كتاب المناسك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السجستاني، أبو داود
- الكتاب
- سنن أبي داود
- المؤلف
- أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
- المحقق
- شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
- الناشر
- دار الرسالة العالمية
- الطبعة
- الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
2689 - حدَّثنا محمدُ بن يحيي بن فارسٍ، حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، أخبرنا مَعمرٌ، عن الزهري، عن محمدِ بن جُبير بن مُطعِمٍ عن أبيه، أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال لأُسارى بدر: "لَو كان مُطعِمُ بنُ عَدِيّ حيّاً ثم كلَّمني في هؤلاءِ النَّتنَى لأطلقتُهم له" (1).
129 -
باب في فداء الأسير بالمال
2690 - حدَّثنا أحمد بن محمد بن حَنبلِ، حدَّثنا أبو نُوحٍ، أخبرنا عِكرمةُ ابن عمارٍ، حدَّثنا سِمَاكٌ الحنفيُّ، حدثني ابنُ عبّاس، قال: حدثني عمرُ بن الخطاب، قال: لما كان يومُ بدرٍ فأخذَ -يعني النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-- الفداء أنزل اللهُ عزَ وجل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:67 - 68] من الفداء ثم أحل لهم الغَنائمَ 2.1
قالَ أبو داودَ: سمعتُ أحمد بن حَنبلٍ يُسأل عن اسم أبي نُوحٍ، فقال: إيش تصنعُوا باسمِه؟ اسمُه اسمٌ شَنيعٌ.
= قلنا: الذي في "جامع الترمذي"، من حديث عمر الطويل في غزوة بدر قصةُ دعائه -صلَّى الله عليه وسلم- (3334) وهناك صححه.
قال الخطابي: في هذه الأحاديث الثلاثة: حديث جبير بن مطعم، وحديث ابن عباس وحديث عبد الله بن مسعود دليل على أن الإمام مُخيَّر في الأسارى البالغين: إن شاء مَنَّ عليهم وأطلقهم من غير فداء، وإن شاء فاداهم بمالٍ معلوم، وإن شاء قتلهم، أي ذلك كان أصلح، ومن أمر الدين وإعزاز الإسلام أوقع.
وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد، وهو قول الأوزاعي وسفيان الثوري.
وقال أصحاب الرأي: إن شاء قتلهم، وإن شاء فاداهم، وإن شاء استرقَّهم.
ولا يمُنُّ عليهم فيطلقهم بغير عوض، فيكون فيه تقوية للكفار وزيادة في عددهم.
وزعم بعضهم أن المنّ كان خاصاً للنبي -صلَّى الله عليه وسلم- دون غيره.
قلت (القائل الخطابي): التخصيص في أحكام الشريعة لا يكون إلا بدليل، والنبي -صلَّى الله عليه وسلم- إذا حكم بحكم في زمانه كان ذلك سنة وشريعة في سائر الأزمان، وقد قال سبحانه: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] وهذا خطاب لجماعة الأمة كلهم، ليس فيه تخصيص للنبي -صلَّى الله عليه وسلم-، وإنما كان فعله امتثالاً للآية.
وأما الذي اعتلوا به في تقوية الكفر: فإن الإمام إذا رأى أن يعطي كافراً عطية يستميله بها إلى الإسلام كان ذلك جائزاً، وإن كان في ذلك تقوية لهم، فكذلك هذا.
وقد أعطى النبي -صلَّى الله عليه وسلم- رجلاً من الكفار غنماً بين جبلين.
حدثناه ابن الأعرابي، حدَّثنا عبد الرحمن بن منصور الحارثي، حدَّثنا عبد الرحمن بن يحيى بن سعيد العذري، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: جاء رجل من العرب إلى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فسأله شيئاً بين جبلين، فكتب له بها، فأسلم، ثم أتى قومه فقال لهم: "أسلموا فقد جئتكم من عند رجل يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة".
وفي أخذه في الفداء المال دليلٌ على فسادِ قول من يقول: إنه يفادى بالرجال ولا يفادى بالمال، ويُحكى نحو هذا القول عن مالك بن أنس.
وانظر "المغني" 13/ 44 - 47 لابن قدامة المقدسي.
قال أبو داودَ: اسمُ أبي نُوح قُرادٌ، والصحيحُ عبدُ الرحمن بن غَزْوانَ.
2691 - حدَّثنا عبدُ الرحمن بن المُبارك العَيشيُّ، حدَّثنا سفيانُ بن حَبيب، حدَّثنا شعبةُ، عن أبي العَنبَسِ، عن أبي الشَّعثاء
عن ابنِ عباس: أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- جعلَ فداءَ أهلِ الجاهليةِ يومَ بدرٍ أربعَ مئةٍ 1.
2692 - حدَّثنا عبدُ الله بن محمد النُّفيليُّ، حدَّثنا محمدُ بن سلمةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يحيى بن عَبّادٍ، عن أبيه عبادِ بن عبد الله بن الزُّبيرِ عن عائشةَ قالت: لما بعثَ أهلُ مكةَ في فداء أسْرَاهُم بعثتْ زينبُ في فداء أبي العاصِ بمالٍ، وبعثتْ فيه بقِلادةٍ لها كانت عند خديجةَ أدخلَتْها بها على أبي العاص، قالت: فلما رآها رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- رقَّ لها رِقَّةً شديدةً، وقال: "إن رأيتُم أن تُطلِقُوا لها أسيرَها وتردُّوا عليها
الذي لها" فقالوا: نعم، وكان رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- أخذ عليه، أو وَعَدَه، أن يُخلّيَ سبيلَ زينبَ إليه، وبعثَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- زيدَ بن حارثةَ ورجلاً من الأنصارِ، فقال: "كونا ببطن يَأْجِج حتى تمرَّ بكما زينب فتصحباها حتى تأْتيا بها" 1. 2693 - حدَّثنا أحمد بن أبي مَريمَ، حدَّثنا عمِّي -يعني سعيدَ بنَ الحَكَم- قال: أخبرنا الليثُ، عن عُقَيل، عن ابن شهابٍ، قال: وذكر عُروةُ بن الزُّبير أن مروانَ والمِسوَرَ بنَ مَخْرمةَ أخبراه: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال حين جاءه وَفْد هَوَازنَ مسلمين فسألُوه أن يَرُدَّ إليهم أموالَهم، فقال لهم رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "معي من ترون، وأحبُّ الحديث إليَّ أصدَقُهُ، فاختاروا إمَّا السبْيَ، وإما المالَ" فقالوا: نختار سبْيَنا، فقامَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فأثْنى على الله، ثم قال: "أما بعدُ، فإن إخوانكم هؤلاءِ جاؤوا تائبينَ، وإني قد رأيتُ أن أرُدَّ إليهم سَبْيَهم، فمن أحبَّ منكم أن يُطَيِّبَ ذلك فليفعلْ، ومن أحبَّ منكم أن يكون على حظِّه حتى نعطيَه
إياهُ من أول ما يُفيءُ اللهُ علينا فليفعلْ"، فقال الناسُ: قد طَيَّبْنَا ذلك لهم يا رسول الله، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "إنا لا نَدْري مَن أذِنَ منكم مِمن لم يأذَنْ، فارجِعوا حتى يرفَع إلينا عُرَفَاؤكم أمْرَكم" فرجعَ الناسُ، فكلَّمَهم عُرفاؤهم فأخبَروهم أنهم قد طَيَّبُوا وأذِنُوا 1. 2694 - حدَّثنا مُوسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ، عن محمد بن إسحاقَ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدِّه -في هذه القصة- قال: فقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "رُدُّوا عليهم نساءَهم وأبناءَهم، فمن مَسَّك بشيءٍ من هذا الفيءِ فإن له به علينا سِتَّ فرائضَ من أولِ شيءٍ يُفيئهُ اللهُ علينا" ثم دنا -يعني النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- من بعيرٍ، فأخذَ وَبَرَةً من سَنامِه، ثم قال: "يا أيها الناسُ، إنه ليس لي من هذا الفيء شيء, ولا هذا" ورفع إصبَعَيْه "إلا الخُمُسَ، والخُمُسُ مُردُودٌ عليكم، فأدُّوا الخِياط والمِخْيَطَ" فقام رجل في يده كُبَّةٌ من شَعر، فقال: أخذْتُ هذه لأُصلحَ بها بَرذَعةً لي، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "أمَّا ما كان لي ولبني عبد المُطَّلب فهو لك" فقال: أمَا إذْ بلغتَ ما أرى فلا أرَبَ لي فيها، ونَبَذَها 2.
130 -
باب في الإمام يُقيم عند الظُّهور على العدو بعَرْصَتِهم
2695 - حدَّثنا محمدُ بن المثنى، حدَّثنا مُعاذُ بن معاذٍ
وحدَّثنا هارونُ بن عبدِ الله، حدَّثنا رَوْحٌ، قالا: حدَّثنا سَعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ عن أبي طلحةَ، قال: كانَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- إذا غَلَبَ على قومٍ أقامَ بالعَرْصَةِ ثلاثاً -قال ابنُ المثنى: إذا غَلَبَ قوماً أحب أن يُقيم بعَرْصَتِهم ثلاثاً 1. = وأخرجه النسائي (3688) من طريق حماد بن سلمة، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (6729). قوله: "من مسَّك، قال الخطابي: يريد: أمسك، يقال: مَسَّكْتُ بالشيء وأمسكته، بمعنى واحد.
وفيه إضمارٌ، وهو الردّ، كأنه قال: من أصاب شيئاَ من هذا الفيء فأمسكه ثم ردّه.
وقوله: "أدّوا الخِياط والمِخْيَط" الخِياط هنا: الخيط، والمِخْيَط: ما يخاط به وهو الإبرة.
قال الخطابي: فيه دليل على أن قليل ما يغنم وكثيره مقسوم بين مَنْ شهد الوقعة، ليس لأحد أن يستبِدَّ بشىء منه، وإن قلّ، إلا الطعام الذي قد وردت فيه الرخصة، وهذا قول الشافعي.
وقال مالك: إذا كان شيئاً خفيفاً، فلا أرى به بأساً أن يرتفق به آخِذُه دونَ أصحابه.
وقوله: كبة من شعر، أي: مجموعة من شعر، والبَرْدَعَة: قال الفيومي: حلس يجعل تحت الرحل بالدال والذال، والجمع: البرادع هذا هو الأصل، وفي عرف زماننا: هي للحمار ما يُركب عليه بمنزلة السرج للفرس.
قال أبو داود: كان يحيى بنُ سعيدٍ يطعُن في هذا الحديث، لأنه ليس من قديم حديث سعيدٍ، لأنه تغيَّر سنة خمسٍ وأربعينَ، ولم يُخرج هذا الحديثَ إلا بأخَرَةٍ.
قال أبو داود: يقال: إن وكيعاً حَمل عنه في تغيُّره (1).
131 -
باب في التفريقِ بين السَّبْيِ
2696 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا اسحاقُ بن منصورٍ، حدَّثنا عبدُ السلام بن حَرْبٍ، عن يزيدَ بن عبدِ الرحمنِ، عن الحكمِ، عن ميمونِ بن أبي شَبيبٍ
عن عليٍّ، أنه فرَّق بين جاريةٍ وولدِها، فنهاهُ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- عن ذلكَ، ورَدَّ البيعَ 2.1 = وأخرجه البخاري (3065) من طريق روح بن عُبادة، والترمذي (1632)، والنسائي في "الكبرى" (8603) من طريق معاذ بن معاذ، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (16355)، و"صحح ابن حبان" (4776). والعرصة: الساحة الواسعة بين الدور ليس فيها بناء، قال ابن الجوزي: إنما كان يُقيم ليظهر تأثير الغلبة وتنفيذ الأحكام، وقلة الاحتفال، فكأنه يقول: من كان فيه قوة منكم فليرجع إلينا.
قال أبو داودَ: ميمونٌ لم يُدرك علياً، قُتل بالجماجم، والجماجم سنة ثلاثٍ وثمانين.
= وأخرجه ابن ماجه (2249)، والترمذي (1330) من طريق الحجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة، عن ميمون بن أبي شبيب، عن علي قال: وهب لي رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- غلامين أخوين، فبعتُ أحدهما، فقال: "ما فعل الغلامان؟ "قلتُ: بعتُ أحدهما، قال: "رُدَّه".
والحجاج بن أرطاة مدلس وقد عنعن.
وهو في "مسند أحمد" (800) بهذا اللفظ الأخير.
وأخرجه بنحو هذا اللفظ الأخير أحمد (760) عن محمد بن جعفر، والبزار (624)، والبيهقي 9/ 127 من طريق الحسن بن محمد الزعفراني، عن عبد الوهَّاب بن عطاء الخفاف، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن علي.
وسعيد لم يسمع من الحكم فيما قاله غير واحدٍ من أهل العلم.
ويدل على ذلك رواية أحمد بن حنبل لهذا الحديث (1045) عن عبد الوهَّاب ابن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن رجل، عن الحكم، به فذكر بينهما واسطة.
وكذلك رواه محمد بن سواء عند إسحاق بن راهويه كما في "نصب الراية" 4/ 26، والبيهقي 9/ 127 عن سعيد بن أبي عروبة.
وانظر تمام تخريجه، والكلام عليه في "المسند" (1045)، و"علل الدارقطني" 3/ 272 - 275.
وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري عند أحمد (23499)، والترمذي (1329) ولفظه: "من فرق بين والدة وولدها، فرّق الله بينه وبين الأحبة يوم القيامة" وهو حديث حسن.
والجماجم: موضع يُسمى دير الجماجم قرب الكونة، وبه كانت وقعة ابن الأشعث مع الحجاج، والحرة: أرض بظاهر المدينة، بها حجارة سود كثيرة بها كانت الوقعة بين جيش يزيد بن معاوية وبين أهل المدينة، وهي فيما يقول ابن حزم أكبر مصائب الإسلام وخرومه، لأن أفاضل المسلمين وبقية الصحابة وخيار المسلمين من جلة التابعين قتلوا جهراً ظلماً في الحرب وصبراً ...
قال أبو داود: والحَرَّةُ سنة ثلاثٍ وستين، وقُتِلَ ابنُ الزُّبيرِ سنة ثلاث وسبعين (1).
132 -
باب الرُّخصة في المدرِكين يُفرَّق بينهم
2697 - حدَّثنا هارونُ بن عبدِ الله، حدَّثنا هاشِمُ بن القاسمِ، حدَّثنا عِكرمةُ، حدَّثني إياسُ بن سلمةَ حدثني أبي، قال خرجْنا مع أبي بكرٍ -وأمَّرَهُ علينا رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم-- فغَزَونا فَزارةَ، فشَننَّا الغارةَ ثم نظرتُ إلى عُنُقٍ من الناسِ فيه الذريةُ والنساء، فرمَيتُ بسهْمٍ، فوقع بينهم وبين الجبل، فقاموا، فجئتُ بهم إلى أبي بكرٍ فيهم امرأة من فَزارةَ، عليها قِشْعٌ من أدَمٍ، معها بنتُ لها من أحسن العرب، فنفَّلني أبو بكر ابنتَها، فقدمتُ المدينةَ، فلقيَني رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فقال لي: "يا سلمةُ، هَبْ لي المرأةَ" فقلت: والله لقد أعجبتْني، وما كشفتُ لها ثوباً، فسكتَ، حتى إذا كان من الغَدِ لقيَني رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- في السُّوق فقال: "يا سلمةُ، هبْ لي المرأةَ، لله أبوكَ" فقلت: يا رسول الله، والله ما كشفتُ لها ثوباً، وهي لكَ، فبعثَ بها إلى أهل مكةَ وفي أيديهم أسرى فَفَداهمُ بتلك المرأةِ 2.1
133 -
باب في المال يصيبُه العدوُّ من المسلمين ثم يدركه صاحبه في الغنيمة
2698 - حدَّثنا صالحُ بن سُهيلٍ، حدَّثنا يحيي -يعني ابنَ أبي زائدةَ- عن عُبيد الله، عن نافعٍ
عن ابن عُمر: أن غُلاماً لابن عُمر أبقَ إلى العدوِّ فظهر عليه المسلمون، فردَّه رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- إلى ابنِ عمر، ولم يُقسَم 1. = قوله: "قشع من أدم" هو الجلد اليابس، وقيل: هو الفرو الخَلَق.
قاله ابن الأثير في "النهاية".
قال الخطابي: "عنق من الناس" يريد جماعة منهم، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: 4] أي: جماعاتهم، ولو كان المراد به الرقاب لقيل: "خاضعات"، والله أعلم.
وفي قوله: "نفلني أبو بكر ابنتها" دليل على أن النفل قبل الخمس.
قال: وفيه دليل على جواز التفريق بين الأم وولدها الكبير، خلاف ما ذهب إليه أحمد بن حنبل.
وفي قوله: "ما كشفت لها ثوباً" وسكوت النبي -صلَّى الله عليه وسلم- وتركه الإنكار عليه دليل على أنهم كانوا يستبيحون إذ ذاك وطء الوثنيات، وذلك قبل نزوله من الحديبية، ولولا إقامة هذه الجارية على كفرها لما رُدَّت إلى أهل مكة وهم كفار إذ ذاك.
قال أبو داود: وقال غيره: ردَّه عليه خالد بن الوليد (1). 2699 - حدَّثنا محمدُ بن سليمانَ الأنباريُّ والحسنُ بن علي -المعنى- قالا: حدَّثنا ابن نُمير، عن عُبيد الله، عن نافعٍ عن ابن عُمر قال: ذَهبَ فرسٌ له، فأخذها العدوُّ، فظهر عليهم المسلمون، فَرُدَّ عليه في زمنِ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، وأبَقَ عبدٌ له، فلحِق بأرضِ الرُّوم، فظهر عليهم المسلمون، فردَّه عليه خالدُ بن الوليد بعدَ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- (2).
134 -
باب في عَبيد المشركين يَلحَقُونَ بالمسلمين فيُسلمون
2700 - حدَّثنا عبدُ العزيز بن يحيى الحَرَّانيُّ، حدثني محمد -يعني ابنَ سلمةَ- عن محمدِ بن إسحاقَ، عن أبانَ بن صالح، عن منصورِ بن المُعتمِر، عن ربعيِّ بن حِراشٍ12 قال الخطابي: في هذا دليل على أن المشركين لا يُحرزون على المسلم مالاً بوجه، وأن المسلمين إذا استنقذوا من أيديهم شيئاً كان للمسلم، وكان عليهم ردُّه عليه، ولا يغنمونه.
واختلفوا في هذا، فقال الشافعي: صاحب الشيء أحق به قُسم أو لم يُقسم.
وقال الأوزاعي والثوري: إن أدركه صاحبه قبل أن يُقسم فهو له، وإن لم يدركه حتى قُسم كان أحق به، وكذلك قال أبو حنيفة، إلا أنه فرق بين المال يغلب عليه العدو، وبين العبد يأبق، فيأسره العدو: فقال في المال مثل قول الأوزاعي، وقال في العبد مثل قول الشافعي.
عن عليِّ بن أبي طالبِ قال: خرجَ عُبدَانٌ إلى رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يعني يومَ الحُدَيبيةِ - قبلَ الصُّلْح، فكتب إليه مواليهم فقالوا: يا محمدُ، واللهِ ما خَرَجوا إليك رغبةً في دينك، وإنما خرجُوا هرباً من الرِّقِّ، فقال ناسٌ: صدقُوا يا رسولَ الله، رُدَّهم إليهم، فغضِبَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، وقال: "ما أُراكُم تنتهون يا مَعشَر قُريش، حتى يبعثَ اللهُ عليكم من يَضْربُ رقابكم على هذا" وأبى أن يَرُدَّهم، وقال: "همُ عتَقَاءُ الله عز وجل" (1).
135 -
باب في إباحة الطعام في أرض العدو
2701 - حدَّثنا إبراهيمُ بن حمزةَ الزُّبيريُّ، حدَّثنا أنسُ بن عياض، عن عُبيد الله، عن نافعٍ عن ابن عُمر: أن جيشاً غَنِموا في زمانِ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- طعاماً وعسلاً فلم يؤخَذْ منهم الخُمُسُ 2.1
2702 - حدَّثنا مُوسى بن إسماعيلَ والقَعنَبيُّ، قالا: حدَّثنا سليمانُ، عن حميدٍ -يعني ابنَ هِلالٍ-
عن عبدِ الله بن مُغَفَّل، قال: دُلِّيَ جِرَابٌ من شَحْمٍ يومَ خيبرَ، قال: فأتيتُه فالتزمتُه، قال: ثم قلتُ: لا أُعطي من هذا أحداً اليومَ شيئاً، قال: فالتفَتُّ، فإذا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يتبسَّم إليَّ 1. = وأخرجه ابن حبان (4825) من طريق شعيب بن إسحاق، والطبراني في "الكبرى" (13372)، وفي "الأوسط" (894) و (5301)، والبيهقي 9/ 59 من طريق أنس بن عياض، كلاهما عن عُبيد الله بن عمر، به.
وأخرج البخاري (3154) من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه.
قال الخطابي: لا أعلم خلافاً بين الفقهاء في أن الطعام لا يخمس في جملة ما يخمس من الغنيمة، وأن لواجده أكلَه، ما دام الطعام في حدِّ القلة، وعلى قدر الحاجة، وما دام صاحبه مقيماً في دار الحرب، وهو مخصوص من عموم الآية ببيان النبي -صلَّى الله عليه وسلم-، كما خصّ منها السَّلَب وسهم النبي -صلَّى الله عليه وسلم- والصفي، ورخص أكثر العلماء في علف الدواب، ورأوه في معنى الطعام، للحاجة إليه.
136 -
باب في النهي عن النُّهبى إذا كان في الطعام قلةٌ في أَرض العدو
2703 - حدَّثنا سليمانُ بن حَرب، حدَّثنا جَريرٌ -يعني ابنَ حازمٍ- عن يَعلَى ابنِ حكيم، عن أبي لَبيدٍ، قال:
كنا مع عبد الرحمن بن سمُرةَ بكابُلَ فأصابَ الناسُ غنيمةً، فانتهبوها، فقامَ خطيباً فقال: سمعتُ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- ينهى عن النُّهْبى.
فردُّوا ما أخذوا، فقسَمه بينهم 1.
2704 - حدَّثنا محمد بن العَلاء, حدَّثنا أبو مُعاويةَ، حدَّثنا أبو إسحاقَ الشَّيبانيُّ، عن محمدِ بن أبي مُجالدٍ
عن عبدِ الله بن أبي أوفَى قال: قلتُ: هل كنتم تخمِّسوُن -يعني الطعامَ- في عهدِ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-؟ فقال: أصبْنا طعاماً يومَ خَيبَر، فكان الرجلُ يجيءُ فيأخذُ منه مقدارَ ما يكفيه ثم ينصرفُ 1. 2705 - حدَّثنا هنَّادُ بن السَّرِيِّ، حدَّثنا أبو الأحوصِ، عن عاصمٍ -يعني ابنَ كُليبٍ- عن أبيه عن رجلِ من الأنصار، قال: خرجنا مع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- في سفر فأصابَ الناسَ حاجةٌ شديدةٌ وجَهدٌ، وأصابوا غنماً فانتَهبُوها، فإن قُدُورنَا لَتَغِلي إذ جاءَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يمشي على قوسِه، فأكْفأ قُدُورنا بقوسه، ثم جعلَ يُرَمِّلُ اللحمَ بالتُّراب، ثم قال: "إن النُّهْبَة ليست بأحلَّ من الميتةِ" أو "إن الميتةَ ليستْ بأحلَّ من النُّهْبةِ" الشَّكُّ من هنَّادٍ 2.
137 -
باب في حمل الطعام من أَرض العدو
2706 - حدَّثنا سعيد بن منصور، حدَّثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عَمرو ابن الحارثِ، أن ابنَ حَرْشَفٍ الأزديَّ حدَّثه، عن القاسِمِ مولى عبد الرحمن عن بعضِ أصحابِ النبي -صلَّى الله عليه وسلم-، قال: كُنا نأكُل الجَزور في الغزوِ، ولا نقسِمه، حتى إنْ كنا لَنرجِعُ إلى رحالِنا وأخْرِجَتُنا منه مُملأةٌ (1).
138 -
باب في بيع الطعام إذا فضل عن الناس في أرض العدو
2707 - حدَّثنا محمد بن المُصفّى، حدَّثنا محمد بن المبارك، عن يحيى ابن حمزة، حدَّثنا أبو عبد العزيز -شيخ من أهل الأردن- عن عُبادةَ بن نُسَيٍّ عن عبد الرحمن بن غَنْم، قال: رابطْنا مدينةَ قِنَّسرينَ مع شُرَحبيل ابن السِّمْطِ، فلما فتحها أصابَ فيها غنَماً وبقَراً، فقسم فينا طائفةً منها، وجعل بقيَّتَها في المغنَم، فلقيتُ معاذَ بن جَبَلٍ فحدثتُه، فقال معاذٌ: غزونا مع رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فأصبْنا فيها غنَماً فقسَم فينا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- طائفةً، وجعل بقيَّتَها في المغنَم 2.1
139 -
باب في الرجل ينتفع من الغنيمة بالشيء
2708 - حدَّثنا سعيدُ بن منصورٍ وعثمانُ بن أبي شيبةَ -المعنى، قال أبو داودَ: وأنا لحديثه أتْقَنُ- قالا: حدَّثنا أبو مُعاوية، عن محمد بن إسحاق، عن يزيدَ بن أبي حبيبِ، عن أبي مَرزوقٍ مولى تُجيب، عن حَنَشٍ الصنعانيِّ عن رُويفعِ بن ثابتٍ الأنصاريِّ، أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "مَن كانَ يُؤمِنُ بالله وباليومِ الآخِرِ فلا يركبْ دابَّةً من فَيءِ المسلمين حتى إذا أعْجَفَها رَدَّها فيه، ومن كان يُؤمِنُ بالله وباليوم الآخر فلا يَلْبَس ثَوباً مِن فَئ المُسلمين حتى إذا أخْلَقَهُ رَدَّهُ فيه" (1).
140 -
باب في الرخصة في السلاح يقاتَل به في المعركة
2709 - حدَّثنا محمد بن العلاء، أخبرنا إبراهيمُ -يعني ابنَ يُوسفَ، قال أبو داود: هو إبراهيمُ بن يوسفَ بن إسحاقَ بن أبي إسحاقَ السَّبيعيُّ -عن أبيه، عن أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ، قال: حدثني أبو عُبيدةَ1 = وأخرجه الطبراني في "الكبير"20/ (131) من طريق رشدين بن سعد، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، عن عبادة بن نسيّ، به.
وقنسرين: مدينة بالشام، بينها وبين حلب اثنا عشر ميلاً، فتحها أبو عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه سنة (17 هـ).
عن أبيه، قال: مررتُ فإذا أبو جهلٍ صريعٌ قد ضُربتْ رجلُه فقلت: يا عدوَّ الله يا أبا جهلٍ، قد أخْزى اللهُ الآخِرَ، قال: ولا أهابُه عند ذلك، فقال: أبعَدُ من رجلٍ قتلَه قومُه! فضربتُه بسيفٍ غيرِ طائلٍ، فلم يُغنِ شيئاً حتى سقط سيفُه من يدِه، فضربتُه به حتى بَرَد 1.
141 -
باب في تعظيم الغلول
2710 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، أن يحيى بنَ سعيدٍ وبِشرَ بن المُفضَّل حدثاهم، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن أبي عَمرةَ
عن زيدِ بن خالدِ الجُهنيِّ: أن رجلاً من أصحابِ النيى -صلَّى الله عليه وسلم- تُوفِّي يومَ خيبرَ، فذكَروا ذلك لِرسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فقال: "صلُّوا على صاحبِكم" فتغيَّرتْ وجوهُ الناسِ لذلك، فقال: "إن صاحبَكم غَلَّ في سبيلِ الله"، ففتَّشنا مَتاعَه فوجدنا خَرَزاً من خَرزِ يهودَ لا يُساوي درهمين 1.
2711 - حدَّثنا القَعنبيُّ، عن مالك، عن ثَورِ بن زَيدٍ الدِّيليِّ، عن أبي الغَيثِ مولى ابنِ مُطيعٍ
عن أبي هُريرةَ، أنه قال: خرجْنا مع رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- عامَ خيبرَ فلم نَغْنم
ذهباً ولا وَرِقاً إلا الثيابَ والمتاعَ والأموالَ، قال: فوجَّه رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- = وقوله: "برد" يريد مات، وأصل الكلمة من الثبوت.
يريد سكون الموت، وعدم حركة الحياة، ومن ذلك قولهم: برد لي على فلان حقّ، أي: ثبت.
وقوله: "غير طائل" أي غير ماض، وأصل الطائل: النفع والعائدة، يقال: أتيت فلاناً فلم أر عنده طائلاً.
وفيه أنه قد استعمل سلاحه في قتله، وانتفع به قبل القسم.
نحو وادي القُرَى -وقد أُهديَ لرسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- عبدٌ أسودُ يقال له: مِدْعَمٌ- حتى إذا كانوا بوادي القُرَى، فبينا مِدعَمٌ يَحُطُّ رَحْل رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- إذ جاءه سهمٌ فقتَله، فقال الناسُ: هنيئاً له الجنةُ، فقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "كلَّا، والذي نفسي بيدِه إن الشَّمْلَةَ التي أخذها يومَ خيبرَ من المغانم لم تُصِبها المَقاسِم لَتشتَعِلُ عليه ناراً" فلما سمعوا ذلك جاء رجلٌ بشِراكٍ أو شِراكَين إلى رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "شِراكٌ من نارٍ -أو قال: شِراكان مِن نارٍ-" (1).
142 -
باب في الغُلول اذا كان يسيراً يتركه الإمام ولا يُحرِق رحلَه
2712 - حدَّثنا أبو صالحٍ محبوبُ بن مُوسى، أخبرنا أبو إسحاق الفزاريُّ، عن عبد الله بن شَوذَبٍ، حدَّثني عامرٌ -يعني ابنَ عبدِ الواحد، عن ابن بُريدةَ1
عن عبد الله بن عَمرٍو، قال: كان رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- إذا أصاب غنيمةً أمر بلالاً فنادى في النَّاس فيجيئون بغنائِمهم فيُخَمِّسُه ويَقسِمُه، فجاء رجل بعدَ ذلك بزمامٍ من شَعر فقال: يا رسولَ الله، هذا فيما كنا أصبنا من الغنيمة، فقال: "أسمعتَ بلالاً يُنادي؟ " ثلاثاً، قال: نعم، قال: "فما منعك أن تجيء به؟ " فاعتَذر إليه فقال: "كن أنتَ تجيءُ به يومَ القيامة، فلن أقبلَه عنك" (1).
143 -
باب في عقوبة الغالِّ
2713 - حدَّثنا النُّفيليُّ وسعيد بن منصور، قالا: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ -قال النُّفيليُّ: الأنْدَرَاوَردِيُّ- عن صالح بن محمدِ بن زائدةَ قال: دخلتُ مع مَسلَمةَ أرضَ الرُّومِ، فأُتي برجلٍ قد غَلَّ، فسألَ سالماً عنه، فقال: سمعتُ أبي يحدث عن عمر بن الخطاب، عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-، قال: "إذا وجَدتُم الرجلَ قد غلَّ فأحرِقُوا مَتاعَه واضرِبُوه"1
قال: فوجدنا في متاعِه مُصحفاً، فسأل سالماً عنه فقال: بعْه وتَصدَّق بثمنِه 1.
2714 - حدَّثنا أبو صالح محبوبُ بن مُوسى الأنطاكيُّ، أخبرنا أبو إسحاقَ، عن صالحِ بن محمدٍ، قال:
غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالمُ بنُ عبدِ الله بن عُمر وعمرُ ابن عبد العزيز، فغَلَّ رجلٌ متاعاً، فأمر الوليدُ بمتاعِه فأُحرِقَ، وطِيْفَ به، ولم يُعْطِهِ سَهْمَه 1.
قال أبو داود: وهذا أصِحُّ الحديثين، رواه غيرُ واحدٍ أن الوليد ابنِ هشام حرَّقَ رحْلَ زيادٍ شَغَر، وكان قد غَلَّ، وضربَه.
قال أبو داود: شَغر لقبُه.
2715 - حدَّثنا محمد بن عَوفٍ، حدَّثنا مُوسى بن أيوبَ، حدَّثنا الوليدُ بن مُسلم، حدَّثنا زُهيرُ بنُ محمدٍ، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه
عن جده: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعُمرَ حرّقُوا متاع الغالِّ وضربُوه 2. = يقولون: يحرق رحلُ الغالِّ، ويروون فيه حديثاً عن الحسن رضي الله عنه، قال: يؤخذ الغلول من رحله ثم يُحرق رحلُه إلا أن يكون فيه مصحف، وأصحاب الحسن يروونه عنه موقوفاً، وقد ذكر الأوزاعي عن الحسن هذا الحديث مرفوعاً، ولكن الفقهاء لم يُصححوا هذا الحديث، لأنه شاذ يرويه مجهول لا يعرف، فإن الأوزاعي لم يذكر اسم الرجل الذي بينه وبين الحسن، ثم هو مخالف للأحاديث المشهورة أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- ألحق الوعيد بكل من ظهر منه غلول، ولم يشتغل بإحراق رحل أحد ...
قال أبو داود: وزاد فيه عليُّ بن بَحْرِ عن الوليدِ -ولم أسمعْه منه-: ومَنَعُوه سهمَه.
وحدَّثنا به الوليد بن عتبةَ وعبدُ الوهاب بن نَجْدةَ، قالا: حدَّثنا الوليدُ، عن زهيرِ بن محمد، عن عَمرو بن شُعيبٍ قولَه: لم يذكُر عبدُ الوهّاب بن نَجْدةَ الحَوطِيُّ: منع سهمه.
144 -
باب النهيِ عن السَّترِ على مَن غَلَّ
2716 - حدَّثنا محمدُ بن داودَ بن سفيانَ، حدَّثنا يحيي بنُ حَسَّانَ، حدَّثنا سليمانُ بن موسى أبو داود، حدَّثنا جعفرُ بن سَعدِ بن سَمُرةَ بن جُندب، حدثني خُبيبُ بن سُليمانَ، عن أبيه سليمانَ بنِ سَمُرةَ
عن سَمرةَ بن جُندب: أما بعدُ، وكان رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقولُ: "مَنْ كَتَم غَالا فإنه مثلُه" 1. = إنه اختلف عنه في رفعه ووقفه، إذ روي من طريقه مرة من قول عمرو بن شعيب لم يجاوزه، كما أشار إليه المصنف.
وأخرجه ابن الجارود (1082)، والحاكم 2/ 130 - 131، والبيهقي 9/ 102 من طريق الوليد بن مسلم، بهذا الإسناد.
وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي! لكن ضعفه البيهقي، والحق ما قال.
145 -
باب في السَّلَبِ يُعطَى القاتل
2717 - حدَّثنا عبدُ الله بن مَسلَمةَ القَعنبيُّ، عن مالكٍ، عن يحيى بنِ سَعيدٍ، عن عمرَ بن كثيرِ بن أفلحَ، عن أبي محمدٍ مولى أبي قَتادةَ
عن أبي قتَادةَ، قال: خرجْنا مع رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم- في عامِ حنينٍ، فلما التقينا كانت للمسلمين جَولَةٌ، قال: فرأيتُ رجلاً من المشركين قد عَلا رجلاً مِنَ المُسلمين، قال: فاستدَرْتُ له حتى أتيتُه من ورائه، فضربتُه بالسيفِ على حَبْل عاتقِه، فأقبلَ عليَّ، فضَمَّني ضَمَّةً وجدتُ منها ريحَ الموت، ثم أدركه الموتُ فأَرسلَني، فلحقتُ عمرَ بن الخطاب فقلتُ له: ما بالُ الناسِ؟ قال: أمرُ الله، ثم إن الناسَ رجَعوا، وجلسَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- وقال: "مَن قَتَل قَتِيلاً لَهُ عليه بيِّنَةٌ، فله سلَبُه" قال: فقمتُ، ثم قلتُ: من يشهدُ لي؟ ثم جلستُ، ثم قال: "مَن قتل قتيلاً له عليه بينةٌ، فله سلَبُه" قال: فقمتُ، ثم قلتُ: من يشهدُ لي؟ ثم جلستُ، ثم قال ذلك الثالثةَ، فقمتُ، فقالَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "ما لك يا أبا قتادةَ؟ " فاقتصَصْتُ عليه القصةَ، فقال رجل من القوم: صَدَق يا رسولَ الله، وسَلَبُ ذلك القتيلِ عندي، فأَرْضِه منْه، فقال أبو بكر الصديق: لاها اللهِ إذا، يَعْمِدُ إلى أسدٍ من أُسْدِ الله، يقاتِل عن الله وعن رسوله، فيعطيك سَلبَه، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "صَدَقَ، فأعطِه إياهُ".
فقال أبو قتادةَ: فأعطانِيه، فبعتُ الدِّرعَ، فابتَعْتُ مَخْرَفاً في بني سَلِمةَ، فإنه لأوَّلُ مالٍ تَأثَّلْتُهُ في الإسلام 1.
2718 - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حمّاد، عن إسحاقَ بن عبد الله ابن أبي طلحةَ = وهو في "موطأ مالك" 2/ 454.
وأخرجه البخاري (3142)، ومسلم (1751)، وابن ماجه (2837) والترمذي (1649) و (1650) من طريق يحيى بن سعيد، به.
ورواية ابن ماجه مختصرة بلفظ: أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- نفله سلَبَ قتيل، قتله يوم حُنين.
وهو في "مسند أحمد" (22518) و (22607)، و"صحيح ابن حبان" (4805).
قال الخطابي: "حبل العاتق": وصلة ما بين العنق والكاهل.
وقوله: "لاها الله إذاً"، هكذا يروى، والصواب: "لاها الله ذا" بغير ألف قبل الذال، ومعناه في كلامهم: لا والله، يجعلون الهاء مكان الواو.
ومعناه: لا والله لا يكون ذا.
و"المخرف" بفتح الميم: البستان، يريد حائط نخل يُخترف منه الثمر، فأما المِخرف بكسر الميم: فالوعاء الذي يُخرف فيه الثمر.
وقوله: "تأثَّلْتُه" معناه: تملكتُه، فجعلته أصل مالٍ.
وأثَلَةُ كل شيء: أصله، ويقال: تأثَّل مِلكُ فلانٍ: إذا كثُر.
وقال النووي في "شرح مسلم": اختلف العلماء في معنى هذا الحديث: فقال الشافعي ومالك والأوزاعي والليث والثوري وأبو ثور وأحمد وإسحاق وابن جرير وغيرهم: يستحق القاتل سلب القتيل في جميع الحروب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك: من قتل قتيلاً فله سلبه، أم لم يقل ذلك.
قالوا: وهذه فتوى من النبي -صلَّى الله عليه وسلم- وإخبار عن حكم الشرع فلا يتوقف على قول أحدٍ.
وقال أبو حنيفة ومالك ومن تابعهما رحمهم الله تعالى: لا يستحق القاتل بمجرد القتل سلب القتيل، بل هو لجميع الغانمين كسائر الغنيمة إلا أن يقول الأمير قبل القتال: من قتل قتيلاً فله سلبه، وحملوا الحديث على هذا، وجعلوا هذا إطلاقاً من النبي -صلَّى الله عليه وسلم-، وليس بفتوى وإخبار عام، وهذا الذي قالوه ضعيف، لأنه صرح في هذا الحديث بأن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قال هذا بعد الفراغ من القتاد واجتماع الغنائم، والله أعلم.
قال: ثم إن الشافعي رضي الله عنه يشترط في استحقاقه أن يغزو بنفسه في قتل كافر ممتنع قي حال القتال، والأصح أن القاتل لو كان ممن له رضْخ ولا سهم له كالمرأة والصبي والعبد استحق السَّلَب، وقال مالك رضي الله عنه: لا يستحقه إلا المقاتل، وقال الأوزاعي والشاميون: لا يستحق السلب إلا في قتيل قتله قبل التحام الحرب، فأما من قتل في التحام الحرب فلا يستحقه.
عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- يومئذٍ -يعني يومَ حُنينٍ- "من قتلَ كافراً فله سَلبَه" فقتَل أبو طلحةَ يومئذ عشرينَ رجلاً وأخذ أسلابَهُم، ولقي أبو طلحةَ أُمَّ سُليمٍ ومعها خِنْجَرٌ، فقال: يا أُم سليم، ما هذا معك؟ قالت: أردْتُ والله إن دنا منِّي بعضُهم أبْعَجُ به بطنَه، فأخبر بذلك أبو طلحةَ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم- (1).
قال أبو داود: هذا حديث حسنٌ.
قال أبو داود: أردنا بهذا الخِنْجرَ، وكان سلاحَ العَجَم يومئذ الخِنجرُ (2).
146 -
باب في الإمام يمنع القاتل السلب إن رأى، والفرسُ والسلاحُ من السَّلَبِ
2719 - حدّثنا أحمد بن محمد بن حنبل، حدّثنا الوليد بن مُسلم، حدّثني صفوانُ بن عَمرو، عن عبد الرحمن بن جُبيرِ بن نُفَيرِ، عن أبيه عن عَوفِ بن مالكِ الأشجعىِّ، قال: خرجتُ مع زيدِ بن حارثةَ في غزوة مُؤْتَةَ ورَافَقَني مَدَدِيٌّ في أهل اليمن، ليس معه غيرُ سيفِه، فنحر رجلٌ من المسلمين جَزُوراً، فسأله المدَدِيُّ طائفةً من جِلْدهِ،12
فأعطاهُ إياهُ، فاتخذه كهيئةِ الدَّرَقِ ومضَينا فلقِينا جُموعَ الرُّوم، وفيهم رجلٌ على فرسِ له أشقرَ عليه سَرجٌ مُنْ مُذْهَبٌ وسِلاح مُذْهَبٌ، فجعل الروميُّ يُغرِي بالمسلمين، فقعدَ له المَدَدِّيُّ خلفَ صخرةٍ، فمرَّ به الروميُّ فَعَرْقَب فَرسه، فخرَّ، وعلاه فقتَلَه وحازَ فرسَه وسلاحَه، فلما فتحَ اللهُ عزَ وجلَّ للمسلمين بعثَ إليه خالدُ بنُ الوليدِ، فأخذ من السلب، قال عوفٌ: فأتيتُه فقلتُ: يا خالدُ، أما علمتَ أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قضى بالسَّلبَ للقاتِل؟ قال: بلى، ولكني استكثرْتُه، قلتُ: لَتردَّنهُ إليه أو لأعرفَنَّكَهَا عندَ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فأبى أن يردَّ عليه، قال عوفٌ: فاجتمعْنا عندَ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فقصَصَتُ عليه قصةَ المَدديِّ، وما فعلَ خالدٌ، فقالَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "يا خالدُ، ما حَمَلَك على ما صنعتَ؟ " قال: يا رسولَ الله، لقد استكْثرْتُه، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "يا خالدُ، رُدَّ عليه ما أخذتَ منه" قال عوفٌ: فقلتُ: دونَك يا خالدُ، ألم أفِ لكَ؟ فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- "وما ذلك؟ " قال: فأخبرتُه، قال: فغضِبَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فقال: "يا خالدُ، لا تَرُدَّ عليه، هل أنتم تاركو 1 لي أُمَرائي؟ لكُم صِفوةُ أمرِهم وعليهم كَدَرُهُ" 2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه مسلم (1753) من طريق الوليد بن مسلم، بهذا الإسناد.
وأخرجه كذلك (1753) من طريق معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير ابن نفير، به.
وانظر ما بعده، وما سيأتي برقم (2721).
قوله: يُغري، من الإغراء وتشجيع الكافرين على المسلمين، وفي النسخة التى شرح عليها الخطابي: يفريَ من الفرْي، وهو شدة النكاية في المسلمين، يقال: فلان يفري الفري إذا كان يبالغ في الأمر، وأصل الفري القطع.
وقال الخطابي: وقوله: "لأعرفنَّكها" يريد لأجازينك بها حتى تعرف صنيعك.
قال الفراء: العرب تقول للراجل إذا أساء إليه رجل:! لأعرفنَّ لك عن هذا" أي: لأجازينك عليه، تقول هذا لمن تتوعده: قد علمت ما علمت، وعرفت ما صنعت، ومعناه: سأجازيك عليه، لا أنك تقصد إلى أن تعرِّفه أنك قد علمت فقط، ومنه قول الله عز وجل ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: 3] قراءة الكسائي بالتخفيف.
وقد روي ذلك عن عاصم في إحدى الروايتين، قال: ومعنى "عرف" جازى.
قال الخطابي: وفي الحديث من الفقه: أن الفرس من السلب، وأن السلب ما كان قليلاً أو كثيراً فإنه للقاتل، لا يخمس، ألا ترى أنه أمر خالداً بردّه عليه مع استكثاره إياه، وإنما كان ردّه إلى خالد بعد الأمر الأول بإعطائه القاتل نوعا من التكبر على معروف، وردعاً له وزجراً، لئلا يتجرأ الناس على الأئمة، ولئلا يتسرعوا إلى الوقيعة فيهم، وكان خالد مجتهداً في صنيعه ذلك، إذا كان قد استكثر السلب، فأمضى له رسول -صلَّى الله عليه وسلم- اجتهاده، لما رأى في ذلك من المصلحة العامة، بعد أن كان خطأه في رأيه الأول، والأمر الخاص مغمور بالعام، واليسير من الضرر محتمل للكثير من النفع والصلاح.
ويشبه أن يكون النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قد عوّض المدديَّ من الخمس الذي هو له، وترضّى خالداً بالصفح عنه، وتسليم الحكم له في السلب.
وفيه دليل على أن نسخ الشيء قبل الفعل جائز، ألا ترى أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- أمره بإمساكه قبل أن يَردَّه، فكان في ذلك نسخ لحكمه الأول؟
و"الصفوة" مكسورة الصاد، خلاصة الشىء، وما صفا منه.
إذا أثبت الهاء قلت: صفوة بكسر الصاد، وإذا حذفتها قلت: صفو بفتحها.
2720 - حدّثنا أحمد بن محمد بن حَنبلٍ، حدَّثنا الوليدُ، قال: سألتُ ثَوراً عن هذا الحديثِ، فحدَّثني عن خالدِ بن مَعدانَ، عن جُبيرِ بن نُفيرٍ، عن عوفِ ابن مالكٍ الأشجعيِّ، نحوه (1).
147 -
باب في السَّلب لا يُخَمَّس
2721 - حدَّثنا سعيدُ بن مَنصور، حدَّثنا إسماعيلُ بن عيَّاشِ، عن صفوانَ ابن عَمروٍ، عن عبد الرحمن بن جُبيرِ بن نُفَير، عن أبيه عن عوفِ بن مالكٍ الأشجعيِّ وخالدِ بن الوليد: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قَضَى بالسّلَب للقاتِل، ولم يُخَمِّس السَّلَبَ 2.1
148 -
باب من أجازَ على جريحٍ مُثخَنٍ يُنَفَّل من سَلَبِهِ
2722 - حدَّثنا هارونُ بن عبَّاد الأزديُّ، حدَّثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ عن عبد الله بن مَسعودٍ، قال: نَفَّلني رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يومَ بدرٍ سَيفَ أبي جَهْل، كان قتَلَه (1).
149 -
باب فيمن جاء بعد الغنيمةِ لاسَهْمَ له
2723 - حدّثنا سعيدُ بن منصور، حدّثنا إسماعيلُ بن عيَّاش، عن محمد ابن الوليد الزُّبَيديِّ، عن الزُّهريِّ أن عَنْبَسةُ بن سعيد أخبره أنه سمع أبا هُريرةَ يُحدَّث سعيدَ بن العاص أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- بعثَ أبانَ بن سعيدِ بن العاصِ على سَريّةٍ من المدينةِ قِبَلَ نَجْدٍ، فقدِم أبانُ بن سعيد وأصحابُه على رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- بخيبرَ بعد أن فتحها، وإنَّ حُزُمَ خَيلِهم لِيْفٌ، فقال أبانُ: اقْسِمْ لنا يا رسولَ الله، فقال أبو هُريرةَ: فقلتُ: لا تَقْسِم لهم يا رسولَ الله، فقال أبانُ: أنتَ بها يا وَبْرُ، تحدَّرَ علينا من رأس ضَالٍ،1 = وقال الطحاوي في "شرح معاني الآثار" 3/ 231: كل من كان من أهل العسكر في دار الحرب لا يستحق أحدٌ منهم شيئاً مما تولَّى أخذه من أسلاب القتلى وغيرها، إلا كما يستحق منه سائرُ أهل العسكر، إلا أن يكونَ الإمامُ نفَّله من ذلك شيئاً، فيكون ذلك له بتنفيل الإمام لا بغير ذلك ... وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، رحمة الله عليهم أجمعين.
فقال النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم-: "اجلِسْ يا أبانُ"، ولم يَقْسِمْ لهم رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- 1.
2724 - حدَّثنا حامدُ بن يحيى البَلْخِيُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدّثنا الزهريُّ، وسأله إسماعيلُ بن أُميةَ، فحدثَنَاه الزُّهريُّ أنه سمع عَنبَسةَ بنَ سعيد القرشىَّ يحدثُ عن أبي هُريرةَ، قال: قدمتُ المدينةَ ورسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم- بخيبرَ حين افتتحها، فسألتُه أن يُسهِمَ لي، فتكلم بعضُ ولدِ سعيدِ بن العاصِ، فقال: لا تُسْهِم له يا رسول الله، قال: فقلتُ: هذا قاتِلُ ابنِ قَوْقَلٍ، فقال سعيدُ ابن العاص: يا عجباً لوبْرٍ قد تدلَّى علينا من قَدومِ ضالٍ، يُعيِّرنُي بقتْل امرىءٍ مسلمٍ أكرَمَهُ الله تعالى على يديَّ، ولم يُهِنِّي على يدَيه 1.
قال أبو داود: هؤلاء كانوا نحو عشرة، فقُتِل منهم ستةٌ ورجع من بقي.
2725 - حدَّثنا محمد بن العَلاء، حدَّثنا أبو أُسامةَ، حدَّثنا بُريد، عن أبي بُردةَ عن أبي موسى، قال: قدِمنا فوافَقنا رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- حين افتتح خيبرَ، فأسهم لنا -أو قال: فأعطانا منها- وما قَسمَ لأحدٍ غابَ عن فتحِ خيبرَ منها شيئاً إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتِنا جعفرٍ وأصحابِه، فأسهمَ لهم معهم 1.
2726 - حدَّثنا محبوبُ بن مُوسى أبو صالح، أخبرنا أبو إسحاقَ الفَزَاريُّ، عن كُليبِ بن وائلٍ، عن هانىء بن قَيس، عن حبيبِ بن أبي مُلَيكةَ
عن ابن عمر، قال: إن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قامَ -يعني يومَ بدرٍ- فقال: "إن عُثمانَ انطلقَ في حاجةِ اللهِ وحاجةِ رسولهِ، وإني أُبايعُ له"، فضربَ له رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- بسهمٍ، ولم يضربْ لأحدٍ غابَ غيرِه 2. = وكان الأوزاعى يقول: إذا أَدْرَبَ [أي: دخل الدرب]، قاصداً في سبيل الله أسهم له، شهد القتال أو لم يشهد.
150 -
باب في المرأةِ والعبدِ يُحْذَيان من الغنيمةِ
2727 - حدَّثنا محبوبُ بن موسى أبو صالحٍ، حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزَاريُّ، عن زائدةَ، عن الأعمشِ، عن المُختار بن صَيفيٍّ، عن يزيدَ بن هُرمُزَ قال:
كتب نَجْدَةُ إلى ابنِ عباسٍ يسألُه عن كذا وعن أشياءَ، وعن المملوكِ: ألَهُ في الفيء شيءٌ؟ وعن النساءِ: هل كُنَّ يَخرجْن مع النبيَّ = وأخرجه الخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق" 2/ 5، والمزي في ترجمة حبيب بن أبي مليكة عن "تهذيب الكمال" 5/ 401 - 402 من طريق أبي إسحاق الفزاري، بهذا الإسناد.
وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (5774)، وفي "شرح معاني الآثار" 3/ 244، والطبراني في "الأوسط" (8494) من طريق عبد الواحد بن زياد، عن كليب بن وائل، به.
وقد سقط اسمُ عبد الواحد من مطبوع "المشكل" واستدركناه من "شرح المعاني".
وأخرجه ابن أبي شيبة 12/ 46 - 47، وابن حبان (6909)، والمزي في ترجمة حبيب من "تهذيب الكمال" من طريق زائدة بن قدامة، والحاكم 3/ 98 من طريق معتمر بن سليمان، كلاهما عن كليب بن وائل، عن حبيب بن أبي مليكة، عن ابن عمر.
فلم يذكرا في الإسناد هانىء بن قيس، ولم يتعقَّب المزيُّ هذا الأمر بشيءٍ.
وقد صرح كليبٌ بسماعه من حبيب في رواية المعتمر!
وأخرج البخاري (3130) من طريق عثمان بن موهب، عن ابن عمر قال: إنما تغيب عثمان عن بدرٍ، فإنه كانت تحته بنتُ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- وكانت مريضة، فقال له النبي -صلَّى الله عليه وسلم-: "إن لك أجرَ رجلٍ ممن شهد بدراً وسهمَه" وهو في "مسند أحمد" (5772).
قال الخطابي: هذا خاصٌّ لعثمان رضي الله عنه.
لأنه كان مُمرِّض ابنة رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-.
وهو معنى قوله: "حاجة الله وحاجة رسوله" يريد بذلك حاجة عثمان في حق الله وحق رسوله، وهذا كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: 27] وإنما هو رسول الله إليهم.
ومن احتج بهذا في وجوب القسم لمن لحق الجيش قبل القسم، فهو غير مُصيب، وذلك أن عثمان رضي الله عنه كان بالمدينة.
وهذا القائل لا يقسم لمن كان في المصر.
فلا موضع لاستدلاله فيه.
-صلَّى الله عليه وسلم-؟ وهل لهن نَصيبٌ؟ فقالَ ابنُ عباسٍ: لولا أن يأتيَ أُحمُوقَةً ما كتبتُ إليه، أما المملوكُ فكان يُحْذَى، وأما النساءُ فقد كُنَّ يُداوينَ الجَرحى ويَسْقِينَ الماءَ 1. 2728 - حدَّثنا محمدُ بن يحيى بن فارسٍ، حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ -يعني الوَهْبىَّ- حدَّثنا ابن إسحاقَ، عن أبي جعفر والزُّهريِّ، عن يزيدَ بن هُرمزَ، قال: كتب نجْدةُ الحَروريُّ إلى ابن عباسٍ يسألُه عن النساءِ: هل كُنَّ يشهدْنَ الحربَ مع رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-؟ وهل كان يُضربُ لهن بسهمٍ؟ قال: فأنا كتبتُ كتابَ ابنِ عباسٍ إلى نَجْدةَ: قد كُنَّ يَحضُرنَ الحربَ
مع رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فأما أن يُضْرَبَ لهنَّ بسهمٍ فلا، وقد كانَ يُرضَخُ لهن 1. 2729 - حدَّثنا إبراهيمُ بن سعيد وغيرُه، قا لا: أخبرنا زيدٌ -يعنى ابنَ الحُبابِ- قال: حدَّثنا رافعُ بن سَلَمةَ بنِ زياد، حدثني حَشرَجُ بن زياد عن جدتِه أم أبيه: أنها خرجتْ مع رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم- في غزوةِ خيبرَ سادسَ سِتّة نِسْوَةٍ، فبلغَ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فبعث إلينا، فجئنا فرأينا فيه الغضبَ، فقال: " مَعَ مَنْ خَرَجْتُنَّ، وبإذنِ مَنْ خَرَجْتُنَّ؟ " فقلنا: يا رسولَ الله، خرجنا نغزِل الشَّعرَ، ونُعينُ في سبيلِ الله، ومعَنا دواءٌ للجَرحى، ونُناول السِّهامَ، ونَسقي السَّويق، فقال: "قُمْنَ" حتى إذا فتحَ اللهُ عليه خيبرَ أسهم لنا كما أسهم للرجالِ، قال: قلتُ لها: يا جدَّةُ، وما كانَ ذلك؟ قالت: تمراً 2.
2730 - حدَّثنا أحمد بن حنبل، حدَّثنا بشرٌ -يعني ابنَ المُفضَّل- عن محمدِ بن زيدٍ، قال:
حدَّثني عُميرٌ مولى آبي اللّحْم، قال: شهدتُ خيبرَ مع سادتي فكلَّموا فيَّ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فأمر بي فقُلِّدْتُ سيفاً، فإذا أنا أجُرُّه، فأخبِر أني مملوكٌ، فأمر لي بشيءٍ من خُرْثِيِّ المَتاع 1.
قال أبو داودَ: وقال أبو عُبيدٍ: كان حَرَّمَ اللحمَ على نفسِه، فسُمي آبيَ اللحمِ.
2731 - حدَّثنا سعيدُ بن منصورٍ، حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ
عن جابرٍ، قال: كنتُ أمِيحُ أصحابي الماءَ يومَ بدر 2. = وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يرضخ للنساء من الغنيمة، وإنما يرضخ لهن من خمس الخُمس سهم النبي -صلَّى الله عليه وسلم-، وقد روي في هذا الحديث أنها قالت: أسهم لنا تمراً.
والتمر طعام، وليس الطعام كسائر الأموال.
وقال مالك بن أنس: لا يُسهِم للنساء ولا يُرضخ لهن شيئاً.
قال أبو داود: معناه لم يُسْهَم له.
151 -
باب في المشرِك يُسهَمُ له
2732 - حدَّثنا مُسدَّدٌ ويحيى بنُ مَعينٍ، قالا: حدَّثنا يَحيى، عن مالكٍ، عن الفُضَيل، عن عبدِ الله بن نِيَارِ، عن عُروةَ = وهو في "سنن سعيد بن منصور" (2466).
وأخرجه ابن أبي شيبة 14/ 359 والبخاري في "التاريخ الكبير" 2/ 27، وفي " التاريخ الأوسط" 1/ 193,وأبو يعلى (2315)، والبيهقي 9/ 31 من طريق الأعمش، به.
قال ابن ماكولا في "تهذيب مستمر الأوهام" ص 215: شهود جابر العقبة صحيح، وأما بدرا فليس بصحيح، وأهل العلم بالسير ينكرون ذلك.
قال ابن ماكولا ذلك رداً على الدارقطني إذ قال في "المؤتلف والمختلف" في باب حبتة وروى حديثا في استصغار النبي -صلَّى الله عليه وسلم- لعدد من الصحابة يوم أحد وذكر منهم جابر بن عبد الله فقال الدارقطني: أخاف ألا يكون حفظ فيه جابرا، لأن جابرا شهد العقبة مع أبيه وخاله، وشهد بدرا (النص في المطبوع فيه تحريف صوبناه من "تهذيب مستمر الأوهام").
وكذلك قال أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي أحد رواة الحديث الذي أسنده الدارقطني بعد أن رواه: أخاف أن لا يكون حفظ جابر.
أخرجه البخاري في "التاريخ الأوسط " 1/ 161 وغيره.
لكن ذكر الحافظ في "الإصابة" في ترجمة جابر بن عبد الله رجل من الأنصار، أن ابن فتحون ذكر عن ابن سعد أنه أسند الحديث نفسه في استصغار عدد من الصحابة يوم أحد، وقال في روايته: وجابر بن عبد الله وليس بالذي يُروى عنه الحديث.
قلنا: فهذا إن صح يكون صحابيا آخر، فيسلم حديثنا من الطعن، ويكون الذي شهد بدراً هو جابر بن عبد الله بن حرام الصحابي المعروف، والذي استُصغر آخرُ هو سميُّ جابر، ويكون هو الذي عناه أهل السِّير، ويكون ابن ماكولا في دعواه واهماً، ويكون الدارقطني وأبو منصور من قبله واهمين أيضا، لأنهما ظنا أنه جابر بن عبد الله الصحابى المعروف، والله تعالى أعلم.
قال الخطابي: "المايْح" هو الذي ينزل إلى أسفل البئر، فيملأ الدلو، ويرفعها إلى الماتح.
وهو الذي ينزع الدلو.
عن عائشة - قال يحيى: إن رجلاً من المشركين لَحِقَ بالنبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم- ليقاتِل معه، فقال: "إرجِعْ" ثم اتفقا - فقال: "إنا لا نَستعينُ بمُشرِكٍ" 1.