كتاب المناسك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السجستاني، أبو داود
- الكتاب
- سنن أبي داود
- المؤلف
- أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
- المحقق
- شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
- الناشر
- دار الرسالة العالمية
- الطبعة
- الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عن خَبّابٍ، قال: أتينا رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- وهو مُتوسد بُردةً في ظلِّ الكعبة، فشكَونا إليه فقلْنا: ألا تستَنْصِر لنا، ألا تدعُو اللهَ لنا؟ فجلس مُحمَرّاً وجهُه فقال: "قد كانَ مَن قبلَكم يؤخَذُ الرجلُ فيُحفَر له في الأرض، ثم يُؤتى بالمِنشارِ، فيُجعَل على رأسِه فيجعل فرقَتَينِ، ما يصرِفُه ذلك عن دينه، ويُمشطُ بأمشاطِ الحديدِ، ما دون عظمِه من لحم وعَصَبٍ، ما يصرِفُه ذلك عن دينه، والله لَيُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمرَ حتى يسيرَ الراكبُ ما بين صنعاءَ وحضرموتَ، ما يَخافُ إلا الله والذئبَ على غنمِه، ولكنكم تَعْجَلون" (1).
106 -
باب في حكم الجاسوس إذا كان مسلماً
2650 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرو، حدثه حَسنُ بن محمدِ ابن علي، أخبرَه عُبيدُ الله بن أبي رافع -وكان كاتباً لعلي بن أبي طالب- قال: سمعتُ علياً يقولُ: بعثَني رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- أنا والزبيرَ والمقدادَ، فقال:، انطلِقُوا حتى تأْتوا رَوضَة خَاخٍ، فإن بها ظَعينةً معها كتابٌ فخذُوه منها، فانطلَقْنا تتعادى بنا خَيلُنا حتى أتينا الرَّوضةَ، فإذا نحن بالظَّعينةِ، فقلنا: هَلُمِّي الكتابَ، قالت: ما عندي مِن كتابٍ، فقلتُ: لتُخْرِجِنَّ الكتابَ، أو لنُلْقِيَنَّ الثيابَ، فأخرجتْه من عِقاصِها، فأتينا به النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-، فإذا هو: من حاطبِ بن أبي بَلْتَعَةَ إلى ناسٍ من المشركين،1
يُخبرهم ببعض أمرِ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فقال: "ما هذا يا حاطبُ؟ " فقال: يا رسولَ الله، لا تعجَلْ عليَّ فإني كنتُ امرأً مُلْصقَاً في قريش، ولم أكن من أنفُسِها، وإن قريشاً لهم بها قَراباتٌ يحمُونَ بها أهليهم بمكةَ، فأحببتُ إذ فاتني ذلك أن أتخذ فيهم يداً يحمُون قرابتي بها، واللهِ ما كان بي كُفرٌ ولا ارتدادٌ، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "صَدَقَكم" فقال عمرُ: دَعْني أضْربْ عُنُقَ هذا المنافقِ، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "قد شهد بدراً، وما يُدريك لعلَّ اللهَ اطَّلع على أهلِ بدر فقال: اعمَلُوا ما شئتم فقد غَفرْتُ لكم" 1.
2651 - حدَّثنا وهبُ بن بقيةَ، عن خالدٍ، عن حُصَين، عن سعد بن عُبيدةَ، عن أبي عبد الرحمن السُّلمَي، عن عليٍّ، بهذه القصة، قال:
انطلق حاطبٌ فكتب إلى أهل مكةَ: أن محمداً قد سار إليكم، وقال فيه: قالت: ما معي كتابٌ، فانْتَحيناها، فما وجدنا معها كتاباً، فقال عليٌّ: والذي يُحلَفُ به لأقْتُلَنَّكِ أو لتُخْرِجِنَّ الكتابَ، وساق الحديثَ 1. = وقال مالك: لم أسمع فيه شيئاً، وأرى فيه اجتهاد الإمام.
وقال الشافعي: إذا كان هذا من الرجل ذي الهيئة بجهالة، كما كان من حاطب بجهالة، وكان غير متهم أحببتُ أن يُتجافى عنه.
وإن كان من غير ذي الهيئة كان للإمام تعزيره.
وفي الحديث من الفقه أيضاً: جواز النظر إلى ما يكشف من النساء لاقامة حدٍّ، أو إقامة شهادة في إثبات حقٍّ، إلى ما أشبه ذلك من الأمور.
وفيه دليل على أن من كفَّر مسلماً، أو نفقه على سبيل التأويل، وكان من أهل الاجتهاد لم تلزمه عقوبة.
ألا ترى أن عمر رضي الله عنه قال: "دعني أضرب عنق هذا المنافق" وهو مؤمن، وقد صدقه رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- فيما ادعاه من ذلك، ثم لم يعنف عمر فيما قاله؟ وذلك أن عمر لم يكن منه عدوان في هذا القول على ظاهر حكم الدين إذ كان المنافق هو الذي يظهر نُصرة الدين في الظاهر، ويبطن نصرة الكفار، وكان هذا الصنيع من حاطب شبيهاً بأفعالِ المنافقين، إلا أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- قد أخبر أن الله تعالى قد غفر له ما كان منه من ذلك الصنيع، وعفا عنه، فزال عنه اسم النفاق، والله أعلم.
107 -
باب في الجاسوس الذمي
2652 - حدَّثنا محمد بن بشار، حدثني محمد بن مُحَبَّب أبو همامٍ الدَّلَّالُ، حدَّثنا سفيانُ بن سعيدٍ، عن أبي اسحاقَ، عن حارثةَ بن مُضَرَّب
عن فُرَات بن حَيانَ: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- أمر بقتله، وكان عيناً لأبي سفيانَ، وحليفاً لرجل من الأنصار، فمر بحلْقة من الأنصار فقال: إني مسلمٌ, فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله، إنه يقول: إننى مسلمٌ فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "إن منكم رجالاً نكلُهُم إلى إيمانِهم، منهم فراتُ بن حَيَّانَ" 1. = وهو في "مسند أحمد" (827). وانظر ما قبله.
قوله: فانتحيناها، أي: قصدناها.
108 -
باب في الجاسوس المستأمَن
2653 - حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، حدَّثنا أبو نعيم، حدَّثنا أبو عميس، عن ابن سلمة بن الأكوع عن أبيه، قال: أتى النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- عينُ المشركين وهو في سفر، فجلس عند أصحابه ثم انسَلَّ، فقال النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم-: "اطلُبوه، فاقتُلوه" قال: فسبقتُهم إليه فقتلتُه، وأخذتُ سَلَبَهَ، فنفَّلَني إياه 1. 2654 - حدَّثنا هارونُ بن عبدِ الله، أن هاشمَ بن القاسمِ وهشاماً حدثاهم، قالا: حدَّثنا عكرمةُ بن عمار، قال: حدَّثني إياس بن سلمةَ قال: حدَّثني أبي، قال: غزوتُ مع رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- هوَازنَ، قال: فبينما نحنُ نَتضَحَّى وعامَّتُنا مُشاةٌ وفينا ضَعَفَةٌ إذ جاء رجلٌ على جمل أحمرَ، فانتزع طَلَقاً من حَقو البعيرِ فقيَّد به جملَه، ثم جاء يتغذَّى مع القومِ، فلما رأى ضعَفَتَهم ورِقَّةَ ظهرِهم خرج يعدُو إلى جملِه،
فأطلَقه ثم أناخَه فقعَد عليه، ثم خرج يَرْكُضه، واتَّبعه رجلٌ من أسلَمَ على ناقة وَرقَاءَ هي أمثَلُ ظَهْرِ القوم، فخرجتُ أعدُو، فأدركتُه، ورأسُ النَّاقة عند وَرِك الجمل، وكنت عند وَرِك الناقة، ثم تقدَّمتُ، حتى كنت عند وَرِك الجمل، ثم تقدَّمتُ، حتى أخذْتُ بخُطامِ الجمل، فأنَخْتُه، فلما وضَعَ رُكبتَه بالأرضُ اختَرَطْتُ سيفي فأضربُ رأسه، فَنَدَرَ، فجئتُ براحلتِه وما عليها أقودُها، فاستقبَلَني رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- في الناسِ مُقبلاً، فقال: "مَن قَتَل الرَّجُلَ؟ " فقالوا: سلمة بن الأكْوعِ، فقال: "له سَلَبُهُ أجمعُ" 1. قال هارونُ: هذا لفظُ هاشم.
109 -
باب في أيِّ وقتٍ يُستحب اللقاء
2655 - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حماد، أخبرنا أبو عِمرانَ الجَوني، عن علقمةَ بن عبدِ الله المُزني، عن مَعْقلِ بن يَسارٍ أن النعمانَ -يعني ابنَ مقَرِّن- قال: شهدتُ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- إذا لم يقاتل من أول النهار أخَّر القتالَ حتى تزولَ الشمسُ، وتهبَّ الرياحُ، وينزلَ النصرُ (1).
110 -
باب فيما يؤمَرُ به من الصَّمت عند اللقاء
2656 - حدَّثنا مسلمُ بن إبراهيمَ، حدَّثنا هِشام (ح) وحدَّثنا عُبيد الله بن عمر، حدَّثنا عبدُ الرحمن بن مَهدي، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا قتادةُ، عن الحسنِ عن قيس بن عُبَاد قال: كانَ أصحابُ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم- يكرهُون الصوتَ عند القتالِ 2.1
2657 - حدَّثنا عُيد الله بن عُمر، حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، عن همامٍ، حدثني مَطرٌ، عن قتادةَ، عن أبي بُردةَ عن أبيه، عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-، بمثل ذلك (1).
111 -
باب في الرجل يترجل عند اللقاء
2658 - حدَّثنا عثمان بن أبي شيبةَ، حدَّثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ1 = وأخرجه الحاكم 2/ 116، والبيهقي 9/ 153 من طريق مسلم بن إبراهيم، بهذا الإسناد.
وأخرجه البيهقي 4/ 74 من طريق وكيع بن الجراح، و 9/ 153 من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، كلاهما عن هشام الدستوائي، به.
وزادا: وعند الجنائز وعند الذكر.
وخالف معمر هشاماً في إسناده عند عبد الرزاق (6281) فقال: عن قتادة، عن الحسن قال: أدركتُ أصحاب رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- يستحبون خفض الصوت عند الجنائز وعند قراءة القرآن وعند القتال وبه نأخذ.
فجعله من قول الحسن البصري.
وهشام الدستوائي أوثق الناس في قتادة، حتى قال شعبة: هشام الدستوائى أعلم بحديث قتادة منى وأكثر مجالسة له مني.
وخالفه كذلك مطر الوراق كما سيأتى في الطريق الآتي بعده.
ومطر ضعيف.
عن البراءِ قال: لما لقي النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- المشركين يومَ حنينٍ نزل عن بغلته فتَرجَّل (1).
112 -
باب في الخُيلاء عند الحرب
2659 - حدَّثنا مُسلُم بن إبراهيمَ وموسى بن إسماعيلَ -المعنى واحد- قالا: حدَّثنا أبانُ، قال، حدَّثنا يحيى، عن محمدِ بن إبراهيمَ، عن ابن جابرِ بن عَتيكٍ
عن جابرِ بن عَتيكٍ، أن نبيَّ الله -صلَّى الله عليه وسلم- كان يقول: "مِن الغَيرةِ ما يحبُّ اللهُ، ومنها ما يُبغِضُ اللهُ: فأما التي يُحبها الله عزَ وجلَّ فالغَيرةُ في الرِّيبةِ، وأما التي يُبغِضُها فالغَيرةُ في غيرِ ريبةٍ.
وإن مِن الخُيلاء ما يُبغضُ اللهُ، ومنها ما يحبُّ اللهُ: فأما الخُيلاءُ التي يحبُّ اللهُ فاختيالُ الرجلِ نفسَه عند اللقاء، واختيالُه عند الصدقةِ، وأما التي يُبغِضُ اللهُ فاختيالُه في البغيِ" قال موسى: "والفخرِ" 2.1
113 -
باب في الرجلُ يستأسِر
2660 - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا إبراهيمُ -يعني ابنَ سعدٍ- أخبرنا ابنُ شهابٍ، أخبرني عَمرو بن جَارِيةَ الثقفي -حليفُ بني زُهرةَ-
عن أبي هريرةَ، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قال: بعثَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- عشرةً عيناً وأمّر عليهم عاصمَ بن ثابتٍ، فنَفَروا لهم هُذيلٌ بقريبٍ من مئةِ رجلٍ رامٍ، فلما أحسَّ بهم عاصمٌ لجؤوا إلى قَرْدَدٍ، فقالوا لهم: انزِلُوا فأعطُوا بأيديكم ولكم العهدُ والميثاقُ، أن لا نقتلَ منكم أحداً، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزِلُ في ذمَّة كافرٍ، فرَمَوهُم بالنَّبْل، فقتلوا عاصماً في سبعةِ نفرٍ، ونَزل إليهم ثلائةُ نفرٍ على العهدِ والميثاق، منهم خُبَيبٌ وزيدُ بن الدَّثِنَة ورجلٌ آخرُ، فلمَّا استمكَنُوا منهم أطلقوا أوتار قِسِيِّهم فربطُوهم = وأخرجه النسائي (2558) من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (23747)، و"صحيح ابن حبان" (295).
ويشهد له حديث عقبة بن عامر الجهني عند أحمد (17398)، وعبد الرزاق (19522)، وابن خزيمة (2478)، والطبراني في "الكبير" 17/ (939)، والخطيب في "تاريخه" 12/ 380 - 381، والبغوي في "شرح السنة" (2641)، لكنه لم يذكر فيه المخيلة في القتال.
وهو حسن في الشواهد.
ويشهد للخيلاء في الحرب والقتال قوله -صلَّى الله عليه وسلم- لأبي دجانة في غزوة أحد وقد كان يتبختر في مشيته: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن" أخرجه ابن إسحاق في "سيرته " كما في "السيرة النبوية" لابن هشام، ومن طريقه الطبري في"تاريخه" 2/ 63 و 63 - 64، والأثير في "أسد الغابة" في ترجمة أبي دجانة.
قال الخطابي: معنى الاختيال في الصدقة: أن يَهُزَّه أريحية السخاء، فيعطيها طيبة نفسه بها، من غير مَنٍّ ولا تصريد [أي: تعاظم على الفقير] واختيال الحرب، أن يتقدم فيها بنشاط نفسٍ، وقوة جَنان، ولا يكبَعُ [من الكبوع، وهو الذل والخضوع] ولا يجبُن.
بها، قالَ الرجلُ الثالثُ: هذا أولُ الغَدْرِ، واللهِ لا أصحبُكم، إن لي بهؤلاء لأسوةَ، فجرُّوه، فأبى أن يصحبَهم، فقتَلوه، فلبِثَ خبيبٌ أسيراً حتى أجمعوا قتلَه، فاستعار مُوسى يَستحِدُّ بها، فلما خرجوا به ليقتُلوه، قال لهم خُبيبٌ: دعوني أركعْ ركعتَين، ثم قال: واللهِ لولا أن تحسَبُوا ما بي جَزَعاً لزِدْتُ 1.
2661 - حدَّثنا ابنُ عوف، حدَّثنا أبو اليمانِ، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهريِّ، أخبرني عَمرو بن أبي سفيانَ بنِ أسيد بن جَارية الثقفيُّ -وهو حليفٌ لبني زُهرةَ- وكان من أصحاب أبي هريرة، فذكر الحديث (1).
114 -
باب في الكُمناء
2662 - حدَّثنا عبدُ الله بن محمد النُّفَيليُّ، حدَّثنا زهيرٌ، حدَّثنا أبو إسحاقَ، قال: سمعتُ البَراءَ يُحدَّث، قال: جعلَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- على الرُّماةِ يومَ أُحدٍ -وكانوا خمسينَ رجلاً- عبدَ الله بن جُبيرٍ، وقال: "إن رأيتُمونا تَخْطَفُنا الطيرُ فلا تَبرحُوا من مكانِكم هذا، حتى أُرسلَ إليكم، وإن رأيتُمونا هَزمْنا القومَ وأوطأناهم فلا تبرَحُوا حتى أُرسِلَ إليكُم" قال: فهزمهم اللهُ، قال: فأنا واللهِ رأيتُ النساءَ يَشْتدِدْنَ 2 على الجبل، فقال أصحابُ عبدِ الله بن جُبيرٍ: الغنيمةَ، أيْ قومِ، الغنيمةَ!! ظَهَرَ أصحابُكم فما تَنْظُرون؟ فقال عبدُ الله بن جُبيرٍ: أنسيتُم ما قال لكُم رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-؟ فقالوا: والله لنأتينَ الناسَ فلَنُصِيبنَّ مِن الغنيمةِ، فأتَوهم، فصُرِفَتْ وجوهُهم، وأقبَلُوا مُنهزمين 3.1
115 -
باب في الصفوف
2663 - حدَّثنا أحمدُ بن سنانٍ، حدَّثنا أبو أحمد الزبيريُّ، حدَّثنا عبدُ الرحمن ابن سليمانَ بن الغَسِيل، عن حمزةَ بن أبي أُسَيدٍ
عن أبيه، قال: قالَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- حين اصطفَفْنا يومَ بدرِ: "إذا أكْثَبوكم -يعني إذا غَشُوكْم- فارمُوهم بالنَّبل، واستَبْقُوا نَبْلَكم" 1. وأخرجه البخاري (3039)، والنسائي في "الكبرى" (8581) و (11013) من طريق زهير بن معاوية، والبخاري (4043) من طريق إسرائيل، كلاهما عن أبي إسحاق، به.
وهو في "مسند أحمد" (18593)، و"صحيح ابن حبان" (4738). قال الخطابي: قوله: "تخطَفُنا الطير" معناه الهزيمة.
يقول: إن رأيتمونا وقد أسرعنا مُولِّين، فاثبتوا أنتم، ولا تبرحوا، والعرب تقول: فلان ساكن الطير: إذا كان ركيناً ثابت الجأش، وقد طار طير فلانٍ: إذا طاش وخفَّ، قال لقيط الإيادي: هو الجلاء الذي يَجتَذُّ أصلكُمُ ... إن طار طيرُكم يوماً، وإن وقعا
116 -
باب في سَلِّ السيوف عند اللقاء
2664 - حدَّثنا محمدُ بن عيسى، حدَّثنا إسحاقُ بن نَجيح -وليس بالمَلَطِيِّ- عن مالك بن حمزةَ بن أبي أُسَيدٍ السَّاعِدي، عن أبيه عن جده، قال: قال النبي -صلَّى الله عليه وسلم- يومَ بدر: "إذا أكثَبُوكم فارمُوهم بالنَّبْل، ولا تَسُلُّوا السيوفَ حتى يَغشَوكُم" (1).
117 -
باب في المبارزة
2665 - حدَّثنا هارونُ بن عبد الله، حدَّثنا عثمانُ بن عُمر، أخبرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بن مُضَرِّب عن عليِّ، قال: تقدَّم، يعني عتبةَ بن ربيعةَ، وتبعَه ابنُه وأخوه، فنادى: من يُبارِزُ؟ فانتَدَب له شبابٌ من الأنصارِ، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال: لا حاجةَ لنا فيكم، إنما أردنا بني عَمِّنا، فقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "قُم يا حمزةُ، قم يا عليُّ، قم يا عُبيدةُ بن الحارث" فأقبل حمزةُ إلى عتبةَ، وأقبلْتُ إلى شيبةَ، واختلُف بين عُبيدةَ والوليدِ ضربتان، فأثْخَنَ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، ثم مِلْنا على الوليد، فقتلْناهُ، واحتَمَلْنا عُبيدةَ 2.1
118 -
باب في النهي عن المُثلةِ
2666 - حدَّثنا محمد بن عيسى وزياد بن أيوب، قالا: حدَّثنا هشيمٌ، أخبرنا مُغيرةُ، عن شِباكٍ، عن إبراهيمَ، عن هُنَي بن نويرةَ، عن علقمةَ
عن عبد الله، قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "أعَفُّ الناسِ قِتْلَةً أهلُ الإيمانِ" 1. = قال الخطابي: فيه من الفقه: إباحة المبارزة في جهاد الكفار، ولا أعلم اختلافاً في جوازها إذا أذن الإمام فيها، وإنما اختلفوا فيها إذا لم تكن عن إذنٍ من الإمام.
فكره سفيان الثوري وأحمد وإسحاق أن يفعل ذلك إلا بإذن الإمام.
وحكي ذلك أيضاً عن الأوزاعي.
وقال مالك والشافعي: لا بأس بها، كانت بإذن الإمام أو بغير إذنه.
وقد روي ذلك أيضاً عن الأوزاعي.
قلت (القائل الخطابي): قد جمع هذا الحديث معنى جوازها بإذن الإمام، وبغير إذنه، وذلك أن مبارَزة حمزة وعلي رضي الله عنهما كانت بإذن النبي -صلَّى الله عليه وسلم-، ولم يذكر فيه إذن من النبي -صلَّى الله عليه وسلم- للأنصاريين اللذين خرجا إلى عتبة وشيبة قبل عليٍّ وحمزة، ولا إنكار من النبي -صلَّى الله عليه وسلم- عليهما في ذلك.
وفي الحديث من الفقه أيضاً: أن معونة المبارز جائزة إذا ضعُف أو عَجَزَ عن قِرنه.
ألا ترى أن عُبيدة لما أُثخن أعانه عليٌّ وحمزة على قتل الوليد؟ واختلفوا في ذلك.
فرخص فيه الشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال الأوزاعي: لا يعينونه عليه، لأن المبارزة إنما تكون هكذا.
2667 - حدَّثنا محمد بن المُثنَّى، حدَّثنا معاذُ بن هِشام، حدَّثني أبي، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن الهَيَّاج بن عِمرانَ
أن عمرانَ أبَقَ له غلامٌ، فجعلَ للهِ عليه، لئن قَدَرَ عليه ليقطَعَنَّ يدَه، فأرسلني لأسأل فأتيتُ سمُرةَ بنَ جُندب فسألْته، فقال: كان نبي الله -صلَّى الله عليه وسلم- يحثُّنا على الصدقةِ وينهانا عن المُثلَةِ، وأتيتُ عمرانَ بن حُصينٍ فسألتُه، فقال: كان رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يَحُثُّنا على الصدقة وينهانا عن المُثلَة 1. وفي الباب عن شداد بن أوس عند مسلم (1955) قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتُم فأحسنوا الذَّبح، وليُحد أحدكم شفرته، فليُرِح ذبيحتَه".
قال المناوي في "فيض القدير": قوله: "أعف الناس قتلة أهل الإيمان": هم أرحم الناس بخلق الله، وأشدهم تحرياً عن التمثيل والتشويه بالمقتول، وإطالة تعذيبه، إجلالاً لخالقهم، وامتثالاً لما صدر عن صدر النبوة من قوله: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة"، بخلاف أهل الكفر وبعض أهل الفسوق ممن لم تذق قلوبهم حلاوة الإيمان، واكتفَوا من مُسماه بلقلقة اللسان، وأُشرِبُوا القسوة، حتى أُبعدوا عن الرحمن، وأبعدُ القلوب من الله القلب القاسي، ومن لا يَرحم لا يُرحَم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه أحمد (19844)، والطبراني 18/ (542) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، أن هياج بن عمران أتى عمران بن حصين ... فأرسله.
وأخرج المرفوع منه الطيالسي (836)، وأحمد (19857)، والبزار في "مسنده" (3566) و (3567)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 3/ 182، وفي"شرح مشكل الآثار" (1820)، وابن حبان (4473) و (5616)، والطبراني 18/ (325 - 327) و (343) و (345) و (349) و (350) و (352) و (388) و (402)، والحاكم 4/ 305، والبيهقي 10/ 80 من طرق عن الحسن البصري، وأحمد (19909) من طريق أبي قلابة الجرمي، كلاهما عن عمران بن حصين.
وقرن أبو قلابة بعمران سمرة بن جندب، والحسن وأبو قلابة لم يسمعا عمران بن حصين.
ولم يسمع أبو قلابة من سمرة كذلك.
وأخرج المرفوع كذلك ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" 3/ 102، وأخرجه أحمد (20136)، والطحاوي في "شرح المعاني" 3/ 182، وفي"شرح المشكل" (1821) من طريق هشيم بن بشير، كلاهما (ابن إسحاق وهشيم) عن حميد الطويل، وأخرجه أحمد (20225)، والطحاوي في "شرح المعاني" 3/ 182، وفي "شرح المشكل" (1822)، والطبراني (6944) من طريق يزيد بن إبراهيم التُّستَري، كلاهما (حميد ويزيد) عن الحسن عن سمرة بن جندب.
وقد صرح الحسن في رواية هشيم بالسماع من سمرة، فإن كان هشيمٌ حفظ ذلك فالإسناد صحيح.
وقد احتج الحافظ العلائي في "جامع التحصيل" برواية هشيم هذه في إثبات سماع الحسن من سمرة لغير حديث العقيقة.
وفي باب الأمر بالصدقة والنهي عن المثلة عن جرير بن عبد الله عند الطيالسي (665) وإسناده صحيح.
وفي باب النهي عن المثلة وحدها عن عبد الله بن يزيد الخطمي عند البخاري (2474)، وهو في "المسند" (18740).
وعن بريدة بن الحُصيب عند مسلم (1731)، وقد سلف عند المصنف برقم (2613).
وعن المغيرة بن شعبة عند أحمد (18152). =
119 -
باب في قتل النساء
2668 - حدَّثنا يزيدُ بن خالدِ ابن مَوهَب وقتيبةُ -يعني ابنَ سعيدٍ- قالا: حدَّثنا الليثُ، عن نافع
عن عبدِ الله: أن امرأةً وُجِدت في بعضِ مغازي رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- مقتولةً، فأْنكَر رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قتلَ النساءِ والصبيانِ 1.
2669 - حدَّثنا أبو الوليد الطَّيالسيُّ، حدَّثنا عُمر بن المرقَّع بن صيفيِّ، قال: حدَّثني أبي عن جده رِياحِ بن ربيعٍ، قال: كُنا مع رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- في غزوةٍ، فرأى الناسَ مجتمعين على شيءٍ، فبعثَ رجلاً، فقال: "انظُر عَلامَ وعن عبد الله بن عمر عند أحمد (4622)، وإسناده صحيح.
وانظر تمام شواهده هناك.
قال الخطابي: المثلة تعذيب المقتول بقطع أعضائه، وتشويه خَلقه قبل أن يقتل، أو بعده.
وذلك مثل أن يُجدَع أنفه أو أذنه، أو يفقأ عينه، أو ما أشبه ذلك من أعضائه.
قال: قلت: وهذا إذا لم يكن الكافر فعل مثل ذلك بالمقتول المسلم.
فإن مثل بالمقتول جاز أن يمثل به.
ولذلك قطع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- أيدي العرنيين وأرجلهم، وسَمَر أعينهم، وكانوا فعلوا ذلك برعاء رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-، وكذلك هذا في القصاص بين المسلمين إذا كان القاتل قطع أعضاء المقتول وعذبه قبل القتل، فإنه يعاقب بمثله، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194].
اجتمعَ هؤلاء" فجاءَ، فقال: على امرأةٍ قَتيلٍ.
فقال: "ما كانتْ هذهِ لتقاتلَ"، قال: وعلى المُقدِّمة خالدُ بن الوليدِ، فبعث رجلاً، فقال: "قُل لخالد: لا يقتُلَنَّ امرأةً ولا عَسِيفاً" 1.
2670 - حدَّثنا سعيدُ بن مَنصورٍ، حدَّثنا هشيمٌ، حدَّثنا حَجّاجٌ، حدَّثنا قتادةُ، عن الحسنِ
عن سمرةَ بن جُندبٍ، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "اقتُلوا شُيوخَ المشركين، واستَبقُوا شَرْخَهُم" 2.
2671 - حدَّثنا عبدُ الله بن محمد النُّفيليُّ، حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن محمد بنِ إسحاقَ، حدَّثني محمدُ بن جعفرِ بن الزُّبَير، عن عُروةَ بن الزبيرِ
عن عائشةَ، قالت: لم يقتَل من نسائِهم -تعني بني قُرَيظةَ- إلا امرأةٌ، إنها لَعِنْدي تُحَدِّثُ تضحكُ ظهراً وبطناً، ورسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقتُل رجالَهم بالسُّيوف، إذ هتَفَ هاتِف باسمها: أين فلانةُ؟ قالت: أنا، قلتُ: وما شأنُكِ؟ قالت: حَدَثٌ أحدثتُه، قالت: فانطُلِقَ بها، فضُربَتْ عنقُها، فما أنسى عجباً منها أنها تضحَكُ ظهراً وبطناً، وقد علمتْ أنها تُقتَلُ 1. = وهو في "سنن سعيد بن منصور" (2624). وأخرجه الترمذي (1674) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، به.
وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه الحجاج بن أرطاة عن قتادة نحوه.
وهو في "مسند أحمد" (20145). قال الخطابي: "الشرخ" هاهنا جمع شارخ، وهو الحديثُ السن، يقال: شَارِخُ وشرخ، كما قالوا: راكب ورَكْب، وصاحب وصحب، يريد بهم الصبيان ومن لم يبلغ مبلغ الرجال.
و"الشيوخ" هاهنا المَسَانُّ، فإذا قيل: شرخ الشباب، كان معناه أول الشباب.
قال حسان: إن شرخَ الشباب والشعَر الأسـ ... ـود ما لم يُعاصَ كان جنونا
2672 - حدَّثنا أحمد بن عَمرو بن السَّرْحِ، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُهريِّ، عن عُبيد الله -يعني ابنَ عبد الله- عن ابنِ عبّاسٍ
عن الصَّعْب بن جَثامةَ، أنه سألَ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- عن الدارِ من المشركين يُبَيِّتُون، فيُصاب من ذَرارِيهم ونسائِهم، فقال النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم-: "هُم منهم"، وكان عمرٌو -يعني ابنَ دينارِ- يقول: "هم من آبائهم".
قال الزهري: ثم نهى رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- بعد ذلك عن قتل النساء والولدان 1. = قال ابنُ هشام في تفسير قول المرأة: "حَدَثٌ أحدثْتُه": هي التي طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته.
لكن قال الخطابي: يقال: إنها كانت شتمتِ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-.
قال: وفي ذلك دلالة على وجوب قتل من فعل ذلك، ويُحكى عن مالك أنه كان لا يرى لمن سبَّ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- توبة، ويقبل توبة من ذكر الله سبحانه بسبّ أو شتم ويكف عنه.
120 -
باب في كراهية حرق العدو بالنار
2673 - حدَّثنا سعيدُ بن منصورٍ، حدَّثنا مُغيرةُ بن عبدِ الرحمن الحِزَاميُّ، عن أبي الزِّناد، حدَّثني محمدُ بن حمزةَ الأسلميُّ
عن أبيه: أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- أمَّرَه على سريةٍ، قال: فخرجتُ فيها، وقال: "إن وجدتُم فلاناً فأحرقُوه بالنار" فولَّيتُ، فناداني، = وقيل: عنه عن عبد الله بن كعب مرسلاً، وقيل: غير ذلك.
وبالجملة فهو صحيح لغيره.
انظر: تفصيل طرقه في "التمهيد" لابن عبد البر 11/ 66 - 73 نقلاً عن محمد بن يحيى الذهلي.
وانظر كذلك "مسند أحمد" (24009/ 66).
قال الشافعي في "الرسالة" ص 299: حديث الصعب بن جثامة في عمرة النبي -صلَّى الله عليه وسلم-، فإن كان في عمرته الأولى فقد قيل: أمرُ ابن أبي الحقيق قبلها، وقيل: في سنتها، وإن كان في عمرته الآخرة، فهو بعد أمر ابن أبي الحُقيق غير شكٍّ، والله أعلم.
ولم نعلمه -صلَّى الله عليه وسلم- رخص في قتل النساء والولدان ثم نهى عنه.
قال: ومعنى نهيه عندنا -والله أعلم- عن قتل النساء والولدان: أن يقصد قصدَهم بقتل، وهم يُعرفون متميزين ممن أمر بقتله منهم.
قال: ومعنى قوله: "هم منهم" أنهم يجمعون خصلتين: أن ليس لهم حكمُ الإيمان الذي يُمنع به الدم، ولا حكم دار الإيمان الذي يُمنع به الإغارةُ على الدار.
وإذ أباح رسول الله البيات والإغارة على الدار، فأغار على بني المصطلق غارَّين، فالعلم يحيط أن البيات والإغارة إذا حلّ بإحلال رسول الله لم يمتنع أحدٌ بيَّتَ أو أغار من أن يُصيب النساء والولدان، فيسقط المأثم فيهم والكفارة والعقل والقَوَدُ عمن أصابهم؛ إذ أُبيح له أن يُبيِّت ويُغير، وليست لهم حرمة الإسلام.
ولا يكون له قتلهم عامداً لهم متميزين عارفاً بهم.
فإنما نهى عن قتل الولدان لأنهم لم يبلغوا كفراً فيعملوا به، وعن قتل النساء لأنه لا معنى فيهن لقتالٍ، وأنهن والولدان يُتَخَوَّلون فيكونون قوةً لأهل دين الله.
فرجعتُ إليه، فقال: "إن وجدتُم فُلاناً فاقتُلوه ولا تُحرِقُوه، فإنه لا يُعذب بالنارِ إلا ربُّ النارِ" 1. 2674 - حدَّثنا يزيدُ بن خالدٍ وقتيبةُ، أن الليثَ بن سعدِ حدثهم، عن بُكَيرٍ , عن سليمانَ بن يسارٍ عن أبي هُريرةَ، قال: بعثَنا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- في بَعْثٍ، فقال: " إنْ وجدتُم فلاناً وفلاناً" فذكر معناه 2.
2675 - حدَّثنا أبو صالح محبوبُ بن مُوسى، أخبرنا أبو إسحاقَ الفَزَاريُّ، عن أبي إسحاقَ الشَيبانيِّ، عن ابنِ سعدٍ -قال غيرُ أبي صالح: عن الحسنِ بن سَعْدٍ- عن عبدِ الرحمن بن عبد الله
عن أبيه، قال: كنا مع رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- في سَفَرٍ، فانطَلق لحاجتِه، فرأينا حُمَّرةً معها فَرْخَانِ، فأخذْنا فرخَيها، فجاءتِ الحُمَّرة فجعلتْ تفرُشُ، فجاء النبي -صلَّى الله عليه وسلم- فقال: "من فَجَعَ هذهِ بولَدها؟ رُدُّوا ولدَها إليها".
ورأى قريةَ نملٍ قد حَرَقْناها، فقال: "من حَرَق هذه؟ " قلنا: نحنُ، قال: "إنه لا ينبغي أن يعذِّب بالنار إلا رَبُّ النار" 1. = وأخرجه البخاري (3016)، والترمذي (1661)، والنسائي في "الكبرى" (8559) من طريق الليث بن سعد، والنسائي (8753) و (8781) - وهو عند البخاري معلقاً (2954) - من طريق عمرو بن الحارث المصري، كلاهما عن بكير بن عبد الله ابن الأشج، به.
وهو في "مسند أحمد" (8068)، و"صحيح ابن حبان" (5611).
121 -
باب في الرجل يَكري دابته على النصف أو السهم
2676 - حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ الدمشقيُّ أبو النضرِ، حدَّثنا محمدُ بن شُعيبٍ، أخبرني أبو زُرعةَ يحيي بن أبي عَمرو السَّيباني، عن عمرو بن عبد الله أنه حدَّثه عن واثِلةَ بنِ الأسْقَع، قال: نادَى رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- في غزوةِ تَبُوكَ، فخرجتُ إلى أهلي، َ فأقبلتُ وقد خرجَ أولُ صحابةِ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فطفِقْت في المدينة أُنادي: ألا مَن يَحمِلُ رجلاً له سهمُه، فنادى شيخٌ من الأنصارِ، قال: لنا سهمُه على أن نحمِلَه عُقْبةً وطعامُه معنا؟ قلتُ: نعم، قال: فَسِرْ على بركةِ الله، قال: فخرجتُ مع خيرِ صاحبٍ حتى أفاءَ اللهُ علينا، فأصابني قَلائِصُ فسُقْتُهن حتى أتيتُه، فخرجَ فقعد على حقيبةٍ من حقائبِ إبله، ثم قال: سُقْهنَّ مُدبِراتٍ، ثم قال: سُقْهُن مُقبِلاتٍ، فقال: ما أرى قلائصَك إلا كِراماً، = وسيتكرر الحديثان برقم (5268).
وأخرج الطيالسي (345)، وأحمد (3763) من طريق المسعودي، عن الحسن ابن سعد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أنه قال: نزل النبي منزلاً، فانطلق لحاجته، فجاء وقد أوقد رجلٌ على قرية نمل، إما في الأرض وإما في شجرة، فقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "أيكم فعل هذا؟ " فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، قال: "أطفها أطفها".
قال الخطابي: "الحُمَّرة" طائر.
قوله: "تفرشُ" أو "تعرش" معناه: ترفرف.
والتفريش مأخوذ من فرش الجناح وبسطه، والعريش: أن ترتفع فرقهما، ويظلل عليهما، ومنه أخذ العريش، يقال: عَرَشتُ عريشاً أعرُشُه وأعرِشُه.
وفيه دلالة على أن تحريق بيوت الزنابير مكروه، وأما النمل فالعذر فيه أقل.
وذلك أن ضرره قد يمكن أن يُزال من غير إحراق.
وقد روي عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن نبياً من الأنبياء نزل على قرية نمل، فقرصته نملة، فأمر بالنمل فأحرقت، فأوحى إليه: ألا نملة واحدة؟ ".
قال: إنما هي غنيمتُك التي شرطتُ لك، قال: خُذْ قلائِصَك يا ابن أخي، فغيرَ سَهْمِك أرَدنا (1).
122 -
باب في الأسير يوثَقُ
2677 - حدَّثنا مُوسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ -يعني ابنَ سلمةَ- أخبرنا محمدُ بن زيادٍ، قال: سمعت أبا هريرةَ يقولُ: سمعتُ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "عجِبَ ربُّنا من قوم يُقادُونَ إلى الجنَّة في السَّلاسِلِ" 2.1
2678 - حدَّثنا عبدُ الله بن عَمرو بن أبي الحجّاج أبو مَعمرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن يعقوبَ بن عُتبةَ، عن مُسلمِ بن عبد الله
عن جُندبِ بن مَكيثٍ، قال: بعثَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- عبدَ الله بن غالبٍ الليثيَّ في سرِيةٍ، وكنتُ فيهم، وأمرهم أن يَشُنُّوا الغارةَ على بني المُلوِّحِ بالكَدِيد، فخرجْنا، حتى إذا كنا بالكَدِيد لقِينا الحارثَ بن البَرصاء الليثيَّ، فأخذناهُ، فقال: إنما جئتُ أُريد الإسلامَ، وإنما خرجتُ إلى رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فقلنا: إن تكنْ مُسلماً لم يضُرَّك رباطُنا يوماً وليلةً، وإن تكن غيرَ ذلك نَستوثقُ منك، فشددناه وَثَاقاً 1. = قال ابن حبان: قوله -صلَّى الله عليه وسلم-: "عجب ربنا" من ألفاظ التعارف التي لا يتهيأ علمُ المخاطَبِ بما يخاطب به في القصد إلا بهذه الألفاظ التي استعملها الناسُ فيما بينهم.
والقصد في هذا الخبر السَّبيُ الذين يَسبيهم المسلمون من دار الشرك مُكَتَّفين في السلاسل يُقادون إلى دور الإسلام حتى يُسلموا فيدخلوا الجنة.
ولهذا المعنى أراد -صلَّى الله عليه وسلم- بقوله في خبر الأسود بن سريع: "أوليس خيارَكم أولادُ المشركين" وهذه اللفظة أطلقت أيضاً بحذف "من" عنها: يريد: أوليس من خياركم.
2679 - حدَّثنا عيسى بن حمّادٍ المِصريُّ وقتيبةُ - قال قتيبةُ: حدَّثنا الليثُ، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ أنه سمع أبا هريرةَ يقول: بعثَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- خيلاً قبَل نجدٍ، فجاءتْ برجُلٍ من بني حَنيفةَ، يقال له: ثُمامةُ بنُ أُثالٍ - سيدُ أهل اليمامةِ - فربطوه بساريةٍ من سَواري المسجدِ، فخرجَ إليه رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فقال: "ماذا عندك يا ثُمامةُ؟ " قال: عندي يا محمدُ خيرٌ إن تَقتُل تقتُل ذا دَمٍ، وإن تُنعِم تُنعِم على شاكرٍ، وإن كنتَ تُريدُ المالَ فسَل تُعْطَ منه ما شئتَ، فتركه رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، حتى كانَ الغَدُ، ثم قال له: "ما عندك يا ثُمامةُ؟ " فأعاد مثلَ هذا الكلامِ، فتركَه حتى كان بعدَ الغَدِ، فذكر مثلَ هذا، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "أطلِقُوا ثُمامةَ" فانطلقَ إلى نَخْلٍ قريبٍ من المسجد، فاغتسل فيه ثم دخلَ المسجدَ، فقال: أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه، وساقَ الحديثَ، قال عيسى: أخبرنا الليثُ، وقال: ذا ذِمٍّ 1. وفيه دلالة على جواز الاستيثاق من الأسير الكافر بالرباط والقيد والغُلّ، وما يدخل في معناها، إن خيف انفلاته، ولم يؤمن شرّه، إن ترك مطلقاً.
قلنا: والكَديد: قال البكري في "معجم ما استعجم": بفتح أوله وكسر ثانيه، بعده دال وياء مهملة أيضاً موضع بين مكة والمدينة.
2680 - حدَّثنا محمدُ بن عَمروْ الرَّازيُ، قال، حدَّثنا سَلَمةُ -يعني ابنَ الفَضلِ- عن ابنِ اسحاقَ، حدثني عبدُ الله بن أبي بكرٍ عن يحيي بنِ عبد الله بن عبد الرحمن بن سَعْد بن زُرارةَ، قال: قُدِم بالأسارى حين قُدم بهم وسَودةُ بنت زَمْعةَ عند آلِ عفْراءَ في مَنَاحَتِهم على عوفٍ ومُعوِّذٍ ابنَي عَفْراء، قال: وذلك قبل أن يُضْرَب عليهنَّ الحجابُ، قال: تَقُول سودةُ: واللهِ إني لَعِندهم إذ أُتيتُ، فقيل: هؤلاء الأُسارى قد أُتي بهم، فرجعتُ إلى بيتي ورسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فيه، وإذا أبو يزيدَ سهيلُ بن عَمرٍو في ناحيةِ الحجرةِ مجموعَةٌ يداه إلى عنُقه بحبْلٍ، ثم ذكر الحديثَ 1. = قال في "النهاية": "إن تقتل تقتل ذا دَم" أي: مَن هو مُطالِبٌ بدم أو صاحب دمٍ مطلوب، ويُروى: ذا ذمٍّ بالذال المعجمة، أي: ذا ذمامٍ وحُرمةٍ في قومه، وإذا عَقَد ذِمّة وُفِّي له.
قال أبو داودَ: وهما قتلا أبا جهلٍ، وكانا انْتَدبا له، ولم يعرفاه، وقُتِلا يومَ بدرٍ.
123 -
باب في الأسير يُنالُ منه ويُضرَبُ
2681 - حدَّثنا مُوسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حمّادٌ، عن ثابتِ
عن أنسٍ: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- ندبَ أصحابَه، فانطلقوا إلى بدر، فإذا هم بِرَوَايا قريشٍ فيها عبدٌ أسودُ لبني الحجّاج، فأخذه أصحابُ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فجعلوا يسألونه: أين أبو سفيانَ؟ فيقول: واللهِ مالي بشيءٍ من أمره علمٌ ولكن هذه قريشٌ قد جاءتْ فيهم أبو جهلٍ وعتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعةَ، وأميةُ بن خَلَفٍ، فإذا قال لهم ذلك ضربوُه، فيقول: دعوني دعوني أُخبِرْكم، فإذا تركوه، قال: واللهِ مالي بأبي سُفيانَ = ابنا عفراء، وفي بعض الروايات ذُكر معاذ بن عمرو بن الجموح، ولم أر أحداً ذكر عوفاً فيمن قتل أبا جهل إلا أبا داود وابن سعد، فإنه قال في "طبقاته" 4/ 492 - 493: وقُتِل عوف بن الحارث [الحارث هو والد معوِّذ ومعاذ وعوف، وأمهم عفراء] يوم بدر شهيداً، قتله أبو جهل ابن هشام بعد أن ضربه عوف وأخوه معوّذ ابنا الحارث، فأثبتاه.
والذي في البخاري ومسلم أن الذي قتل أبا جهل هم ثلاثة: معاذ ومعوِّذ؟ ابني عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، ولم أر لعوفٍ ذكراً وشركة في قتل أبي جهل.
قلنا: وفي البخاري (3141)، ومسلم (1752) من طريق ابن الماجشون ... ، وفيهما: وكانا معاذَ بن عفراء ومعاذَ بن عمرو بن الجموح.
وعوف ومعوّذ استشهدا يوم بدر، وأما معاذ فقال ابن الأثير في "أسد الغاية" 5/ 198: شهد بدراً هو وأخوه عوف ومعوِّذ ابنا عفراء، وقُتِل عوف ومعوِّذ ببدرٍ، وسلم معاذ فشهد أحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- ... وقيل: إن معاذاً بقى إلى زمن عثمان، وقيل: إنه جرح ببدر وعاد إلى المدينة فتوفي بها.
وقال خليفة: عاش معاذ إلى زمن علي.
علمٌ، ولكنْ هذه قريشٌ قد أقبلت فيهم أبو جهلٍ وعُتبةُ وشَيبةُ ابنا ربيعةَ، وأُميةُ بن خَلَفٍ قد أقبَلُوا، والنبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- يصلي، وهو يسمعُ ذلك، فلما انصرفَ، قال: "والذي نفسي بيده، إنكم لتضرِبُونه إذا صَدقَكم، وتَدَعُونه إذا كَذَبكم، هذه قريش قد أقبلَتْ لتمنَع أبا سُفيانَ".
قال أنس: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "هذا مَصرَعُ فلانٍ غداً"، ووضَعَ يدَه على الأرض، "وهذا مَصرَعُ فلانٍ غداً" ووضَعَ يدَه على الأرض، "وهذا مَصرعُ فلانٍ غداً" ووضَع يدَه على الأرض، فقال: والذي نفسي بيده، ما جاوزَ أحدٌ منهم عن مَوضعِ يدِ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فأمر بهم رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فأُخِذَ بأرجُلِهم، فسُحِبُوا، فألقُوا في قَليبِ بدرٍ 1.
124 -
باب في الأسير يُكرهُ على الإسلام
2682 - حدَّثنا محمدُ بن عُمر بن عليٍّ المُقدميُّ، حدَّثنا أشعثُ بن عبدِ الله -يعني السجِستاني- (ح) وحدَّثنا ابنُ بشار، حدَّثنا ابن أبي عَدِيٍّ -وهذا لفظه- (ح) وحدَّثنا الحسنُ بن عَليٍّ، حدَّثنا وهبُ بن جَريرٍ، عن شُعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ عن ابن عباسِ، قال: كانت المرأةُ تكونُ مِقْلاتاً، فتجعلُ على نفسِها إن عاشَ لها ولدٌ أن تُهَوِّدهُ، فلما أُجلِيتْ بنو النَّضيرِ كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندَع أبناءنا، فأنزل اللهُ عزَّ وجل: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256] 1.
125 -
باب قَتلِ الأَسير ولا يُعرَضُ عليه الإسلام
2683 - حدَّثنا عثمان بن أبي شيبةَ، حدَّثنا أحمدُ بن المفضَّل، حدَّثنا أسباطُ بن نَصْرٍ، قال: زَعَمَ السُّديُّ، عن مُصعبِ بن سعْدٍ
عن سعْدٍ، قال: لمَّا كان يومُ فتح مكة أمَّنَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- الناسَ إلا أربعةَ نفرٍ وامرأتين، وسمّاهم، وابنُ أبي سَرْحٍ، فذكر الحديثَ، قال: وأما ابنُ أبي سَرْحٍ فإنه اختبأ عند عثمانَ بنِ عفّان، فلما دعا = وقوله سبحانه ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]. محكمة غير منسوخة، وهي من العام المخصوص، فإنه خُص منه أهل الكتاب بأنهم لا يكرهون على الإسلام، بل يقرون على دينهم إذا بذلوا الجزية، فقد روى الطبري (5830) عن قتادة في قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: كانت العرب ليس لها دين، فأكرهوا على الدين بالسيف، قال: ولا يكره اليهود ولا النصارى والمجوس إذا أعطوا الجزية.
وقال الطبري بعد ذكر الخلاف في معنى هذه الآية وإحكامها أو نسخها، وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في خاص من الناس، وقال: عنى بقوله تعالى ذكره: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أهل الكتابين والمجوس وكل من جاء بإقرار، على دينه المخالف دين الحق وأخذ الجزية منه، وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخاً وكان المسلمون جميعاً قد نقلوا عن نبيهم -صلَّى الله عليه وسلم- أنه أكره على الإسلام قوماً فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر، ومن أشبههم، وأنه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبول الجزية منه، وإقراره على دينه الباطل، وذلك كأهل الكتابين ومن أشبههم.
انظر "تفسير الطبري " 2/ 415.
قلنا: والجهاد المشروع في الإسلام لم يستعمل للإكراه على الدخول في الدين، ولا حمل الناس عليه بقوة السلاح ولكن لحماية الدعوة إلى الدين، وأن يسود نظام الإسلام في المجتمع، وأن لا يحال بين الدعاة وما كلفوه من دعوة، وأن لا يفتن مسلم عن دينه.
رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- الناسَ إلى البيعةِ جاء به حتى أوقفه على رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فقالَ: يا نبي الله: بايعْ عبدَ الله، فرفع رأسَه، فنظَر إليه ثلاثاً، كلُّ ذلك يأبى عليه، فبايَعه بعدَ ثلاثٍ، ثم أقبَل على أصحابه، فقال: "أما كان فيكم رجل رشيدٌ يقوم إلى هذا حيثُ رآني كَفَفْتُ يدِي عن بيعتِه فيقتُلَه"؟ فقالوا: ما ندري يا رسولَ الله ما في نفسِك، ألا أومأْتَ إلينا بعينك، قال: "إنه لا ينبغي لنبيٍّ أن تكونَ له خائنةُ الأعيُن" 1.
قال أبو داود: كان عبد الله أخا عثمانَ من الرِّضاعةِ، وكانَ الوليدُ ابنُ عقبةَ أخا عثمان لأُمه، وضربَه عثمانُ الحدَّ إذ شَربَ الخمرَ 1.
2684 - حدَّثنا محمد بن العلاءِ، قال: أخبرنا زيد بن حُبابٍ، أخبرنا عَمرو ابن عثمانَ بنِ عبد الرحمن بن سعيدِ بن يَربوعِ المخزوميُّ، حدَّثني جدي عن أبيه، أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال يومَ فتح مكة: "أربعةٌ لا أُؤمِّنُهم في حلٍّ ولا حَرَمٍ" فسمَّاهم، فال: وقَيْنتَين كانتا لِمقْيَسٍ، فقُتلتْ إحداهُما، وأفلِتَتِ الأخرى فأسلمت 2. = وثلاثين في خلافة علي رضي الله عنه، وذكره ابن سعد في تسمية من نزل مصر من الصحابة، وهو الذي افتتح إفريقية زمن عثمان، وولي مصر بعد ذلك، وكانت ولايته مصر سنة خمس وعشرين، وكان فتح إفريقية من أعظم الفتوح بلغ سهم الفارس فيها ثلاثة آلاف دينار.
وقال خليفة: سنة سبع وعشرين عُزل عمرو عن مصر وولى عبد الله بن سعد، فغزا إفريقية ومعه العبادلة، وأرخ الليث عزل عمرو سنة خمس وعشرين، وغزا إفريقية سنة سبع وعشرين، وغزا الأساود سنة إحدى وثلاثين، وذات الصواري سنة أربع وثلاثين.
وأما الوليد بن عقبة، فهو الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي، له صحبة قليلة ورواية يسيرة، وهو أخو أمير المؤمنين عثمان لأمه من مسلمة الفتح، بعثه رسول الله على صدقات بني المصطلق، وولي الكوفة لعثمان وجاهد بالشام، ثم اعتزل بالجزيرة بعد قتل أخيه عثمان، ولم يحارب مع أحد الفريقين، وكان سخياً ممدحاً شاعراً شجاعاً قائماً بأمر الجهاد، وكان يشرب الخمر، وقصة صلاته بالناس الصبح أربعاً وهو سكران مشهورة في الصحيح، وعزله عثمان بعد إقامة الحد عليه عن الكوفة، وولاها سعيد بن العاص."سير أعلام النبلاء" 3/ 412 - 416 للذهبي.
قال أبو داود: لم أَفهم إسناده من ابن العلاءِ كما أُحِبُّ.
2685 - حدَّثنا القَعنَبيُّ، عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ
عن أنس بن مالكٍ: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- دخل مكةَ عامَ الفتحِ وعلى رأسِه المِغْفَرُ، فلما نزعه جاءه رجلٌ، فقال: ابنُ خَطَل مُتعلِّق بأستارِ الكعبةِ، فقال "اقتُلُوه" 1. = وأخرجه ابن قانع في "معجم الصحابة" 1/ 262، والطبراني في "الكبير" (5529)، والدارقطني (2793) و (4347)، والبيهقي 9/ 120 و 212، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 31/ 29 - 32، والمزي في "تهذيب الكمال" في ترجمة سعيد بن يربوع 11/ 113 من طرق عن زيد بن الحباب، بهذا الإسناد.
وجاء عند بعضهم تسمية أولئك الذين أمر النبي -صلَّى الله عليه وسلم- بقتلهم، وهم: الحويرث بن نقيذ ومقيس بن صبابة، وهلال بن خطل - كذا جاءت تسميته في هذه الرواية، خلافاً للرواية السابقة - وابن أبي السرح.
وفي الباب دون ذكر الحويرث بن نقيذ عن أنس بن مالك عند الحارث بن أبي أسامة (698 - زوائده) وإسناء صحيح.
وهو في "المسند" (12068)، و"صحيح البخاري" (1846)، و "صحيح مسلم" (1357) بذكر ابن خطل وحده.
وسيأتي في الطريق الذي بعده.
وعن سعد بن أبي وقاص في الحديث السالف قبله.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب مرسلاً عند ابن أبي شيبة 14/ 473 - 475. وقد جاء ذكر الحويرث بن نقيذ عند البيهقي 9/ 120 من طريق عروة بن الزبير، ومن طريق موسى بن عقبة مرسلاً.
قال أبو داودَ: ابن خَطَلٍ اسمُهُ عبدُ الله، وكان أبو برزةَ الأسلميُّ قتلَه (1).
126 -
باب في قَتْل الأسيرِ صبراً
2
2686 - حدَّثنا علي بن الحسين الرَّقِّيُّ، حدثني عبد الله بن جعفر الرَّقِّيُّ، أخبرني عُبيد الله بن عَمرٍو، عن زَيد بن أبي أُنيسةَ، عن عمرو بن مُرَّة، عن إبراهيمَ، قال: أراد الضَّحَّاكُ بن قيسِ أن يستعمِل مَسروقاً، فقال له عُمارةُ بن عُقبة: أتستعمِلُ رجلاً من بقايا قَتَلَةِ عثمانَ؟ فقال له مسروقٌ:
حدَّثنا: عبدُ الله بن مَسعودٍ - وكان في أنفُسِنا مَوثُوقَ الحديثِ-: أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- لمَّا أراد قتل أبيك قال: مَنْ للصِّبيةِ؟ قال "النارُ" فقد رضيتُ لكَ ما رضي لكَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- 3.1 = قال الخطابي: في كون المغفر على رأسه دليل على جواز ترك الإحرام للخائف على نفسه إذا دخل مكة، وعلى أن صاحب الحاجة إذا أراد دخول الحرم لم يلزمه الإحرام إذا لم يُرد حجاً أو عمرة، وكان ابن خطل بعثه رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- في وجهٍ مع رجل من الأنصار، وأمَّر الأنصاري عليه، فلما كان ببعض الطريق وثب على الأنصاري فقتله، وذهب بماله، فلم ينفذ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- له الأمان، وقتله بحق ما جناه في الإسلام.
وفيه دليل على أن الحرم لا يَعصِمُ من إقامة حكم واجب، ولا يؤخره عن وقته.
قلنا: والمِغْفَر، بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء، قال في "اللسان": زردٌ يُنسج من الدروع على قدر الرأس يُلبس تحت القلنسوة، قال أبو عبيد في "غريبه ": والأصل في الغَفر التغطية، ومنه سُمي المِغفرُ، لأنه يغفر الرأس، أي: يلبسُه ويغطيه.
127 -
باب في قتل الأسير بالنَّبْل
2687 - حدَّثنا سعيدُ بن منصورٍ، حدَّثنا عبدُ الله بن وهْبٍ، أخبرني عَمرو ابن الحارثِ، عن بُكَيرِ بن عبد الله بن الأشجِّ، عن ابن تِعلَى
قال: غَزَونا مع عبد الرحمن بن خالدِ بن الوليد، فأتي بأربعةِ أعْلاجٍ من العدوِّ، فأمر بهم فقُتِلُوا صَبْراً 1. = وأخرجه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (565)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (4514)، والشاشي في "مسنده" (409)، والطبراني في "الأوسط" (2949)، والحاكم 2/ 124، والبيهقي 9/ 65 من طريق عُبيد الله بن عمرو الرقي، بهذا الإسناد.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
قوله: من للصّبية؟: قال القاري في "مرقاة المفاتيح" 4/ 250 - 251: بكسر الصاد وسكون الموحدة جمع صبي، كفتية، والقياس: صبوة، والمعنى: من يكفل بصبيانى ويتصدى لتربيتهم ومؤنتهم وأنت تقتلُ كافلهم.
وقوله: "النار" قال الطيبي في "شرح المشكاة" فيما نقله عنه القاري: يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون النار عبارة عن الضياع، يعني: إن صلحت النار أن تكون كافلة فهي هي.
وثانيهما: أن الجواب من الأسلوب الحكيم، أي: لك النار، والمعنى: اهتم بشأن نفسك وما هُيِّئ لك من النار، ودع عنك أمر الصبية، فإن كافلهم هو الله الذي ما من دابة في الأرض إلا عليه رزقها، وهذا هو الوجه.
قال القاري معلقاً: والأظهر أن الأول هو الوجه، فإنه لو أريد هذا المعنى لقال: الله، بدل: "النار".
قال أبو داود: قال لنا غيرُ سعيدٍ عن ابنِ وهْبٍ في هذا الحديث، قال: بالنَّبْل صبْراً - فبلغ ذلك أبا أيوبَ الأنصاريَّ، فقال: سمعتُ = وهو في "سنن سعيد بن منصور" (2667).
وأخرجه أحمد (23590) عن سريج بن النعمان، وابن حبان (5610) من طريق حرملة بن يحيى، كلاهما عن عبد الله بن وهب، بهذا الإسناد.
وأخرجه الطحاوي في "شرح معانى الآثار" 3/ 182 عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، والطبراني في "الكبير" (4002)، ومن طريقه المزي في ترجمة عُبيد بن تِعلَى من "تهذيب الكمال" 19/ 190 - 191 من طريق أحمد بن صالح، كلاهما عن ابن وهب، به.
وذكرا فيه عبد الله بن الأشج.
وقرن أحمد بن عبد الرحمن بعمر بن الحارث ابن لهيعة.
وأخرج المرفوع منه فقط أحمد (23589)، والدارمي (1974)، والطحاوي 3/ 182، والشاشي في "مسنده" (1160) و (1161)، والطبراني في "الكبير" (4001)، والبيهقي 9/ 71 من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، والطحاوي 3/ 182، والطبراني (4003)، والبيهقي من طريقين عن محمد بن إسحاق، كلاهما عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن أبيه، عن عُبيد بن تعلى، به فذكرا عبد الله بن الأشج.
وأخرجه ابن حبان (5609) من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن يزيد بن أبي حبيب، وابن أبي شيبة 5/ 398، والطبراني (4004) من طريق عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، والطبراني كذلك (4005) من طريق عبيد الله بن أبي جعفر، ثلاثتهم عن بكير بن عبد الله، عن عبيد بن تِعلى، به فلم يذكروا عبد الله بن الأشج.
قال المنذري في "اختصار السنن" تِعلى: بكسر التاء ثالث الحروف وسكون العين المهملة.
وفي باب النهي عن صبر البهائم عن عبد الله بن عمر عند البخاري (5515)، ومسلم (1958).
وعن أنس بن مالك عند البخاري (5513)، ومسلم (1956).
وعن جابر عند مسلم (1959).
وانظر تمام شواهده عند أحمد في "المسند" عند حديث ابن عمر (4622).
والقتل صبراً: هو أن يمسك من ذوات الروح بشئٍ حياً ثم يرمى بشئ حتى يموت، وكل من قتل في غير معركة ولا حرب ولا خطأ فإنه مقتول صبراً.
رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- ينهَى عن قتْلِ الصبْر، فوالذي نفسِي بيده لو كانتْ دجاجةٌ ما صَبَرْتُها، فبلغَ ذلك عبدَ الرحمن بن خالدِ بن الوليد فأعتقَ أربعَ رِقابٍ.
128 -
باب في المَنِّ على الأسير بغير فداء
2688 - حدَّثنا مُوسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حمّاد، أخبرنا ثابت عن أنسٍ: أن ثمانين رجلاً من أهل مكةَ هَبَطُوا على النبيّ -صلَّى الله عليه وسلم- وأصحابِه من جبال التَنْعيم عند صلاة الفجر ليقتُلُوهم، فأخذَهم رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- سَلْماً، فأعتَقَهُم رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فأنزلَ اللهُ عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ إلي آخر الآية 1 [الفتح: 24].