كتاب المناسك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السجستاني، أبو داود
- الكتاب
- سنن أبي داود
- المؤلف
- أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
- المحقق
- شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
- الناشر
- دار الرسالة العالمية
- الطبعة
- الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
152 -
باب في سُهمَان الخيلِ
2733 - حدَّثنا أحمد بن حَنبلٍ، حدَّثنا أبو مُعاويةَ، حدَّثنا عُبيد الله، عن نافع عن ابن عمرَ: أن رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم- أسهَمَ لِرجلِ ولِفرسِه ثلاثةَ أسهم: سَهْماً له، وسهمَين لفرسِه 1. = وقال الشوكانى في "نيل الأوطار" 8/ 44: وشرط بعض أهل العلم ومنهم الهادوية: أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق إلا حيث مع الإمام جماعة من المسلمين يستقل بهم في إمضاء الأحكام الشرعية على الذين استعان بهم ليكونوا مغلوبين لا غالبين، كما كان عبد الله بن أبي ومن معه من المنافقين يخرجون مع النبي -صلَّى الله عليه وسلم- للقتال وهم كذلك.
ومما يدل على جواز الاستعانة بالمشركين أن قزمان خرج مع أصحاب رسول الله يوم أحد وهو مشرك، فقتل ثلاثة من بني عبد الدار حملة لواء المشركين حتى قال -صلَّى الله عليه وسلم-: "إن الله ليأزر هذا الدين بالرجل الفاجر" كما ثبت ذلك عند أهل السير [وانظر حديث البخاري (3062)] وخرجت خزاعة مع النبي -صلَّى الله عليه وسلم- على قريش عام الفتح.
2734 - حدَّثنا أحمد بن حَنبل، حدَّثنا عبدُ الله بن يزيدَ، حدَّثنا المَسعوديُّ، حدثني أبو عَمرَة عن أبيه، قال: أتينا رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم- أربعةَ نَفَرٍ ومعنا فرسٌ، فأعْطَى كُلَّ إنسانٍ منا سَهْماً، وأعطى للفرسِ سهمَين 1. 2735 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أُميّةُ بن خالدٍ، حدَّثنا المَسعوديُّ، عن رجلٍ من آلِ أبي عَمرةَ = وقال الإمام محمد في "السير الكبير" 3/ 885: وإذا أصاب المسلمون الغنائم فأحرزوها وأرادوا قسمتها، فعلى قول أبي حنيفة يُعطى للفارس سهمين: سهما له وسهما لفرسه والراجل سهماً، وقال: لا أجعل سهم الفرس أفضل من سهم الرجل المسلم، وهو قول أهل العراق من أهل الكوفة والبصرة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد للفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه، وهو قول أهل الحجاز والشام.
عن أبي عَمْرةَ، بمعناه إلا أنه قال: ثلاثة نَفَرٍ، زادَ: فكان للفارسِ ثلاثةُ أسهم (1).
153 -
باب فيمن أسهم له سَهْماً
2736 - حدَثنا محمدُ بن عيسى، حدَّثنا مُجمّعُ بن يعقوبَ بنِ مُجمّع بن يزيدَ الأنصاريُّ، سمعتُ أبي يعقوبَ بنَ مُجمَّع يذكُر، عن عمه عبدِ الرحمن بن يزيدَ الأنصاري عن عمِّه مُجمّع بن جاريةَ الأنصاريِّ -وكان أحدَ القراء الذين قرؤوا القرآنَ- قال: شهدْنا الحُديبيةَ مع رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فلما انصرفْنا عنها إذا الناسُ يَهُزُونَ الأباعِرَ، فقالَ بعضُ الناسِ لبعضٍ: ما للناس؟ قالوا: أُوحِيَ إلى رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فخرجْنا مع الناس نُوجِفُ، فوجدْنا النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- واقفاً على راحِلتِه عند كُراع الغَمِيمِ، فلما اجتمعَ عليه الناسُ قرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] فقالَ رجل: يا رسولَ الله، أفَتْحٌ هو؟ قال: "نعم، والذي نَفْسُ محَمَدٍ بيَدهِ إنّهُ لَفَتْحٌ" فقُسمتْ خيبرُ على أهل الحديبيةِ، فقسَمها رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- على ثمانيةَ عشرَ سهماً، وكان الجيشُ ألفاً وخمس مئةٍ، فيهم ثلاثُ مئةِ فارسٍ، فأعطى الفارسَ سهمَين، وأعطى الراجِلَ سهماً 2.1
قال أبو داودَ: حديثُ أبي مُعاويةَ أصحُّ والعملُ عليه، وأرى الوهم في حديث مُجمّع أنه قال: ثلاثَ مئةِ فارسٍ، وإنما كانوا مئتي فارسٍ.
154 -
باب في النَّفَلِ
2737 - حدَّثنا وهبُ بن بقيةَ، أخبرنا خالدٌ، عن داودَ، عن عكرمةَ عن ابن عباسٍ، قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يومَ بدرٍ: "مَن فَعَلَ كذا وكذا فلَهُ من النَّفَلِ كذا وكذا" قال: فتقدَّم الفِتيانُ ولزم المَشْيَخةُ الراياتِ فلم يبرَحُوها، فلما فتحَ اللهُ عليهم، قال المَشْيَخَةُ: كنا رِدْءاً لكم، لو انهزمتُم لَفِئْتُم إلينا، فلا تَذهَبُوا بالمَغنم ونبقى، فأبى الفِتيانُ وقالوا: جعلَه رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- لنا، فأنزل اللهُ عزَ وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1] إلى قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5)﴾ [الأنفال: 5] يقول: = وأخرجه ابن أبي شيبة 14/ 437، وأحمد (15470)، والطبري في "التفسير" 26/ 71، والدارقطني (4179)، والحاكم 2/ 131، والبيهقي في "السنن الكبرى" 6/ 325، وفي "الدلائل" 4/ 239 من طريق مجمع بن يعقوب، بهذا الإسناد وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وقد سقط من مطبوع الحاكم يعقوب بن مجمع وعبد الرحمن من الإسناد.
وأخرجه الطبراني 19/ (1082)، والحاكم 2/ 459 من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن مجمع، عن أبيه، به دون ذكر عبد الرحمن بن يزيد.
وصححه الحاكم على شرط مسلم، وتعقبه الذهبي بقوله: لم يرو مسلم لمجمع شيئاً ولا لأبيه، وهما ثقتان! وقصة تقسيم خيبر على أهل الحديبية ستتكرر عند المصنف برقم (3015).
قال الخطابي: "يهزّون، أى: يحركون رواحلهم، والهزُّ: كالضغط للشيء، وشدة الاعتماد عليه.
والإيجاف: الركض والإسراع.
يقال: وجف البعير وجيفاً، وأوجفه راكبه إيجافاً.
فكان ذلكَ خيراً لهم، فكذلك أيضاً، فأطيعوني، فإني أعلمُ بعاقبةِ هذا منكم 1. 2738 - حدَّثنا زيادُ بن أيوبَ، حدَّثنا هُشَيم أخبرنا داودُ بن أبي هند، عن عكرمةَ
عن ابنِ عبّاس، أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال يومَ بدرٍ: "من قَتَل قَتيِلاً فله كذا وكذا، ومن أسرَ أسيراً، فله كَذا وكَذا" ثم ساقَ نحوه، وحديثُ خالدٍ أتَمُّ 1. 2739 - حدَّثنا هارونُ بن محمد بن بَكَّارِ بن بلالٍ، حدَّثنا يزيدُ ابن خالدِ بنِ مَوهَبٍ الهَمْدانيُّ، حدَّثنا يَحيى بن أبي زائدةَ، أَخبرني داودُ، بهذا الحديثِ بإسناده قال: فقسَمها رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- بالسَّواءِ, وحديثُ خالدٍ أتمُّ 2. 2740 - حدَّثنا هَنّاد بن السَّريِّ، عن أبي بكرٍ، عن عاصمٍ، عن مُصعبِ بن سعدٍ عن أبيه، قال: جئتُ إلى النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم- يومَ بدر بسيفٍ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إن اللهَ قد شَفَى صَدْري اليومَ مِن العدو، فَهَبْ لي هذا السَّيفَ، قال: "إن هذا السيفَ ليس لي وَلاَ لَكَ" فذهبتُ وأنا أقولُ: يُعطاهُ اليومَ مَن لَمْ يُبْلِ بَلائي، فبينما أنا إذ جاءني الرسولُ، فقال: أجِبْ، فظننتُ أنه نزلَ فيَّ شيءٌ بكلامي، فجئتُ، فقال لي النبي
-صلَّى الله عليه وسلم-: "إنك سألتَني هذا السيفَ، وليس هو لي وَلا لَك، وإن اللهَ قد جَعَلَه لي، فهو لَك" ثم قرأ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى آخر الآية (1) [الأنفال: 1].
قال أبو داود: قراءةُ ابنِ مَسعُود (يسألونك النَّفَلَ).
155 -
باب في نَفَل السرية تخرُجُ مِنَ العَسْكَر
2741 - حدَّثنا عبد الوهَاب بن نَجْدَةَ، حدَّثنا الوليدُ بن مُسلم (ح) وحدَثنا مُوسى بن عبدِ الرحمن الأنطاكيُّ، حدَّثنا مُبَشِّرٌ (ح) وحدَثنا محمدُ بن عَوفٍ الطائيُّ، أن الحَكَمَ بن نافعٍ حدَثهم -المعنى- كلُّهم عن شعيبِ بن أبي حمزةَ، عن نافع عن ابن عُمر، قال: بعثنا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- في جيشٍ قِبلَ نَجْدٍ، وانبعثتْ سريةٌ من الجيشِ، فكان سُهمانُ الجيشِ اثني عشر بعيراً اثني عشر بعيراً، ونَفل أهلَ السريةِ بعيراً بعيراً، فكانتْ سُهمانُهم ثلاثةَ عشرَ ثلاثةَ عشرَ 2.1
2742 - حدَّثنا الوليدُ بن عتبةَ الدِّمشقىُّ، قال: قال الوليدُ - يعني ابنَ مُسلم، حَدَثتُ ابنَ المبارك بهذا الحديثِ، قلتُ: وكذا حدَّثنا ابنُ أبي فَروةَ
عن نافعٍ، قال: لا تَعدِلْ مَن سميت بمالكٍ، هكذا أو نحوَه، يعني مالكَ بن أنسِ 1.
2743 - حدَّثنا هَنّادٌ، حدَّثنا عَبدةُ بنُ سُليمانَ الكِلابيُّ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافع عن ابنِ عُمرَ، قال: بعثَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- سريةً إلى نجْدٍ، فخرجتُ معها، فأصبنا نَعَماً كثيراً، فنفَّلنا أميرُنا بعيراً بعيراً لكل إنسانٍ، ثُم قدِمنا على رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فَقَسَمَ بيننا غَنيمتَنا، فأصابَ كلَّ رجلٍ منا = وبين السرية، وأن أهل السرية فضلوا على الجيش بعيراً بعيراً، وحديث الليث ومالك وعبيد الله بن عمر وأيوب عن نافع يدل على أن الاثني عشر بعيراً كان سهمان السرية وأنهم هم الذين نُفلوا مع ذلك بعيراً بعيراً.
أفاده ابن عبد البر في "التمهيد" 14/ 39 - 40. وأخرجه ابن الجارود (1074)، وأبو عوانة (6620)، والبيهقي 6/ 312، وابن عبد البر في "التمهيد" 14/ 37 - 38 و 38 - 39 من طريق شعيب بن أبي حمزة، به.
وسيأتى الحديث عند أبي داود من طريق ابن إسحاق برقم (2743)، ومن طريق مالك والليث برقم (2744)، ومن طريق عُبيد الله بن عمر برقم (2745). وانظر تمام تخريجه عند الحديث (2744) و (2745). قال البغوي في "شرح السنة" 11/ 112: والنفل: اسم لزيادة يعطيها الإمام بعض الجيش على القدر المستحق، ومنه سميت النافلة لما زاد على الفرائض من الصلوات.
وفي الحديث دليل على أنه يجوز للإمام أن يُنفِّل بعض الجيش لزيادة غناء وبلاء منهم في الحرب يخصهم من بين سائر الجيش، لما يصيبهم من المشقة ويجعلهم أسوة الجماعة في سهمان الغنيمة.
اثنا عشرَ بعيراً بعد الخُمُس، وما حاسَبَنا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- بالذي أعطانا صاحِبُنا ولا عابَ عليه ما صَنَعَ، فكان لكلِّ رجلٍ منا ثلاثةَ عشرَ بعيراً بنَفَله 1. 2744 - حدَّثنا عبدُ الله بن مَسلمةَ، عن مالك (ح) وحدَثنا عبدُ الله بن مَسلمةَ ويزيدُ بن خالدِ بن مَوْهَب، قالا: حدَّثنا الليثُ -المعنى- عن نافعِ عن عبدِ الله بن عمرَ: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- بعثَ سريّةً فيها عبدُ الله بن عمر قِبَل نجدٍ، فغنموا إبلاً كثيرةً، فكانت سُهْمانُهُمْ اثني عشر بعيراً، ونُفِّلُوا بعيراً بعيراً -زاد ابن مَوْهَبٍ: فلم يُغيرْه رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- 2.
2745 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيد الله، حدَّثني نافعٌ
عن عَبد الله، قال: بعثَنَا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- في سريةٍ، فبلغتْ سُهمانُنا اثني عشر بعيراً، ونفلنا رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم- بعيراً بعيراً 1. = وهو في "الموطأ" برواية يحيى بن يحيى 2/ 450، وفيه برواية أبي مصعب الزهري (953) ومن طريق مالك أخرجه البخاري (3134)، ومسلم (1749). وهو في "مسند أحمد" (5288)، و"صحيح ابن حبان" (4833). وأخرجه مسلم (1749) من طريق الليث بن سعد، به.
وأخرجه البخاري (4338)، ومسلم (1749) من طريق أيوب بن أبي تميمة السختيانى، ومسلم (1749) من طريق عبد الله بن عون، و (1749) من طريق موسى ابن عقبة، ومن طريق أسامة بن زيد الليثي، أربعتهم عن نافع، به.
وهو في "مسند أحمد" (4579) من طريق أيوب.
قال أبو داود: رواهُ بُرْدُ بن سِنانٍ عن نافغ مثل حديث عُبيد اللهِ، ورواه أيوبُ عن نافعٍ مثلَه، إلا أنه قال: ونُفِّلْنَا بعيراً بعيراً، لم يذكر النبي -صلَّى الله عليه وسلم-.
2746 - حدَّثنا عبدُ الملك بن شُعَيبِ بن الليثِ، حدثني أبي، عن جدِّي (ح) وحدَّثنا حجاجُ بن أبي يعقوبَ، حدَّثني حُجَيْنٌ، حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شهاب، عن سالمٍ عن عبد الله بن عُمر: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قد كان يُنَفّلُ بعضَ من يبعث من السَّرايا لأنفُسِهم خاصةً النفَلَ، سوى قَسْمِ عامّةِ الجيش، والخُمسُ في ذلك واجبٌ كلُّه 1.
2747 - حدَّثنا أحمد بن صالح، حدَّثنا عبدُ الله بن وَهب، حدَّثنا حُييٌّ، عن أبي عبدِ الرحمن الحُبُليِّ
عن عبد الله بن عَمرِو: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- خرجَ يوم بدر في ثلاثِ مئةٍ وخمسةَ عشرَ، فقالَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "اللهم إنهم حُفَاةٌ فاحْمِلْهم، اللهم إنهم عُرَاةٌ فاكْسُهُم، اللهم إنَّهُم جِياعٌ فأشْبِعْهُم" ففتح اللهُ لهُ يومَ بدرٍ، فانقلبُوا حين انقلَبُوا وما منهم رجلٌ إلا وقد رجَع بجمَل أو جملَين، واكتَسَوا، وشَبِعُوا 2.
156 -
باب فيمن قال: الخُمس قبل النَّفَلِ
2748 - حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن يزيدَ بن يزيدَ بن جابرٍ الشامي، عن مَكحولٍ، عن زيادِ بن جاريةَ التميميِّ
عن حبيبِ بن مَسلَمة الفِهْريِّ أنه قال: كان رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يُنَفِّل الثلُثَ بعدَ الخُمُس 1.
2749 - حدَّثنا عُبيد الله بن عُمر بن مَيسرةَ الْجُشَمىّ، حدَّثنا عبدُ الرحمن ابن مهديٍّ، عن معاويةَ بن صالحٍ، عن العلاءِ بن الحارث، عن مَكحولٍ، عن ابنِ جاريةَ = ابن معين لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: لا بأس به إذا روى عنه ثقة، والراوي عنه هنا عبد الله بن وهب وهو ثقة.
وأخرجه ابن سعد في "طبقاته" 2/ 20، والحاكم 2/ 132 - 133 و145، والبيهقي 6/ 305 و9/ 57 من طريق عبد الله بن وهب، بهذا الإسناد، وصححه الحاكم، وحسنه الحافظ في "الفتح" 7/ 292، وانظر عدة أصحاب بدر في "صحيح البخاري" (3956) و (3957) و (3958).
عن حبيبِ بن مَسلَمةَ: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- كان يُنفِّل الربُعَ بعدَ الخُمُسِ، والثُّلُثَ بعد الخُمسِ، إذا قَفَلَ 1. 2750 - حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن بَشيرِ بن ذَكوان ومحمودُ بن خالد الدمشقيّانِ -المعنى- قالا: حدَّثنا مَروانُ بن محمدٍ، حدَّثنا يحيي بن حمزةَ، سمعتُ أبا وهب يقول: سمعتُ مكحولاً يقول: كنتُ عبداً بمصرَ لامرأةٍ من بني هُذَيلٍ فأعتقتْني، فما خرجْتُ من مصرَ وبها عِلْمٌ إلا حَوَيتُ عليه فيما أُرَى، ثم أتيتُ الحجازَ فما خرجتُ منها وبها علمٌ إلا حَوَيتُ عليه فيما أُرَى، ثم أتيتُ العراقَ فما خرجتُ منها وبها علمٌ إلا حَوَيت عليه فيما
أُرى، ثم أتيتُ الشامَ فَغَرْبَلْتُها، كلُّ ذلك أسأل عن النَّفَل، فلم أجد أحداً يخبرُني فيه بشيءِ، حتى لقيتُ شيخاً يقال له: زياد بن جاريةَ التميميُّ، فقلت له: هل سمعتَ في النَّفَل شيئاً؟ قال: نعم، سمعتُ حبيبَ بن مَسْلَمةَ الفِهْرِيَّ يقول: شهدتُ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- نَفَّل الرُّبُعَ في البَدْأةِ، والثلُثَ في الرَّجْعة (1).
157 -
باب في السَّرية تردُّ على أهل العسكر
2751 - حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيد، حدَّثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن ابن إسحاق (ح) وحدَثنا عُبيد الله بن عُمرَ، حدَّثني هُشَيم عن يحيى بن سعيدٍ، جميعاً، عن عَمرو بن شُعيب، عن أبيه عن جده قال: قالَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: " المسلمون تَتكافأ دِمَاؤُهُم: يَسعَى بذمَّتهم أدناهم، ويُجيرُ عليهم أقْصاهُم، وهم يَدٌ على مَن سِوَاهم، يَرُدُّ مُشِدُّهُم على مُضْعِفِهِم، ومُتَسَرِّيهم على قاعِدهم، لا يُقْتَل مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهدِه" ولم يذكر ابنُ إسحاقَ القَوَدَ والتكافُؤ 2.1
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه ابن ماجه (2685) من طريق عبد الرحمن بن عياش، عن عمرو بن شعيب، به.
دون قوله: "يردُّ مُشدُّهم على مُضعفهم ... " إلى آخر الحديث.
وقوله في الحديث "لا يقتل مؤمن بكافر" أخرجه ابن ماجه (2659) من طريق عبد الرحمن بن عياش، والترمذي (1471) من طريق أسامة بن زيد، كلاهما عن عمرو بن شعيب، به.
وهو في "مسند أحمد" (7012) لكن ليس فيه قوله: "يردُّ مُشِدُّهم على مضعفهم، ومتسريهم على قاعدهم"، ولا قوله: "ولا ذو عهد في عهده".
وقد أخرجه بتمامه ابن الجارود (1073) من طريق عُبيد الله بن عمر، بهذا الإسناد.
وأخرجه البيهقي 8/ 29 من طريق إبراهيم بن سعد و 9/ 51 من طريق يونس بن بكير، كلاهما عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عمرو بن شعيب، به.
لكنه لم يذكر قوله: "يرد مشدهُّم على مضُعفهم".
ويشهد له بتمامه حديث علي بن أبي طالب الآتي عند المصنف برقم (4530).
وإسناده صحيح.
وسيتكرر عند المصنف طريق عُبيد الله بن عمر بن ميسرة برقم (4531).
وقوله: "لا يقتل مؤمن بكافر" سيأتى ضمن الحديث (4506).
قال الخطابي: قوله: " تتكافأ دماؤهم"معناه: أن أحرار المسلمين دماؤهم متكافئة في وجوب القصاص والقود لبعضهم من بعض، لا يفضّل منهم شريف على وضيع.
فإذا كان المقتول وضيعاً وجب القصاص على قاتله.
وإن كان شريفا لم يُسقِط القَوَدَ عنه شرفُه، وإن كان القتيل شريفا لم يُقتص له إلا من قاتله حَسْبُ.
وكان أهل الجاهلية لا يرضَون في دم الرجل الشريف بالاستقادة من قاتله، ولا يرونه بواء به، حتى يقتصوا من عدة من قبيلة القاتل، فأبطل الإسلام حكم الجاهلية وجعل المسلمين على التكافؤ في دمائهم، وإن كان بينهم تفاضل وتفاوت في معنى آخر.
وقوله: "يسعى بذمتهم أدناهم" يريد أن العبد ومن كان في معناه من الطبقة الدنيا كالنساء والضعفاء الذين لا جهاد عليهم إذا أجاروا كافراً أُمضي جوارهم ولم تُخْفَر ذمتُهم.
وقوله: "ويجير عليهم أقصاهم" معناه: أن بعض المسلمين، وإن كان قاصي الدار، إذا عقد للكافر عقداً لم يكن لأحد منهم أن ينقضه، وإن كان أقرب داراً من المعقود له.
=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قلت (القائل الخطابي): وهذا إذا كان العقد والذمة منه لبعض الكفار دون عامتهم.
فإنه لا يجوز له عقد الأمان لجماعتهم، وإنما الأمر في بذل الأمان وعقد الذمة للكافة منهم إلى الإمام على سبيل الاجتهاد، وتحري المصلحة فيه، دون غيره.
ولو جعل لأفناء الناس ولآحادهم أن يعقدوا لعامة الكفار كلما شاؤوا، صار ذلك ذريعةً إلى إبطال الجهاد، وذلك غير جائز.
وقوله: "وهم يدٌ على مَن سِواهم" فإن معنى اليد المعاونة والمظاهرة: إذا استُنفِروا وجب عليهم النفير، وإذا استُنجِدوا أنجدوا، ولم يتخلفوا، ولم يتخاذلوا.
و"المُشِدُّ" المقوي، و"المضعف" من كانت دوابه ضعافاً.
قلنا: وقال ابن الأثير: المُشِدُّ: الذي دوابه شديدة قوية، والمضعف الذي دوابُّه ضعيفة، يريد أن القوي من الغزاة يُساهم الضعيف فيما يكسبه من الغنيمة.
قال الخطابي: وجاء في بعض الحديث: "المضعف أمير الرُّفقة" يريد أن الناس يسيرون بسير الضعيف لا يتقدمونه، فيتخلف عنهم، ويبقى بمضْيَعة.
و"المتسري" هو الذي يخرج في السرية، ومعناه: أن يخرج الجيش فيُنيخوا بقرب دار العدو، ثم ينفصل منهم سرية، فيغنموا، فإنهم يردون ما غنموه على الذين هم ردءٌ لهم، لا ينفردون به، فأما إذا كان خروج السرية من البلد، فإنهم لا يردون على المقيمين في أوطانهم شيئاً.
وقوله: "لا يقتل مؤمن بكافر" فإنه قد دخل فيه كل كافر، له عهد وذمة، أو لا عهد له ولا ذمة.
وقوله: "ولا ذو عهد في عهده"، فإن العهد للكفار على ضربين:
أحدهما: عهد متأبِّد، كمن حُقن دمه للجزية.
والآخر: من كان له عهد إلى مدة، فإذا انقضت تلك المُدة عاد مباح الدم، كما كان.
وقد تأوله مَن ذهب من الفقهاء إلى أن المسلم يقتل بالذمي، على أن قوله: "ولا ذو عهد في عهده" معطوف على قوله:.
لا يقتل مؤمن بكافر" ويقع في الكلام على مذهبه تقديم وتأخير، فيصير كأنه قال: لا يقتل مؤمن، ولا ذو عهد في عهده بكافر، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي.
=
2752 - حدَّثنا هارونُ بن عبد الله، حدَّثنا هاشِمُ بن القاسمِ، حدَّثنا عكرمةُ، حدَّثني إياسُ بن سلمة
عن أبيه، قال: أغارَ عبدُ الرحمن بن عُيينةَ على إبل رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فقتل راعيَها، وخرج يَطرُدُها هو وأنُاسٌ معه في خيلٍ، فجعلتُ وجهيَ قِبَلَ المدينةِ، ثم ناديتُ ثلاثَ مراتِ: يا صبَاحَاهُ، ثم اتَّبعتُ القومَ فجعلتُ أرمي وأعْقِرُهُم، فإذا رجعَ إلّيَ فارسٌ جلستُ في أصل شجرةِ، حتى ما خلق الله شيئاً من ظهْر النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- إلا جعلتُه وراءَ ظهري، وحتى ألْقَوا أكثر من ثلاثين رُمحاً وثلاثين بُردةَ يستخِفُّون منها، ثم أتاهم عيينةُ مدَداً فقال: لِيقُم إليه نفرٌ منكُم، فقامَ إلي منهم أربعةٌ فصعِدُوا الجبلَ، فلما أسمعتُهم قلتُ: أتعرفُوني؟ قالوا: ومَن أنتَ؟ قلت: أنا ابنُ الأكْوع، والذي كرَّم وجهَ محمدٍ -صلَّى الله عليه وسلم-، لا يطلُبُني رجلٌ منكم فيُدركَني، ولا أطلُبُه فيفُوتَني، فما برِحْتُ حتى نظرت إلى فَوارِسِ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يتخلَّلُون الشجرَ أولُهم الأخرمُ الأسديُ، فيلحقُ بعبد الرحمن بن عُيينةَ ويعطِفُ عليه عبدُ الرحمن، فاختلفا طعنتَين، فعقَرَ الأخْرمُ عبدَ الرحمن وطعنه عبدُ الرحمن فقتله، فتحوَّلَ عبدُ الرحمن على فرسِ الأخْرم، فيلحقُ أبو قتادةَ بعبد الرحمن، = وقال الشافعي: لا يقتل مسلم بوجه من الوجوه بأحد من الكفار، على ظاهر الحديث وعمومه.
قال: وقوله: "لا يقتل مسلم بكافر" كلام تام بنفسه، ثم قال على أثره: "ولا ذو عهد في عهده" أي: لا يقتل معاهَدٌ ما دام في عهده.
قال: وإنما احتيج إلى أن يجري ذكر المعاهَد، ويؤكد تحريم دمه هاهنا.
لأن قوله: "لا يقتل مؤمن بكافر" قد يوهم ضعفاً وتوهيناً لشأنه، ويوقع شبهة في دمه، فلا يؤمن أن يُستباح، إذا علم أن لا قود على قاتله.
فوكّد تحريمه بإعادة البيان، لئلا يَعرِض الأشكال في ذلك.
فاختلفا طعنتَين فَعُقِر بأبي قتادةَ وقتلَه أبو قتادةَ، فتحوَّل أبو قتادةَ على فرسِ الأخْرمِ، ثم جئتُ إلى رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- وهو على الماء الذي جَلَّيتُهُم عنه ذو قَرَدٍ، فإذا نبيُّ الله -صلَّى الله عليه وسلم- في خمس مئةٍ، فأعطاني سهمَ الفارسِ والراجِلِ (1).
158 -
باب في النّفَل من الذهبِ والفضةِ ومن أول مَغنمٍ
2753 - حدَّثنا أبو صالحٍ محبوبُ بن موسى، أخبرنا أبو إسحاق الفَزاريُ، عن عاصمِ بن كُلَيب عن أبي الجُويرية الجَرْميِّ، قال: أصبتُ بأرض الرومِ جَرَّة حمراءَ فيها دنانيرُ في إمرةِ معاويةَ، وعلينا رجلٌ من أصحاب النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- من بني سُلَيمٍ يقال له: معنُ بن يزيدَ، فأتيتُه بها، فقسَمَها بين المسلمين، وأعطاني منها مثلَ ما أعطى رجلا منهم، ثم قال: لولا أني سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: " لا نَفَلَ إلا بعدَ الخُمس "لأعطيتُك، ثم أخذ يَعرضُ عَلَىَّ من نَصيبِه فأبَيتُ 2.1
2754 - حدَّثنا هنّادٌ، عن ابنِ المباركِ، عن أبي عَوانةَ، عن عاصمِ بن كُلَيب، بإسناده ومَعناه (1).
159 -
باب الإمام يستأْثِر بشئٍ من الفيء لنفسه
2755 - حدَّثنا الوليدُ بن عُتبةَ، حدَّثنا الوليدُ، حدَّثنا عبد الله بن العلاء، أنه سمع أبا سَلاَّم الأسودَ1 = الفزاري، عن ابن المبارك، عن أبي عوانة، عن عاصم بن كليب، وقال المزي في "تهذيب الكمال" في ترجمة معن بن يزيد السلمى: رواه أبو داود عن أبي صالح محبوب بن موسى الفراء، عن إبي إسحاق الفزاري، عن أبي عوانة.
وفي بعض النسخ: عن أبي إسحاق الفزاري، عن ابن المبارك، عن أبي عوانة، فوقع لنا عالياً بدرجتين أو ثلاث.
قلنا: فتحصل من هذا الكلام ثلاث احتمالات، احتمال كما رواه المصنف بإسقاط ابن المبارك وأبي عوانة، واحتمال بإسقاط ابن المبارك وحده، واحتمال بذكر الاثنين كليهما.
لكن الذي في "السير" لأبي إسحاق الفزاري نفسه برقم (540) كإسناد المصنف بإسقاط ابن المبارك وأبى عوانة، فالله تعالى أعلم.
وقد روي الحديث من غير طريق الفزاري كما في الطريق الآتي بعده.
وأخرجه الخطيب البغدادي في "تاريخه " 5/ 150 من طريق أبي حمزة، عن عاصم بن كليب، به.
وانظر ما بعده.
سمعتُ عَمرو بن عَبَسَةَ قال: صلَّى بنا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- إلى بعيرٍ من المغنم، فلما سَلَّم أخذ وبَرَةَ من جَنْبِ البعير، ثم قال: " ولا يَحِلُّ لي من غنائمكم مثلُ هذا، إلا الخُمس، والخُمس مَردُود فيكم" (1).
160 -
باب في الوفاء بالعهد
2756 - حدَّثنا عبدُ الله بن مَسلمةَ القَعنَبِيُّ، عن مالك، عن عبد الله بن دينارٍ عن ابنِ عُمُر، أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "إن الغادرَ يُنْصَبُ له لواء يومَ القيامةِ، فيُقال: هذه غَدرَةُ فلانِ بن فلانٍ " 2.1
161 -
باب يُستَجَنُّ بالإمام في العُهود
2757 - حدَّثنا محمدُ بن الصبّاح البَزّازُ، حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ أبي الزِّنادِ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "إنما الإمامُ جُنَّةٌ يقاتلُ به" 1. = قال الحافظ: وفي الحديث غلظُ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة، لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير، ولأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء.
وقال القاضى عياض: المشهور أن هذا الحديث ورد في ذم الإمام إذا غدر في عهوده لرعيته أو لمقاتلته أو للإمامة التي تقلدها، والتزم القيام بها، فمتى خانَ فيها أو ترك الرفق، فقد غدر بعهده.
وقيل: المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام، فلا تخرج عليه، ولا تتعرض لمعصيته، لما يترتب على ذلك من الفتنة.
قال: والصحيح الأول.
قلت (القائل ابن حجر): ولا أدري ما المانع من حمل الخبر على أعم من ذلك.
2758 - حدَّثنا أحمد بن صالح، حدَّثنا عبدُ الله بن وهْبٍ، أخبرني عَمرٌو، عن بُكير ابنِ الأشَجِّ، عن الحسنِ بن عليِّ بن أبي رافعٍ أن أبا رافعٍ أخبره قال: بعثَتْني قريشٌ إلى رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فلما رأيتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- أُلقي في قلبي الإسلامُ، فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجِعُ إليهم أبداً، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "إني لا أخِيسُ بالعَهْدِ ولا أحبِسُ البُرُدَ، ولكن ارجِع فإن كانَ في نفسِك الذي في نفسك الآنَ فارجع" قال: فذهبتُ، ثم أتيتُ النبي -صلَّى الله عليه وسلم- فأسلمتُ، قال بكيرٌ: فأخبرني أَن أبا رافعِ كان قِبْطيّاً (1). قال أبو داود: هذا كان في ذلك الزمان، فأما اليومَ فلا يصلُح.
162 -
باب الإمام يكون بينه وبين العدو عهدٌ فيسير إليه
2759 - حدَّثنا حفصُ بن عُمرَ النَّمَريُّ، حدَّثنا شعبةُ، عن أبي الفَيض، عن سُليمِ بن عامرٍ -رجلٍ من حِمْير- قال:1
كان بين معاويةَ وبين الروم عهدٌ، وكان يسيرُ نحو بلادِهم، حتى إذا انقضى العهدُ غَزاهُم، فجاء رجل على فرسٍ أو بِرْذَونٍ وهو يقولُ: الله أكبرُ، الله أكبرُ، وفاءٌ لا غَدْرٌ، فنظروا فإذا عَمرو بن عَبَسَةَ، فأرسَلَ إليه معاويةُ، فسأله، فقال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقولُ: " مَن كانَ بينهُ وبين قومٍ عهدٌ فلا يَشُدُّ عُقدةً ولا يحلُّها حتى يَنقضيَ أمَدُها أو يَنْبِذَ إليهم على سَوَاءٍ" فرجع معاوية (1).
163 -
باب في الوفاء للمُعَاهِد وحرمة ذمته
2760 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا وكيعٌ، عن عُيَينةَ بنِ عبد الرحمن، عن أبيه1
عن أبي بكرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "مَنْ قتلَ مُعَاهِداً في غير كُنْهِهِ حَرَّم الله عليهِ الجنةَ" (1).
164 -
باب في الرُّسُل
2761 - حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍ والرَّازيُّ، حدَّثنا سلمةُ -يعني ابنَ الفضلِ- عن محمد بن إسحاقَ، قال: كان مُسَيلِمةُ كتبَ إلى رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: وقد حدَّثني محمدُ بن إسحاق عن شيخٍ من أشْجَعَ يقال له: سعدُ بن طارقٍ، عن سلمةَ بن نُعيمِ بن مَسعودٍ الأشجعيِّ عن أبيه نعيم، قال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول لهما حين قرأ كتابَ مُسيلمةَ: "ما تقُولانِ أنتُما؟ " قالا: نقولُ كما قال، قال: "أما واللهِ لولا أنَّ الرُّسلَ لا تُقتَلُ لضربتُ أعناقَكُما" 2.1
2762 - حدَّثنا محمدُ بن كثير، أخبرنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ
عن حارثةَ بن مُضَرِّبِ أنه أتى عبدَ الله فقال: ما بيني وبين أحدٍ من العرب حِنَةٌ، وإني مررتُ بمسجدٍ لبني حَنيفةَ فإذا هم يؤمنون بمُسيلمةَ، فأرسل إليهم عبدُ الله، فجِيء بهم فاستتابَهم، غيرَ ابنِ النَّوّاحة قال له: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "لولا أنك رسولٌ لضربتُ عنقكَ" فأنتَ اليومَ لستَ برَسُولٍ، فأمر قَرَظَةَ بن كَعبِ فضرب عُنقَه في السوق، ثم قال: من أراد أن ينظُرَ إلى ابنِ النّوّاحةِ قتيلاَ بالسُّوق 1. وسلمة بن الفضْل -وهو الأبرش- من أوثق الناس في ابن إسحاق، وأتمهم روايةَ لسيرته، ومع ذلك فقد توبع.
وأخرجه أحمد (15989)، والحاكم 2/ 142 - 143 من طريق سلمة بن الأبرش، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1309) من طريق جرير بن حازم، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (2863)، وفي "شرح معاني الآثار" 3/ 318، والحاكم 3/ 52، والبيهقي في "السنن الكبرى"9/ 211، وفي "الدلائل" 5/ 332 من طريق يونس بن بكير، ثلاثتهم عن محمد بن إسحاق، بهذا الإسناد.
وفي الباب عن ابن مسعود سيأتي عند المصنف بعده.
165 -
باب في أمان المرأة
2763 - حدَّثنا أحمد بن صالحٍ، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، أخبرني عِياضُ بن عبدِ الله، عن مَخرمةَ بن سليمانَ، عن كُريبٍ، عن ابن عباس قال:
حدَّثتني أُم هانئ بنتُ أبي طالبٍ: أنها أجارَتْ رجلا من المشركين يوم الفتح، فأتتِ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- ,فذكرتْ ذلك له، فقال: "قد أجَرْنَا من أجَرْتِ وآَمَنَّا مَن آمَنْتِ" 1. = ويقال: فلان مواحن لفلان: إذا كان مضمراً له على عداوة.
ويشبه أن يكون مذهب ابن مسعود في قتله من غير استتابة أنه رأى قول النبي -صلَّى الله عليه وسلم-: "لولا أنك رسول لضربت عنقك" حكماً منه لولا علة الرسالة، فلما ظفر به، وقد ارتفعت العلة أمضاه فيه، ولم يستأنف له حكم سائر المرتدين.
وفيه حجة لمذهب مالك في قتل المستسر بالكفر، وترك استتابته.
ومعلوم أن هؤلاء لا يمكنهم إظهار الكفر بالكوفة في مسجدهم، وهى دار الإسلام، وإنما كانوا يستبطنون الكفر ويُسرُّون الإيمان بمُسيلمة، فاطلع على ذلك منهم حارثة، فرفعهم إلى عبد الله، وهو والٍ عليها، فاستتاب قوماً منهم، وحقن بالتوبة دماءهم.
ولعلهم قد كانت داخلتهم شبهة في أمر مسيلمة، ثم تبينوا الحقَّ، فراجعوا الدين، فكانت توبتهم مقبولة عند عبد الله، ورأى أن أمر ابن النواحة بخلاف ذلك، لأنه كان داعية إلى مذهب مسيلمة، فلم يعرض عليه التوبة، ورأى الصلاح في قتله.
وإلى نحو من هذا ذهب بعض العلماء في أمر هؤلاء القرامطة الذين يلقبون بالباطنية.
وأما قوله: "لولا أنك رسول لضربت عنقك" فالمعنى في الكف عن دمه: أن الله سبحانه قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6] فحقن له دمه، حتى يبلغ مأمنه، ويعود بجواب ما أرسل به، فتقوم به الحجة على مرسله.
2764 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا سفيانُ بن عُيينةَ، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسودِ عن عائشة قالت: إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين فيجوز (1).
166 -
باب في صلح العدو
2765 - حدَّثنا محمدُ بن عُبيدِ، أن محمدَ بن ثور حدَّثهم، عن مَعمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ بن الزبير1 = وأخرجه بنحوه البخاري (357) و (3171) و (6158)، ومسلم بإثر (719)، والترمذي (1670)، والنسائي في "الكبرى" (8631) من طريق أبي مرة مولى أم هانئ، عن أم هانىء.
وهو في "مسند أحمد" (26892)، و"صحيح ابن حبان" (1188). قال الخطابي: في هذا حجة لمن ذهب إلى أن مكة فتحت عنوة، لأنه لو كان صلحاً لوقع به الأمان العام، فلم يحتج إلى إجازة أمان أم هانىء، ولا إلى تجديد الأمان من رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-.
وأجمع عوام أهل العلم أن أمان المرأة جائز.
وكذلك قال أكثر الفقهاء في أمان العبد، غير أن أصحاب الرأي فرقوا بين العبد الذي يقاتل، والذي لا يقاتل، فأجازوا أمانه إن كان ممن يقاتل، ولم يجيزوا أمانه إن كان لم يقاتل، فأما أمان الصبي، فإنه لا ينعقد، لأن القلم مرفوعٌ عنه.
قلنا: وقوله: "آمَنّا من آمنتِ": بمد الهمزة، أي: أعطينا الأمان، "من آمنت" أي: أعطيتِه الأمان.
عن المِسوَر بن مَخْرَمةَ، قال: خرجَ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- زمنَ الحديبيةِ في بِضْعَ عَشرةَ مئةٍ من أصحابِه، حتى إذا كانوا بذِي الحُلَيفةِ قَلَّدَ الهديَ وأشعَرَهُ وأحرمَ بالعمرةِ، وساقَ الحديثَ، قال: وسارَ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- حتى إذا كان بالثَّنِيّة التي يُهبَطُ عليهم منها بَرَكَتْ به راحلتُه، فقال الناسُ: حَلْ حَلْ خَلأتِ القَصْواءُ, مرتين، فقال النبي -صلَّى الله عليه وسلم-: "ما خَلأتْ وما ذلكَ لها بخُلُقٍ، ولكن حَبَسها حابِسُ الفِيل" ثم قال: "والذي نفسي بيدِه لا يَسألوني اليومَ خُطَّةً يُعظِّمون بها حُرُماتِ اللهِ إلا أعطيتُهم إياها" ثم زَجَرها فوثَبتْ، فعَدلَ عنهم حتى نَزل بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماء فجاءَه بُديلُ بن وَرقاءَ الخُزاعيُّ، ثم أتاه -يعني عروةُ بن مَسعودٍ- فجعل يكلم النبي -صلَّى الله عليه وسلم- فكلما كلَّمه أخذ بلحيتِه، والمغيرةُ بن شُعبةَ قائمٌ على النبي -صلَّى الله عليه وسلم- ومعه السيفُ وعليه المِغفَرُ، فضربَ يدَه بنعلِ السيف، وقال أخِّر يدَك عن لحيتِه، فرفَع عروةُ رأسَه، فقال: مَن هذا؟ قالوا: المُغيرة بن شعبةَ، فقال: أي غُدَرُ، أوَلستُ أسعى في غَدرتك؟ -وكان المغيرةُ صحبَ قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالَهم، ثم جاءَ فأسلمَ، فقال النبي -صلَّى الله عليه وسلم-: " أما الإسلامُ فقد قبِلْنا، وأما المالُ فإنه مالُ غَدْرٍ لا حاجةَ لنا فيه"- فذكر الحديثَ، فقالَ النبي -صلَّى الله عليه وسلم-: "اكتُبْ: هذا ما قاضَى عليه محمدٌ رسولُ الله" وقصَّ الخبَر، فقال سهيلٌ: وعلى أنه لا يأتيكَ منا رجلٌ وإن كان على دينك إلا رَدَدتَهُ إلينا، فلمّا فرَغَ من قضيةِ الكتابِ، قال النبي -صلَّى الله عليه وسلم- لأصحابِه: "قومُوا فانْحَروا، ثم احلِقُوا" ثم جاء نِسوةٌ مؤمناتٌ مهاجراتٌ، الآية 1، فنهاهُم اللهُ أن
يَردُّوهُنَّ، وأمرهم أن يردُّوا الصَّدَاق، ثم رجع إلى المدينةِ، فجاءه أبو بَصيرٍ رجلٌ من قريشٍ -يعني فأرسلوا في طلبه- فدفَعه إلى الرجلين، فخَرجا به حتى إذا بلغَا ذا الحليفةِ نزَلُوا يأكلون من تمرٍ لهم، فقال أبو بَصيرٍ لأحدِ الرجلين: واللهِ إني لأرى سيفَكَ هذا يا فلانُ جيداً، فاستلَّه الآخَر، فقال: أجل قد جرَّبْتُ به، فقال أبو بَصيرٍ: أرِني أنظرْ إليه، فأمكَنَه منه، فضربه به حتى بَرَدَ، وفَرَّ الآخَرُ حتى أتى المدينةَ، فدخل المسجدَ يعْدُو، فقالَ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- "لقد رأى هذا ذُعْراً" فقال: قُتِلَ واللهِ صاحبي وإني لَمَقتُولٌ، فجاء أبو بَصيرٍ فقال: قد أوفى اللهُ ذِمَتَك، فقد رددتَني إليهم ثم نَجَّاني اللهُ منهم، فقال النبي -صلَّى الله عليه وسلم-: "وَيْلُ أمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ لو كان له أحدٌ" فلما سمع ذلك عرف أنه سيردُّه إليهم، فخرج حتىً أتى سِيفَ البحرِ، ويَنفَلِتُ أبو جَنْدَلٍ، فلحق بأبي بَصيرٍ حتى اجتمعتْ منهم عِصابة 1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال الخطابي: قوله: "حَلْ حَلْ": كلمة معناها الزجر، يقال في زجر البعير: حل -بالتخفيف- ويقال: حَلحَلتُ الإبلَ إذا زجرتَها لتنبعث.
وأما قوله: "خلأت القصواء" فإن.
الخلأ في الإبل، كالحران في الخيل، ومنه قول زهير: بِآرِزَةِ الفَقَارَةِ لم يَخُنها ... قطافٌ في الركاب ولا خِلاءُ
والقصواء: اسم ناقته، وكانت مقصوَّة الأُذنَ -وهو أن يقطع طرفاً من الأذن- يقال: نافة قصواء، ولم يقولوا: جمل أقصى، ومعناه المقصوة، جاء بلفظ فاعل ومعناه مفعول.
وقوله: "ما خلأت، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل" يريد أن الخلاء لم يكن لها بخلق فيما مضى، ولكن الله حبسها عن دخول مكة كما حبس الفيل حين جاء به أبرهة الحبشي يريد هدم الكعبة واستباحة الحرم، ويشبه أن يكون المعنى في ذلك، وفي التمثيل بحبس الفيل أن أصحابه لو دخلوا مكة لوقع بينهم وبين قريش قتال في الحرم وأُريق فيه دماء، وكان منه الفساد والفناء، ولعل الله سبحانه قد سبق في علمه ومضى في قضائه أنه سيُسلم جماعة من أولئك الكفار في غابر الزمان، وسيخرج من أصلابهم قوم مؤمنون يعبدون الله ويوحدونه، فلو استُبيحت مكةُ، وأتى القتل عليهم لانقطع ذلك النسل، ولبطلت تلك العواقب.
وقوله: "والذى نفسي بيده، لا يسألوني اليوم خطة يعظمون بها حُرُمات الله إلا أعطيتهم إياها" يريد -والله أعلم- المصالحة والجنوح إلى المسالمة، وترك القتال في الحرم، والكف عن إراقة الدم فيه، وهو معنى تعظيم حُرُمات الله.
وقوله: "حتى نزل على ثمد"، فالثمد: الماء القليل، ويقال: ماء مثمود إذا كثرت عليه الشفاه حتى يفنى وينزف.
قال: وأما مسُّ عروة بن مسعود لحية رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- في أثناء مخاطبته وتناوله إياها بيده، فإن ذلك شكل من أشكال العرب وعادة من عاداتهم، يفعل الرجل ذلك بصاحبه إذا حدّثه، ويجري ذلك مجرى الملاطفة من بعضهم، وكان -صلَّى الله عليه وسلم- لا يدفعه عن ذلك، استمالة لقلبه، ولما كان يرجوه من إسلامه، ثم هداه الله بعدُ فحسُن إسلامه، وكان رئيسا في ثقيف، وكان المغيرة بن شعبة يمنعه من ذلك الفعل تعظيما لرسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- وتوقيراً له وإجلالاً لقدره.
وإنما يفعل الرجل ذلك بنظيره وخليطه المساوي له في الدرجة والمنزلة.
=
2766 - حدَّثنا محمدُ بن العلاءِ، حدَّثنا ابنُ إدريسَ، سمعتُ ابنَ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ بن الزبيرِ = قال: وفي قيام المغيرة على رأس رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- دليل على أن إقامة الرئيس الرجال على رأسه في مقام الخوف ومواطن الحروب جائز، وأن الذي نهى عنه وتوعد فيه من قوله: "من أراد أن يمثُل له الرجال صفوفا فليتبوأ مقعده من النار" إنما هو فيمن فعل ذلك قاصداً به الكبر، وذاهباً فيه مذاهب النخوة والجبرية.
وقوله: "أي غُدر" فهو نعت، يُنعت الرجلُ به عند المبالغة في الغَدْر.
وفي قوله -صلَّى الله عليه وسلم- للمغيرة: "أما الإسلام فقد قبلنا، وأما المال، فإنه مالُ غدر، لا حاجة لنا فيه" دليل على أن أموال أهل الشرك -وإن كانت مباحة للمسلمين مغنومة إذا أخذوها منهم قهراً- فإنها ممنوعة بالأمان لهم، مردودة إلى أربابها إذا أخذت في حال المسالمة والأمان، وذلك أن المغيرة إنما صحِبهم صحبة الرفقاء في الأسفار"، والرفيق في السفر يأمن رفيقه على نفسه وماله، فكان ما أتاه المغيرة من سفك دمائهم وأخذ أموالهم غدراً منه، والغدر محظور غير جائز، والأمانة مؤادة إلى البرِّ والفاجر.
ثم قال الخطابي: وفي إجابته -صلَّى الله عليه وسلم- إياهم إلى ذلك أن يرد إلى الكفار من جاءه منهم مسلماً، دليل على جواز أن يُقِرَّ الإمامُ فيما يصالح عليه العدو ببعض ما فيه الضيمُ على أهل الدين إذا كان يرجو لذلك فيما يستقبله عاقبةً حميدةً، سيما إذا وافق ذلك زمانَ ضعفِ المسلمين عن مقاومة الكفار، وخوفهم الغلبة منهم.
قال: وفي أمر رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- أصحابه بعد فراغه من الكتاب أن ينحروا ويحلقوا رؤوسهم، دليل على أن من أحرم بحج أو عمرة فأُحْصِر بعدوٍّ، فإنه ينحر الهدي مكانه ويَحِلّ، وإن لم يكن بلغ هديهُ الحرم، والموضع الذي نحر رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- هديه فيه بالحديبية حلٌّ، إذ كان مصدوداً عن دخول الحرم.
وقوله في قصة أبي بصير: "فضربه بالسيف حتى برد" معناه حتى مات وسكنت منه حرارة الحياة، وأصل البرد: السكون والثبوت.
وقوله: "ويلُ أمه مِسْعَر حرب" كلمة تعجب، يصفه بالمبالغة في الحروب، وجودة معالجتها، وسرعة النهوض فيها، يقال: فلان مسعر حرب: إذا كان أولَ من يوقد نارها ويَصلى حرَّها، من قولك: سعَّرت النار، إذا أوقدتَها، ومنه السعير: وهو النار الموقدة.
عن المسور بن مَخْرَمةَ ومروانَ بنِ الحكم، أنهم اصطلحوا على وضْعِ الحربِ عَشْرَ سنين يأمَنُ فيهنَّ الناسُ، وعلى أن بيننا عَيْبَةً مكفُوفةٌ، وأنه لا إسْلالَ ولا إغْلالَ 1.
2767 - حدَّثنا عبدُ الله بن محمد النُّفيليُّ، حدَّثنا عيسى بن يونُسَ، حدَّثنا الأوزاعي، عن حسانَ بن عطيةَ قال: مَال مكحولٌ وابنُ أبيِ زكريا إلى خالد بن مَعْدَانَ، ومِلْتُ معهما، فحدَثنا، عن جُبَيرِ بن نُفير قال: قال جبيرٌ: انطَلِقْ بنا إلى ذي مِخبَرٍ -رجلِ من أصحابِ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم-- فأتيناهُ، فسأله جبيرٌ عن الهُدنةِ، فقال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "ستُصَالِحون الرومَ صُلْحاً آمِناً، وتَغزُون أنتم وهم عَدُوّاً من ورائِكم" (1).
167 -
باب في العدوِّ يُؤتى على غِرَّةٍ ويُتَشَبّه بهم
2768 - حدَّثنا أحمد بن صالح، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرو بن دينار
عن جابرٍ، قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "مَنْ لِكعبِ بن الأشْرفِ، فإنه قد آذى اللهَ ورسولَه؟ " فقامَ محمدُ بن مَسْلَمةَ فقال: أنا يا رسول الله، أتحبُّ أن أقتُلَه؟ قال: "نعم"، قال: فأذَنْ لي أن أقولَ شيئاً، قال: "نعم، قُل" فأتاه فقال: إن هذا الرجلَ قد سألنا الصدقةَ، وقد عَنّانا،1 = يقول: إن بعضنا يأمن بعضاً في نفسه ومالِه، فلا يتعرض لدمه ولا لماله سراً ولا جهراً، ولا يخرنُه في شيء مِن ذلك.
وقال بعضهم: معنى "الإغلال" لبس الدرع للحرب، و"الإسلال"سلّ السيف، وزيّف أبو عبيد هذا القول ولم يرتضه.
قال: وأيضاً لتَمَلُّنَّهُ، قال: اتّبعناه فنحن نكرَه أن ندَعَه حتى ننظرَ إلى أيّ شيءٍ يصيرُ أمْرُه، وقد أردنا أن تُسْلِفَنا وَسْقاً أو وَسْقينِ، قال كعب: أيَّ شيءٍ تُرهنوني؟ قالوا: وما تريدُ منا؟ قال: نسائكم، قالوا: سبحان الله، أنت أجملُ العربِ، نُرهنكَ نساءَنا فيكونُ ذلك عاراً علينا، قال: فترهنوني أولادَكم، قالوا: سبحان الله يُسَبُّ ابنُ أحدِنا فيقال: رُهِنتَ بوَسْقٍ أو وَسْقين، قالوا: نُرهنك اللأمةَ؟ -يريد السلاح- قال: نعم، فلما أتاه ناداه فخرجَ إليه، وهو مُتطيِّبٌ ينضَحُ رأْسُه، فلما أن جَلَس إليه وقد كان جاء معه بنفرٍ ثلاثةٍ أو أربعة، فذَكرُوا له، قال: عندي فلانةُ وهي أعطَرُ نساءِ الناس، قال: تأْذنُ لي فأشَمَّ؟ قال: نعم، فأدخلَ يدَه في رأسِه فشمَّه، قال: أعودُ؟ قال: نعم، فأدخلَ يدَه في رأْسِه، فلما استمكن منه، قال: دونكم، فضربُوه حتى قتلُوه 1.
2769 - حدَّثنا محمدُ بن حُزَابة، حدَّثنا إسحاقُ -يعني ابنَ منصورٍ- حدَّثنا أسباطٌ الهَمدانيُّ، عن السُّدِّىِّ، عن أبيه عن أبي هريرةَ، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "الإيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مُؤمِنٌ" (1).
168 -
باب في التكبير على كل شَرَفٍ في المسير
2770 - حدَّثنا القَعنَبيّ، عن مالك، عن نافع1 = قال الخطابي: في هذا من الفقه: إسقاط الحرج عمن تأول الكلام، فأخبر عن الشيء لما لم يكن إذا كان يريد بذلك استصلاح أمر دينه أو الذبّ عن نفسه وذويه، ومثل هذا الصنيع جائز في الكافر الذي لا عهد له، كما جاز البياتُ والإغارة عليهم في أوقات الغِرّة وأوان الغفلة.
وكان كعب هذا لهج بسب النبي -صلَّى الله عليه وسلم- وهجائه, فاستحق القتل مع كفره بِسَبِّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-.
وقد ذهب معنى ذلك على قوم فتوهموا أن ذلك الصنيع من قتله كان غدراً أو فتكاً، وقد حرم رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- الفتك.
عن عبدِ الله بن عُمَر: أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- كان إذا قَفَلَ من غَزْوٍ أو حج أو عُمْرةٍ يُكبِّر على كل شَرَفٍ من الأرض ثلاثَ تكبيراتٍ، ويقولُ: "لا إله إلا الله وحدَه، لا شريكَ له، له المُلكُ، وله الحمدُ، وهو على كل شيءٍ قدير، آيِبون، تائِبون، عابِدون، ساجِدون، لِربنا حامِدُون، صدق اللهُ وعْدَه، ونَصَر عبدَه، وهَزَم الأحزابَ وحدَه" (1).
169 -
باب في الإذن في القُفول بعد النهي
2771 - حدَّثنا أحمد بن محمد بن ثابت المَروزيُّ، حدثني على بن حُسين، عن أبيه، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ عن ابنِ عباس قال: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 44] نسخَتْها التي في النُّور: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 62] 2.1
170 -
باب في بعثةِ البُشَراء
2772 - حدَّثنا أبو توبةَ الربيعُ بن نافعٍ، حدَّثنا عيسى، عن إسماعيلَ، عن قَيسٍ = وأخرجه الطبري في "تفسيره"10/ 143 عن محمد بن حميد الرازي، عن يحيى ابن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قولهما.
ومحمد بن حميد متروك.
وأخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في "الناسخ والمنسوخ" (357)، وابن الجوزي ص 367 من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج (وقرن به أبو عبيد عثمان ابن عطاء)، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس.
وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس.
وأخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" (2414) من طريق يونس بن راشد، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وقد جاء عن ابن عباس ما يخالف ذلك بما يفيد عدم النسخ، وهو ما أخرجه أبو عبيد (356)، والطبري10/ 143 من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، عن على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 45] قال: هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوه في القعود عن الجهاد في غير عذر، وعَذَر اللهُ المؤمنين، فقال: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: 62].
وأخرجه النحاس في "الناسخ والمنسوخ" ص 202 من طريق عبد الله بن صالح، لكن جعله من قول على بن أبي طلحة!
وإلى القول بعدم النسخ، وإحكام الآيتين ذهب الطبري وأبو جعفر النحاس وابن الجوزي، وحكاه ابن الجوزي عن أبي سليمان الدمشقي.
قال ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 368: الصحيح أنه ليس للنسخ هاهنا مدخل، لإمكان العمل بالآيتين، وذلك أنه إنما عاب على المنافقين أن يستأذنوه في القعود عن الجهاد من غير عذرِ، وأجاز للمؤمنين الاستئذان لما يعرض لهم من حاجة، وكان المنافقون إذا كانوا معه، فعرضت لهم حاجة، ذهبوا من غير استئذانه.
عن جَريرِ، قال: قال لي رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "ألا تُريحُني من ذي الخَلَصَة؟ " فأتاها فحرَّقَها، ثم بعثَ رجلاً من أحمَسَ إلى النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - يُبشِّره، يكنى أبا أرطاةَ (1).
171 -
باب في إعطاءِ البشير
2773 - حدَّثنا ابن السَّرحِ، أخبرنا ابنُ وهْبٍ، أخبرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: فأخبرنى عبدُ الرحمن بن عبد الله بن كَعْب بن مالكٍ, أن عبدَ الله ابن كعْبٍ قال: سمعتُ كعبَ بن مالكٍ قال: كانَ النبي -صلَّى الله عليه وسلم- إذا قَدِمَ من سفرٍ بدأ بالمسجدِ، فركع فيه ركعتَين، ثم جلس للناسِ، وقَصَّ ابنُ السَّرْحِ الحديثَ، قال: ونهى رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- المسلمينَ عن كلامنا أيها الثلاثةُ، حتى إذا طالَ علي تَسَوَّرْتُ جدارَ حائطِ أبي قتادةَ -وهو ابنُ عمي- فسلمتُ عليه، فوالله ما ردَّ على السلامَ، ثم صليتُ الصبحَ صباحَ خمسينَ ليلةً على ظهرِ بيتِ من بيُوتنا، فسمعتُ صَارِخاً: يا كَعْبَ بنَ مالكٍ أبشِر،1
فلما جاءني الذي سمعتُ صوتَه يُبشِّرني نزعتُ له ثوبَيَّ فكسوتُهما إياه، فانطلقتُ حتى دخلتُ المسجدَ فإذا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- جالسٌ، فقامَ إليَّ طلحةُ بن عُبيدِ الله يُهرْوِلُ حتى صافحني وهَنّأني (1).
172 -
باب في سُجودِ الشُّكْر
2774 - حدَّثنا مَخلَدُ بن خَالدٍ، حدَّثنا أبو عاصم، عن أبي بكْرةَ بكارِ بن عبد العزيز، أخبرني أبي عبدُ العزيز عن أبي بكْرةَ، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم-: أنه كان إذا جاءَه أمْرُ سرُورٍ -أو يُسَرُّ بهِ خرَّ ساجداً شاكراً للهِ تعالى 2.1
2775 - حدَّثنا أحمدُ بن صالحٍ، حدَّثنا ابن أبي فُدَيكٍ، حدثني مُوسى بن يَعقوبَ، عن ابنِ عُثمانَ -قال أبو داودَ: وهو يحيى بنُ الحسن بنِ عثمانَ- عن أشعثَ بن إسحاقَ بن سَعدٍ، عن عامرِ بن سَعدٍ
عن أبيه، قال: خرجْنا مع رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- من مكةَ نريدُ المدينةَ، فلما كنا قريباً من عَزوَرَا، نَزلَ ثمَّ رفع يديه فدعا اللهَ ساعةً، ثم خَرَّ ساجداً، فمكثَ طويلاً، ثم قامَ فرفعَ يديه فدعا اللهَ ساعةً ثم خَرَّ ساجِداً، فمكثَ طويلاً، ثم قامَ فرفعَ يدَيه ساعةً ثمَ خَرّ ساجداً، ذكرَه أحمدُ ثلاثاً، قال: "إني سألتُ ربِّي، وشَفَعْتُ لأُمتي، فأعطاني ثُلُثَ أُمتي، فخرَرْتُ ساجداً شكراً لربي، ثم رفعتُ رأْسي فسألتُ ربِّي لأمتي، فأعطاني ثُلُثَ أُمتي فخَررتُ ساجداً لربي شُكراً، ثم رفعتُ رأسي فسألتُ ربي لأُمتي فأعطاني الثُّلثَ الآخِر، فخررتُ ساجداً لربي" 1. = وحديث سعد بن أبي وقاص الآتى بعده.
وإسناده ضعيف.
وحديث أنس بن مالك عند ابن ماجه (1392) وفي اسناده ابن لهيعة، وهو سيئ الحفظ.
وموقوفاً من فعل كعب بن مالك عند البخاري (4418)، ومسلم (2769). وانظر تمام شواهده في "مسند أحمد" (20455).