كتاب الفرائض
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السجستاني، أبو داود
- الكتاب
- سنن أبي داود
- المؤلف
- أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
- المحقق
- شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
- الناشر
- دار الرسالة العالمية
- الطبعة
- الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال ابنُ شهاب: لا أدري في الثالثة أو الرابعة.
والضفير: الحبلُ.
4470 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيد الله، حدَّثني سعيدُ بنُ أبي سعيد المقبرِيُّ
عن أبي هُريرة، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "إذا زَنَت أمَةُ أحدِكم
فليَجِلدْها، ولا يُعيِّرها، ثلاث مِرَارٍ، فإنْ عَادَتْ في الرّابِعةِ، فَلْيَجْلدْها،
ولْيبِعها بضَفيرِ، أو بحبْلٍ مِنْ شَعَرِ" 1.
4471 - حدَّثنا ابنُ نُفيلِ، حدَّثنا محمدُ بنُ سلمةَ، عن محمَّد بنِ إسحاقَ، عن سعيد بنِ أبي سعيدٍ المقبريِّ، عن أبيه
عن أبي هُريرة، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، بهذا الحديث، قال في كُل مرةٍ: "فليضربْها كتابَ الله، ولا يُثرِّبْ عليها"، وقال في الرابعة: "فإن عَادَتْ فَليضرِبْها كتابَ الله، ثم ليبِعها، ولو بحبلٍ مِن شَعَرٍ" 2.
34 -
باب في إقامة الحدِّ على المريض
4472 - حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ الهَمْدانيُّ، حدَّثنا ابنُ وهب، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهاب، أخبرني أبو أمامَةَ بنُ سهلِ بن حُنَيْفِ
أنه أخبره بعضُ أصحاب رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - مِن الأنصارِ: أنَّه اشتكى رجُلٌ منهم حتى أُضنِيَ، فعَادَ جِلدَةً على عَظمٍ، فدخلت عليه جارِيةٌ لِبعضِهم، فَهشَّ لها، فَوَقَعَ عليها، فلما دَخَلَ عليهِ رجالُ قومه يَعُودونه أخبرَهم بذلك، وقال: استفتُوا لي رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فإني قد وقَعْتُ على جَارِيَةٍ دخلتْ عليَّ، فذَكَرُوا ذلك لِرسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، وقالوا: ما رأينا بأحدٍ مِن الناسِ مِن الضُرِّ مثلَ الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسَّخَتْ عظامُهُ، ما هو إلا جِلدٌ على عَظْم، فأمرَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - أن يأخذوا له مِئةَ شِمراخٍ، فيضرِبُوه بها ضربةً واحِدَةً 1. = وأخرجه مسلم (1703) من طريق محمَّد بن إسحاق، بهذا الإسناد.
وأخرجه البخاري (2152) و (2234) و (6839)، ومسلم (1703)، والنسائي في "الكبرى" (7207) من طريق الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، به.
وهو في "مسند أحمد" (9470) و (10405). وانظر ما قبله.
قال الخطابي: معنى التثريب: التعبير والتبكيت، يقول: لا يقصر على أن يبكتها بفعلها أو يسبّها، ويعطل الحد الواجب عليها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه ابن الجارود في المنتقى (817)، والبيهقي 10/ 64 من طريق يونس ابن يزيد، بهذا الإسناد.
وأخرجه النسائي في "الكبرى" (7267) من طريق إسحاق بن راشد، عن الزهري، به إلا أنه سمى الصحابي سهل بن حنيف.
وإسحاق -وإن كان ثقة- في حديثه عن الزهري بعض الوهم وقد اختُلف عليه، فقد روي عنه هذا الحديث مرة أخرى -كما أخرجه النسائي (7266) - عن الزهري عن أبي أمامة مرسلاً.
وأخرجه النسائي أيضاً (7259) من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد.
وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث من هذا الطريق في "سننه" (3156)
ثم قال: الصواب عن أبي حازم عن أبي أمامة بن سهل، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم.
وأخرجه كذلك (7260) من طريق زيد بن أبي أُنيسة، عن أبي حازم، عن أبي أمامة مرسلاً.
وأخرجه أيضاً (7261) و (7263) من طريق أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، و (7262 - 7265) طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، كلاهما عن أبي أمامة مرسلاً.
وهو في "مسند أحمد" (21935) من طريق يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن أبي أمامة، عن سعيد بن سعْد بن عبادة.
وانظر تمام الكلام عليه وتفصيل طرقه هناك.
قال الخطابي: قوله: أُضني معناه: أصابه الضَّنى، وهو شدة المرض وسوء الحال حتى ينحل بدنه ويَهزُل، ويقال: إن الضَّنى انتكاس العلة.
قلنا: وقوله: هشَّ لها، من الهَشّ والهشيش، وهو كل شيء فيه رخاوة ولين وخِفّة.
والشمراخ: كل غصن من أغصان عذق النخل، وهو الذي عليه البُسْر.
ثم قال الخطابي: وفيه من الفقه أن المريض إذا كان ميؤوساً منه ومن معاودة الصحة والقوة إياه وقد وجب عليه الحد، فإنه يُتناول بالضرب الخفيف الذي لا يَهُدُّه.
وممن قال من العلماء بظاهر هذا الحديث الشافعي، وقال: إذا ضربه ضربةً واحدة بما يجمع له من المشاريخ فعلم أن قد وصلت كلها إليه ووقعت به أجزأه ذلك.
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابُه: لا نعرف الحد إلا حداً واحداً، الصحيح والزَّمِنُ فيه سواء.
=
4473 - حدَّثنا محمدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنا إسرائيلُ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، عن أبي جَميلة عن علي، قال: فَجَرتْ جاريةٌ لآلِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فقال: "يا عليُّ، انطلِق فأقِم عليها الحدَّ" فانطلقتُ فإذا بها دمٌ يسيلُ لم ينقطِعْ، فأتيتُه، فقال: "يا عليٍّ أفرَغتَ؟ " قلت: أتيتُها ودمُها يَسيلُ، فقال: "دَعها، حتى ينقطعَ دمُها، ثم أقِمْ عليها الحدَّ، وأقيموا الحُدودَ على ما ملَكتْ أيمانُكم" 1. = قالوا: ولو جاز هذا لجاز مثله في الحامل أن تُضرب بشماريخ النخل ونحوه، فلما أجمعوا أنه لا يجري ذلك في الحامل كان الزَّمِنُ مثل ذلك.
قلنا: ومذهب الحنابلة في ذلك كمذهب الشافعي كما ذكر ابن قدامة في "المغني" 12/ 330. وهذا الخِلافُ في المريض الذي لا يُرجى بُرؤه، والحديث الآتي بعده في المريض الذي يرجى بُرؤه.
قال أبو داود: وكذلك رواه أبو الأحوصِ، عن عبدِ الأعلى، ورواه شعبةُ عن عبدِ الأعلى فقال فيه: قال: "لا تَضرِبْها حتَّى تَضَعَ" والأولُ أصحُّ.
35 -
باب في حدّ القذف
4474 - حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ الثقفيُّ ومالكُ بنُ عبدِ الواحد المِسمَعِيُّ -وهذا حديثه- أن ابنَ أبي عدي حدَّثهم، عن محمَّد بنِ إسحاق، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ، عن عَمرةَ = فقد أخرجه مسلم (1705)، والترمذي (1506) من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَمي، عن علي بن أبي طالب: أنه خطب الناس فقال: يا أيها الناس أقيموا على أرقائِكم الحد، من أُحصِن منهم ومن لم يُحصن، فإن أمة لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لنبي -صلَّى الله عليه وسلم- فقال: "أحسنت"، وفي رواية أخرى عند مسلم زيادة: "اتركها حتى تَمَاثل".
وهو في "مسند أحمد" (736) و (1341).
قال ابن قدامة في "المغني" 12/ 329 - 330: المريض الذي يرجى برؤه يقام عليه الحدُّ ولا يؤخر كما قال أبو بكر في المساء [قلنا: أبو بكر: هو الخلال] وهذا قول إسحاق وأبي ثور، لأن عمر رضي الله عنه أقام الحد على قدامة بن مظعون في مرضه، ولم يؤخره، وانتشر ذلك في الصحابة فلم ينكروه، فكان إجماعا، ولأن الحد واجب فلا يؤخر ما أوجبه الله بغير حجة.
قال القاضي [يعني أبا يعلى الفراء]: وظاهر قول الخرقي تأخيره، لقوله فيمن يجب عليه الحد: وهو صحيح عاقل، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لحديث علي رضي الله عنه في التي هي حديثة عهد بنفاس وما ذكرناه من المعنى، وأما حديث عمر في جلد قدامة فإنه يحتمل أنه كان مرضا خفيفاً، لا يمنع من إقامة الحد على الكمال، ولهذا لم يقل عنه أنه خفف عنه في السوط، وإنما اختار له سوطاً وسطا كالذي يُضرب به الصحيح، ثم إن فعل النبي - صلَّى الله عليه وسلم - يقدم على فعل عمر، مع أنه اختيار علي وفعلُه، وكذلك الحكم في تأخيره لأجل الحر والبرد المُفرط.
عن عائِشَة، قالت: لما نزلَ عُذري قامَ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- على المِنبرِ فذَكَر ذلكَ، وتلا -تعني القرآنَ- فلما نزلَ مِن المِنْبرِ أمَرَ بالرَّجُلينِ والمرأةِ فضُرِبُوا حَدَّهم 1.
4475 - حدَّثنا النُّفيليُّ، حدَّثنا محمدُ بنُ سَلَمَة، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، بهذا الحديثِ، لم يذكُر عائِشةَ، قال:
فأمَرَ برجلين وامرأةٍ ممن تكلمَ بالفاحِشَة: حسانَ بنِ ثابتٍ ومِسْطَح بنِ أُثاثَةَ.
قال النُّفيلي: ويقولُونَ: المرأة: حمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ 2.
36 -
بابُ الحدِّ في الخَمْر
4476 - حدَّثنا الحسنُ بنُ علي ومحمدُ بنُ المُثنَّى -وهذا حديثُه- قالا: حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُريج، عن محمَّد بنِ على ابن رُكانَةَ، عن عِكرِمَة عن ابنِ عباسِ: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - لم يَقِتْ في الخَمْرِ حدّاً.
وقال ابنُ عباسٍ: شَرِبَ رجلٌ فَسَكِرَ فلُقِيَ يَميلُ في الفَجِّ، فانطُلِقَ به إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، فلما حاذَى دارَ العباسِ انفلتَ، فدَخَلَ على العباس فالتزمه فذَكَر ذلك للنبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم-، فَضَحِكَ، وقال: "أفعَلَها؟ " ولم يأمُرْ فيه بشيءٍ 1.
قال أبو داود: هذا الحديث مما تفرَّد به أهلُ المدينةِ حديث الحسن بنِ علي هذا 1. 4477 - حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا أبو ضَمرةَ، عن يزيدَ ابنِ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبي سَلَمَة عن أبي هُريرة: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - أُتيَ برجل قد شَرِبَ، فقال: "اضرِبُوهُ" فقال أبو هُريرة: فَمِنا الضَّارِبُ بيده، والضَّارب بنعله، والضاربُ بثوبه، فلما انصرفَ قال بعضُ القوم: أخزَاكَ اللهُ! فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا تَقُولُوا هكذا، لا تُعينوا عليه الشَّيْطَانَ" 2. 4478 - حدَّثنا محمدُ بنُ داودَ بن أبي ناجيةَ الإسكندرانىُّ، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، أخبرني يحيى بنُ أيوبَ وحيوةُ بن شريحٍ وابنُ لهيعةَ عن ابن الهاد، بإسناده ومعناه، قال فيه بَعْدَ الضربِ: ثم قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - لأصحابِه: "بكَّتُوه"، فأقبلُوا عليه يقولون: أما اتقيتَ اللهَ، ما خَشِيتَ اللهَ، وما استحييت مِن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، ثم أرسَلُوه،
وقال في آخِرِه: "ولكن قولوا: اللَّهم اغفِر له، اللهم ارْحَمه" وبعضهم يزيدُ الكلمةَ ونحوَها 1. 4479 - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، حدَّثنا هِشامٌ، وحدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن هِشام -المعنى- عن قتادَةَ عن أنسِ بنِ مالكِ: أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - جَلدَ في الخَمْرِ بالجَريدِ والنِّعالِ، وجَلَدَ أبو بكر أربعينَ، فلما ولي عُمَرُ دعا الناسَ، فقال لهم: إنَّ الناسَ قد دنوا مِن الرِّيفِ -وقال مُسَدَّدٌ: من القُرى والريفِ- فما ترونَ في حد الخمر؟ فقال له عبدُ الرحمن بنُ عَوفٍ: نرى أن تَجْعَلَه كأخفِّ الحُدودِ، فَجَلَدَ فيه ثَمَانِينَ 2.
قال أبو داود: رواه ابنُ أبي عَروبة، عن قتادةَ، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم: أنه جَلَدَ بالجريدِ والنعالِ أربعين.
ورواه شعبةُ، عن قتادة
عن أنسٍ، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، قال: ضرب بجريدَتَين نحو الأربعينَ.
4480 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ بنُ مُسَرهَدٍ وموسى بنُ إسماعيل -المعنى- قالا: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ المختار، حدَّثنا عبدُ الله الدَّاناجُ، حدَّثني حُضَينُ بنُ المُنذر الرَّقاشِيُّ أبو ساسان، قال: شهدتُ عثمانَ بنَ عفان وأُتي بالوليدِ بن عُقبةَ فَشَهِدَ عليه حُمرانُ ورجل آخرُ، فشهد أحدُهما أنه رآه يَشْربُها -يعني الخمرَ-، وشَهِدَ الآخر أنه رآه يتقيَّؤُها، فقال عثمانُ: إنه لم يتقيأها حتى شَرِبَها، فقال لِعليٍّ: أقِم عليه الحدَّ، فقال علي للحسنِ: أقم عليه الحَدَّ، فقال الحسنُ: ولِّ حارَّها من تولَّى قارَّها، فقال عليٌّ لعبدِ الله بنِ جعفر: أقِمْ عليه الحدَّ، قال: فأخذ السَّوطَ فجلدَه وعليٌّ يعُدُّ، فلما بلغ أربعين، قال: حسبُكَ، جَلدَ النبي - صلَّى الله عليه وسلم - أربعين، -أحسبه قال:- وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنّةٌ، وهذا أحبُّ إلىَّ 1. = وهو في "مسند أحمد" (12139) و (12805)، و"صحيح ابن حبان" (4448) و (4449) و (4450) وانظر كلام الخطابي في حد شارب الخمر عند الحديث التالي.
قال أبو داود: وقال الأصمعيُّ: ولِّ حارَّها مَنْ تولَّى قارَّها: ولِّ شديدَها من تولَّى هيِّنها.
= قال الخطابي: وَلِّ حارَّها من تولَّى قارَّها، مثلٌ، أي: وَلِّ العقوبة والضربَ من تُوليه العملَ والنفع.
والقارّ: البارد.
وقال الأصمعي: معناه: ولِّ شديدها مَن تولِّي هيِّنها، وكلاهما قريب.
وفي قول علي رضي الله عنه عند الأربعين: حسبُك، دليل على أن أصل الحد في الخمر إنما هو أربعون، وما وراءها تعزير.
وللإمام أن يزيد في العقوبة إذا أداه اجتهاده إلى ذلك، ولو كانت الثمانون حداً ما كان لأحد فيه الخيار، وإلى هذا ذهب الشافعي.
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه: الحد في الخمر ثمانون، ولا خيار للإمام فيه.
وقوله: وكلٌّ سنةٌ، يريد: أن الأربعين سنة قد عمل بها النبي - صلَّى الله عليه وسلم - في زمانه، والثمانون سنة رآها عمر رضي الله عنه، ووافقه من الصحابة علىٌّ، فصارت سنة.
وقد قال -صلَّى الله عليه وسلم-: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" [قلنا: هذا الحديث أخرجه أحمد (23245)، وابن ماجه (97)، والترمذي (3991)، وابن حبان (6902) وهو حديث حسن].
وقال النووي في "شرح مسلم": واختلف العلماء في قدر حد الخمر، فقال الشافعي وأبو ثور وداود وأهل الظاهر وآخرون: حده أربعون.
قال الشافعي رضي الله عنه: وللإمام أن يبلغ به ثمانين وتكون الزيادةُ على الأربعين تعزيراتٍ على تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف والقتل وأنواع الايذاء وترك الصلاة وغير ذلك.
قال: ونقل القاضي عن الجمهور من السلف والفقهاء منهم مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق رحمهم الله تعالى أنهم قالوا: حده ثمانون، واحتجوا بأنه الذي استقر عليه إجماع الصحابة، وأن فعل النبي - صلَّى الله عليه وسلم - لم يكن للتحديد، ولهذا قال في الرواية الأولى: نحو أربعين، وحجة الشافعي وموافقيه: أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - إنما جلد أربعين كما صرح به في الرواية الثانية، وأما زيادة عمر فهي تعزيرات، والتعزير إلى رأي الإِمام إن شاء فعله وإن شاء تركه بحسب المصلحة في فعله وتركه فرآه عمر ففعله، ولم يره النبي - صلَّى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا علي فتركوه.
قال أبو داود: وهذا كان سيدَ قومِه: حضينُ بن المُنذر أبو ساسان (1). 4481 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن الدَّاناجِ، عن حُضَين بنِ المُنذر عن علي، قال: جلَدَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - في الخمرِ وأبو بكر أربعينَ، وكمَّلَها عُمَرُ ثمانينَ، وكلٌّ سُنّةٌ (2).
37 -
باب إذا تتايَعَ في شرب الخمر
3 4482 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبانُ، عن عاصِمٍ، عن أبي صالحٍ ذكوان عن معاويةَ بن أبي سُفيان، قالَ: قالَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "إذا شَرِبُوا الخمر فاجلِدُوهُم، ثم إن شَرِبُوا فاجلدُوهُم، ثم إن شَرِبُوا فاجلِدُوهُم، ثُمَّ إنْ شَرِبُوا فاجلِدُوهُم، ثم إن شَرِبُوا فاقتُلُوهُم" 4.12
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه ابن ماجه (2573)، والترمذي (1510)، والنسائي في "الكبرى" (5278) من طرق عن عاصم بن بهدلة، به.
وجعلوا القتل في الرابعة، ولم يجعلوه في الخامسة كالمصنف.
وهو في "مسند أحمد" (16859)، و "صحيح ابن حبان" (4446).
وأخرجه النسائي (5279) و (5280) من طريق عبد الرحمن بن عبدٍ الجدَلي، عن معاوية وإسناده صحيح.
وجعل القتل في الرابعة أيضاً.
وهو في "مسند أحمد" (16847).
وفي الباب عن غير واحد من الصحابة أشرنا إليها في "المسند" عند حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (6552) وعندهم جميعاً أن القتل في الرابعة.
وقد أشار إلى بعضها المُصنِّف بإثر الحديث (4484).
وقد روي هذا الحديث من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة كما سيأتي عند المصنف (4484)، وقال البخاري فيما نقله عنه الترمذي بإثر (1510) حديث أبي صالح عن معاوية عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - في هذا أصح من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -.
وقال الترمذي: وإنما كان هذا في أول الأمر، ثم نُسخ بعدُ، هكذا روى محمَّد ابن إسحاق، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، قال: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه"، قال: ثم أُتي النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- بعد ذلك برجل قد شرب الخمر في الرابعة فضربه ولم يقتله [قلنا: أخرجه النسائي في "الكبرى" (5302) و (5303) سنده لين وفيه عنعنة ابن إسحاق].
ثم قال الترمذي: وكذلك روى الزهري عن قبيصة بن ذؤيب، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - نحو هذا، فرفع القتل وكانت رُخصة.
[قلنا: أخرجه المصنف برقم (4484)].
ثم قال: والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافاً في ذلك في القديم والحديث، ومما يقوي هذا ما روي عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - من أوجه كثيرة أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني والتارك لدينه".
قلنا: وقد حكى الاتفاق قبله على ترك قتل من تكرر منه شرب الخمر أكثر من ثلاث مرار: الإمام الشافعي في "الأم" 6/ 144 حيث قال: والقتل منسوخ بهذا الحديث =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = [يعني حديث قبيصة بن ذؤيب الآتي عند المصنف بعده] وغيره، وهذا مما لا اختلاف فيه بين أحد من أهل العلم علمتُه.
ونقل الحافظ في "الفتح" 12/ 80 عن ابن المنذر قوله: كان العمل فيمن شرب الخمر أن يضرب وينكّل به، ثم نسخ بالأمر بجلده، فإن تكرر ذلك أربعاً قتل، ثم نسخ ذلك بالأخبار الثابتة وبإجماع أهل العلم إلا من شَذَّ ممن لا يُعَدُّ خِلافُه خِلافاً.
وكذلك قال النووي في "شرح مسلم" 5/ 298 بأن الإجماع دَلَّ على نسخ هذا الحديث في قتل شارب الخمر، وكذلك قال ابن الصلاح في "علوم الحديث" في النوع الرابع والثلاثين: معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه.
قلنا: لكن ذهب آخرون إلى عدم نسخ الحديث منهم ابن حبان في "صحيحه" بإثر الحديث (4447) حيث حمل هذا الحديث على ما إذا استحلّ شربه ولم يقبل تحريم النبي - صلَّى الله عليه وسلم -. قلنا: لكن لو كان الأمر كذلك لم ينتظر بشارب الخمر المشحل أن يشرب ثلاث مرات؛ لأنه إن كان مستحلاً يكفر من أول مرة.
وذهب الخطابي إلى أن الأمر قد يرد بالوعيد، ولا يراد به وقوع الفعل، فإنما يقصد به الردع والتحذير، كقوله -صلَّى الله عليه وسلم-: "من قتل عبّده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه" وهو لو قتل عبده لم يُقتل به في قول عامة العلماء، وكذلك لو جدعه لم يُجدَع له بالاتفاق.
ثم قال الخطابي: وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجباً، ثم نسخ لحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يُقتل، وقد روي عن قبيصة بن ذؤيب ما يدل على ذلك.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في "الفتح" 12/ 78 دليلاً آخر على النسخ يؤيد قول القائلين به وهو حديث عمر بن الخطاب عند البخاري (6780) وغيره، وفيه: أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - جلد رجلاً يقال له عبد الله في الشراب فأتي به يوماً فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ إنه يحب الله ورسوله" قال الحافظ: فيه ما يدل على نسخ الأمر الوارد بقتل شارب الخمر إذا تكرر منه، فقد ذكر ابن عبد البر أنه أتي به أكثر من خمسين مرة.
وقال ابن القيم في "تهذيب السنن" 6/ 238: الذي يقتضيه الدليل أن الأمر بقتله ليس حتماً، ولكنه تعزير بحسب المصلحة، فإذا أكثر الناس من الخمر، ولم ينزجروا بالحد، فرأى الإِمام أن يقتل فيه قتل.
4483 - حدَّثنا مُوسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حماد، عن حُميدِ بنِ يزيدَ، عن نافعٍ
عن ابنِ عُمَرَ أن رسُولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم- قال، بهذا المعنى، قال: وأحسِبُه قال في الخامِسَةِ: "إن شَرِبَها فاقتلُوه" 1.
قال أبو داود: وكذا في حديثِ أبي غُطَيفٍ: "في الخامِسَةِ".
4484 - حدَّثنا نصرُ بنُ عاصِمِ الأنطاكيُّ، حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون الواسطيُّ، حدَّثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن الحارثِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي سَلَمَة
عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "إذا سَكِرَ فاجلِدُوهُ، ثم إن سَكِرَ فاجلِدُوه، ثم إن سَكِرَ فاجلِدُوهُ، فإن عادَ الرابِعَةَ فاقتُلُوه" 2.
قال أبو داود: وكذا حديثُ عُمر بن أبي سلمةَ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -: "إذا شَرِبَ الخمرَ فاجلِدُوه، فإن عاد الرابعةَ فاقتلُوُه".
وكذا حديثُ سهيلٍ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -: "إن شَرِبُوا الرَّابِعَة فاقتلُوهُم".
وكذا حديثُ ابنِ أبي نُعم، عن ابن عمر، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -.
وكذا حديثُ عبدِ الله بنِ عمرو، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -. = وهو في "مسند أحمد" (7911)، و"صحيح ابن حبان" (4447).
وأخرجه النسائي (5277) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وإسناده صحح.
مع أن البخاري صحح طريق أبي صالح عن معاوية بن أبي سفيان كما سلف برقم (4482) لكن مثل هذا الاختلاف لا يضر؛ لأنه اختلاف في تعيين الصحابي، ولا يؤثر كونه معاوية أو أبا هريرة لأن الصحابة كلهم عدول ثقات.
وهو في "مسند أحمد" (7762).
وطريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة التي أشار إليها المصنف أخرجها أحمد (10729)، وإسنادها حسن.
وانظر فقه الحديث وأنه منسوخ عند الحديث السالف برقم (4482).
وحديث ابن أبي نُعْم عن ابن عمر سلف تخريجه عند الحديث السالف قبله.
وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه أحمد (6553) و (6791)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 3/ 159، والطبراني في "مسند الشاميين" (235)، والحاكم 4/ 372، بإسناده ضعيف.
وحديث الشريد أخرجه النسائي في "الكبرى" (5282)، وفي إسناده رجل لم نقع له على ترجمة.
وأما رواية الجدلي -وهو عبد الرحمن بن عبدٍ- عن معاوية فسلفت عند الحديث (4482).
والشَّريدِ، عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-.
وفي حديثِ الجدلي، عن معاوية: أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "فإن عاد في الثالثةِ أو الرابعةِ، فاقتلُوه".
4485 - حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدَة الضَّبِّيُّ، حدَّثنا سفيانُ، قال: الزهريُّ أخبرنا عن قَبِيصَةَ بن ذؤيب، أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ شَرِبَ الخمر فاجلِدُوه، فإن عادَ فاجلِدُوه، فإن عاد فاجلِدوهُ، فإن عادَ في الثالثَةِ أو الرابِعَة فاقتُلُوه" فأتِيَ برجُلٍ قد شَرِبَ فجلَدَه، ثم أُتي به فَجَلَدَه، ثم أُتي به فجَلَدَهُ، ثم أُتي به فجَلَدَه، ورُفِعَ القتلُ، وكانت رخصةً 1.
قال سفيانُ: حدَّث الزهريُّ بهذا الحديثِ وعندَه منصورُ بنُ المُعْتَمِرِ ومِخْولُ بنُ راشدٍ، فقال لهما: كونا وافِدي أهِل العراق بهذا الحديثِ.
4486 - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ مُوسى الفَزارِيُّ، حدَّثنا شريكٌ، عن أبي حَصِين، عن عُمَيرِ بنِ سعيد
عن عليٍّ، قال: لا أدي -أو ما كُنْتُ لأدِيَ- مَنْ أقَمتُ عليه حداً إلا شارِبَ الخَمْرِ، فإن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - لم يَسُنَّ فيه شيئاً، إنما هو شيٌ قلناه نحنُ 1. = قال أبو الطيب العظيم آبادي في "عون المعبود" 12/ 124: والمقصود بقول الزهري: أن منصور بن المعتمر ومِخْوَل بن راشد لما كانا من أهل العراق، قال الزهري لهما بعد ما حدثهما هذا الحديث: اذهبا بهذا الحديث إلى أهل العراق، وأخبراهم به، ليعلموا أن القتل بشرب الخمر في الرابعة منسوخ، وأن الناسخ له هو هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
4487 - حدَّثنا سليمانُ بنُ داود المَهْرِيُّ المِصريُّ ابن أخي رشدِينَ بن سعْد، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني أسامةُ بنُ زيدٍ، أن ابنَ شهابٍ حدَّثه
عن عبدِ الرحمن بنِ أزهرَ، قال: كأني أنظرُ إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - الآن وهو في الرِّحالِ يلتمِسُ رحلَ خالد بنِ الوليد، فبينما هُوَ كذلكَ إذ أُتي برجلٍ قد شَرِبَ الخمرَ، فقال للناسِ: "اضرِبُوه" فمنهم من ضَرَبَهُ بالنِّعالِ، ومنهم مَنْ ضربه بالعَصَا، ومنهم مَنْ ضربَه بالمِيتَخَةِ -قال ابنُ وهبٍ: الجَريدةُ الرَّطْبةُ-، ثم أخَذَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - تراباً مِن الأرضِ، فَرَمَى بهِ في وجهِهِ 1. = يشير إلى ما أشار به على عمر، وعلى هذا فقوله: "لو مات لوديته" أي: في الأربعين الزائدة، وبذلك جزم البيهقي وابن حزم، ويحتمل أن يكونَ قوله: "لم يسنه" أي الثمانين، لقوله في الرواية الأخرى: وإنما هو شيء صنعناه، فكأنه خاف من الذي صنعوه باجتهادهم أن لا يكون مطابقاً، واختص هو بذلك لكونه الذي كان أشار بذلك، واستدل له، ثم ظهر له أن الوقوف عندما كان الأمر عليه أولاً أولى، فرجع إلى ترجيحه، وأخبر بأنه لو أقام الحد ثمانين، فمات المضروب وداه للعلة المذكورة.
واستدل بصنيع عمر في جلد شارب الخمر ثمانين على أن حد الخمر ثمانون، وهو قول الأئمة الثلاثة وأحد القولين للشافعي، واختاره ابن المنذر، والقول الآخر للشافعي وهو الصحيح أنه أربعون.
قلت: قد جاء عن أحمد كالمذهبين، قال القاضي عياض: أجمعوا على وجوب الحد في الخمر، واختلفوا في تقديره فمذهب الجمهور إلى الثمانين، وقال الشافعي في المشهور عنه وأحمد في روايته وأبو ثور وداود: أربعين، وتبعه على الإجماع ابن دقيق العيد والنووي ومن تبعهما.
4488 - حدَّثنا ابنُ السَّرْحِ، قال: وجدْتُ في كتابِ خاليِ عبدِ الرحمن بنِ عبدِ الحميدِ، عن عُقيلٍ، أن ابنَ شهابٍ أخبره، أنَّ عبدَ الله بن عبدِ الرحمن بنِ الأزهرِ أخبره عن أبيه، قال: أُتِيَ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- بشاربِ، وهو بحُنينٍ، فَحثَى في وجهِه الترابَ، ثم أمر أصحابه فَضَرَبُوه بنعالهم وما كان في أيديهم، حتَّى قال لهم: "ارفعوا" فَرَفَعُوا.
فتُوفِّيَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، ثم جَلَدَ أبو بَكرٍ في الخمرِ أربعينَ، ثم جَلَدَ عُمَرُ أربعينَ، صَدْراً مِن إمارتِه، ثمِ جَلَدَ ثمانينَ في آخِرِ خلافتهِ، ثم جَلَدَ عثمانُ الحَدَّين كليهما ثمانين وأربعينَ، ثم أثبتَ معاويةُ الحدَّ ثمانينَ 1. = وأخرجه النسائي في "الكبرى" (5262) من طريق أسامة بن زيد، و (5263) من طريق صالح بن كيسان، كلاهما عن الزهري، به.
ورواية صالح مختصرة بقصة حتى التراب في وجه السكران.
وجاء في رواية أسامة بن زيد زيادة أن أبا بكر ضرب أربعين.
وستأتي ضمن روايته الآتية برقم (4489). وهو في "مسند أحمد" (16809) و (16810). وأخرجه النسائي أيضاً (5265) و (5267) من طريق محمَّد بن عمرو بن علقمة ابن وقاص الليثي، عن أبي سلمة، و (5266) و (5267) من طريق محمَّد بن عمرو بن علقمة، عن محمَّد بن إبراهيم التيمي، كلاهما عن عبد الرحمن بن أزهر.
وإسناده حسن من أجل محمَّد بن عمرو بن علقمة.
وانظر تالييه.
والميتخة: هي الدِّرَّة أو العصا أو الجريدة كما قال ابن الأثير، وقال: قد اختُلفَ في ضبطها، فقيل: هي بكسر الميم وتشديد التاء وبفتح الميم مع التشديد، وبكسر الميم وسكون التاء قبل الياء، وبكسر الميم وتقديم الياء الساكنه على التاء.
4489 - حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا عثمانُ بنُ عُمر، حدَّثنا أسامةُ بنُ زَيدٍ، عن الزهريِّ عن عبدِ الرحمن بنِ أزهرَ، قال: رأيتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - غَداةَ الفتحِ، وأنا غلامٌ شابٌّ يتخلَّلُ الناسَ، يسألُ عن منزلِ خالدِ بن الوليدِ، فأُتِيَ بشارِبٍ، فأمَرهم فضربُوه بما في أيديهم: فَمِنهم مَن ضربه بالسَّوْطِ، ومِنهم مَن ضربه بعصاً، ومِنهم مَن ضربَه بنعلِه، وحثَى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - الترابَ، فلما كان أبو بكرٍ أُتي بِشَاربٍ، فسألهم عن ضربِ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم - الذي ضَرَبَهُ، فَحرزُوْهُ أربعينَ، فضرب أبو بكر أربعينَ، فلما كان عُمَرُ، كتَبَ إليه خالدُ بنُ الوليد: إنَّ الناسَ قد انهمَكُوا في الشُّربِ، وتَحَاقَرُوا الحدَّ والعقوبةَ، قال: هُمْ عندَك فَسلْهم، وعنده المهاجرونَ الأوَّلون، فسألهم، فأجمعُوا على أن يُضْرَبَ ثمانينَ، قال: وقال عليٌّ: إن الرجلَ إذا شَرِب افْتَرَى، فأرَى أن تَجعَلَهُ كَحدِّ الفِرْيَةِ 1.
قال أبو داود: أدخل عُقَيْلُ بنُ خالدٍ بينَ الزهري، وبينَ ابنِ الأزهر في هذا الحديث عبد الله بن عبد الرحمن بن الأزهر، عن أبيه.
38 -
باب في إقامة الحد في المسجد
4490 - حدَّثنا هِشَامُ بنُ عمَّار، حدَّثنا صدقةُ -يعني ابنَ خالد- حدَّثنا الشُّعَيْثيُّ، عن زُفَرَ بنِ وَثيمَةَ عن حَكيم بن حِزامٍ، أنه قال: نهى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - أن يُسْتَقَادَ في المسجدِ، وأن تُنْشَدَ فيه الأشعارُ، وأن تُقَامَ فيه الحدودُ 1.
39 -
باب في التعزير
4491 - حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ، عن بُكيرِ بنِ عبدِ الله بنِ الأشَجِّ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ جابرِ بنِ عبدِ الله
عن أبي بُردة أن رسُولَ الله يقولُ: "لا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إلا في حَدِّ مِن حُدودِ الله عَزَّ وَجَلَّ" 1. = وفي باب النهي عن إقامة الحدود في المسجد عن ابن عباس عند ابن ماجه (2599)، والترمذي (1459)، والدارقطني (3279)، والحاكم 4/ 369، والبيهقي 8/ 69 من طرق عن عمرو بن دينار، عن طاووس عن ابن عباس.
وهو حسن بطرقه وشواهده كما بيناه في "سنن ابن ماجه" وروي عن طاووس مرسلاً عند عبد الرزاق (1710) وسنده حسن.
وعن مكحول مرسلاً عند ابن أبي شيبة 10/ 43 - 44 ورجاله ثقات.
وعن عمر موقوفاً عليه أنه أتي برجل في شيء، فقال: أخرجاه من المسجد فاضرباه.
أخرجه عبد الرزاق (1706) و (18238) وسنده صحيح.
وفي باب النهي عن القود في المسجد عن عكرمة مرسلاً عند عبد الرزاق (18236) ورجاله ثقات.
وعن عطاء بن أبي رباح أنه قال له إنسان: أكان يُنهى عن الجلد في المسجد، قال: نعم.
أخرجه عبد الرزاق (1703) وسنده ثقات.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه النسائي (7291) من طريق زيد بن أبي أُنيسة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي بردة بن نيار.
فزاد في إسناده جابر بن عبد الله كما في الرواية الآتية.
وأخرجه البخاري (6849) من طريق مسلم بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن جابر عمن سمع النبي - صلَّى الله عليه وسلم -. قال المنذري في "اختصار السنن": هذا لم يؤثر عند البخاري؛ لأن قوله: عمن سمع النبي - صلَّى الله عليه وسلم - يريد به أبا بردة.
وهو في "مسند أحمد" (15832)، و"صحيح ابن حبان" (4452).
وانظر ما بعده.
قال الخطابي: اختلفت أقاويل العلماه في مقدار التعزير، ويشبه أن يكون السبب في اختلاف مقاديره عندهم ما رأوه من اختلاف مقادير الجنايات والإجرام، فزادوا في الأدب ونقصوا منه على حسب ذلك.
وكان أحمد بن حنبل يقول: للرجل أن يضرب عبده على ترك الصلاة وعلى المعصية، فلا يضرب فوق عشر جلدات، وكذلك قال إسحاق بن راهويه.
وكان الشعبي يقول: التعزير ما بين سوط إلى ثلاثين.
وقال الشافعي: لا يبلغ بعقوبته أربعين، وكذلك قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن.
وقال أبو يوسف: التعزير على قدر عظم الذنب وصغره، على قدر ما يرى الحاكم من احتمال المضروب فيما بينه وبين أقل من ثمانين.
وعن ابن أبي ليلى: إلى خمسة وسبعين سوطاً.
وقال مالك بن أنس: التعزير على قدر الجرم، فإن كان جرمه أعظم من القذف ضُرب مئة أو أكثر.
وقال أبو ثور: التعزير على قدر الجناية، وتسرُّع الفاعل في الشر، وعلى ما يكون أنكى وأبلغ في الأدب، وإن جاوز التعزير الحد إذا كان الجرم عظيماً مثل أن يقتل الرجل عبده أو يقطع منه شيئاً، أو يعاقبه عقوبة يُسرف فيها، فتكون العقوبة فيه على قدر ذلك، وما يراه الإِمام إذا كان مأموناً عدلاً.
=
4492 - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالحٍ، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، أخبرني عَمرو، أن بُكير ابن الأشجِّ حدثه، عن سُليمانَ بنِ يسارٍ، حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ جابرٍ، أن أباه حدَّثه
أنه سَمِعَ أبا بُردة الأنصاريَّ يقولُ: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقول، فذكَرَ معناه 1.
قال أبو داود: أبو بُردة اسمُه هانئ 2. = وقال بعضهم: لا يبلغ بالأدب عشرين؛ لأنها أقل الحدود، وذلك أن العبد يضرب في شرب الخمر عشرين.
وقد تأول بعض أصحاب الشافعي قوله في جواز الزيادة على الجلدات العشر إلى ما دون الأربعين: أنها لا تزاد بالأسواط، ولكن بالأيدي والنعال والثياب ونحوها على ما يراه الإِمام كما روي فيه حديث عبد الرحمن بن الأزهر.
قلت [القائل الخطابي]: التعزير على مذاهب أكثر الفقهاء إنما هو أدب يقصر عن مقدار أقل الحدود إذا كانت الجناية الموجبة للتعزير قاصرة عن مبلغ الجناية الموجبة للحد، كما أن أرش الجناية الواقعة في العضو أبداً قاصر عن كمال ذلك العضو.
وذلك أن العضو إذا كان في كله شيء معلوم، فوقعت الجناية على بعضه كان معقولاً أنه لا يستحق فيه كل ما في العضو.
40 -
باب ضربِ الوجهِ في الحدِّ
1 4493 - حدَّثنا أبو كاملٍ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن عُمَرَ -يعني ابن أبي سلمةَ- عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، قال: "إذا ضَربَ أحَدُكم، فليتَّقِ الوَجْهَ" 2. آخر كتاب الحدود
أول كتاب الديات
1 -
باب النفسِ بالنفسِ
4494 - حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا عُبيدُ الله -يعني ابنَ موسى- عن علىِّ بنِ صالح، عن سِمَاكِ بنِ حربٍ، عن عِكرِمَة عن ابنِ عباس، قال: كان قريظةُ والنضيرُ، وكان النضيرُ أشرفَ مِن قُريظَةَ، فكان إذا قَتلَ رَجُلٌ مِن قريظة رجلاً مِن النَّضيرِ، قُتِلَ به، وإذا قَتَل رجلٌ مِن النضيرِ رجلاً من قُريظةَ فُودِي بِمئة وسقٍ مِنْ تمرٍ، فلما بُعِثَ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- قَتَلَ رَجُلٌ من النضير رجلاً من قُريظةَ، فقالوا: ادفعوه إلينَا نقتلْه، فقالوا: بَيْنَنا وبينكم النبي، فأتَوْهُ، فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] والقِسْطُ: النفسُ بالنفسِ، ثم نزلت ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:50] 1.
قال أبو داود: قريظةُ والنضيرُ جميعاً مِنْ ولَدِ هارون النبي عليه السَّلامُ (1).
2 -
باب لا يُؤخذُ أحدٌ بجَرِيرةِ أحَدٍ
(2) 4495 - حدَّثنا أحمدُ ابنُ يونُسَ، حدَّثنا عُبيدُ الله -يعني ابنَ إياد- حدَّثنا إيادٌ عن أبي رِمْثةَ، قال: انطلقتُ مع أبي نحو النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، ثم إنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال لأبي: "ابنُكَ هذا؟ " قال: إي ورَبِّ الكعبةِ، قال: "حقاً؟ " قال: أشهدُ بِهِ، قال: فتبسَّم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ضاحِكاً مِنْ ثَبْت شبهي في أبي، ومن حَلِف أبي علىَّ، ثم قال: "أما إنَّه لا يَجني عليكَ ولا تَجنِي عليهِ" وقرأ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164، والإسراء: 15] (3).
3 -
بابُ الأمامِ يأمرُ بالعفو في الدمِ
4496 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ، أخبرنا محمَّد بن إسحاقَ، عن الحارثِ بنِ فُضَيلٍ، عن سفيانَ بنِ أبي العوجاء123
عن أبي شُرَيح الخُزاعيِّ، أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "من أُصيب بِقَتلٍ أو خَبْلِ، فإنّهُ يختارُ إحدى ثلاثٍ: إمَّا أن يقتصَّ، وإما أن يعفوَ، وإمَّا أن يأخُذَ الديةَ، فإن أراد الرابعة فخذوا على يَدَيهِ، ومن اعتدى بَعْدَ ذلِكَ فله عذاب أليم" 1. 4497 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ بكرِ بن عبدِ الله المُزني، عن عطاء بنِ أبي ميمونة عن أنس بنِ مالك، قال: ما رأيتُ النبي - صلَّى الله عليه وسلم - رُفِعَ إليه شيءٌ فيهِ قِصَاصٌ إلا أمَرَ فيه بالعفوِ 2.
4498 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا أبو معاويةَ، حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي صَالحٍ
عن أبي هُريرة، قال: قُتِلَ رجلٌ على عهدِ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم-، فَرُفع ذلك إلى النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم-، فدفعه إلى وليِّ المقتولِ، فقال القاتِلُ: يا رسولَ الله، والله ما أردتُ قتلَه، قال: فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - للوليِّ: "أَمَا إنه إنْ كان صادقاً ثُمَّ قتلتَهُ دخلتَ النَّارَ" قال: فخلَّى سبيلَه، قال: وكان مكتوفاً بِنِسْعةٍ، فخرج يجزُّ نِسْعَتَه، فَسُمِّي ذا النِّسْعَةِ 1. = وأخرجه ابن ماجه (2692)، والنسائي في "الكبرى" (6959) و (6960) من طريق عبد الله بن بكر، به.
وهو في "مسند أحمد" (13220). قال الشوكاني: والترغيب في العفو ثابت بالأحاديث "الصحيحة" ونصوص القرآن الكريم، ولا خلاف في مشروعية العفو في الجملة، وإنما وقع الخلاف فيما هو الأولى للمظلوم: هل العفو عن ظالمه أو ترك العفو.
4499 - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عمر بنِ مَيسَرَةَ الجُشَميُّ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عَوفٍ، حدَّثنا حمزةُ أبو عُمَرَ العائِذيُّ، حدَّثني علقمةُ بن وائل حدَّثني وائلُ بنُ حُجرٍ، قال: كنتُ عندَ النبي - صلَّى الله عليه وسلم - إذ جِيء برجُلٍ قاتلٍ في عُنقه النِّسعةُ، قال: فَدَعَا وليَّ المقتولِ، فقال: "أتعفو؟ " قال: لا، قال: "أفتأخُذُ الدية؟ " قال: لا، قال: "أفتقتُلُ؟ " قال: نعم، قال: "اذهب به" فلما ولَّى قال: "أتعفو؟ " قال: لا، قال: "أفتأخذ الدية؟ " قال: لا، قال: "أفتقتلُ؟ "، قال: نعم، قال: "اذهب به"، فلما كانَ في الرابعة قال: "أما إنَّك إن عفوتَ عنه فإنَّه يبُوءُ بإثمه واثمِ صَاحِبِه"، قال: فَعَفا عنه، قال: فأنا رأيتُه يجرُّ النِّسعةَ 1.
4500 - حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ عُمر بنِ مَيْسرَةَ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، حدَّثني جامعُ بن مَطَرٍ، حدَّثني علقمةُ بنُ وائِلٍ، بإسناده ومعناه 1. = وقوله: "فإنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه"، معناه: إنه يتحمل إثمه في قتل صاحبه، فأضاف الإثم إلى صاحبه إذ صار بكونه محلاً للقتل سبباً لإثمه، وهذا كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء:27]، فأضاف الرسول إليهم، انما هو في الحقيقة رسول الله عَزَّ وَجَلَّ أرسله إليهم.
وأما الاثم المذكور ثانياً فهو إثمه فيما قارفه من الذنوب التي بينه وبين الله عز وجل، سوى الإثم الذي قارفه من القتل، فهو يبوء به إذا أعفي عن القتل، ولو قتل لكان القتل كفارة، والله أعلم.
قلنا: وقد روي بلفظ: "يبوء بإثمك وإثم صاحبك" عند مسلم (1680) وغيره وعليه يكون المعنى على ما قاله النووي في "شرح مسلم": قيل: معناه يتحمل إثم المقتول بإتلافه مُهجته، وإثم الولي لكونه فجعه في أخيه، ويكون قد أوحي إليه -صلَّى الله عليه وسلم- بذلك في هذا الرجل خاصة.
ويحتمل أن معناه: يكون عفوك عنه سبباً لسقوط إثمك وإثم أخيك المقتول، والمراد إثمهما السابق بمعاصٍ لهما متقدمة، لا تعلق لها بهذا القاتل، فيكون معنى "يبوء": يسقط، وأطلق هذا اللفظ عليه مجازاً.
4501 - حدَّثنا محمدُ بنُ عَوفٍ الطَّائي، حدَّثنا عبدُ القدُّوسِ بنُ الحجَّاج، حدَّثنا يزيدُ بنُ عطاءٍ الواسِطى، عن سِماك، عن علقمةَ بنِ وائلٍ
عن أبيه، قال: جاء رجُلٌ إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلم - بِحبشيٍّ، فقال: إنَّ هذا قتلَ ابن أخي، قال: "كيفَ قتلتَه؟ "، قال: ضربتُ رأسَه بالفأسِ ولم أُرِدْ قتلَه، قال: "هَلْ لكَ مال تُؤدي دِيَته؟ "، قال: لا، قال: "أفرأيت إن أرسلتُك تسألُ الناسَ تجمَعُ دِيَتَه؟ "، قال: لا، قال: "فمواليك يُعطُونَكَ دِيته؟ " قال: لا، قال لِلرَّجُلِ: "خذه".
فخرج به لِيقتله، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "أما إنَّه إن قَتَلَه كانَ مثلَه"، فَبَلَغَ به الرجلُ حيثُ يَسمعُ قولَه، فقال: "هو ذا فمُر فيهِ ما شئتَ"، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "أرسِلْه -وقال مرة: دَعْهُ- يَبُؤْ بإثمِ صاحِبِه وإثمه، فيكُونَ مِنْ أصحاب النار" قال: فأرسَلَهُ 1. = قال النووي في "شرح مسلم": ليس المراد به في هذين، فكيف تصح إرادتهما مع أنه إنما أخذه ليقتله بأمر النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، بل المراد غيرهما، وهو إذا التقى المسلمان بسيفيهما في المقاتلة المحرمة كالقتال عصبية ونحو ذلك فالقاتل والمقتول في النار والمراد به التعريض كما ذكرناه، وسبب قوله ما قدمناه لكون الولي يُفهم منه دخوله في معناه ولهذا ترك قتله فحصل المقصود، والله أعلم.
قلنا: انظر تمام كلام النووي الذي أحال عليه عند الرواية التالية.
4502 - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَربٍ، حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن يحيى بنِ سعيدِ = بحديث أبي هريرة السالف عند المصنف برقم (4498) لأن فيه ما يدل على أن القاتل لم يرد القتل، وحلف على ذلك بقوله: والله ما أردتُ قتله.
قال الخطابي: والوجه الآخر: أن يكون معناه أنه إذا قتله كان مثله في حكم البواء، فصارا متساويين، لا فضل للمقتص إذا استوفى حقه على المقتص منه.
وكذلك أورد هذا الوجه الثاني احتمالاً البغوي والنووي وابن القيم.
وقال النووي في "شرح مسلم": وقيل: فهو مثله في أنه قاتل، وإن اختلفا في التحريم والإباحة لكنهما استويا في طاعتهما الغضب ومتابعة الهوى، لا سيما وقد طلب النبي - صلَّى الله عليه وسلم - منه العفو، وإنما قال النبي - صلَّى الله عليه وسلم - ما قال بهذا اللفظ الذي هو صادق فيه
لإيهام لمقصود صحيح، وهو أن الولي ربما خاف فعفا والعفو مصلحة للولي والمقتول في ديتهما لقوله -صلَّى الله عليه وسلم-: "يبوء بإثمك وإثم صاحبك" وفيه مصلحة للجاني وهو إنقاذه من القتل، فلما كان العفوُ مصلحة توصّل إليه بالتعريض.
وجاء عند مسلم والنسَائي في رواية إسماعيل بن سالم السالف تخريجها عند الرواية السابقة أن إسماعيل ذكر الحديث لحبيب بن أبي ثابت، فقال: حدثني ابن أشوع (وهو القاضي سعيد بن عمرو بن أشوع) أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - إنما سأله أن يعفو عنه فأبى.
قلنا: وهذا يعني أنه خالف أمر النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، فبذلك استحق أن يكون مثله وأن يكون في النار.
وهذا وجه آخر.
وانظر تفسير قوله -صلَّى الله عليه وسلم-: "يَبُؤْ بإثم صاحبه وإثمه" عند الرواية السالفة برقم (4499).
وقوله: فمواليك: جمع مولى والمراد به ها هنا السيد.
قال ابن الأثير "في النهاية": المولى: اسم يقع على جماعة كثيرة فهو الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر والعبد والمعتَق والمنعَم عليه، وأكثرها قد جاءت في الحديث، فيضاف كل واحدٍ إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه، وكل من ولي أمراً أو قام به، فهو مولاه ووليه، وقد تختلف مصادر هذه الأسماء، فالوَلاية بالفتح، في النسب والنصرة والمعتق، والوِلاية بالكسر في الإمارة، والوَلاء: المعتَقُ، والمُوالاةُ من والَى القوم.
عن أبي أُمامةَ بنِ سهلٍ، قال: كُنَّا معَ عثمانَ وهو محصورٌ في الدارِ، وكان في الدارِ مدخَلٌ مَن دَخَلَه سَمِعَ كلامَ مَنْ على البَلاطِ، فدخَلَه عثمانُ، فخَرَجَ إلينا وهو متغيِّرٌ لونُه، فقال: إنَّهم لَيتَواعدُونَنِي بالقتلِ آنِفاً، قال: قُلنا: يكفِيكَهُمُ اللهُ يا أميرَ المؤمنين، قال: ولِمَ يَقتُلُونني؟ سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقول: "لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدَى ثلاثٍ: رجل كَفَرَ بعدَ إسلامٍ، أو زنَى بعدَ إحصانٍ، أو قتَلَ نفساً بغيرِ نفس" فواللهِ ما زنَيتُ في جاهليةٍ ولا في إسلامٍ قَطُّ، ولا أحببتُ أن لي بديني بدلاً منذ هَدَاني الله، ولا قتلتُ نفساً، فبِمَ يَقتلونَني؟ 1. قال أبو داود: عثمانُ وأبو بكر رضِيَ الله عنهما تركا الخمرَ في الجاهليةِ 2.
4503 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، فحدَّثني محمدُ بنُ جعفرِ بنِ الزبير، قال: سمعتُ زيادَ بنَ ضُميرَةَ الضمري.
وحدَّثنا وهبُ بنُ بيان وأحمدُ بنُ سعيد الهَمْدَاني، قالا: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، أخبرني عبدُ الرحمن بنُ أبي الزِّناد، عن عبدِ الرحمن بن الحارث، عن محمَّد ابنِ جعفر، أنه سَمِعَ زيادَ بنَ سعْد بن ضُميرَة السُّلَميَّ -وهذا حديثُ وهب وهو أتمُّ- يُحدِّث عروةَ بنَ الزبير
عن أبيه -قال موسى: وجدِّه- وكانا شهدا مع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - حُنيناً، ثم رجعنا إلى حديث وهب: أنَّ مُحلِّمَ بن جثَّامة الليثيَّ قتل رجلاً من أشجعَ في الإِسلامِ، وذلك أولُ غِيَرٍ قَضى به رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم، فتكلّم عُيينةُ في قتلِ الأشجعىِّ؛ لأنه من غَطَفَانَ، وتكلّم الأقرعُ ابنُ حابس دونَ مُحلِّمٍ؛ لأنه من خِندِفَ، فارتفعتِ الأصواتُ وكَثُرَتِ الخصومةُ واللَّغَطُ، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "يا عُيينةُ، ألا تقبلُ الغِيرَ؟ " فقال عيينةُ: لا، واللهِ حتَّى أدخلَ على نِسائه مِن الحَرَبِ والحُزْنِ ما أدخل على نسائي، قال: ثم ارتفعتِ الأصواتُ، وكثُرَتِ الخصومةُ واللَّغَطُ، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "يا عُيينةُ، ألا تقبل الغِيَرَ؟ " فقال عُيينة مثل ذلك أيضاً، إلى أن قامَ رجلٌ من بني ليثٍ، يقال له: مُكَيْتِلٌ، عليه شِكَّةٌ، وفي يَدِه دَرَقةٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إني لم أجِدْ لِما فَعَل هذا في غُزَّةِ الإِسلامِ مَثَلاً إلا غَنَماً وَرَدَت، فَرُمي أولُها فنَفَر آخرُها، = وأخرج ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 30/ 334 في ترجمة أبي بكر من حديث عائشة، وفيه: والله ما قال أبو بكر شعراً في جاهلية ولا إسلام، لقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية.
اسنُنِ اليومَ وغيِّر غداً، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "خمسون في فَورِنا هذا، وخمسون إذا رجَعنا إلى المدينةِ" وذلك في بعضِ أسفاره، ومُحلَّمٌ رجلٌ طويل آدَمُ وهو في طَرَفِ الناسِ، فلم يزالُوا حتى تخلَّص، فجلسَ بين يدي رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - وعيناه تدمَعَانِ، فقال: يا رسولَ الله، إني قد فعلتُ الذي بلغكَ، وإني أتوب إلى الله عز وجلّ، فاستغفِر الله لي يا رسولَ الله، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "أقتَلْتَه بسلاحِكَ في غُزَّة الإِسلامِ، اللهمَّ لا تَغْفِر لِمُحلِّمٍ" بصوتٍ عالٍ، زاد أبو سلمة: فقام، وإنه ليتلقَّى دموعَه بطرفِ ردائِه.
قال ابنُ إسحاق: فَزَعَمَ قومُه أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - استغفر له بعد ذلك 1.
قال أبو داود: قال النضْرُ بنُ شُمَيلٍ: الغِيَرُ: الديةُ (1).
4 -
باب وليّ العمدِ يَرْضَى بالدية
4504 - حدَّثنا مُسَدَّدٌ بنُ مُسَرْهَدٍ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، حدَّثنا ابنُ أبي ذئبٍ، حدَّثني سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ
سمعتُ أبا شريحٍ الكعِبيَّ يقول: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "ألا إنكم معشرَ خُزاعَةَ قتلتُم هذا القتيلَ من هُذَيلٍ، وإنِّي عاقِلُهُ، فمن قُتِل لهُ بعدَ مقالتي هذه قتيلٌ، فأهلُهُ بينَ خِيَرَتَينِ: بين أن يأخُذوا العَقْلَ، أو يَقتُلُوا" 2.1 = وقال الخطابي: اسنُنِ اليومَ وغيِّر غداً: مَثَلٌ، يقول: إن لم تقتص منه اليوم لم تثبُت سُنَّتك غداً، ولم ينفذ حُكمك بعدك، وإن لم تفعل ذلك وجد القائل سبيلاً إلى أن يقول مثل هذا القول -أعني قوله: اسنن اليوم وغيِّر غداً- فتتغير لذلك سُنّتك وتتبدل أحكامها.
وفيه دليل على أن ولي الدم غير بين القصاص وأخذ الدية، وأن للإمام أن يطلب إلى ولي الدم العفو عن القود على أخذ الدية.
4505 - حدَّثنا عباسُ بنُ الوليدِ بنِ مَزْيَد،، أخبرني أبي، حدَّثنا الأوزاعيُّ، حدَّثني يحيى (ح)
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثني أبو داود، حدَّثنا حربُ بنُ شدّادٍ، حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ، حدَّثني أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ
حدَّثنا أبو هريرةَ، قال: لما فُتِحَت مكَّةُ قامَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - فقال: "مَنْ قُتِلَ لهُ قَتيل فهو بخيرِ النظَرينِ: إمَّا أن يُودَى وإما أن يُقادَ"، فقامَ = وقد روي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنه.
وهو قول سعيد بن المسيب والشعبي وابن سيرين وعطاء وقتادة.
وقال الحسن والنخعي: ليس لأولياء الدم إلا الدم إلا أن يشاء القاتل أن يعطي الدية.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس له إلا القود، فإن عفا فلا يثبت له المال إلا برضا القاتل وكذلك قال مالك بن أنس.
(قلنا: وحكى البغوي في "شرح السنة"10/ 161: أنه أصح تولي الشافعي).
وفي قوله: "فأهله بين خيرتين" دليل على أن الدية مستحقة لأهله كلهم، ويدخل في ذلك الرجال والنساء والزوجات؛ لأنهم جميعاً أهله.
وفيه دليل على أن بعضهم إذا كان غائباً أو طفلاً لم يكن للباقين القصاص حتى يبلغ الطفل ويقدم الغائب، لأن من كان له خيار في أمر لم يجز أن يُفْتَات عليه قبل أن يختار، لأن في ذلك إبطال خياره، وإلى هذا ذهب أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال مالك وأبو حنيفة: للكبار أن يستوفوا حقوقهم في القود، ولا ينتظر بلوغ الصغار.
وفيه دليل على أن القاتل إذا مات فتعذَّر القود، فإن للأولياء أن يأخذوا الدية من ورثته، وذلك لأنهم خُيّروا بين أن يُعَلِّقوا حقوقهم في الرقبة أو الذمة، فمهما فات أحدُ الأمرين كان لهم استيفاء الحق من الآخر.
وقال أبو حنيفة: إذا مات فلا شيء لهم، لأن حقهم إنما كان في الرقبة، وقد فاتت، فلا سبيل لهم على ورثته فيما صار من ملكه إليهم.
رجلٌ مِن أهلِ اليمنِ، يقال له: أبو شَاهٍ، فقال: يا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، اكتُبْ لي -قال العباسُ: اكتُبوا لي- فقالَ رسُولُ اللهِ: "اكتُبوا لأبي شَاهٍ"
وهذا لفظُ حديثِ أحمد 1.
قال أبو داود: اكتبوا لي: يعني خُطبةَ النبي - صلَّى الله عليه وسلم.
4506 - حدَّثنا مسلمٌ، حدَّثنا محمدُ بنُ راشِدٍ، حدَّثنا سليمانُ بنُ موسى، عن عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه