إلى ما هو أشد منه، وفيه ترك الحكم للنفس وإن كان الحاكم متمكنا من ذلك بحيث يؤمن منه الحيف على المحكوم عليه، لكن لحسم المادة.
4787 - حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمن الطُّفاوىُّ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيهِ عن عبدِ الله، يعني ابن الزبير - في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: 199] قال: أُمِرَ نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذَ العفْوَ مِن أخلاقِ النَاسِ (1).
6 -
باب في حُسن العِشرةِ
4788 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا عبدُ الحميد -يعني الحِمّانيَّ- حدَّثنا الأعمشُ، عن مُسلم، عن مَسروقِ عن عائشة، قالت: كان النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إذا بلغَه عن الرَّجُل الشَّيءُ لم يقُل: ما بالُ فلانٍ يقولُ؟ ولكن يقول: ما بَالُ أقوَامٍ يقولون كذا وكذا؟ 2.1
4789 - حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ عمر بنِ ميسرةَ، حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، حدَّثنا سلم العلوىُّ
عن أنسٍ: أن رجُلاً دخل على رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وعليه أثرُ صُفْرةٍ، وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قلَّما يُواجِهُ رجُلاً في وجهه بشيءٍ يكرَهُه، فلما خرجَ قال: "لو أمرتُم هذا أن يَغسِلَ ذا عنهُ" 1.
قال أبو داود: سَلْم ليسَ هو علوِياً، كان يُبصِرُ في النجومِ، وشَهِدَ عندَ عدىِّ بنِ أرطاةَ على رؤيةِ الهِلال فلم يُجِزْ شهادتَه.
4790 - حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، أخبرني أبو أحمد، حدَّثنا سفيانُ، عن الحجاجِ بنِ فُرافصةَ، عن رجُلِ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وحدَّثنا محمدُ ابنُ المتوكل العسقلانِيُّ، حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا بِشرُ بنُ رافع، عن يحيى ابن أبي كثيرِ، عن أبي سلمة
عن أبي هريرة -رفعَاه جميعاً- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: " المؤمِنُ غِرُّ كريمٌ، والفاجِرُ خِبٌ لئِيمٌ" 2. = وأخرجه البخاري (6101)، ومسلم (2356) من طرق عن الأعمش، به.
ولفظ البخاري: صنع النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئاً فرخص فيه، فتنزّه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي-صلى الله عليه وسلم-، فخطب فحمد الله، ثم قال: "ما بالُ أقوام يتنزهون عن الشيء أصنَعُه، فوالله إنِّي لأعلَمُهُم باللهِ، وأشدهم له خشيةً" وهو في "مسند أحمد" (24180).
4791 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن محمَّد بنِ المنكدِرِ، عن عُروةَ = بشر بن رافع -وهو ضعيف- وقد تابعه حجاج بن فرافصة، وبذلك يتقوى الحديث.
أبو أحمد: هو محمَّد بن عبد الله بن الزبير، وسفيان: هو الثوري.
وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3128) من طريق أبي شهاب، و (3129) من طريق عيسى بن يونس، كلاهما عن سفيان الثوري، عن الحجاج بن فرافصة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وأخرجه الطحاوي (3127) من طريق قبيصة بن عقبة، عن سفيان، عن الحجاج، عن يحيى بن أبي كثير أو غيره -على الشك-، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وأخرجه الترمذي (2079) عن محمَّد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن شر بن رافع، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وهو في "مسند أحمد" (9118) من طريق الحجاج بن فرافصة، عن رجل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
قال الإِمام الطحاوي في شرح هذا الحديث: فتأملنا هذا الحديث لنقف على المراد به ما هو إن شاء الله، فوجدنا الغِرَّ في كلام العرب: هذا الذي لا غائلة معه ولا باطن له يُخالف ظاهره، ومن كانت هذه سبيله، أمِنَ المسلمون من لسانه ويده، وهي صفةُ المؤمنين، ووجدنا الفاجر ظاهِرُه خلاف باطنه؛ لأن باطنَه هو ما يُكرَه، وظاهرُه، فمخالف لذلك، كالمنافق الذي يُظهر شيئاً غير مكروه منه، وهو الإسلام الذي يَحمَدُه أهلُه عليه، ويُبطنُ خلافه وهو الكُفرُ الذي يَذُمه المسلمون عليه، فكان مَثَلُ ذلك الخِبُّ الذي يُظهر المعنى الذي هو محمودٌ منه، حتى يحمَدَه المسلمون على ذلك، ويُبطِنُ ضِدَّه مما يذُمُّه المسلمون عليه، وهو الفاجر الذي وَصَفَه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بما وصفه به في هذا الحديث، وخالف بينه وبين المؤمن الذي وصفه بما وصفه به في هذا الحديث والله عَزَّ وَجَلَّ نسألُه التوفيق.
وقال الخطابي: معنى هذا الكلام أن المؤمن المحمود هو من كان طبعُه وشيمته الغرارة، وقلة الفطنة للشر، وترك البحث عنه، وأن ذلك ليس منه جهلاً، لكنه كرم وحسن خلق، وأن الفاجر من كانت عادته الخبَّ والدهاء والوغول في معرفة الشر، وليس ذلك منه عقلاً، لكنه خب ولؤم.
عن عائشة، قالت: استأذَنَ على النبيَّ- صلى الله عليه وسلم - رَجُل، فقال "بِئسَ ابنُ العَشِيرَةِ -أو بِئسَ رجُل العشيرةِ-"، ثم قال: "ائذَنُوا له"، فلما دخلَ ألانَ له القولَ، فقالت: عائشةُ: يا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم، ألنت له القولَ وقد قُلتَ لهُ ما قُلتَ، قال: "إنَّ شرَّ الناسِ عندَ اللهِ منزِلةً يومَ القيامَةِ مَن ودعَهُ -أو تركه- الناسُ لاتِّقاء فحشِهِ" 1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال الحافظ في "الفتح" 10/ 454: وظاهر كلامه (أي من كلام الخطابي) أن يكون هذا من جملة الخصائص، وليس كذلك، بل كل من اطلع من حالِ شخص على شيء، وخشي أن غيرَه يغترُ بجميل ظاهره، فيقع في محذورٍ ما، فعليه أن يطلعه على ما يحذر من ذلك قاصداً نصيحته، وإنما الذي يمكن أن يختص به النبي-صلى الله عليه وسلم-أن يكشف له عن حال من يغتر بشخص من غير أن يطلعه المغتر على حاله، فيذم الشخص بحضرته، ليتجنبه المغتر ليكون نصيحة، بخلاف غير النبي-صلى الله عليه وسلم-، فإن جواز ذمه للشخص يتوقف على تحقق الأمر بالقول أو الفعل ممن يريد نصحه.
وعيينة بن حصن (الرجل في الحديث)، قال النووي في "شرح مسلم" 16/ 119 فيما نقله عن القاضي عياض، قال: لم يكن أسلم حينئذ وإن كان قد أظهر الإسلام، فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبين حاله ليعرفه الناس ولا يغتر به من لم يعرف حاله، قال: وكان منه في حياة النبي-صلى الله عليه وسلم- وبعده ما دل على ضعف إيمانه وارتد مع المرتدين، وجيء به أسيراً إلى
أبي بكر رضي الله عنه.
وقال القرطبي المحدث - ونقله عنه الحافظ في "الفتح"10/ 454: وفي الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش أو نحو ذلك من الجور في الحكم، والدعاء إلى البدعة مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى، والفرق بين المداراة والمداهنة: أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معاً، وهي مباحة وربما استحبت، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه حق، وفعله معه حسن عِشرة.
وقال العلماء: تباح الغيبة في كل غرض صحيح شرعاً حيث يتعين طريقاً إلى الوصول إليه بها: كالتظلم والاستعانة على تغيير المنكر والاستفتاء والمحاكمة، والتحذير من الشر، ويدخل فيه تجريح الرواة والشهود، وإعلام من له ولاية عامة يسير من هو تحت يده، وجواب الاستشارة في نكاح أو عقد من العقود، وكذا من رأى تفقهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق ويخاف عليه الاقتداء به وممن تجوز غيبتهم من يتجاهر بالفسق أو الظلم أو البدعة.
4792 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ، عن محمدِ بنِ عمرو، عن أبي سَلَمَةَ عن عائشة أن رجلاً استاذنَ على النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبيَّ- صلى الله عليه وسلم -: "بئسَ أخُو العَشيرة"، فلمًا دخل انبسطَ إليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وكلمه، فلما خرجَ قلتُ: يا رسولَ الله، لَمّا استاذنَ قلت: "بِئس أخو العشيرَةِ" فلَمَّا دخل انبسطتَ إليه، فقال: "يا عائشة، إنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ لا يُحِبُّ الفاحِشَ المُتفحِشَ" 1. 4793 - حدَّثنا عباسٌ العنبريُّ، حدَّثنا أسودُ بنُ عامر، حدَّثنا شريكٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهِدِ عن عائشةَ، في هذه القصة، قالت: فقال- تَعني النبيَّ- صلى الله عليه وسلم -: "يا عائِشَةُ إنَّ مِن شِرَارِ الناسِ الذينَ يكرَمُونَ اتقاءَ ألسنَتهِم" 2.
4794 - حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، حدَّثنا أبو قَطَنٍ، أخبرنا مُبَاركٌ، عن ثابتٍ
عن أنسٍ، قال: ما رأيتُ رجُلاً التقَمَ أُذُنَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فينحي رأسَه، حتى يكونَ الرجلُ هو الذي يُنحي رأسَه، وما رأيتُ رجلاً أخذَ بيدِه فترك يدَه، حتى يكونَ الرجلُ هو الذي يدعُ يدَهُ 1. = السماع من مجاهد، وعامّة ما يروي عن مجاهد مدلَّس، وكلما ذكر ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" 1/ 241 بإسناده إلى يحيى بن سعيد قال: كتبت عن الأعمش أحاديث عن مجاهد كلها ملزقة لم يسمعها- متابع أيضاً.
وانظر الحديثين السابقين بطريقيهما المختلفين عن عائشة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (24798) عن الأسود بن عامر، بهذا الإسناد.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (4618) عن بشر بن الوليد، عن شريك، به.
وأخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده" (834) و (1198) و (1793)، وأبو نعيم في "أخبار أصفهان" 1/ 215 من طريق الليث، عن مجاهد، به.
7 -
باب في الحياء
4795 - حدَّثنا القعنبيُّ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالمِ بنِ عبدِ الله ابنِ عُمر عن ابنِ عُمَر، أن النبيَّ- صلى الله عليه وسلم - مرَّ على رجُلٍ من الأنصارِ وهو يعِظُ أخاه في الحيَاءِ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "دعْهُ، فإنَ الحياءَ من الإيمانِ" 1. 4796 - حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدَّثنا حماد، عن إسحاقَ بنِ سُويْدٍ عن أبي قتَادَة، قال: كنا مع عمرانَ بنِ حُصين وثَمَّ بُشيرُ بنُ كعبٍ، فحدَّثَ عمرانُ بنُ حُصينٍ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم: "الحياءُ خيرُ كلُّهُ -أو قال: الحياءُ كلُّهُ خير-" فقال بُشيرُ بنُ كعب: إنَا نجِدُ في بعضِ الكتُبِ أنَّ منه سَكينةً ووقَاراً، ومنه ضعفاً، فأعادَ عِمرانُ الحديثَ، فأعاد بُشير الكلامِ، قال: فغضب عِمرانُ، حتى احمرَّتْ عيناه، وقال: ألا أراني أحدِّثُكَ عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وتُحدِّثُني عن كُتُبِكَ، قال: قلنا: يا أبا نُجيدٍ، إنه إنَّه 2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه مسلم (37) عن يحيى بن حبيب، عن حماد بن زيد، بهذا الإسناد.
وأخرجه البخاري (6117)، ومسلم (37) من طريق أبي السَّوَّار، عن عمران بن حصين.
وهو في "مسند أحمد" (19817) و (19999).
وقولهم في الحديث: إنّه إنّه، كذا ضُبطت في (أ) و (ج) و (هـ)) وأصل المنذري، أي: إنه لا بأس به، كما جاء في رواية مسلم، قال النووي: إنه لا بأس به، معناه ليس هو ممن يُتهم بنفاق أو زندقة أو بدعة أو غيرها مما يخالف به أهلَ الاستقامة.
وفي نسخة على هامش (ج): ايه إيه، وهو كذلك في النسخة التي اعتمدها ابن الأثير في "جامع الأصول" (1955)، فقال: ايه: إذا قلتَ للرجل؟ إيه، بغير تنوين، فأنت تستزيده من الكلام والبذاء، إذا وصلت نوّنتَ فقلتَ: إيه، فإذا قلت: إيهاً بالنصب، فإنما تأمره بالسكوت.
ونقل الحافظ في "الفتح" 10/ 522 - 523 عن القاضي عياض في شرحه على الحديث: أنه إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة؛ لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم، وأما كونه خيراً كله، ولا يأتي إلا بخير (كما في رواية البخاري)، فاشكل حمله على العموم؛ لأنه قد يصدُّ صاحبه عن مواجهة من يرتكب المنكرات، ويحمله على الاخلال ببعض الحقوق؟ والجواب: أن المراد بالحياء في هذه الأحاديث ما يكون شرعيا، والحياء الذي ينشأ عنه الإخلال بالحقوق ليس حياءً شرعياً، بل هو عجز ومهانة، وانما يطلق عليه حياء، لمشابهته للحياء الشرعي، وهو خُلُق يبعث على ترك القبيح.
قلت (القائل ابن حجر): ويحتمل أن يكون أشير إلى من كان الحياء من خلقه، أن الخير يكون فيه أغلب، فيضمحل ما لعله يقع منه مما ذكر في جنب ما يحصل له بالحياء من الخير، أو لكونه إذا صار عادة، وتخلق به صاحبه، يكون سبباً لجلب الخير إليه، فيكون منه الخير بالذات، والسبب.
وقال أبو العباس القرطبي المحدث: الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان, وهو المكلف به، دون الغريزي، غير أن من كان فيه غريزة منه، فإنها تعينه على المكتسب، وقد يتطبعُ بالمكتسب حتى يصير غريزياً.
قال: وكان النبي-صلى الله عليه وسلم-قد جُمع له النوعان، فكان في الغريزي أشد حياة من العذارء في خدرها، وكان في الحياء المكتسب في الذروة العليا - صلى الله عليه وسلم.
انتهى.
4797 - حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مسَلَمةَ، حدَّثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن ربعي ابنِ حِراشِ عن أبي مسعُودٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن ممّا أدرَكَ الناسُ مِن كلامِ النُبوَّةِ الأولى إذا لم تستَحي فافعَل ما شئتَ" 1.
سئل أبو داود: أعِنْد القعنبي، عن شعبة غيرُ هذا الحديث؟ قال: لا (1).
8 -
باب في حسن الخلق
4798 - حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا يعقوبُ -يعني الإسكندرانىّ- عن عمرٍو، عن المطلبِ
عن عائشة، قالت: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - يقول: "إنَّ المُؤْمِنَ ليُدرِكُ بِحُسنِ خُلُقِهِ درجةَ الصائِم القائِم" 2.1 = إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40] وقوله ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: 15] وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من باع الخمر فليشقص الخنازير" يعني ليقطعها إما لبيعها أو لأكلها وأمثلته متعددة.
والطريق الثاني: أنه أمر ومعناه الخبر، والمعنى أن من لم يستحي صنع ما شاء، فإن المانع من فعل القبائح الحياء، فمن لم يكن له حياء انهمك في كل فحشاء ومنكر، وما يمتنع من مثله من له حياء.
وقال النووي في "شرح الأربعين": الأمر فيه للاباحة، أي: إذا أردت فعل شيء، فإن كان ما لا تستحي إذا فعلته من الله ولا من الناس، فافعله، وإلا فلا، وعلى هذا مدار الإسلام وتوجيه ذلك أن المأمور به الواجب والمندوب يستحيا من تركه، والمنهي عنه الحرام والمكروه يستحيا من فعله، وأما المباح فالحياء من فعله جائز وكذا من تركه، فتضمن الحديث الأحكام الخمسة.
4799 - حدَّثنا أبو الوليدِ الطيالسيُّ وحفصُ بنُ عمرَ، قالا: حدَّثنا.
وحدَّثنا محمَّد بنُ كثيرٍ، أخبرنا شعبةُ، عن القاسم بنِ أبي بزة، عن عطاء الكَيخَارَاني، عن أمِّ الدرداء
عن أبي الدرداء، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ما مِنْ شيءٍ أثقلُ في الميزانِ مِن حُسنِ الخُلُقِ" 1. = وهو عند البيهقي في "الشعب" (7997) مكرر، من طريق المصنف، بهذا الإسناد.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (25013) عن سعيد بن منصور، والبغوي في "شرح السنة" (3501) من طريق محمَّد بن خلاد، كلاهما عن يعقوب، به.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (24355) و (4595) و (25537)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (4427)، وابن حبان في "صحيحه" (480)، والحاكم في "المستدرك" 1/ 60، وتمام في فوائده" (1071)، والبغوي في "شرح السنة" (3500)، والبيهقي في "الشعب" (7997) و (7998)، والخطيب في:" الموضح " 2/ 285 من طرق عن عمرو بن أبي عمرو، به.
وأخرجه العقيلي في "الضعفاء"4/ 464، وابن عدي في: "الكامل" 3/ 1076 من طريق يمان بن عدي الحمصي، عن زهير بن محمَّد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم ابن محمَّد، عن عائشة مرفوعاً، ولفظه عند ابن عدي: "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الساهر بالليل الصائم بالنهار" وعند العقيلي: "الظمآن بالنهار"، بدل: "الصائم بالنهار".
ويمان بن عدي الحمصي ضعفه أحمد والدارقطني، وقال البخاري: في حديثه نظر.
وقال أبو حاتم: صدوق.
وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه أحمد في "مسنده" (6648)، وانظر تتمة شواهده وتخريجه فيه.
قال أبو الوليدِ: قال: سمِعتُ عطاء الكَيخَارَاني.
قال أبو داود: وهو عطاءُ بنُ يعقوبَ، وهو خالُ إبراهيم بنِ نافِعِ، يقال: كيخَارانيّ وكَوخَارانى 1.
4800 - حدَّثنا محمدُ بنُ عثمان الدمشقيُّ أبو الجُماهِر، حدَّثنا أبو كعْبِ أيوبُ بنُ محمَّد السعدىُّ، حدثني سليمانُ بنُ حَبيب المُحاربىُّ
عن أبي أمامة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم-: " أنا زعِيم بِبيتِ في رَبَضِ الجنةِ، لمن تركَ المِراء وإن كان مُحِقَّاً، وببيتٍ في وسَطِ الجنةِ = وأخرجه الترمذي (2120) من طريق ابن أبي مُليكة، عن يعلي بن مَملَك، عن أم الدرداء، عن أبي الدوداء أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال:" ما شيءٌ أثقل في ميزان المؤمن يومَ القيامة من خُلُق حسنٍ، فإن الله ليُبغِضُ الفاحِشَ البذيءَ".
وهو في "المسند" (27553) من طريق يعلي بن مملك.
وقد اختلف في إسناده على عطاء بن نافع، وهو في "المسند" (27496)، وانظر فيه تمام تعليقنا عليه وتخريجه.
وهو في "صحيح ابن حبان" (481).
لمن تركَ الكذِبَ وإن كانَ مازحاً، وببيتٍ في أعلى الجنةِ لمن حسَّنَ خُلُقَه" 1.
4801 - حدَّثنا أبو بكرٍ وعثمانُ ابنا أبي شيبةَ قالا: حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن معبدِ بنِ خالدٍ عن حارثة بنِ وهبِ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: " يدخُلُ الجنَّةَ الجَوَّاظُ، ولا الجَعْظَرِىُّ" (1) قال: والجَوَّاظ: الغليظُ الفظُّ.
9 -
باب في كراهية الرِّفعةِ من الأُمور
2 4802 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حمَّادٌ، عن ثابتٍ عن أنس، قال: كانت العضباءُ لا تُسبَقُ، فجاءَ أعرابيٌّ على قَعُودِ له، فسَابقَهَا فسَبَقَها الأعرابيُّ، فكأنَّ ذلك شقَّ على أصحابِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "حقٌ على اللهِ أن لا يُرْفَعَ شي من الدُنيا إلا وضعَها" 3.1
4803 - حدَّثنا النُّفيليّ، حدَّثنا زهيرٌ، حدَّثنا حُميدٌ عن أنس، بهذه القصة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ حقّاً على اللهِ عزَّ وجل أن لا يرتفع شي من الدُنيا إلا وضعَه" (1).
10 -
باب في كراهية التمادح
4804 - حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا وكيع، حدَّثنا سفيانُ، عن منصور، عن إبراهيمَ1 = وعلقه البخاري بإثر الحديث (2872) عن موسى بن إسماعيل التبوذكي، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (13659). وانظر ما بعده.
وقوله:"العضباء"، قال ابن الأثير في "النهاية": هو علم لها منقول من قولهم: ناقة عضباء، أي: مشقوقة الأذن، ولم تكن مشقوقة الأذن.
وقال الزمخشري: هو منقول من قولهم: ناقة عضباء، وهي القصيرة اليد.
والقعود من الإبل، قال ابن الأثير: ما أمكن أن يُركب، وأدناه أن يكون له سنتان، ثم هو قعود إلى أن يُثني، فيدخل في السنة السادسة، ثم هو جَمَل.
عن همَّام، قال: جاء رجلٌ فأثنى على عثمانَ في وجهِهِ، فأخذ المقدادُ بنُ الأسود تراباً، فحثا في وجهِهِ، وقال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-ِ: "إذا لقِيتُمُ المَدَّاحِينَ فاحثُوا في وجُوهِهِمُ الترابَ" 1.
4805 - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونس، حدَّثنا أبو شهابٍ، عن الحذَّاءِ عن عبدِ الرحمن بن أبي بكرة عن أبيهِ: أن رجلاً أثنى على رجلٍ عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال له: "قطعتَ عُنُقَ صَاحبِكَ" ثلاثَ مراتٍ، ثم قال: "إذا مدَحَ أحدُكُم صاحبَهُ لا محالةَ فليقُل: إني أحسِبُه، كما يُرِيد أن يقولَ، ولا أُزكِّيه على اللهِ عز وجل" 1. = عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح، وأما من لا يخاف عليه ذلك، لكمال تقواه ورسوخ عقله ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنَشطِه للخير، والازدياد منه، أو الدوام عليه أو الاقتداء به كان مستحباً، والله أعلم.
4806 - حدَّثنا مُسَدَّدُ، حدَّثنا بشرُّ -يعني ابن المُفضَّل- حدَّثنا أبو مَسْلَمةَ سعيدُ بنُ يزيد، عن أبي نضرَةَ، عن مطرّف قال: قال أبي: انطلقتُ في وفدِ بني عامرٍ إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلنا: أنتَ سيّدُنا، فقال: "السَّيدُ الله" قلنا: وأفضلُنا فَضْلاً، وأعظَمُنا طَوْلاً، فقال: "قولوا بِقَولكم، أو بعضِ قولكم، ولا يَسْتَجْرِيَنَّكُم الشَيطانُ" 1.
11 -
باب في الرّفْق
4807 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ، عن يونسَ وحُميدٍ، عن الحسن
عن عبدِ الله بنِ مُغَفلٍ، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - قال: "إن اللهَ رفيق يُحِبُّ الرّفْقَ، ويُعطِي عليهِ ما لا يُعطِي على العُنْفِ" 1. = فنهاهُم عنه، يُريد: تكَلَّمُوا بما يحضُرُكم من القول، ولا تتكلفُوه كأنكم وُكَلاء الشيطان ورُسُلُه، تنطقُون عن لسانه.
وقال الخطابي في "معالم السنن" 4/ 112، قوله: " السيد الله": يريد أن الُسُّؤدُدَ حقيقة دله عز وجل، وأن الخلق كلُّهم عبيدْ له، وإنما منعهم فيما نرى أن يدعوه سيداً مع قوله: "أنا سيد ولد آدم" وقوله لبنى قريظة: "قوموا إلى سيدكم"، يريد: سعد بن معاذ، من أجل أنهم قوم حديث عهدهم بالإسلام، وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة كهي بأسباب الدنيا، وكان لهم رؤساء يعظمونهم، وينقادون لامرهم، ويسمونهم السادات، فعلمهم الثناء عليه وأرشدهم إلى الأدب في ذلك، فقال: "قولوا بقولكم"، يريد: قولوا بقول أهل دينكم وملتكم وادعوني نبياً ورسولاً كما سماني الله عز وجل في كتابه، فقال ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، ولا تسموني سيداً كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم، ولا تجعلوني مثلهم، فإني لستُ كأحدهم إذ كانوا يسودونكم بأسباب الدنيا، وأنا أسودكم بالنبوة والرسالة، فسموني نبياً ورسولاً.
وقوله: "بعض قولكم"، فيه حذف واختصار ومعناه دعوا بعض قولكم واتركوه، يريد بذلك: الاقتصار في المقال.
قال الشاعر: فبعضَ القول عاذِلتي فإني ... سيكفيني التجارب وانتسابي قلنا: قول الخطابى: لبني قريظة.
خطأ، والصواب أنه - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك للأنصار، كما جاء في "صحيح البخاري" (4121).
4808 - حدَّثنا عثمانُ وأبو بكر ابنا أبي شيبة ومحمدُ بنُ الصَّبَّاح البزَّازُ، قالوا: حدَّثنا شريكٌ، عن المِقدام بنِ شُريحٍ، عن أبيه، قال:
سألتُ عائشةَ عن البَدَاوةِ، فقالت: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يبدُو إلى هذه التَّلاعِ، وإنه أراد البَدَاوة مرةً، فأرسلَ إليَّ ناقةً مُحَرَّمةً من إبل الصَّدقة فقال لي: "يا عائشة ارفقي فإن الرّفق لم يكن في شيء قطُّ إلا زَانَه، ولا نُزِعَ مِن شيءٍ قطُّ إلا شَانَه" 1. = وأخرجه ابن أبي شيبة 8/ 512، وأحمد في "مسنده" (16802)، وعبد بن حميد (504)، والدارمي في "سننه (2793)، وابن أبي عاصم (1091)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 51 - 52، والطبراني في "مكارم الأخلاق" (23) من طرق عن حماد بن سلمة، به.
وأخرجه الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (678) من طريق موسى بن إسماعيل التبوذكي، عن حماد، عن حميد وحده، به.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (16805) عن أسود، عن حماد، عن يونس وحده، به.
ويشهد له حديث عائشة عند مسلم (2593) وحديث أنس بن مالك عند البزار (1961) و (1962)، ومن حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (3688)، والبزار (1964) بسند حسن، ومن حديث علي رضي الله عنه عند أحمد (902)، والبزار (1960). وقوله: "رفيق"، قال السندي: أي: يعامل الناس بالرفق واللطف، ويكلفهم بقدر الطاقة.
وقوله: "يحب الرفق": من العبد.
وقوله: "على العُنف"، بضم فسكون: ضد الرفق، أي: من يدعو الناس إلى الهدى برفق ولطف خيرٌ من الذي يدعو بعنف وشدة إذا كان المحل يقبلُ الأمرين، إلا يتعين ما يقبله المحل، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
قال ابنُ الصَّبَّاح في حديثِه: مُحرَّمة: يعني لم تُركَب.
4809 - حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبة، حدَّثنا أبو معاويةَ ووكيعٌ، عن الأعمشِ، عن تميم بن سَلَمَةَ، عن عبدِ الرحمن بنِ هِلالِ
عن جَرِيرِ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن يُحرَم الرّفْقَ يُحْرَم الخيرَ كُلَّهٌ" 1.
4810 - حدَّثنا الحسنُ بنُ محمَّد بنِ الصّبَّاح، حدَّثنا عفانُ، حدَّثنا عبدُ الواحِدِ، حدَّثنا سليمانُ الأعمشُ، عن مالك بنِ الحارثِ -قال الاعمشُ: وقد سمعتُهم يذكرونَ- عن مُصعَب بنِ سعد عن أبيهِ -قال الأعمشُ: ولا أعلمه إلا- عن النبي-صلى الله عليه وسلم-، قال: "التؤدَةُ في كل شيءِ، إلا في عملِ الآخرَةِ" 2.
12 -
باب في شُكرِ المعروف
4811 - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا الربيعُ بنُ مسلم، عن محمَّد بن زياد
عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: "لا يَشْكُرُ الله من لا يَشْكُرُ النَّاس" 1. = وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 1/ 63 - 64، والبيهقي في "الزهد الكبير" (708)، وفي "السنن" 10/ 194 من طريق محمَّد بن غالب، عن عفان بن مسلم، بهذا الإسناد.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (792) عن إبراهيم بن الحجاج، والبيهقي في "الزهد" (709)، والخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (97) من طريق طالوت بن عباد، كلاهما عن عبد الواحد، به.
وقد رواه وكيع في "زهده" (261) ومن طريقه أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 34، وأحمد في الزهد، ص 119 عن سفيان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث قال، قال عمر بن الخطاب.
فجعله موقوفاً من قول عمر رضي الله عنه.
وقرن بوكيع عند أحمد في "الزهد" عبد الرحمن.
وإسناده منقطع بين مالك وعمر.
وأخرج قول عمر البيهقي في "الشعب" (10604) من طريق إسماعيل ابن مسلم -وهو ضعيف-، عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال: قال عمر ... فذكره.