سنن أبي داود ت الأرنؤوطصفحات 69-108

كتاب الفرائض

صفحات 69-108
عن هذه الطبعة
عَلَم
السجستاني، أبو داود
الكتاب
سنن أبي داود
المؤلف
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
المحقق
شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
الناشر
دار الرسالة العالمية
الطبعة
الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

4680 - حدَّثنا محمدُ بنُ سليمان الأنبارىُّ وعثمان بن أبي شيبةَ المعنى - قالا: حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن سماكِ، عن عِكرِمَة عن ابنِ عباس، قال: لما توجَّه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكيف الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالي: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:143] 1. 4681 - حدَّثنا مُؤمَّلُ بن الفضل الحرّانيّ، حدَّثنا محمدُ بنُ شعيب -يعني ابنَ شابُور- عن يحيى بن الحارث، عن القاسم عن أبي أمامة، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَن أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكملَ الإيمان" 2. = قال السندي في "حاشيته على المسند": قولها: وما نقصان العقل والدين، أي: وما دليل ذلك؛ أي: أي دليل تبين به نقصانُ عقل النساء ودينهن؟ فاستدل على نقصان العقل بما ترتب عليه من كون شهادة المرأة كنصف شهادة الرجل، فإن هذا مترتب على نقصان عقلهن ومسبب عنه، لا أنه علة له، واستدل على نقصان دينهن بما هو سبب له، فإن مكثهن الليالي بلا صلاة وصوم سبب لنقصان دينهن، فالدليل الأول إنِّي، والثاني لِمِّي، ولكن مطلق الدليل يشملهما، ومن هنا ظهر أنه لا ينبغي أن يكون السؤال عن سبب النقصان، إذ لا يوافقه الجواب في بيان نقصان العقل.

4682 - حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أكمَلُ المؤمنين إيماناً أحسنُهُم خُلُقاَ" 1. = وضعفه المفضل بن غسان الغلابي وابن حبان.
والمناكير التي تقع في حديثه إنما هي من رواية بعض الضعفاء عنه مثل جعفر بن الزبير وعلي بن يزيد وبشر بن نمير ونحوهم.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (7737) من طريق صدقة بن خالد، و (7738) من طريق سريد بن عبد العزيز كلاهما عن يحيى بن الحارث، بهذا الإسناد.
وزاد في آخره: "وإن من أقربكم إليّ يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا".
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (7613)، وفي "الشاميين"، (1260) و (3447) من طريق النعمان بن المنذر عن مكحول الشامى ويحيى بن الحارث كلاهما عن القاسم، به.
وأخرجه موقوفاً ابن أبي شيبة 13/ 358 من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن القاسم، عن أبى أمامة.
فذكره.
ويشهد له حديث معاذ بن سهل الجهني، أخرجه الترمذي (2692)، وهو في "مسند أحمد" (15617) و (15638). وإسناده حسن.

4683 - حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيد، حدَّثنا محمدُ بنُ ثور، عن مَعمرِ، قال: وأخبرني الزهريُّ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاصٍ عن أبيه قال: أعطى النبيُّ- صلى الله عليه وسلم -رجالاً، ولم يُعطِ رجلاً منهم شيئاً، فقال سعد: يا رسول الله، أعطيتَ فلاناً وفلاناً ولم تُعطِ فلاناً شيئاً، وهو مؤمن، فقال النبيُّ- صلى الله عليه وسلم -: "أو مسلم هو" حتى أعادها سعدُ ثلاثاً، والنبيُّ-صلى الله عليه وسلم - يقول: "أو مسلم هو"، ثم قال النبيُّ- صلى الله عليه وسلم -: "إني أعطي رجالاً وأدعُ مَنْ هو أحبُّ إلىّ منهم لا أعطيه شيئاً، مخافة أن يُكَبُّوا في النارِ على وجوهِهِم" 1. 4684 - حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيد، حدَّثنا ابنُ ثَورٍ

عن معمرٍ، وقال الزهري: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14] قال: نُرى أن الإِسلامَ الكلمةُ، والإيمان العمل 1. 4685 - حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، حدَّثنا عبدُ الرزاق (ح).
وحدَّثنا ابراهيمُ بنُ بشار، حدَّثنا سفيانُ -المعنى- قالا: حدَّثنا معمَر، عن الزهريِّ، عن عامر بن سعدٍ عن أبيه: أن النبيَّ- صلى الله عليه وسلم - قَسَمَ بين المسلمين قَسْماً، فقلت: أعطِ فلاناً، فإنه مؤمن، قال: "أوْ مسلمٌ، إني لأعطي الرَّجُلَ العطاء، وغيرُه أحبُّ إليَّ منه، مخافةَ أن يكبَّ على وجهه" 2. 4686 - حدَّثنا أبو الوليد الطيالسيُّ، حدَّثنا شعبةُ، قال: واقدُ ابن عبد الله أخبرني، عن أبيه أنَّه سَمِعَ ابن عمر يُحدث، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم, أنه قال: "لا تَرْجِعُوا بَعْدي كفَّاراً، يَضْرِبُ بعضُكم رِقابَ بعض" 3.

4687 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا جرير، عن فُضَيل بن غَزوان، عن نافعٍ = وأخرجه البخاري (6868) عن أبي الوليد الطيالسي، بهذا الإسناد.
وأخرجه البخاري (6166) و (7077)، ومسلم (66) (119) (120)، والنسائي في "الكبرى" (3577) من طرق عن شعبة، به.
وأخرجه مطولاً البخاري (6785) من طريق عاصم بن محمَّد، عن واقد، به.
وأخرجه البخاري (4403)، ومسلم (66) (120)، وابن ماجه (3943) من طريق عمر بن محمَّد، عن أبيه محمَّد (والد واقد)، به.
وأخرجه النسائي في "الكبرى" (3577) و (3578) من طريق الأعمش، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن ابن عمر.
وأخرجه مرسلاً النسائي (3580) و (3581) من طريق الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، وزاد النسائي في موضعه الأول: "لا يُؤخذُ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه".
وهو في "مسند أحمد" (5578)، و"صحيح ابن حبان" (187). قال ابن حبان بإثر هذا الحديث في تفسير قوله: "لا ترجعوا بعدي كفاراً: لم يرد به الكفر الذي يخرج عن الملة، ولكن معنى هذا الخبر: أن الشيء إذا كان له أجزاء يطلق اسم الكل على بعض تلك الأجزاء، فكما أن الإسلام له شُعب، ويطلق اسم الإِسلام على مرتكب شُعبة منها لا بالكلية، كذلك يُطلق اسم الكفر على تارك شعبة من شعب الإسلام، لا الكفر كله، وللإسلام والكفر مقدمتان لا تقبل أجزاء الإِسلام إلا ممن أتى بمقدمته، ولا يخرج من حكم الإسلام من أتى بجزء من أجزاء الكفر إلا من أتى بمقدمة الكفر، وهو الإقرار والمعرفة والانكار والجحد.
وقال الخطابي: هذا يتأول على وجهين، أحدهما: أن يكون معنى الكفار: المتكفرين بالسلام، يقال تكفَّر الرجل بسلاحه: إذا لبسه، فكفر به نفسه، أي: سترها، وأصل الكفر: الستر، ويقال: سمي الكافر كافراً لستره نعمة الله عليه، أو لستره على نفسه شواهد ربوبية الله ودلائل توحيده وقال بعضهم: معناه: لا ترجعوا بعدي فرقاً مختلفين بضرب بعضكم رقاب بعض، فتكونوا بذلك مشاهين للكفار، فإن الكفار متعادون يضرب بعضهم رقاب بعض، والمسلمون متآخون يحقن بعضهم دماء بعض.

عن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: " أيُّما رَجلٍ مسلمٍ أكفَرَ رَجُلاً مسلماً: فإن كان كافراً، وإلا كان هو الكافرَ" 1. 4688 - حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ نُميرٍ، حدَّثنا الأعمشُ، عن عبدِ الله بن مُرّة، عن مَسروقٍ عن عبدِ الله بن عمرو، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-:" أربعٌ مَنْ كُنً فيه فهو منافقٌ خالصٌ، ومَن كانت فيه خَلَّة منهن كان فيه خلَّة من نفاقِ حتى يَدَعَها: إذا حَدَّث كذبَ، وإذا وَعَدَ أخلفَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ" 2.

4689 - حدَّثنا أبو صالحٍ الأنطاكىُّ، أخبرنا أبو إسحاقَ الفزارىُّ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَزْني الزَّاني حين يَزني وهو مُؤمِنٌ، ولا يَسرقُ حينَ يَسْرقُ وهُوَ مؤمنٌ، ولا يَشربُ الخمرَ حينَ يشرَبُها وهو مؤمنٌ، والتوبةُ معروضةٌ بعدُ" 1. = وأخرجه البخاري (34)، ومسلم (58) (106) , والترمذي (2821) من طريق سفيان، والنسائي في "الكبرى" (8681) من طريق شعبة، كلاهما عن سليمان الأعمش، به.
وهو في "مسند أحمد" (6768)، و "صحيح ابن حبان"، (254). قال السندي، قوله: "وإذا خاصم فجر": الفجور في اللغة: الميل، وفي الشرع: الميل عن القصد، والعدول عن الحق، والمراد به ها هنا: الشتم والرمي بالأشياء القيحة والبهتان.

4690 - حدَّثنا إسحاقُ بن سويد الرمْلىُّ، حدَّثنا ابنُ أبي مريم، أخبرنا نافعٌ -يعني ابن يزيدَ- حدَّثني ابنُ الهاد، أن سعيد بن أبي سعيدٍ المَقبُريَّ حَدَّثه أنه سَمِعَ أبا هريرة يقول: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا زَنَى الرَّجُلُ خَرجَ منه الإيمانُ كان عليه كالظُّلَّة، فإذا أقلَعَ رَجَعَ إليه الإيمان" 1. = أحدهما: أن معناه النهي وإن كانت صورته صورة الخبر، يريد: لا يَزنِ الزاني بحذف الياء، ولا يسرقِ السارقِ بكسر القاف على معنى النهي.
يقول: إذ هو مؤمن لا يزني ولا يسرق ولا يشرب الخمر، فإن هذه الأفعال لا تليق بالمؤمنين ولا تشبه أوصافهم.
والوجه الآخر: أن هذا كلام وعيد لا يراد به الإيقاع، وإنما يقصد به الردع والزجر، فقوله: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" وقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له" وقوله: "ليس بالمسلم من لم يأمن جاره بوائقه" وهذا كله على معنى الزجر والوعيد أو نفي الفضيلة وسلب الكمال دون الحقيقة في رفع الإيمان وإبطاله.
وقد روي في تأويل هذا الحديث معنى آخر، وهو مذكور عند المصنف برقم (4690) بعد هذا الحديث فانظره.
وقال الإِمام النووي: الصحيح الذي قاله المحققون: أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان, وإنما تأولناه لحديث أبي: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وسرق".
وقوله: "والتوبة معروضة" أي: على فاعلها بعد ذلك.
قال النووي: قد أجمع العلماء على قبول التوبة ما لم يغرغر كما جاء في الحديث.
وهو في "مسند أحمد" (7318) و (8895)، و"صحيح ابن حبان" (186) و (4412).

17 -

باب في القدر

4691 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: عبدُ العزيز بن أبي حازم حدَّثني بمنًى، عن أبيه عن ابن عمر، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: " القَدَريَّة مَجُوسُ هذه الأمة: إنْ مَرِضُوا فلا تَعودُوهُم، وإن ماتوا فلا تَشْهدوهُمْ" 1. 4692 - حدَّثنا محمدُ بنُ كثير، أخبرنا سفيانُ، عن عُمَرَ بن محمَّد، عن عُمَرَ مولى غُفْرة، عن رجلِ من الأنصار عن حُذيفة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لكلِّ أمَّة مجوسٌ، ومجوسُ هذه الأمة الذين يقولون: لا قَدَرَ، مَن مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومَنْ مرضَ منهم فلا تَعُودُوهم، وهم شِيعةُ الدَّجَّال، وحَقٌّ على الله أن يُلحِقَهم بالدَّجَّال" 2.

4693 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، أن يزيدَ بن زُرَيع ويحيى بن سعيدٍ حَدَّثاهم، قالا: حدَّثنا عوفٌ، حدَّثنا قَسامةُ بن زُهيرٍ حدَّثنا أبو موسى الأشعرىُّ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنّ الله خَلَق آدمَ مِن قبضةٍ قبضها من جميعِ الأرضِ، فجاءَ بنوآدَمَ على قَدْرِ الأرض: جاء منهم الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلك، والسَّهلُ، والحَزْنُ، والخبيثُ، والطَّيِّبُ- زاد في حديث يحيى: وبين ذلك".
والإخبار في حديث يزيد 1. 4694 - حدَّثنا مُسدَّدُ بن مُسَرهَدٍ، حدَّثنا المُعتمرُ، سمعتُ منصورَ بن المعتمر يُحدِّث، عن سعْد بن عُبيدة، عن عبدِ الله بن حبيبٍ أبي عبد الرحمن السُّلميِّ عن عليّ قال: كُنَّا في جنازةٍ فيها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ببقيع الغَرْقَدِ، فجاءَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فجلس ومعه مِخْصَرَةٌ، فجعلَ ينكتُ بالمخصَرَةِ في الأرض، ثم رَفَعَ رأسَه، فقال: "ما منكم مِنْ أحَدٍ، ما مِنْ نفسٍ منفوسَةٍ إلا قد كُتِبَ مكانُها من النار أو من الجنة، إلا قَدْ كُتبتْ شقيةً أو سعيدةً"، قال: فقال رجلٌ من القوم: يا نبيَّ الله، أفلا نَمكُثُ = وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (329) من طريق شعيب بن حرب، واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (1155) من طريق الفضل بن دكين، كلاهما عن سفيان الثوري، بهذا الإسناد.
وسقط من سند مطبوع "السنة": عمر بن محمَّد.
وانظر تمام تخريجه والتعليق عليه في "مسند أحمد" (23456). وانظر حديث ابن عمر السالف قبله.

على كتابنا، وندَع العمل، فمن كان من أهل السَّعادة ليكونَنَّ إلى السعادة، ومَنْ كان من أهل الشِّقوَة ليكونَنَّ إلى الشَّقوة؟ قال: "اعملُوا فكل مُيسَّرٌ: أما أهل السَّعادة فيُيسَّرُون للسعادة، وأما أهلُ الشِّقوةِ فييسَّرُون للشِّقوة"، ثم قال نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:5 - 10] 1.

4695 - حدَّثنا عُبيدُ الله بن مُعاذِ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا كَهْمَسٌ، عن ابن بُريدة عن يحيى بن يَعمَر، قال: كان أولَ مَنْ تَكلَّم في القَدَرِ بالبصرة معبدٌ الجُهني، فانطلقتُ أنا وحُميدُ بن عبد الرحمن الحميرىُّ حاجَّين، أو مُعتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحابِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسألناه عما يقولُ هؤلاء في القَدَر، فوفَّقَ الله لنا عبدَ الله بن عمر داخلاً في المسجد، فاكتنفتُه أنا وصاحبي، فظننتُ أن صاحبي سَيَكِلُ الكلامَ إليَّ، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظَهرَ قِبَلَنا ناسٌ يقرؤونَ القرآن، ويَتَقفَّرُونَ العلمَ، يزعمون أنْ لا قَدَرَ، والأمْرُ أُنُفٌ، فقال: إذا لقيتَ أولئك فأخبرْهم أني بريءٌ منهم، وهُمْ برآء منّي، والذي يَحلفُ به عبد الله بن عُمر، لو أن لأحدِهم مثلَ أُحدِ ذهباً فأنفقه، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقَدَرِ، ثم قال: حدَّثني عمر بن الخطاب، قال: بينا نحن عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ طَلَع علينا رَجلٌ شديدُ بياض الثيابِ شديدُ سوادِ الشَّعَر، لا يُرى عليه أثَرُ السفَر ولا نَعرفُه، حتى = أن كلَّ ميسَّرٌ لما خلق له، وأن عمله في العاجل دلِيل مصيره في الآجل، وتلا قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ... وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾، وهذه الأمور في حكم الظاهر، ومن وراء ذلك علم الله عَزَّ وَجَلَّ فيهم، وهو الحكيم الخبير، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
واطلب نظيره في أمرين: من الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب، ومن الأجل المضروب في العمر مع المعالجة بالطب، فإنك تجد المغيب فيهما علة موجبة، والظاهر البادي سبباً مخيلاً، قد اصطلح الناس خواصُّهم وعوامُّهم على أن الظاهر فيها لا يترك بالباطن، هذا معنى كلام الخطابي رحمه الله.
المخصرة: عصا خفيفة يختصرها الإنسان يمسكها بيده، والنفس المنفوسة: هي المولودة.
والمنفوس: الطفل الحديث الولادة، يقال: نُفِسَتِ المرأة: إذا ولدت، ونُفِسَت: إذا حاضت، ويقال: إنما سميت المرأة نفساء لسيلان الدم، والنفس: الدم.

جَلَسَ إلى النبيّ-صلى الله عليه وسلم- فاسنَد رُكبتَيه إلى رُكبتَيه ووضَع كفَّيْه على فَخِذَيه، ثم قال: يا محمَّد، أخبرني عن الإِسلام، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "الإِسلامُ أن تَشهَدَ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتيَ الزَّكاة، وتصومَ رمضانَ، وتَحُجَّ البيت إن اسْتَطعْتَ إليه سبيلاً"، قال: صدقتَ، قال: فعَجِبْنا له يسالُه ويُصدّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان" قال: "أن تؤمِنَ بالله، وملائكته، وكُتُبه، ورُسِله، واليوم الآخر، وتؤمنَ بالقدرِ خَيرِه وشَرّه" قال: صَدَقْتَ، قال: فأخبرني عن "الإحسان" قال: "أن تَعبدَ الله كأنَّكَ تراه، فإن لم تكُنْ تَراه فإنَّه يَراكَ"، قال: فأخبرْني عن السَّاعة، قال: "ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السَّائل"، قال: فأخبرْني عن أمارَتها، قال: "أن تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتها، وأن تَرَى الحُفاةَ العُراةَ العَالَة رِعاءَ الشاءِ يتطاولونَ في البُنيان"، قال: ثم انطلَقَ، فلبثتُ ثلاثاً، ثم قال: "يا عُمرُ، هل تدري من السَّائل؟ " قلت: الله ورسوله أعلمُ، قال: "فإنه جبريلُ، أتاكُم يعلَّمُكم دينكم" 1.

4696 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عثمانَ بن غياثٍ، حدَّثني عبد الله ابن بريدَة، عن يحيى بن يَعمَرَ وحُمَيدِ بن عبد الرحمن لقينا عبدَ الله بن عمر، فذكرنا له القدرَ وما يقولون فيه، فذكر نحوه، زاد: قال: وسأله رجلٌ من مُزينة، أو جُهينة، فقال: يا رسول الله، فيم العَملُ؟ أفي شيءِ قد خلا أو مضى، أو في شيء يُستأنَفُ الآنَ؟ قال: "في شيءٍ قد خلا ومَضَى" فقالَ الرجلُ أو بعض القوم: ففيم العمَلُ؟ قال: "إن أهلَ الجنة يُيسَّرُون لعملِ أهلِ الجنَّة، وإن أهلَ النارِ يُيسَّرونَ لعمَلِ أهلِ النار" 1. = وهو في "مسند أحمد" (184) و (367)، و"صحيح ابن حبان" (168) و (173). وانظر لاحقيه.
قال الخطابي: قوله: يتقفرون العلم.
معناه: يطلبونه، ويتبعون أثره، والتقفر: تتبع أثر الشىء.
وقوله: والأمر أنف يريد مستأنف لم يتقدم فيه شيء من قدر أو مشيئة، يقال: كلاٌ أُنف: إذا كان وافياً لم يرع منه شيء وروضة أنف بمعناه.
والعالة: الفقراء، وأحدهم عائل، يقال: عال الرجل يعيل: إذا افتقر، وعال أهله يعولهم: إذا مار أهله، وأعال الرجل يُعيل: إذا كثر عياله.
قال الحافظ ابن جب وهو بصدد شرح هذا الحديث في "جامع العلوم والحكم" ص 108: والتحقيق في الفرق بين الإيمان والإِسلام: أن الإيمان: هو تصديق القلب واقراره ومعرفته، والإِسلام: هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له، وذلك يكون بالعمل وهو الدين، كما سمى الله تعالى في كتابه الإِسلام ديناً، وفي حديث جبريل سمى النبي-صلى الله عليه وسلم- الإِسلام والإيمان والإحسان ديناً، وهذا أيضاً مما يدل على أن أحد الاسمين إذا أفرد، دخل فيه الآخر، وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد الإسمين بالآخر، فيكون حينئذ المراد بالإيمان: جنس تصديق القلب، وبالإِسلام جنس العمل.

4697 - حدَّثنا محمود بن خالدٍ، حدَّثنا الفريابيُّ، عن سفيان، حدَّثنا علقمة ابن مرثد، عن سليمانَ بن بريدة، عن ابن يعمر، بهذا الحديث يزيدُ وينقصُ قال: فما الإِسلام؟ قال: "إقامُ الصلاة، وايتاءُ الزَكاة، وحَجُّ البيت، وصومُ شهرِ رمضانَ، والاغتسالُ من الجنابة" 1. قال أبو داود: علقمةُ مُرجىءٌ 2.

4698 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا جريرٌ، عن أبي فروةَ الهَمْدانىِّ، عن أبي زُرعةَ بن عَمرو بن جرير عن أبي ذر وأبي هريرة، قالا: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يَجْلِسُ بين ظهريْ أصحابه، فيجيءُ الغريبُ، فلا يدري أيُّهُم هو حتى يسأل، فطلَبْنا إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أن نجعلَ له مجلساً يعرفُه الغريبُ إذا أتاه، قال: فبنَيْنا له دُكاناً من طينٍ، فجلسَ عليه، وكنا نَجلِسُ بجَنَبَتَيْه، وذكر نحو هذا الخبر، فاقبلَ رجُلٌ، وذَكَر هيئَتَهُ، حتى سَلَّم من طَرفِ السِّماط، فقال: السلامُ عليك يا محمَّد، قال: فردَّ عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - 1. 4699 - حدَّثنا محمدُ بنُ كثير، أخبرنا سفيان، عن أبي سنانٍ، عن وَهْبِ ابن خالد الحمصىِّ

عن ابن الدَّيلميِّ، قال: أتيتُ أبيَّ بن كعب فقلت له: وقع في نفسِي شيء من القَدَرِ، فحدّثْني بشيءٍ لعلَّ الله عَزَّ وَجَلَّ أن يُذهِبَه من قلبي، قال: لو أنَّ الله عذَّبَ أهل سماواتِه وأهلَ أرضه، عذبَهم وهو غيرُ ظالم لهم، ولو رَحِمَهم، كانت رحمتُه خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقتَ مثل أحُدٍ ذهباً في سبيل الله ما قبلَه الله منكَ حتى تؤمنَ بالقَدَر، وتعلَمَ أن ما أصابَكَ لم يَكُنْ ليُخطئَكَ، وأنَّ ما أخْطاكَ لم يكُنْ ليُصيبكَ، ولو مُتَّ على غير هذا لدخلتَ النارَ، قال: ثم أتيتُ عبدَ الله بن مسعود، فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيتُ حذيفةَ بن اليمان، فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيتُ زيدَ بن ثابت، فحدثني عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك 1.

4700 - حدَّثنا جعفرُ بنُ مسافر الهُذلىُّ، حدَّثنا يحيى بن حسَّان، حدَّثنا الوليدُ بن رباحٍ، عن إبراهيمَ بن أبي عَبْلَة، عن أبي حفصةَ، قال: قال عبادةُ بن الصَّامت لابنه: يا بُنيَّ إنَّك لن تَجِدَ طعمَ حقيقةِ الإيمان حتّى تَعلمَ أن ما أصابَكَ لم يكُنْ ليُخْطئَكَ، وما أخطَاكَ لم يكُنْ ليُصيبَك، سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن أوَّلَ ما خلقَ الله القلمُ، فقال له: اكتُبْ، قال: ربَّ، وماذا أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ مقاديرَ كل شيءٍ حتى تقومَ الساعةُ"، يا بني، إني سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ ماتَ على غير هذا فليسَ منىّ" 1.

4701 - حدَّثنا مُسدّدُ, حدَّثنا سفيانُ (ح).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ صالحٍ -المعنى- حدَّثنا سفيانُ بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، سمع طاووساً يقول: سمعتُ أبا هريرة يُخبرُ عن النبيِّ-صلى الله عليه وسلم-، قال: "احتجَّ آدم وموسى، فقال موسى: يا آدمُ أنت أبونا خيَّبْتنا، وأخرجْتَنا من الجنة، فقال آدم: أنتَ موسى اصْطَفاكَ الله بكلامِه، وخَطَّ لكَ التوراةَ بيدِه تلُومُني على أمرٍ قَدَّرَهُ على، قبلَ أن يخلُقَني باربعينَ سنةً؟ فحَجَّ آدَمُ موسى فحجَّ اَدمُ موسى" 1.

قال أحمدُ بنُ صالح: عن عمرو، عن طاووس، سمع أبا هريرة.
4702 - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالحٍ، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، أخبرني هشامُ بن سعْدٍ، عن زيد بن أسلمَ، عن أبيه أن عُمرَ بن الخطاب قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ موسى قال؟ يا ربَّ، أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسَه من الجنة، فأراه الله عز وجل آدمَ، فقال: أنتَ أبونا آدمُ؟ فقال له آدمُ: نعم، قال: أنتَ الذي نَفَخَ اللهُ = والقضاء في هذا معناه: الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 12]، أي: خلفهن.
وإذا كان الأمر كذلك، فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إياها عن قصد وتعمدٍ وتقديم إرادة واختيار، فالحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة تلحقهم عليه.
وقال ابن أبي العز فيّ "شرحه للعقيدة الطحاوية" 1/ 136 - بتحققن - عن هذا الحديث: نتلقاه بالقبولِ والسمعِ والطاعةِ، لصحته عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا نتلقاه بالرد والتكذيب لراويه كما فعلت القدرية، ولا بالتأويلات الباردة، بل الصحيح أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلمَ بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل، وموسى عليه السلام، كان أعلمَ بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم عليه السلام على ذنب قد تاب منه وتاب الله عليه، واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم عليه السلام بالقدر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإن القدر يُحتَجّ به عند المصائب، لا عند المعايب.
وهذا المعنى أحسن ما قيل في الحديث، فما قُدِّر من المصائب يجب الاستسلام له، فإنه من تمام الرضا بالله رباً، وأما الذنوب فليس للعبد أن يُذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب، فيتوب من المعايبِ ويصبُر على المصائب، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: 55]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120]. وانظر حديث عمر الآتي بعده.

فيكَ من روحه، وعلَّمَكَ الأسماء كُلَّها، وأمرَ الملائكةَ فسَجَدُوا لكَ؟ قال: نعم، قال: فما حَمَلكَ على أن أخرجْتَنا ونفسَك من الجنَّة؟ قال له آدمُ: ومَنْ أنتَ؟ قال: أنا موسى، قال: أنتَ نبيُّ بني إسرائيلَ الذي كلمك الله من وراءِ الحِجابِ، لم يجعل بَينكَ وبينَه رَسولاً من خلقِه؟ قال: نعم، قال: أفما وجدْتَ أن ذلك كان في كتاب الله قبلَ أن أُخْلَقَ؟ قال: نعم، قال: فيمَ تلومُني في شيءِ سَبَقَ من الله عز وجل فيه القضاء قَبلي؟ قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عند ذلك:: "فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى" 1. 4703 - حدَّثنا عبدُ الله بن مَسلمة القعنبيُّ، عن مالكٍ، عن زيد بن أبي أُنَيسَة، أن عبدَ الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره، عن مسلم ابن يَسارِ الجهنىِّ أن عمر بن الخطاب سُئِلَ عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: 172]- قال: قرأ القعنبيُ الآية - فقال

عمر: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عنها، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الله عزَّ وجل خلق آدمَ، ثم مَسَح ظهرَه بيمينه، فاستخرج منه ذرِّيةَ، فقال: خلقْتُ هؤلاء للجنة، وبعَمَلِ اْهلِ الجنةِ يعمَلُونَ، ثم مَسَحَ ظَهرَه، فاستَخْرَج منه ذرِّيّةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للنار، وبعملِ أهلِ النار يعملون" فقال رجل: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ففيم العملُ؟ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله إذا خلق العبدَ للجنةِ استعمَلَه بعمل أهلِ الجنة، حتى يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهلِ الجنة، فيُدخِلُه به الجنةَ، وإذا خَلَقَ العبدَ للنار استعمله بعمل أهلِ النَّارِ، حتى يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهلِ النار، فيدخِلُه به النارَ 1.

4704 - حدَّثنا محمدُ بنُ المصفَّى، حدَّثنا بقية، حدَّثني عُمرُ بن جعثم 1 القرشيُّ، حدَّثني زيد بن أبي أُنيسةَ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يَسارٍ، عن نُعيم بن ربيعة، قال: كنت عندَ عمرَ بن الخطاب، بهذا الحديث، وحديث مالكِ أتَمُّ 2. 4705 - حدَّثنا القعنبيُّ، حدَّثنا المُعتمرُ، عن أبيه، عن رَقَبةَ بنِ مَصْقلة، عن أبي إسحاقَ، عن سعيد بن جُبيير، عن ابنِ عباسٍ عن أُبيِّ بن كعب قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "الغلامُ الذي قَتَلَه الخَضِرُ طُبِعَ كافراً، ولو عاشَ لأرهَقَ أبويه طغياناً وكفراً" 3.

4706 - حدَّثنا محمودُ بن خالد، حدَّثنا الفريابيُّ، عن إسرائيل، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابنِ عباس حدَّثنا أبيُّ بن كعب، قال: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - يقول في قوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف: 80]: "وكان طُبِعَ يومَ طُبِعَ كافراً" 1. 4707 - حدَّثنا محمدُ بنُ مِهرانَ الرازيُّ، حدَّثنا سفيانُ بن عُيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جُبير، قال: قال ابن عباس: حَذَثني أبيُّ بن كعب، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أبْصَرَ الخضِرُ غلاماً يلعَبُ مع الصِّبيان، فتناولَ رأسَه فقَلَعه، فقال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ الآية [الكهف: 74] 2.

4708 - حدَّثنا حفصُ بنُ عمر النَّمَرىُّ، حدَّثنا شعبةُ.
وحدَّثنا محمدُ بنُ كثيرِ، أخبرنا سفيانُ -المعنى واحد، والإخبار في حديث سفيان- عن الأعمش، حدَّثنا زيدُ بنُ وهبٍ حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسعودٍ قال: حدَّثنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الصادِقُ المصدوقُ: "إنّ خَلقَ أحدِكُمُ يُجمَعُ في بَطنِ أُمِّه أربعين يوماً، ثم يكونُ عَلَقَةَ مِثْلَ ذلك، ثم يكونُ مُضغةَ مِثلَ ذلك، ثمِ يُبعَثُ إليه مَلَكٌ، فيُؤمَرُ باربعِ كلماتٍ: فيكتُبُ رِزقَه وأجَلَه وعَمَله، ثم يكتُبُ: شقي أو سعيدٌ، ثم يَنفُخُ فيه الروحَ، فإن أحدَكُم ليَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ الجنةِ حتى ما يكونُ بينَه وبينها إلا ذِراعٌ، أو قِيدُ ذراعٍ، فيَسبِقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهلِ النار، فيدخلُها، وإن أحدكم ليَعمَلُ بعملِ أهل النار حتى ما يكونَ بينه وبينها إلا ذراعٌ، أو قِيدُ ذِرَاعٍ، فيسبقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعمَلِ أهلِ الجنة فيدخُلُها" 1.

4709 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حمادُ بنُ زَيدٍ، عن يزيدَ الرِّشكِ، حدَّثنا مُطرِّفُ عن عمرانَ بن حُصَين، قال: قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يا رسولَ الله، أعُلِمَ أهلُ الجنة من أهل النار؟ قال: "نعم" لما قال: ففيمَ يعمَلُ العاملون؟ قال: "كلّ مُيَسّرٌ لما خُلِقَ له" 1. 4710 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ المُقرِىٌّ أبو عبد الرحمن، حَدّثني سعيدُ بنُ أبي أيوبَ، حدَّثني عطاءُ بنُ دينارٍ، عن حكيم ابن شَريكٍ الهُذليِّ، عن يحيى بن ميمونِ الحضرميِّ، عن ربيعةَ الجُرَشىِّ، عن أبي هريرة عن عُمرَ بن الخطاب، عن النبيِّ- صلى الله عليه وسلم -قال: "لا تُجالسوا أهلَ القدر، ولا تُفاتِحُوهُم" 2. = وقد تولى شرح حديث ابن مسعود الحافظ ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" بتحقيقنا (الحديث الرابع) 1/ 153 - 157، وجمع بينه وبين حديث حذيفة بن أسيد عند مسلم (2645)، فأرجع إليه فإنه نفيس.

18 -

باب في ذرارىِّ المشركين

4711 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو عَوَانة، عن أبي بِشرٍ، عن سعيد بن جُبير عن ابنِ عباسِ: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عن أولادِ المشركين، فقال: "الله أعلمُ بما كانوا عامِلِين" 1. = وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (330)، وأبو يعلى في "مسنده" (245) و (246)، والحاكم في "مستدركه " 1/ 85، والبيهقي في "السنن" 10/ 204، وابن حبان في "صحيحه" (79) من طرق عن عبد الله بن يزيد المقرئ، به.
وعلقه البخاري في "التاريخ الكبير" 3/ 15 فقال: وقال عبد الله بن يزيد، فذكره.
وسيأتى (4720). وقوله: "ولا تفاتحوهم" قال في "النهاية": أى: لا تحاكموهم، وقيل: لا تبدؤوهم بالمجادلة والمناظرة.

4712 - حدَّثنا عبدُ الوهّاب بن نجدةَ، حدَّثنا بقيةُ.
وحدَّثنا موسى بنُ مروانَ الرّقّىُّ وكثيرُ بن عُبيدٍ المَذحِجِئُّ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ حَرْبٍ - المعنى- عن محمَّد بن زياد، عن عبدِ الله بن أبي قيسٍ عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ذرارىُّ المؤمنين؟ فقال: "مِنْ آبائهم " فقلت: يا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -صلى الله عليه وسلم --صلى الله عليه وسلم -، بلا عَمَلٍ؟ قال: "الله أعلمُ بما كانوا عامِلِين"، قلت: يا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -صلى الله عليه وسلم --صلى الله عليه وسلم -، فذرَارىُّ المشركين؟ قال: "من آبائهم " قلت: بلا عملِ؟ قال: "الله أعلمُ بما كانوا عاملين" 1. 4713 - حدَّثنا محمدُ بنُ كثيير، أخبرنا سفيانُ، عن طلحةَ بن يحيى، عن عائشة بنت طلحةَ عن عائشة أمِّ المؤمنين، قالت: أُتِيَ النبيَّ- صلى الله عليه وسلم - بصبىّ من الأنصار يُصلي عليه، قالت: قلت: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، طُوبَى لهذا، لم يَعملْ شرّاً ولم يَدْرِ به، فقال:" أوْ غير ذلك يا عائشة، إنَّ الله خَلَقَ الجنّة، وخَلَقَ لها أهلاَ، وخَلَقَها لهم، وهم في أصلاب آبائِهم، وخَلَق النّارَ وخَلَقَ لها أهلاَ، وخَلَقَها لهم، وهم في أصلابِ آَبائِهم" 2.

4714 - حدَّثنا القَعْنبيُّ، عن مالكٍ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "كل مَولودٍ يولدُ على الفِطرة، فأبواهُ يُهودانِهِ وينصّرانه، كما تَناتَجُ الإبِلُ من بهيمةٍ جمعاءَ، هل تُحِشُ من جَدْعَاءَ؟ " قالوا: يا رسول الله، أفرأيتَ مَن يموتُ وهو صغير؟ قال: "الله أعلمُ بما كانوا عامِلِين" 1. وأخرجه مسلم (2662) (31)، وابن ماجه (82) من طريق وكيع، وأخرجه مسلم (2662) (31) من طريق إسماعيل بن زكريا، كلاهما عن طلحة، به.
وأخرجه مسلم (2662) (30) من طريق الفضيل بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، به.
وهو في "مسند أحمد" (24132)، و"صحيح ابن حبان"، (138) و (6173). قوله: "أو غير ذلك ... " إلخ،؟ قال السندي في "حاشيته على "مسند أحمد": أي: لا يَحسُن الجزمُ في حق أحد، ولو صغيراً.
وانظر تعليقنا على الحديث السالف برقم (4711).

4715 - قُرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع: أخبرَكَ يوسفُ بن عمرو، أخبرنا ابن وهب، قال: = ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30] الإِسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث: اقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قول الله عز وجل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قالوا: فطرة الله دين الإِسلام وبحديث عياض بن حمار عند مسلم (2865) عن النبي-صلى الله عليه وسلم-فيما يرويه عن ربه: "وإني خلقت عبادي حسّنفاء كلُهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" الحديث، وقد رواه غيره فزاد فيه" حسّنفاء مسلمين" وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك، ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ لأنها إضافة مدح، وقد أمر نبيه بلزومها، فعلم أنها الإسلام.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذا الحديث كما في "الفتاوى" 4/ 245 فأجاب: الحمد لله أما قوله: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فالصواب أنها فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي فطرة الإِسلام، وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة فإن حقيقة الإِسلام أن يستسلم لله، لا لغيره، وهو معنى لا إله إلا الله، وقد ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل ذلك.
فقال: كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء (أى: سالمة من العيوب في جميع أعضائها) بين أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن، وأن العيب حادث طارئ، ثم ذكر حديث عياض عند مسلم (2865) ... وانظر تتمة كلامه فإنه غاية في النفاسة والتحقيق.
وقوله: " تناتج": تلد، وعند غير أبي داود ومالك في "الموطأ"." كما تنتج البهيمةُ بهيمةَ، قال النووي في "شرح مسلم" 16/ 209: هو بضم التاء الأولى وفتح الثانية، ورفع البهيمة، ونصب بهيمة، ومعناه: كما تلد البهيمة بهيمة جمعاء - بالمد-، أي: مجتمعة الأعضاء، سليمة من نقص، لا توجد فيها جدعاء - بالمد-: وهي مقطوعة الأذن أو غيرها من الأعضاء، ومعناه: أن البهيمة تلد البهيمةَ كاملةَ الأعضاء لا نقص فيها، وإنما يحدث فيها الجَذع والنقص بعد ولادتها.

سمعتُ مالكاً، قيل له: إنَّ أهلَ الأهواءِ يحتجون علينا بهذا الحديث، قال مالكٌ: احْتَجَّ 1 عليهم بآخِرِه، قالوا: أرأيتَ مَن يَموتُ وهو صغيرٌ، قال::" الله أعلمُ بما كانوا عامِلِين" 2. 4716 - حدَّثنا الحسنُ بنُ على، حدَّثنا الحجّاج بن المنهال، قال: سمعتُ حمادَ بنَ سلمةَ يُفسِّرُ حديث: "كل مولود يولَدُ على الفِطرة" قال: هذا عندنا حيث أخَذَ الله عليهمُ العهِدَ في أصلابِ آبائهم، حيث قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] 3. 4717 - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، حدَّثنا ابنُ أبي زائدةَ، حدَّثني أبي عن عامر، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم -: "الوائدةُ والموءودةُ في النار" قال يحيى بن زكريا: قال أبي: فحَدَّثني أبو إسحاق، أن عامِراً حدثه بذلك، عن علقمة، عن ابن مسعودٍ، عن النبي-صلى الله عليه وسلم- 4.

4718 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، حدَّثنا حماد، عن ثابتٍ = عن محمَّد بن أبان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود.
ومحمد بن أبان: ضعفه أبو داود، وابن معين، وقال البخاري: ليس بالقوي.
وعند الشاشي في أول حديثه قصة.
وأخرجه البزار (1605) من طريق أبي أحمد الزبيري، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن علقمة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود.
قال البزار: هكذا رواه شريك.
وأخرجه ابن أبي حاتم فيما نقله عنه الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 8/ 357 - طبعة الشعب- عن أحمد بن سنان الواسطي، عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود.
وهذا سند رجاله ثقات رجال الشيخين، إلاَّ أن إسرائيل سمع من أبي إسحاق بأخرة.
ويشهد له حديث سلمة بن يزيد الجُعفي، أخرجه أحمد في "المسند" (15923)، ورجاله ثقات.
وانظر تمام تخريجه وبسط الكلام عليه فيه.
وفي متن هذا الحديث نكارة، فإن الموءودة -وهي البنت التي تدفن حية- تكون غير بالغة، ونصوص الشريعة متضافرة على أنه لا تكليف قبل البلوغ.
والمذهب الصحيح المختار عند المحققين من أهل العلم أن أطفال المشركين الذين يموتون قبل البلوغ هم من أهل الجنة، وقد استدلوا بما أخرجه ابن أبي حاتم فيما نقله عنه ابن كثير في تفسيره 8/ 357 عن أبي عبد الله الطهراني -وهو محمَّد بن حماد، حدَّثنا حفص بن عمر العدني، حدَّثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة، فمن زعم أنهم في النار، فقد كذب، يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: 8 - 9] قال: هي المدفونة، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15] فإذا كان لا يعذب العاقل بكونه لم تبلغه الدعوة، فلان لا يعذب غير العاقل من باب الأولى.
وبما أخرج أحمد (20583) من طريق حسناء بنت معاوية بن سليم عن عمها قال: قلت: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من في الجنة؟ قال: "النبي-صلى الله عليه وسلم- في الجنة, والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءودة في الجنة" وحسن الحافظ إسناده في "الفتح" 3/ 246.

عن أنس: أن رجلاً قال: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أين أبي؟ قال: "أبوكَ في النار" فلما قَفَّى قال: "إنّ أبي وأباكَ في النار" 1. 4719 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، حدَّثنا حمادٌ، عن ثابتٍ عن أنس بن مالكٍ، قال:"إنّ الشَّيطانَ يجري من ابن آدمَ مجرى الدَّم" 2.

4720 - حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ الهَمْدانىُّ، أخبرنا ابن وَهْبٍ، أخبرني ابنُ لهيعة وعمرُو بنُ الحارث وسعيدُ بنُ أبي أيوب، عن عطاء بن دينار، عن حكيم ابن شريك الهُذلىّ، عن يحيى بن ميمون، عن ربيعةَ الجُرَشي، عن أبي هريرة = "ابن آدم": المراد جنس أولاد آدم، فيدخل فيه الرجال والنساء، كقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الاعراف: 26] وقوله:: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: 40] بلفظ المذكر، إلا أن العُرفَ عمَّمه فأدخل فيه النساه.
ثم قال: والمحصل من هذه الروايات: أن النبي-صلى الله عليه وسلم- لم ينسبهما (وقع في بعض الأحاديث أنهما رجلان) إلى أنهما يظنان به سوءاً لما تقرر عنده من صدق إيمانهما ,ولكن خشى عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك؛ لأنهما غير معصومين، فقد يُفضي بهما ذلك إلى الهلاك، فبادَرَ إلى إعلامهما حَسماً للمادة، وتعليماً لمن بعدهما إذا وقع له مثلُ ذلك.
تنبيه: زاد إلامام الغزالي في "الأحياء" في نهاية هذا الحديث: "فضيقوا مجاريه بالجوع " وهي زيادة باطلة ومفسدة لمعنى الحديث ومخالفة لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو داود (1547) وصححه ابن حبان (1029) من حديث أبي هريرة: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة" والضجيع: من ينام في فراشك، والمعنى بئس الجوع الذي يمنعك من وظائف العبادات، ويشوش الدماغ، ويثير الأفكار الفاسدة، والخيالات الباطلة.
قال الحافظ في "الفتح" 4/ 280: وفي الحديث من الفوائد جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من تشييع زائره، والتي م معه والحديث مع غيره، وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة، وبيان شفقته - صلى الله عليه وسلم - على أمته، وارشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم، وفيه التحرز عن التعرض لسوء الظن والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتذار.
قال ابن دقيق العيد: وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب سوه الظن بهم، وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، ومن ثم قال بعض العلماء: ينبغي للحاكم أن يبين وجه الحكم إذا كان قاضياً نفيا للتهمة.

عن عمر بن الخطاب، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تُجَالِسُوا أهلَ القَدَرِ، ولا تُفَاتِحُوهُم الحديث" 1.

19 - باب في الجهمية (2) 4721 - حدَّثنا هارونُ بنُ معروفِ، حدَّثنا سفيانُ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم--:" لا يزالُ الناسُ يتساءلونَ حتى يقالَ: هذا خَلَقَ الله الخَلْقَ، فمنْ خلقَ الله؟ فمَنْ وَجَدَ من ذلك شيئاً فليقل: آمنتُ بالله" 2.3

: باب في الجهمية:

الجهمية هم المنسوبون إلى جهم بن صفوان السمرقندي الراسبي، وصفه الإِمام الذهبي في "السير" 6/ 26: بأنه أسُّ الضلالة ورأس الجهمية، وأنه صاحب ذكاء وجدال، وكان ينكر الصفات، وينزه الباري عنها بزعمه، ويقول بخلق القرآن، ويقول: إن الله في الأمكنة كلها.
قتل سنة 128 هـ مع الحارث ابن سريج.
وأخرجه مسلم (134) (212) عن هارون بن معروف، بهذا الإسناد.
وأخرجه مسلم (134) (212) عن محمَّد بن عباد، والنسائي في "الكبرى" (10423) عن محمَّد بن منصور، كلاهما عن سفيان، به.
وأخرجه مسلم (134) (213) من طريق أبي سعيد المؤدِّب، عن هشام، به.
وأخرجه البخاري (3276)، ومسلم (134) (214)، والنسائي (10424) من طريق ابن شهاب، عن عروة، به.
وبعضهم يزيد فيه على بعض، وجاء في بعض الروايات: "فليستعذ بالله وَلْيَنتَه" بدل قوله: "فليقل: آمنت بالله".

4722 - حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، حدَّثنا سَلَمة -يعني ابن الفضل-، حدَّثني محمَّد -يعني ابنَ إسحاقَ- قال: حدَّثني عُتبةُ بن مُسلمٍ مولى بني تَيْمٍ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -صلى الله عليه وسلم - فذكَرَ نحوه، قال: "فإذا قالوا ذلك فقولوا: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ثم ليتْفُلْ عن يساره ثلاثاً، وليستعِذْ من الشَيطان" 1. = وأخرجه بأطول مما هنا وبنحوه مسلم (135) (215) من طريق أيوب، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة.
وأخرجه مسلم (135) (216) من طريق جعفر بن برقان، عن يزيد الأصم، قال سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ليسألنكم الناس عن كل شيء، حتى يقولوا: الله خلق كل شيء، فمن خلقه).
وهو في "مسند أحمد" (8376)، و "صحيح ابن حبان" (6722). وانظر ما بعده.
قوله: "خلق الله الخلق"، قال السندي في "حاشيته على المسند"، أي: وجودهم بخلق الله تعالى، فكيف وجوده؟ كأنه رأى أن الوجودَ مطلقاً يحتاج إلى علة مُوجودة، والخالق والخلق فيه سواء!! وهذا قياس فاسد، كيف ولابُد من الانتهاء إلى مُوجد لا يكونُ وجوده عن علة بالضرورة، وإلا لما وُجِد موجود أصلاً، ولا نعني باسم الله إلا ذلك الموجود الغني في وجوده عن الحاجة إلى عِلةٍ، والله تعالى أعلم.

4723 - حدَّثنا محمدُ بنُ الصَّبَّاح البزَّاز، حدَّثنا الوليدُ بنُ أبي ثورٍ، عن سِماكٍ، عن عبدِ الله بن عَميرَةَ، عن الأحسّنفِ بن قَيسٍ عن العباس بن عبد المطلب، قال: كنتُ في البطحاء في عصابةٍ فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فمرَّتْ بهم سحابةُ، فنَظَرَ إليها، فقال: "ما تُسَمُّون هذه؟ " قالوا: السَّحابَ، قال: "والمُزْنَ؟ " قالوا: والمُزْنَ، قال: "والعَنَانَ؟ " قالوا: والعنانَ -قال أبو داود: لم أُتقِنِ العَنَانَ جيِّداً-، قال: "هل تَدرونَ ما بعدُ ما بين السّماء والأرض؟ " قالوا: لا ندري، قال: "إن بُعدَ ما بينهما إما واحدٌ أو ثِنْتانِ أو ثلاثٌ وسبعونَ سنةً، ثم السماءُ فوقَها كذلك -حتّى عدَّ سبعَ سماواتٍ- ثم فوقَ السابعة بَحرٌ، بينَ أسفلِه وأعلاهُ مِثلُ ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثم فَوقَ ذلكَ ثمانيةُ أوعالٍ، بين أظلافِهِم ورُكبِهِم مثلُ ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثم على ظُهورهم العرشُ، بين أسفلِه وأعلاهُ مثلُ ما بينَ سماءٍ إلى سماءٍ، ثم الله تبارك وتعالى فوق ذلك 1. = وأخرجه أحمد في "مسنده" (9027) من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وقوله: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، جعله من قول أبي هريرة موقوفاً عليه، ولم يذكر بقية الحديث.
وانظر ما قبله.

4724 - حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سُرَيج، أخبرنا عبدُ الرحمن بن عبد الله بن سعد ومحمدُ بنُ سعيد، قالا: أخبرنا عمرو بن أبي قيس، عن سِماكٍ، بإسناده ومعناه 1. 4725 - حدَّثنا أحمدُ بنُ حَفْصٍ، حدَّثني أبي، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن سماكٍ، بإسناده ومعنى هذا الحديث الطويل 2. 4726 - حدَّثنا عبدُ الأعلي بن حماد ومحمد بن المثنَّى ومحمد بن بشَّار وأحمدُ بنُ سعيدِ الرّباطي، قالوا: حدَّثنا وهبُ بنُ جرير -قال أحمد: كتبناه من نسخته، وهذا لفظه- حدَّثنا أبي، قال: سمعتُ محمَّد بن إسحاق يُحدثُ، عن يعقوب بن عُتبةَ، عن جُبَير بن محمَّد بن جُبير بن مُطعِم، عن أبيه = وذكر أبو بكر بن العربي: أن الحديث متلقف عن أهل الكتاب ليس له أصل في الصحة.
وأخرجه ابن ماجه في "سننه" (193) من طريق محمَّد بن الصباح، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (1770). وانظر لاحقيه.
قوله: "البطحاء": قال السندي: هي المُحَصَّبُ، وهو موضع معروف بمكة.
و"العنان": قال: كسَحَاب وزناً ومعنى.
"أوعال": جمع وَعِل -بفتح فكسر- تيس الجبل، قال ابن الأثير: أي: ملائكة على صورة الأوعال.

عن جَدِّه، قال: أتى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -صلى الله عليه وسلم -أعرابىٌّ، فقال: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، جَهِدَتِ الأنفُسُ، وضَاعَتِ العيالُ، ونُهِكَتِ الأموالُ، وهَلَكت الأنعامُ، فاسْتَسْقِ الله عَزَّ وَجَلَّ لنا، فإنا نستشفِعُ بكَ على الله، ونستشفع بالله عليكَ، قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم--: "ويحَكَ! أتدري ما تقول؟ " وسبَّحَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم--، فما زال يُسَبِّحُ حتى عُرِفَ ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: "ويْحَكَ! إنه لا يُستشفَعُ بالله على أحدٍ مِن خلقه، شأنُ الله أعظمُ من ذلك، ويْحَكَ! أتدري ما الله، إن عَرشَه على سماواته لهكذا،- وقال بإصبعه مثلَ القُبّة عليه- وأنَّه ليَئِطُّ به أطِيطَ الرّحْلِ بالراكب " قال ابنُ بشَار في حديثه: "إن الله عَزَّ وَجَلَّ فوقَ عرشِه، وعَرشُه فوقَ سماواته" وساقَ الحديث 1.

وقال عبدُ الأعلى وابن المثنَّى وابن بشارٍ، عن يعقوبَ بن عُتبةَ وجُبير بن محمَّد بن جُبير، عن أبيه عن جده 1. والحديث بإسناد أحمدَ بنِ سعيدٍ هو الصحيح 2، وافقه عليه جماعة منهم يحيى بن = ابن الحجاج النيسابوري رواية.
وانفرد به محمَّد بن إسحاق بن يسار عن يعقوب، وابن إسحاق: لا يحتج بحديثه، وقد طعن فيه غير واحد من الأئمة، وكذبه جماعة منهم.
وممن ضعفه من المعاصرين الشيخ ناصر الدين الألباني - رحمه الله - في "تخريج أحاديث السنة" 1/ 252. وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" ص 417 - 418 من طريق أبي داود، بهذا الإسناد.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (1547)، والمزي في "تهذيب الكمال" 4/ 505 - 506 من طريق عبد الأعلي بن حماد، والدارمي في "الرد على الجهمية "ص 24، وابن خزيمة في "التوحيد" ص 103 - 104 عن محمَّد بن بشار، كلاهما عن وهب بن جرير، بهذا الإسناد.
وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (576)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 417، والبغوي في "شرح السنة" (92) من طريق أبي الأزهر، والطبراني (1547)، والمزي 4/ 505 - 506 من طريق يحيى بن معين وعلي ابن المديني، ثلاثتهم عن وهب بن جرير، به.
وأخرجه الآجري في "الشريعة" ص 293 من طريق حفص بن عبد الرحمن، عن محمَّد بن إسحاق، به.

جارٍ التحميل