كتاب المناسك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السجستاني، أبو داود
- الكتاب
- سنن أبي داود
- المؤلف
- أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
- المحقق
- شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
- الناشر
- دار الرسالة العالمية
- الطبعة
- الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1878 - حدَّثنا مُصرِّفُ بن عمرو الياميُّ، حدَّثنا يونسُ - يعني ابنَ بُكير - حدَّثنا ابن إسحاق، حدَّثني محمدُ بن جعفر بنِ الزبير، عن عُبيد الله بن عبد الله ابن أبي ثور عن صفيةَ بنتِ شيبة، قالت: لما اطمأنَّ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بمكة عام الفتحِ طَافَ على بعيرٍ يستلِمُ الرُّكْنَ بمِحْجَنٍ في يده، قالت: وأنا أنظُرُ إليه 1. 1879 - حدَّثنا هارونُ بن عبدِ الله ومحمد بن رافعٍ - المعنى - قالا: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن معروف - يعني ابنَ خَرَّبُوذَ المكي - حدَّثنا أبو الطفَيْلِ، قال: رأيتُ النبي - صلَّى الله عليه وسلم - يطوفُ بالبيتِ على راحلتِه يستلِمُ الركنَ بِمحجَنه، ثم يُقبِّلُه، زادَ محمد بن رافع: ثم خَرَجَ إلى الصَّفا والمروة فطاف سبعاً على راحِلته 2. 1880 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا يحيي، عن ابنِ جُريج، أخبرني أبو الزبير
أنه سَمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله يقولُ: طافَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلم - في حَجَّة الوداع على راحلته بالبيتِ وبالصَّفا والمروة لِيراه الناسُ، وليُشرفَ، ولِيسألوه فإن الناسَ غَشُوه 1. 1881 - حدَّثنا مُسَدد، حدَّثنا خالدُ بن عبد الله، حدَّثنا يزيدُ بن أبي زيادٍ، عن عكرمة عن ابنِ عباس: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قَدِمَ مكة وهو يشتكي، فطافَ على راحلته، كلما أتى على الرُّكنِ استلم الركنَ بمِحجَن، فلما فَرَغَ مِن طوافه أناخ، فصلَّى ركعتينِ 2.
1882 - حدَّثنا القعنبيُّ، عن مالكٍ، عن محمد بنِ عبدِ الرحمن بن نَوفَلٍ، عن عُروةَ بن الزبير، عن زينبَ بنتِ أبي سلمة عن أُمِّ سلمة زوجِ النبي - صلَّى الله عليه وسلم - أنها قالت: شكوتُ إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - أشتكي، فقال: "طُوفي مِن وراء الناس وأنتِ راكِبَةٌ" قالت: فطفتُ ورسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - حينئذٍ يُصلي إلى جنبِ البيتِ، وهو يقرأ بالطُّور وكتابٍ مسطورٍ (1).
49 -
باب الاضطباع في الطواف
1883 - حدَّثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيانُ، عن ابنِ جُريج، عن ابنِ يعلى1 = وأخرج عبد الرزاق (8927)، ومن طريق الطبري في "تهذيب الآثار" في مسند ابن عباس (81) عن سفيان الثوري (وسقط من مطبوع عبد الرزاق اسمُه) عن حماد بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، قال: قدم رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - وهو مريض، فطاف بالبيت على راحته، يستلم الركن، بمحجنه، ثم يقبل طرف المحجن.
وهو مرسل رجاله ثقات.
وأخرج الطبري (80) عن الحسن بن يحيي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه: أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - طاف على راحلة، وهو شاكٍ, يستلم الركن بمحجنه، ثم يقبّل طرف المحجن.
وهذا مرسل رجاله ثقات أيضاً.
ولصلاة الركعتين بعد الطواف انظر حديث جابر بن عبد الله الطويل الآتي عند المصنف برقم (1905) وهو في "صحيح مسلم" (1218).
عن يعلى، قال: طافَ النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلم - مُضْطَبِعاً بِبُرْدٍ أخضر (1). 1884 - حدَّثنا أبو سَلَمةَ موسى، حدَّثنا حمادٌ، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن سعيد بن جُبير عن ابنِ عباس: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - وأصحابَه اعتمروا مِن الجِعْرَانة، فرمَلوا بالبيتِ، وجعلُوا أرديتَهم تحتَ آباطِهِم ثم قَذَفُوها على عواتقِهم اليُسرى (2).
50 -
باب في الرَّملَ
1885 - حدَّثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ، حدَّثنا أبو عاصمٍ الغَنَوي، عن أبي الطُّفيلِ، قال:12
قلتُ لابنِ عباس: يزعمُ قومُك أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قد رَمَلَ بالبيتِ، وأن ذلك سنَّةٌ، قال: صَدَقُوا وكَذبُوا، قلت: وما صَدقوا، وما كذبوا؟ قال: صَدَقُوا: قد رمَلَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، وكَذَبُوا: ليس بسنَّة، إن قريشاً قالت زَمَنَ الحُديبية: دعوا محمداً وأصحابَه حتى يموتوا موتَ النَّغَفِ، فلما صالحُوه على أن يجيئوا مِن العامِ المقبل، فيُقِيمُوا بمكةَ ثلاثةَ أيامٍ، فَقَدِمَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - والمشركون مِن قِبَل قُعَيْقِعَان، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - لأصحابه: "ارمُلُوا بالبيتِ ثلاثاً " وليس بسنةٍ، قلتُ: يزعمُ قومُك أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - طافَ بين الصفا والمروةِ على بعيرٍ وأن ذلك سنةٌ، قال: صدقوا وكذبوا، قلت: ما صدقوا وما كذبوا؟ قال: صدقوا: قد طافَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بين الصفا والمروةِ على بعير، وكذبوا: ليست بسنة، كان الناسُ لا يُدْفعون عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، ولا يُصرفون عنه، فطاف على بعيرٍ، ليسمعوا كلامه، وليروا مكانه، ولا تنالُه أيديهم 1.
1886 - حدَّثنا مُسدَّدٌ, حدَّثنا حمادُ بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بنِ جُبير أنه حدَّث
عن ابن عبَّاس، قال: قَدِمَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - مكة وقد وهنتْهم حُمَّى
يَثْرِبَ، فقال المشركونَ: إنه يقدمُ.
عليكم قومٌ قد وهَنَتْهُمُ الحُمّى، ولقُوا
منها شراً، فأطلعَ اللهُ تعالى سبحانه نبيَّه - صلَّى الله عليه وسلم - على ما قالوه، فأمرهم أن يَرمُلوا الأشواطَ الثلاثةَ، وأن يمشوا بَينَ الرُّكنينِ، فلما رأوهُم رمَلُوا قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحُمَّى قد وهنتَهُم، هؤلاء أجْلُد منا، قال ابنُ عباس: ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط كُلَّها إلا إبقاء عليهم 1. = النغف: قال الخطابي: دود يسقط من أنوف الدواب، واحدتها: نغفة، يقال للرجل إذا استُحقِر واستضعِفَ، ما هو إلا نَغَفَة.
وقعيقعان بضم القاف وفتح العين: جبل مشهور بمكة، سمي بذلك، لأن جُرهُماً لما تحاربوا، كثرت القعقعة بالسلاح هناك.
وقوله: ليس بسنة.
معناه أنه أمر لم يُسن فعله لكافة الأمة على معنى القربة كالسنن التي هي عبادات، ولكنه شيء فعله رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - لسبب خاص وهو أنه أراد أن يُري الكفار قوة أصحابه، وكانوا يزعمون أن أصحاب محمد قد أوهنتهم حُمى يثرب ووقذتهم، فلم يبق فيهم طِرق.
1887 - حدَّثنا أحمد بن حنبل، حدَّثنا عبدُ الملك بن عمرو، حدَّثنا هشامُ ابن سعد، عن زيدِ بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: فيم الرَّمَلان اليوم، والكشفُ عن المناكب؟ وقد أطَّأ الله الإسلامَ، ونفى الكفرَ وأهلَه، مع ذلك لا نَدَعُ شيئاً كنا نفعلُه على عهدِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - 1. 1888 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا عيسى بن يونس، حدَّثنا عُبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "إنما جُعِلَ الطوافُ بالبيتِ وبين الصَّفا والمروةِ ورمْيُ الجِمار لإقامةِ ذكرِ الله" 2. = أجلد: أشد جلدة وقوة، والإبقاء عليهم علة لعدم أمرهم بالرمل في الأشواط كلها لانهم كانوا على الحقيقة ضعافاً مهازيل.
1889 - حدّثنا محمدُ بن سليمان الأنباريُّ، حدَّثنا يحيي بن سُليم، عن ابن خُثَيم، عن أبي الطُّفيل
عن ابنِ عباس: أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - اضطبعَ فاستلَم وكبَّرَ، ثم رَمَلَ ثلاثةَ أطوافٍ، وكانوا إذا بلغوا الرُّكنَ اليماني وتغيَّبوا مِن قُريش، مَشَوْا، ثم يطلُعُون عليهم يَرْمُلُونَ، تقول قريش: كأنهم الغِزلانُ.
قال ابن عباس: فكانت سنةً 1.
1890 - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ، أخبرنا عبدُ الله بن عثمان بن خُثَيم، عن أبي الطُّفيل
عن ابنِ عباس: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - وأصحابه اعتمرُوا من الجِعْرَانة،
فرمَلُوا بالبيتِ ثلاثاً، ومَشَوْا أربعاً 2. = وأخرجه الترمذي (918) من طريقين عن عيسى بن يونس، بهذا الإسناد، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وهو في "مسند أحمد" (24351).
1891 - حدَّثنا أبو كاملٍ، حدَّثنا سُليمُ بن أخْضَر، حدَّثنا عُبيد اللهِ، عن نافع أن ابنَ عمر رَمَلَ مِن الحَجَر إلى الحَجَر، وذكر أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - فَعَلَ ذلك (1).
51 -
باب الدعاء في الطواف
1892 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عيسى بن يونس، حدَّثنا ابن جُريجٍ، عن يحيي بن عُبيد، عن أبيه
عن عبد الله بن السائب، قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقول ما بين الرُّكْنينِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] 2.1 = والجعرانة: قال في "النهاية": موضع قريب من مكة (بينها وبين الطائف) وهي في الحِلِّ، وميقات للإحرام، وهي بتسكين العين والتخفيف، وقد تكسر العين وتشدد الراء.
قال علي ابن المديني: أهل المدينة يخففونها وأهل العراق يشددونها، وخطَّأ الخطابي التخفيف.
وقد نزلها النبي - صلَّى الله عليه وسلم - لما قسم غنائم هوازن مرجعه من غزاة حنين وأحرم منها.
1893 - حدَّثنا قُتيبة بن سعيد، حدَّثنا يعقوبُ، عن موسى بن عقبة، عن نافعٍ عن ابنِ عمر: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - كان إذا طافَ في الحجِّ والعمرةِ أوَّلَ ما يَقْدَمُ، فإنَّه يسعى ثلاثةَ أطوافٍ، ويمشي أربعاً، ثم يُصلِّي سجدتين (1).
52 -
باب الطواف بعد العصر
1894 - حدَّثنا ابن السَّرحِ والفضلُ بن يعقوبَ - وهذا لفظه - قالا 2: حدَّثنا
سفيان، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن بَابَاه1 = صرح بالتحديث عند أحمد في "مسنده" (15398). مسدَّدٌ: هو ابن مسرهد الأسدي، وعيسى بن يونس: هو السبيعي.
وأخرجه النسائي في "الكبرى" (3920) من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (15398)، و"صحيح ابن حبان" (3826).
عن جُبير بن مُطعِم، يَبلُغُ به النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم -، قال: "لا تمنعُوا أحداً
يطوفُ بهذا البيتِ ويُصلي أيَّ ساعةٍ شاءَ مِن ليلٍ أو نهارٍ".
قال الفضلُ:
إنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: " يا بني عبدِ منافٍ، لا تمنعوا أحداً" (1).
53 -
باب طواف القارِنِ
1895 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا يحيي, عن ابنِ جُريج، قال: أخبرنى أبو الزبير، قال: سمعتُ جابر بن عبد الله يقولُ: لم يَطُفِ النبي - صلَّى الله عليه وسلم - ولا أصحابُه بين الصفا والمروةِ إلا طوافاً واحداً، طوافَه الأوّلَ 2.1
1896 - حدَّثنا قتيبةُ، حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن ابنِ شهاب، عن عُروة
عن عائشة: أن أصحابَ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - الذين كانوا معه لم يطوفوا حتى رموا الجمرة 1.
1897 - حدَّثنا الربيعُ بن سليمانَ المؤذِّن، أخبرني الشافعيُّ، عن ابن عُيَينة، عن ابنِ أبي نَجيح، عن عطاء
عن عائشة أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - قال لها: "طوافُكِ بالبيتِ وبين الصفا والمروةِ يكفيكِ لِحَجتكِ وعُمرتكِ" 2. = وهو في "مسند أحمد" (14414)، و "صحيح ابن حبان" (3819). قال ابن القيم في "تهذيب السنن" 2/ 382 - 383: اختلف العلماء في طواف القارن والمتمتع على ثلاثة مذاهب: أحدها: أن على كل منهما طوافين وسعيين، روي ذلك عن علي وابن مسعود، وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة وأهل الكوفة والأوزاعي وإحدى الروايتين عن أحمد.
الثاني: أن عليهما كليهما طوافاً واحداً وسعياً واحداً نص عليه أحمد في رواية ابنه عبد الله، وهو ظاهر حديث جابر.
الثالث: أن على المتمتع طوافين وسعيين وعلى القارن سعي واحد، وهذا هو المعروف عن عطاء وطاووس والحسن وهو مذهب مالك والشافعي وظاهر مذهب أحمد.
وانظر حديث ابن عباس عند البخاري (1572).
قال الشافعيُّ: كان سفيانُ ربما قال: عن عطاء، عن عائشةَ، وربما قال: عن عطاء، أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - قال لِعائِشة رضي الله عنها.
54 -
باب المُلْتَزَم
1898 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا جريرُ بن عبدِالحميد، عن يزيد ابن أبي زياد، عن مجاهدٍ
عن عبدِ الرحمن بنِ صفوانَ، قال: لما فَتَحَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - مكةَ،
قلتُ: لألبَسنَّ ثيابي، وكانت داري على الطريقِ، فلأنظُرنَّ كيفَ يصنعُ
رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فانطلقتُ، فرأيتُ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - قد خرج مِن الكعبةِ هو وأصحابه [و]، قد استلموا البيتَ من البابِ إلى الحَطِيمِ، وقد وضعُوا
خدودَهم على البيتِ ورسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - وسَطُهم 1. = وأخرجه مسلم (1211) من طريق طاووس بن كيسان، و (1211) من طريق مجاهد، كلاهما عن عائشة.
ولفظه في الرواية الأولى: "يَسعُكِ طَوافُكِ لحَجِّكِ وعُمرَتك"، وفي الثانية: "يُجْزئُ عنكِ طوافُكِ بالصَّفَا والمروة، عن حَجِّكِ وعُمرَتكِ".
وهو في "مسند أحمد" (24932).
1899 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ, حدَّثنا عيسى بن يونس، حدَّثنا المثنى بن الصبَّاح، عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيه قال:
طفت مع عبد الله، فلما جئنا دُبُرَ الكعبةِ قلتُ: ألا تتعوَّذ، قال: نعوذُ بالله من النار، ثم مضى حتى استلَم الحجر، وأقامَ بين الركنِ والبابِ، فوضع صدرَه، ووجهه، وذِراعيهِ، وكفيه هكذا، وبسَطهما بسطاً، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يفعله 1.
1900 - حدَّثنا عُبيد اللهِ بن عمر بنِ ميسرةَ، حدَّثنا يحيي بن سعيد، حدَّثنا السائب بن عمرو المخزومي، حدثني محمدُ بن عبدِ الله بنِ السائبِ
عن أبيه: أنه كان يقودُ ابنَ عباس، فيُقيمه عند الشُّقَّة الثالثة مما يلي الركنَ الذي يلي الحجرَ مما يلي البابَ، فيقول له ابن عباس: أُنبئتَ أن رسولَ الله عيه كان يُصلي ها هنا؟ فيقول: نعم فيقومُ فيصلِّي 2. = أو عبد الرحمن بن صفوان، على الشك، وسماه الطحاوي أبا صفوان أو عبد الله بن صفوان، ورواية الطحاوي مختصرة بقوله: "سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - يوم الفتح قد قدم، فجمعت عليَّ ثيابي، فوجدته قد خرج من البيت".
والملتزم: ما بين الركن والباب، والحطيم: هو الحِجر، لأن البيتَ رُفع وتُرِكَ هو محطوماً، وهو الذي ذكره البخاري في "صحيحه" واحتج عليه بحديث الإسراء (3887) "قال: بينما أنا نائم في الحطيم وربما قال: في الحجر" وهو حطيم بمعنى محطوم كقتيل بمعنى مقتول.
55 -
باب أمر الصفا والمروة
1901 - حدَّثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بنِ عُروة (ح)
وحدَّثنا ابن السَّرْحِ، حدَّثنا ابن وهب، عن مالكٍ، عن هشامِ بن عُروة، عن أبيه، أنه قال:
قلتُ: لعائشةَ زوجِ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - وأنا يومئذ حديثُ السنِّ: أرأيتِ
قولَ الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158] فما أرى على أحدٍ شيئاً أن لا يطَّوَّفَ بهما، قالت عائشة: كلا، لو كان كما تقولُ كانت (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) إنما أُنزِلت هذه الآيةُ في الأنصارِ، كانوا يُهِلُّونَ لمناةَ، وكانت مَناةُ حَذْوَ قُدَيدٍ، وكانوا يتحَرَّجُون أن يَطوَّفُوا بين - الصفا والمروةِ، فلمَّا جاء الإسلامُ سألوا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - عن ذلك، فأنزلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ 1. = وأخرجه النسائي في "الكبرى" (3887) عن عمرو بن علي الفلَّاس، عن يحيي ابن سعيد القطان، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (15391).
1902 - حدَّثنا مُسددٌ، حدَّثنا خالدُ بن عبد الله، حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي خالد
عن عبدِ الله بن أبي أوفى: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - اعتمر فطافَ بالبيتِ وصلَّى خلفَ المقامِ ركعتينِ ومعه من يستُرُهُ مِنَ الناسِ، فقيل لِعبدِ الله: أَدَخَلَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - الكعبةَ؟ قال: لا 1. = وهو في "مسند أحمد" (25112)، و"صحيح ابن حبان" (3839) و (3840). قال النووي في "شرح مسلم" 9/ 19: قال العلماء: هذا من دقيق علمها، وفهمها الثاقب، وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ، لأن الآية الكريمة إنما دلَّ لفظها على رفع الجناح عمن يطوف بهما، وليس دلالة على عدم وجوب السعي ولا على وجوبه، فأخبرته عائشة رضي الله عنها أن الآية ليست فيها دلالة للوجوب ولا لعدمه، وبينت السبب في نزولها والحكمة في نظمها، وأنها في الأنصار حين تحرجوا من السعي بين الصفا والمروة في الإسلام، وأنها لو كانت كما يقول عروة لكانت: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما.
وقد يكون الفعل واجباً، ويعتقد إنسان أنه يمنع إيقاعه على صفة مخصوصة، وذلك كمن عليه صلاة الظهر، وظن أنه لا يجوز فعلها عند غروب الشمس، فسأل عن ذلك، فيقال في جوابه: لا جناح عليك إن صليتها في هذا الوقت، فيكون جوابه صحيحاً ولا يقتضي نفي وجوب صلاة الظهر.
وقال ابن قدامة في "المغني" 5/ 238: واختلفت الرواية في السعي، فروي عن أحمد: أنه ركن لا يتم الحج إلا به، وهو قول عائشة وعروة ومالك والشافعي ... وروي عن أحمد: أنه سنة لا يجب - بتركه دم رُوي ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير.
وابن سيرين.
وقال القاضي: هو واجب وليس بركن إذا تركه وجب عليه دم وهو مذهب الحسن وأبي حنيفة والثوري، وهو أولى.
1903 - حدَّثنا تميمُ بن المنتصِرِ، أخبرنا إسحاقُ بن يوسف، أخبرنا شريكٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد، قال:
سمعتُ عبدَ الله بنَ أبي أوفى، بهذا الحديثِ، زاد: ثم أتى الصَّفا والمروةَ، فسعى بينهما سبعاً، ثم حَلَقَ رأسَه 1.
1904 - حدَّثنا النفيليُّ، حدَّثنا زهيرٌ، حدَّثنا عطاء بن السائب، عن كثيرِ ابنِ جُمهان
أن رجلاً قال لِعبد الله بن عمر بين الصَّفا والمروةِ: يا أبا عبدِ الرحمن إني أراك تمشِي والناسُ يسعَون، قال: إن أمْشِ فقد رأيتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يمشي، وإن أسعَ فقد رأيتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يسعى، وأنا شيخٌ كبيرٌ 2. = وأخرجه البخاري (1792) و (4188) و (4255)، ومسلم (1332)، وابن ماجه (2990)، والنسائي في "الكبرى" (4206) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، به.
ورواية البخاري في الموضع الثاني، وابن ماجه، والنسائي دون ذكر قصة دخول الكعبة، ورواية البخاري في الموضع الثالث مختصرة بذكر ستر النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، ورواية مسلم مختصرة بقصة نفي دخول الكعبة.
وهو في "مسند أحمد" (19108)، و"صحيح ابن حبان" (3843). وانظر ما بعده.
56 -
بابُ صفة حَجَّة النبي - صلَّى الله عليه وسلم -
1905 - حدَّثنا عبدُ الله بن محمد النُّفيليُّ وعثمانُ بن أبي شيبة وهشامُ بن عمار وسليمانُ بن عبدِ الرحمن الدمشقيان - وربما زاد بعضُهم على بعض الكلمةَ والشيء - قالوا: حدَّثنا حاتِمُ بن إسماعيل، حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيه، قال: دخلنا على جابرِ بنِ عبد الله، فلما انتهينا إليه سأل عن القومِ، حتى انتهى إليَّ، فقلت: أنا محمدُ بن علي بن حسين، فأهوى بيدِه إلى رأسي فَنزعَ زرِّيَ الأعلى، ثم نزعَ زرِّي الأسفل، ثم وضع كفَّه بين ثدييَّ وأنا يومئذٍ غلامٌ شابٌ فقال: مرحباً بكَ وأهلاً يا ابنَ أخي.
سَلْ عَمَّ شئت، فسألتُه وهو أعمى، وجاء وقتُ الصلاة فقام في نِسَاجَةٍ ملتحفاً بها، يعني ثوباً مُلفَّقاً، كلما وضعها على منكبه رَجَعَ طرفاها إليه من صغرها، فَصَلَّى بنا ورداؤُه إلى جنبه على المِشْجَب، فقلتُ: أخبرني عن حَجَّةِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فقال بيده، فعقد تسعاً، ثم قال: إن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - مكث تسعَ سنين لم يحج ثم أذَّن في الناسِ في العاشرة أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - حاجٌّ، فَقَدِمَ المدينةَ بَشَرٌ كثير كلُّهم يلتمِسُ أن يأتمَّ برسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ويَعمَلَ بمثلِ عَمَلِهِ، فخرجَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، وخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحُليفة، فولدت أسماء بنت عُميْس محمدَ بنَ أبي بكر، فأرسلتْ إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: كيف أصنعُ؟ فقال: "اغتسلي واستَذْفِري بثوبٍ وأحرمي" فصلَّى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - في المسجد، ثم = وأخرجه النسائي (3956) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عمر.
وسنده صحيح.
وهو في "مسند أحمد" (5143) و (6013).
وزهير وسفيان الثوري ممن سمع من عطاء بن السائب قبل اختلاطه.
ركب القَصواءَ، حتى إذا استَوَتْ به ناقتُه على البيداءِ، قال جابرٌ:
نظرت إلى مَدِّ بصري مِنْ بين يديه من راكبٍ وماشٍ وعن يمينه مثلَ ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثلَ ذلك، ورسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بين أظهرنا، وعليه يَنزِلُ القُرآنُ، وهو يعلمُ تأويلَه، فما عَمِلَ بهِ من شيءٍ عَمِلنا به.
فأهلَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - بالتوحيدِ "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شَرِيكَ لك، لَبيْكَ إن الحمدَ والنعمة لك، والملكَ، لا شريكَ لَكَ" وأهَلَّ الناسُ بهذا الذي يُهِلُّون به، فلم يَرُدَّ عليهم رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - شيئاً منه، ولزِمَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - تلبيتَه.
قال جابر: لسنا نَنوي إلا الحجَّ، لسنا نعرف العُمْرةَ، حتى إذا أتينا البيتَ معه، استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم تقدَّمَ إلى مقامِ إبراهيمَ فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] فجعل المقامَ بينه وبينَ البيتِ، قال: فكان أبي يقولُ: - قال ابن نُفَيل وعثمان: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم -، قال سليمانُ: ولا أعلمه إلا قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقرأُ في الركعتين بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وبـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثم رجع إلى البيتِ فاستلم الركنَ.
ثم خرجَ من الباب إلى الصفا، فلما دنا مِن الصَّفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158] "نبدأ بما بدأ الله به" فبدأ بالصفا فرقِيَ عليه حتى رأى البيت فكبَّر الله ووحَّده وقال: "لا إله إلا الله وحدَه، لا شريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، يُحيي ويُميت،
وهو على كلِّ شيءٍ قدير، لا إله إلا الله وحدَه، أنجزَ وعدَه، ونصرَ عبدَه، وهَزَمَ الأحزابَ وحده" ثم دعا بين ذلك، وقال مثلَ هذا ثلاثَ مرات، ثم نزل إلى المروةِ حتى إذا انصبَّت قدماه رَمَلَ في بطنِ الوادِي، حتى إذا صَعِدَ مشى، حتى أتى المروةَ فصنعَ على المروة مثلَ ما صنع على الصفا.
حتى إذا كان آخر الطوافِ على المروةِ قال: "إني لو استقبلتُ مِن أمرِي ما استدبرتُ لم أسُقِ الهَدْيَ، ولجعلتُها عُمْرَةً، فمن كان منكم ليس معه هديٌ، فليحلِلْ، وليجعلها عمرةً" فحل الناسُ كلُّهم وقصَّروا، إلا النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - ومن كان معه هَدْيٌ، فقامَ سُراقَةُ بن جُعْشُم فقالَ: يا رسولَ الله، ألعامِنَا هذا أمْ للأبدِ؟ فشبّك رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - أصابعه في الأخرى ثم قال: "دخلتِ العمرةُ في الحج " هكذا مرتين: "لا بل لأبدِ أبدٍ، لا بل لأبدِ أبدٍ".
قال: وقدم عليٌّ رضيَ الله عنه مِنَ اليمنِ ببُدْنِ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم -، فَوَجَدَ فاطمةَ رضي الله عنها ممن حَلَّ ولبسَتْ ثياباً صَبيغاً واكتحلتْ، فأنكر عليٌّ ذلك عليها، وقال: مَنْ أمرك بهذا؟ فقالت: أبي، فكان عليٌّ يقولُ بالعراقِ: ذهبتُ إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - محرِّشاً على فاطمة في الأمرِ الذي صَنَعَتْهُ مستفتياً لِرسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - في الذي ذَكَرَتْ عنه، فأخبرتُه أني أنكرتُ ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، فقال: "صَدَقتْ صَدَقَتْ! ماذا قلتَ حينَ فَرَضْتَ الحجَّ؟ " قال: قلتُ: اللهم إني أُهِلُّ بما أهَلَّ بهِ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، قال: "فإن معي الهدي، فلا تحْلِل" قال: فكان جماعةُ الهدي الذي قدم به عليٌّ من اليمن والذي أتى به النبيُّ
- صلَّى الله عليه وسلم - من المدينة مئةً، فحلَّ الناسُ كُلُّهم وقصَّروا، إلا النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - ومن كانَ معه هَدْيٌ.
قال: فلما كانَ يومُ الترويةِ ووجَّهوا إلى مِنى، أهلُّوا بالحجِّ، فَرَكبَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - فصلَّى بمنى الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاء والصبحَ، ثم مكثَ قليلاً حتى طلعتِ الشمسُ، وأمر بقيَّه له مِن شعرٍ، فضُرِبَتْ بنَمِرَة فسارَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، ولا تشُكُّ قريشٌ أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - واقفٌ عندَ المشعرِ الحرامِ بالمُزدَلِفَةِ كما كانت قريشٌ تصنعُ في الجاهلية، فأجاز رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - حتى أتى عرفةَ، فوجد القُبُّه قد ضُرِبَت له بنَمِرة، فنزلَ بها حتى إذا زاغتِ الشمسُ أمَرَ بالقصواء فرُحِلَت له، فَرَكِبَ حتى أتى بَطْنَ الوادِي، فخطب الناسَ فقال: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ كحُرمةِ يومكم هذا في شهرِكُم هذا في بلدِكم هذا، ألا إن كُلَّ شيءٍ مِن أمرِ الجاهليةِ تحت قَدَميَّ موضوعٌ، ودماءُ الجاهِلية موضوعةٌ، وأول دم أضعُه دماؤنا: - قال عثمان: "دمُ ابنِ ربيعة" وقال سليمان: "دمُ ربيعةَ بن الحارث ابن عبد المطلب" وقال بعضُ هؤلاء: كان مُسترضَعاً في بني سعدٍ، فقتلته هُذَيلٌ - "وَرِبا الجاهِلِيَّة موضوعٌ، وأوَّل رباً أضعُ ربانا: ربا عباسِ بنِ عبد المطلب، فإنه موضوعٌ كُلُّه، اتقوا اللهَ في النَّساء، فإنكَم أخذتموهُنَّ بأمانةِ الله، واستحللتُم فُروجَهُنَّ بكلمةِ الله، وإنَّ لكم عليهن أن لا يُوطِئنَ فُرُشَكُم أحداً تكرهونَه، فإن فَعَلْنَ فاضربُوهُن ضرباً غيرَ مُبرِّح، ولَهُنَّ عليكُم رِزقُهن وكِسوتُهن بالمعروفِ، وإني قد تركتُ فيكم ما لن تَضِلُوا بعدَه إن اعتصمتُم به: كتابَ الله، وأنتم
مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهَدُ أنَّك قد بلَّغت وأدَّيت ونصحتَ، ثم قال بإصبعه السَّبابَة يرفعُها إلى السماء، وينكُبُهَا 1 إلى الناسِ"اللهم اشهَد، اللهم اشهَد، اللهم اشهد".
ثم أذَّن بلالٌ، ثم أقامَ فصلَّى الظهرَ، ثم أقامَ فصلَّى العصرَ لم يُصَلِّ بينَهما شيئاً، ثم رَكِبَ القَصْواءَ حتى أتى الموقفَ فجعل بطنَ ناقته القَصْوَاء إلى الصخرات، وجَعَل حَبلَ المُشاةِ بين يديه، فاستقبلَ القِبلة، فلم يزل واقفاً حتى غرَبَت الشمسُ، وذهبت الصُّفرة قليلاً حين غاب القرصُ، وأردفَ أُسامةَ خلفَه، فدفع رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - وقد شَنَقَ لِلقصواء الزِّمامَ حتى إن رأسَها ليُصِيْبُ مَورِكَ رحلِه، وهو يقولُ بيده اليُمنى: "السَّكينةَ أيها الناسُ، السكينةَ أيُّها الناسُ" كلما أتى حبلاً مِن الحبال أرخى لها قليلاً حتى تَصْعدَ، حتى أتى المزدلِفَةَ فجمع بين المغربِ والعِشاء بأذانٍ واحدٍ وإقامَتَيْنِ - قال عثمان: ولم يُسبِّح بينهما شيئاً، ثم اتفقوا: - ثم اضطجع رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - حتى طلعَ الفجرُ، فصلَّى الفجرَ حين تبيَّن له الصبحُ - قال سليمان: بنداءٍ وإقامة، ثم اتفقوا: - ثم رَكِبَ القصواء حتى أتى المَشْعَرَ الحرامَ فَرَقِيَ عليه، قال عثمانُ
وسليمانُ: فاستقبلَ القبلةَ، فحمد الله وكبَّره وهلَّله، زاد عثمانُ: ووحَّدَه، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، ثم دفع رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قبل أن تطلع الشمسُ، وأردفَ الفضلَ بن عباس، وكان رجلاً حَسَنَ الشعرِ أبيْضَ وسيماً، فلما دفع رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - مرَّ الظُّعُنُ يَجرِينَ، فطفِق الفضلُ ينظر إليهن، فوضعَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يده على وجه الفضلِ، وصرف الفضلُ وجهه إلى الشِّقِّ الآخَرِ، وحوَّل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يده إلى الشِّقِّ الآخرِ، وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر يَنْظرُ، حتى أتى مُحسِّراً فحرَّك قليلاً، ثم سلكَ الطريقَ الوُسْطَى الذي يُخرجك إلى الجمرةِ الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عندَ الشجرةِ، فرماها بسبعِ حصياتٍ يُكبّر مع كُلِّ حصاةٍ [منها] بمثل حصى الخَذْفِ، فرمى مِن بطنِ الوادي، ثم انصرفَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - إلى المَنْحَرِ، فنحر بيدِه ثلاثاً وستِّين، وأمر علياً فَنَحَرَ ما غَبَرَ - يقول: ما بقي - وأشركَه في هَدْيه، ثم أَمَرَ مِن كُل بَدَنَةٍ ببَضعةٍ فجُعِلت في قِدرٍ فطُبِخَتْ فأكلا مِنْ لحمها وشَرِبَا مِنْ مَرَقِها - قال سليمان: - ثم رَكِبَ، ثم أفاضَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - إلى البيتِ فَصَلَّى بمكةَ الظهرَ، ثم أتى بني عبدِ المُطَّلب وهم يَسْقُونَ على زمزم فقال: "انزِعُوا بني عبدِ المطَّلب، فلولا أن يغلبكم الناسُ على سِقايتكم لنزعتُ معكم" فناولوه دلواً فَشَرِبَ مِنه 1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الأول مختصرة بذكر الجمع بين الظهرْ والعصر بعرفة، وفي الموضع الثاني مخصرة بالإيضاع في وادي محسِّر ورمي الجمرة، وفي الموضع الثالث مختصرة بذكر رمي الجمرة والنحر.
وأخرج قصة إحرامه - صلَّى الله عليه وسلم - والصحابة من البيداء الترمذي (830) من طريق جعفر بن محمد، به.
وأخرجه مختصراً بإحلال النفساء مسلم (1210)، وابن ماجه (2913)، والنسائي في "الكبرى" (219) و (280) و (3727) و (3728) من طريق جعفر بن محمد، به.
وانظر ما سلف برقم (1785) و (1786).
وأخرجه مخصراً بقصة الإهلال النسائى في "الكبرى" (3706) و (3722) من طريق جعفر بن محمد، به.
وأخرجه مختصراً بقصة الرمَل في الطواف مسلم (1218) (150) و (1263) (235) و (236)، وابن ماجه (2951)، والترمذي (873)، والنسائي في "الكبرى" (3926) من طريق جعفر بن محمد، به.
وأخرجه مختصراً بقصة الطواف الترمذي (884) و (885)، والنسائي في "الكبرى" (3941) من طريق جعفر بن محمد، به.
وأخرجه مختصراً بذكر السعي بين الصفا والمروة النسائى في "الكبرى" (3949 - 3953) و (3961) و (3962) و (3964) و (3965) من طريق محمد بن جعفر، به.
وأخرجه مختصراً بذكر سوق الهدي النسائي في "الكبرى" (3766) من طريق جعفر بن محمد، به.
وأخرجه مختصراً بذكر بعض خطبة النبي - صلَّى الله عليه وسلم - وهو على ناقته بعرفة: الترمذي (4120) من طريق جعفر بن محمد، به.
وأخرجه مختصراً بالنحر ابن ماجه (3158).
وقوله - صلَّى الله عليه وسلم -: ومِنى كُلُّها منحر، وعرفة كلها موقف، وجمع كلها موقف، أخرجها مسلم (1218) (149) من طريق جعفر بن محمد، به.
وستأتي عند المصنف من طريق محمد بن علي عن جابر برقم (1907) و (1908) و (1936). =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرج النسائي في "الكبرى" (4493) من طريق جعفر بن محمد، به: أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - نحر بعضَ بُدنه بيده، ونحر بعضَه غيرُه.
وأخرج قصة أكلهم من الهدي ابن ماجه (3158) من طريق جعفر بن محمد، به.
وأخرجه البخاري (1515) و (1568)، والنسائى في "الكبرى" (4403) من طريقين عن جابر.
واقتصر البخاري في الموضع الأول على ذكر الإهلال، وفي الموضع الثاني على الإفراد، واقتصر النسائي على الإفاضة.
وهو في "مسند أحمد" (14440)، و "صحيح ابن حبان" (3944).
وقد سلفت بعض أجزاء هذا الحديث بالأرقام (1785 - 1789) و (1813) و (1880). من طرق عن جابر.
وستأتي بعض أجزائه أيضاً بالأرقام (1906 - 1909) و (1936) و (1937) و (1944) و (3969). من طرق عن جابر.
وانظر تفصيل ذلك في "مسند أحمد".
المشجب: وزان منبر: أعواد تنصب وتوضع عليها الثياب.
نِسَاجة: ضرب من ملاحف منسوجة كأنها سميت بالمصدر.
استثفري: أمر من الاستثفار قال في "النهاية": وهو أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطناً، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها فتمنع بذلك سيل الدم.
القصواء بفتح القاف: اسم ناقته - صلَّى الله عليه وسلم -. قال أبو عبيدة: القصواء المقطوعة الأذن عرضاً.
أهل: رفع صوته بالتلبية، يقال: أهل المحرم بالحج يُهل إهلالاً: إذا لبَّى ورفع صوته.
سرِف: موضع قرب التنعيم، وهو من مكة على عشرة أميال تقريباً.
عَرَكت: حاضت.
استلام الركن: مسحه بيده وهو سنة في كل طواف.
رمل: أسرع في المشي مع تقارب الخطى وهو الخبب حتى إذا انصبت قدماه، أي: انحدرت فهو مجاز من انصباب الماء.
بِبُدن: جمع بدنة.
محرشاً: التحريش الإغراء، والمراد هنا أن يذكر له ما يقتضي عتابها.
=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = نمرة بفتح النون وكسر الميم: موضع بجنب عرفات، وليس من عرفات.
بطن الوادي: هو وادي عرنة وليست عرنة من عرفات عند عامة العلماء إلا مالكاً فإنه قال: هي من عرفات.
الضرب المبرح: الشديد الشاق.
يوم التروية: هو اليوم الثامن من ذي الحجة سمي بذلك لأنهم يرتوون من الماء لما بعده، أي: يسقون ويستقون.
حبل المشاة: مجتمعهم.
لم يسبح: لم يتنفل.
السكينة: هي الرفق والطمأنينة، قال النووي: فيه أن السكينة في الدفع من عرفات سُنَّة، فإذا وجد فرجة يسرع.
شنق: ضم وضيق.
المشعر الحرام: المراد به هنا قزح: وهو جبل معروف في المزدلفة، قال النووي: وهذا الحديث حجة للفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح، وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام: جميع المزدلفة.
محسر: بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة، سمي بذلك، لأن فيل أصحاب الفيل حُسِر فيه، أي: أُعيي وكلَّ.
قال ابن القيم: محسر: برزخ بين منى ومزدلفة، لكن في "صحيح مسلم" (1282) عن الفضل بن عباس: أن محسراً من منى.
فحرك قليلاً، أي: أسرع السير كما هو دأبه - صلَّى الله عليه وسلم - في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه.
حصى الخذف: قال النووي: هو نحو حبة الباقلاء، وينبغي أن لا يكون أكبر ولا أصغر، فإن كان أكبر أو أصغر: أجزأ.
أيام التشريق: هي الأيام الثلائة التي بعد يوم النحر، ومذهب الجمهور أنه لا يجوز
الرمي في هذه الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال.
البضعة بفتح الباء: القطعة من اللحم.
وقوله: "ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام" قال النووي: معناه: أن قريشاً كانت في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام، وهو جبل في المزدلفة يقال له: قُزح، =
1906 - حدَّثنا عبدُ اللهِ بن مَسلَمةَ، حدَّثنا سليمانُ - يعني ابنَ بلال - (ح)
وحدثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا عَبدُ الوهاب الثقفيُّ - المعنى واحد - عن جعفر بنِ محمد عن أبيه: أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - صلَّى الظهرَ والعصرَ بأذانٍ واحد بِعرَفَةَ، ولم يُسبِّح بينهما، وإقامتين، وصلَّى المغربَ والعِشاء بجمعٍ بأذانٍ واحدٍ وإقامتين ولم يُسبّح بينهما 1.
قال أبو داود: هذا الحديثُ أسنده حاتِمُ بن إسماعيل في الحديث الطويلِ، ووافق حاتِمَ بنَ إسماعيل على إسناده محمدُ بن علي الجُعْفي، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر، إلا أنه قال: فصلى المغربَ والعتمَةَ بأذانٍ وإقامة.
= وكان سائر العرب يتجاوزون المزدلفة ويقفون بعرفات، فظنت قريش أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - يقف في المشعر الحرام على عادتهم ولا يتجاوزه، فتجاوزه - صلَّى الله عليه وسلم - إلى عرفات، لأن الله تعالى أمره بذلك في قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أي: سائر العرب غير قريش، وإنما كانت قريش تقف بالمزدلفة لأنها من الحرم، وكانوا يقولون نحن أهل حرم الله، فلا نخرج منه.
وقوله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لهن عليكم أن لا يُوطئن فرشكم أحداً تكرهونه" قال النووي: المختار في معناه: أن لا يأذنَّ لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم سواء كان المأذون له رجلاً أجنبياً أو امرأةً أو أحداً من محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك.
وقال ابن جرير في "تفسيره": المعنى لا يأذن لأحد من الرجال الأجانب أن يدخل عليهن فيتحدث إليهن، وكان من عادة العرب لا يرون به بأساً، فلما نزلت آية الحجاب نهي عن محادثتهن والقعود إليهن، وليس هذا كناية عن الزنى وإلا كان عقوبتهن الرجم دون الضرب.
1907 - حدَّثنا أحمد بن حنبل، حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، حدَّثنا جعفر، حدَّثنا أبي عن جابرٍ، قال: ثم قال النبي - صلَّى الله عليه وسلم -: "قد نحرتُ ها هنا ومِنًى كُلُّها مَنْحَرٌ" ووقف بعرفة فقال: "قد وقفتُ ها هنا وعرفةُ كُلُّها موقِفٌ" ووقَفَ بالمزدلفةِ، فقال: "قد وقَفْتُ ها هنا، ومُزدلفةُ كُلُّها مَوْقِفٌ" 1. 1908 - حدَّثنا مسدَّدٌ، حدَّثنا حفصُ بن غياثٍ، عن جعفرٍ، بإسنادِه، زاد "فانحَرُوا في رِحَالِكُم" 2. 1909 - حدَّثنا يعقوبُ بن إبراهيمَ، حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ القطان، عن جعفرٍ، حدثني أبي عن جابر، فذكر هذا الحديث، وأدرجَ في الحديث عند قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] قال: فقرأ فيهما بالتوحيدِ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وقال فيه: قال علي رضي الله عنه بالكوفة،
قال أبي: هذا الحرفُ لم يذكره جابر: فذهبتُ مُحرِّشاً، وذكر قصةَ فاطمةَ رضوان الله عليها (1).
57 -
باب الوقوت بعرفة
1910 - حدَّثنا هنادٌ، عن أبي معاوية، عن هشامِ بنِ عروة، عن أبيه عن عائشة، قالت: كانت قريشٌ ومن دان دِينَها يقفون بالمزدلفةِ، وكانوا يُسمَّون الحُمسَ، وكان سائرُ العربِ يَقِفُون بعرفة، قالت: فلما جاءَ الإسلامُ أمَرَ اللهُ تعالى نبيّه - صلَّى الله عليه وسلم - أن يأتي عرفاتٍ، فيقفَ بها ثم يُفِيضَ منها، فذلك قولُه تعالى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 199] 2.1
58 -
باب الخروجِ إلى مِنى
1911 - حدَّثنا زهيرُ بنُ حرب، حدَّثنا الأحوصُ بن جوَّاب الضَّبىُّ، حدَّثنا عمارُ بنُ رُزيقٍ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن الحَكَمِ، عن مِقسَمٍ عن ابنِ عباس قال: صلَّى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - الظهرَ يوم الترويةِ والفجرَ يومَ عرفة بمِنًى 1. 1912 - حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيم، حدَّثنا إسحاقُ الأزرقُ، عن سفيان، عن عبدِ العزيز بنِ رُفيع، قال: سألتُ أنسَ بنَ مالك قلت: أخبرني بشيءٍ عقَلْتَه، عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، أين صَلَّى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - الظهرَ يومَ الترويةِ؟ قال: بمنًى، قلتُ: أين صلَّى العصرَ يوم النَّفرِ؟ قال: بالأبطحِ، ثم قال: افْعَلْ كما يفعلُ أمراؤُك 2.
59 -
باب الخروج إلى عرفَةَ
1913 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا يعقوبُ، حدَّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني نافع
عن ابنِ عمر قال: غدا رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلم - من مِنىً حينَ صلَّى الصبحَ صبيحةَ يومِ عَرَفَةَ، حتى أتى عرفة فنزل بنَمِرَةَ، وهي منزلُ الإمام الذي ينزل به بعرفة، حتى إذا كانَ عندَ صلاةِ الظهرِ راحَ رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلم - = وأخرجه البخاري (1654) من طريق أبي بكر بن عياش، عن عبد العزيز قال: خرجت إلى منى يوم التروية فلقيت أنساً رضي الله عنه ذاهباً على حِمارٍ، فقلت: أين صلَّى النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - هذا اليومَ الظهر؟ فقال: انظر حيث يصلي أمراؤك فصلِّ.
وهي متابعة قوية لطريق إسحاق.
وهو في "مسند أحمد" (11975)، و"صحيح ابن حبان" (3846).
وقوله: أنه - صلَّى الله عليه وسلم - صلَّى الظهر يوم التروية (وهو اليوم الثامن من ذي الحجة) بمنى وقد سلف التصريح في حديث جابر السالف (1905) أنه - صلَّى الله عليه وسلم - صلَّى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح.
وفي الحديث أن السنة أن يصلى الحاج الظهر يوم التروية بمنى وهو قول الجمهور، ولا يحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلف عن منى ليلة التاسع شيئاً.
وقوله: صلَّى العصر يوم النفر (وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة وهو يوم الرجوع من منى) بالأبطح.
يعني عند الرجوع من منى بعد انقضاء أعمال الحج، والمراد بالأبطح البطحاء التي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي واتسع، وهي التي يقال لها: المحصَّب والمعرَّس، وحَدُّها ما بين الجبلين إلى المقبرة.
وقوله: افعل كما يفعل أمراؤك، أي: لا يخالفهم، فإن نزلوا به فانزل به، وإن تركوه فاتركه وفيه إشارة إلى متابعة أولي الأمر والاحتراز عن مخالفة الجماعة، وأن ذلك ليس بنسك واجب.
نعم المسنون ما فعله الشارع، وبه قال الأئمة الأربعة وغيرهم.
مُهَجَّراً، فَجَمَعَ بينَ الظهر والعصرِ، ثم خطب الناسَ، ثم راحَ فوقف على الموقف مِن عرفة (1).
60 -
باب الرَّواح إلى عرفة
1914 - حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثنا نافعُ بنُ عمر، عن سعيد بنِ حسان عن ابنِ عمر، قال: لما قَتَلَ الحجاجُ ابنَ الزبير أَرسل إلى ابنِ عمر: أيةَ ساعة كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يروحُ في هذا اليوم؟ قال: إذا كان ذاك رُحْنا، فلما أراد ابنُ عمر أن يروحَ قال، قالوا: لم تَزِغِ الشمسُ، قال: أزاغَتْ؟ قالوا: لم تَزِغ، قال: فلما قالوا: قد زَاغَت، ارتحلَ 2.1
61 -
باب الخطبة على المنبر بعرفة
1915 - حدَّثنا هنّادٌ عن ابنِ أبي زائدةَ، أخبرنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن زيدِ ابنِ أسلم، عن رجلٍ مِن بني ضَمرة
عن أبيه، أو عمه، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلم - وهو على المنبرِ بِعرفَةَ 1.
1916 - حدَّثنا مُسددٌ حدَّثنا عبدُ الله بن داود، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن رجلٍ من الحيّ
عن أبيه نُبَيْط: أنه رأى النبي - صلَّى الله عليه وسلم - واقفاً بعرفة على بعيرٍ أحمرَ يخطبُ 2. = يومُ عرفة، جاءه عبد الله بن عمر حين زالت الشمسُ وأنا معه، فصاح به عند سرادقه: أين هذا؟ فخرج عليه الحجاج، وعليه ملحفة معصفرة، فقال: ما لَكَ يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرواح إن كنت تريد السنة، فقال: أهذه الساعة؟ قال: نعم.
قال: فأنظرني حتى أُفيض عليَّ ماءً، ثم أخرج.
فنزل عبدُ الله حتى خرج الحجاج، فسار بيني وبين أبي، فقلت له: إن كنت تريد أن تصيبَ السنةَ اليوم، فأقصر الخطبة، وعجِّل الصلاة.
قال: فجعل ينظر إلى عبد الله ابن عمر كيما يسمع ذلك منه، فلما رأى ذلك عبد الله، قال: صدق سالم.
1917 - حدَّثنا هنّاد بنُ السَّريِّ وعثمانُ بن أبي شيبةَ، قالا: حدَّثنا وكيعٌ، عن عبد المجيد
حدثني العَدَّاء بن خالد بن هَوذَة - قال هناد: عن عبد المجيد أبي عمرو، حدثني خالد بن العدّاء بن هَوذةَ - قال: رأيتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يَخطُبُ الناسَ يَومَ عرفَةَ على بعيرٍ قائماً (1) في الرِّكابَين (2).
قال أبو داود: رواه ابنُ العلاء، عن وكيع كما قال هنادٌ.
1918 - حدَّثنا عباسُ بنُ عبد العظيم، حدَّثنا عثمانُ بنُ عمر، حدَّثنا عبدُ المجيد أبو عمرو، عن العدَّاء بنِ خالد، بمعناه (3).
62 -
باب موضع الوقوف بعرفة
1919 - حدَّثنا ابنُ نُفيلٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عمرٍو - يعني ابنَ دينار - عن عمرِو بنِ عبد الله بنِ صفوانَ، عن يزيد بنِ شيبان، قال:123
أتانا ابنُ مِرْبَعٍ الأنصاري ونحنُ بعرفَة في مكان يُباعِدُه عمرو عن الإمام، فقال: إني رَسُولُ رَسُولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - إليكم، يقول: لَكُم: "قِفُوا على مَشَاعِرِكُم، فإنَّكم على إرثٍ مِن إرثِ إبراهيمَ" (1).
63 -
باب الدَّفعَة من عرفة
1920 - حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن الأعمش (ح) وحدَّثنا وهبُ بنُ بيانٍ، حدَّثنا عَبيدةُ، حدَّثنا سليمان الأعمش - المعنى - عن الحكم، عن مِقسَم عن ابنِ عباسِ، قال: أفاضَ رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلم - مِنْ عرفةَ وعليه السَّكِينَةُ ورَدِيفُه أُسامَةُ، فقال: "أيها الناسُ عليكم بالسكِينة، فإن البِرَّ ليس1
بإيجافِ الخيلِ والإبل" قال: فما رأيتُها رافعةً يديها، عادِيةً، حتى أتى جَمعاً، زاد وهبٌ: ثم أردفَ الفضلَ بنَ العباس، وقال: "أيُّها الناسُ، إن البِرَّ ليسَ بإيجاف الخيل والإبل، فعليكم بالسكِينَةِ"، قال: فما رأيتُها رافعةً يديها حتى أتى مِنى 1. 1921 - حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ يونس، حدَّثنا زُهَيرٌ (ح) وحدَثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، أخبرنا سفيانُ - وهذا لفظُ حديثِ زهيرٍ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عُقبة، أخبرني كُريبٌ أنه سأل أُسامةَ بنَ زيد، قلت: أخبرني كيفَ فعلتُم - أو صنعتُم - عشيةَ رَدِفْتَ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم -؟ قال: جئنا الشِّعبَ الذي يُنيخ الناسق فيه للمُعَرَّس، فأناخ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ناقتَه، ثم بالَ - وما قال زهير: أهراق الماءَ - ثم دعا بالوَضوء فتوضأ وضوءاً ليس بالبالغِ جداً، قلت:
يا رسولَ الله، الصلاةَ، قال: "الصلاة أمامَك" قال: فَرَكِبَ حتى قَدِمْنَا المزدلفةَ، فأقام المغربَ، ثم أناخ الناسُ في منازِلهم، ولم يَحِلُّوا حتى أقامَ العشاء وصَلَّى، ثم حَلَّ الناسُ 1.
زاد محمدٌ في حديثه: قال: قلتُ: كيف فعلتُم حين أصبحتُم؟
قال: رَدِفَهُ الفضلُ، وانطلقتُ أنا في سُبَّاق قريشٍ على رِجْلَيَّ.
1922 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبلٍ، حدَّثنا يحيي بنُ آدم، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الرحمن بنِ عياش، عن زيدِ بنِ علي، عن أبيه، عن عُبيد الله بن أبي رافع عن علي، قال: ثم أردف أُسامةَ، فجعل يُعْنِقُ على ناقته، والناسُ يضرِبون الإبَل يميناً وشِمالاً، لا يلتفتُ إليهم، ويقول: "السكينةَ أيُّها الناسُ" ودفَعَ حينَ غابتِ الشَّمسُ 2.
1923 - حدَّثنا القعنبيُّ، عن مالكٍ، عن هشامِ بنِ عُروة، عن أبيه أنه قال:
سُئِلَ أُسامةُ بنُ زيد وأنا جالس: كيف كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يسير في حَجَّة الوَدَاع حين دَفَعَ؟ قال: كان يَسيرُ العَنَقَ، فإذا وجَدَ فجوةً نَصَّ 1.
قال هشام: النَصُّ: فوقَ العَنَقِ.
1924 - حدَّثنا أحمد بن حنبل، حدَّثنا يعقوبُ، حدَّثنا أبي، عن ابن اسحاق، حدَّثني إبراهيمُ بن عُقبة، عن كريب مولى عبد الله بن عباس = ابن الحارث بن عبد الله بن عياش - مختلف فيه وهو حسن الحديث.
سفيان: هو ابن سعيد بن مسروق الثوري.
وأخرجه مطولاً الترمذي (900) من طريق أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، بهذا الإسناد.
وقال: حديث حسن صحيح، وقال فيه: يلتفت إليهم.
وهو في "مسند أحمد" (1348). ويشهد له حديث ابن عباس السالف برقم (1920). وآخر من حديث أسامة بن زيد الآتي بعده برقم (1923) و (1924). وقوله: وجعل يُعنق، هو من أعنق يعنق، أي: يسير سيراً وسطاً.
عن أُسامة، قال: كنتُ رِدفَ النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، فلما وَقَعَتِ الشمسُ دفعَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - 1. 1925 - حدَّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالكٍ، عن موسى بنِ عُقبة، عن كُريب مولى عبدِ الله بن عباس عن أُسامة بن زيد، أنه سَمِعَه يقولُ: دفَع رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - مِنْ عَرَفَةَ، حتى إذا كان بالشِّعب، نزلَ فبالَ، فتوضَّأ ولم يُسبغِ الوضوءَ، قلتُ له: الصلاةَ، فقال: "الصلاةُ أمامَك"، فركب، فلما جاءَ المزدلفة، نزلَ فتوضأ، فأسبغَ الوضوءَ، ثم أُقيمَتِ الصلاة فَصَلَّى المغربَ، ثم أناخَ كُلُّ إنسانٍ بعيَره في منزله، ثم أُقيمتِ العِشَاءُ فصلاها، ولم يُصلِّ بينهما شيئاً 2.
64 -
باب الصلاة بجَمْعٍ
1926 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسلَمةَ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهاب، عن سالمِ ابنِ عبدِ الله عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - صَلَّى المَغْرِبَ والعِشَاءَ، بالمزدلفةِ جميعاً 1. 1927 - حدَّثنا أحمد بن حنبل، حدَّثنا حمادُ بن خالدٍ، عن ابنِ أبي ذئب عن الزهريِّ، بإسناده ومعناه، وقال: بإقامةٍ إقامةٍ، جَمَعَ بينَهما قال أحمد: قال وكيع: صلَّى كُل صلاةٍ بإقامة 2.