سنن أبي داود ت الأرنؤوطصفحات 497-537

كتاب الفرائض

صفحات 497-537
عن هذه الطبعة
عَلَم
السجستاني، أبو داود
الكتاب
سنن أبي داود
المؤلف
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
المحقق
شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
الناشر
دار الرسالة العالمية
الطبعة
الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

3655 - حدَّثنا سليمانُ بنُ داود المَهريُّ، أخبرنا ابنُ وهَبٍ، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، أن عُروةَ بن الزبير حدَّثه أن عائشة زوجَ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قالت: ألا يُعجِبُك أبو هريرة؟ جاء فجلس إلى جانب حُجْرتي يُحدث عَنْ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يُسمِعُني ذلك، وكُنتُ أُسَبِّح، فقام قبل أن أقضيَ سُبْحتي، ولو أدركْتُه لردَدْتُ عليه، إن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- لم يكنْ يسرُدُ الحديثَ سردَكُم 1. = وأخرجه البخاري (3567) من طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
وأخرجه بنحوه مسلم بإثر (3003) من طريق سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، به.
وهو في "مسند أحمد" (24865)، و "صحيح ابن حبان" (100) و (7153). وانظر ما بعده.

8 -

باب التَّوقِّي في الفتيا

3656 - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى الرَّازيُّ، حدَّثنا عيسى، عن الأوزاعيِّ، عن عبدِ الله بن سعْدٍ، عن الصُّنابحي عن معاوية: أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- نهى عن الغَلُوطات 1.

3657 - حدَّثنا الحسنُ بنُ علي، حدَّثنا أبو عبد الرحمن المُقرئ، حدَّثنا سعيد -يعني ابن أبي أيوبَ- عن بكر بن عمرٍو، عن مسلمِ بن يسارٍ أبي عثمان، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "من أُفتِيَ".
وحدَّثنا سليمانُ بنُ داود، أخبرنا ابنُ وهب، حدَّثني يحيى بن أيوبَ، عن بكرِ بن عَمرو، عن عَمرو بن أبي نُعيمةَ، عن أبي عثمانَ الطُّنْبُذِيّ رضيعِ عبدِ الملك بن مروان قال: سمعت أبا هريرة يقولُ: قالَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "مَن أُفتيَ بغيرِ عِلمٍ كان إثمُهُ على مَن أفتاهُ -زاد سليمانُ المَهريُّ في حديثه:- ومَن أشارَ على أخيه بأمرٍ يَعلمُ أنَّ الرُشْدَ في غَيرِهِ فَقَد خَانَه" وهذا لفظ سليمان (1).

9 -

باب كراهية منع العلم

3658 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، حدَّثنا حمادٌ، أخبرنا عليُّ بنُ الحَكَمِ، عن عطاء1

عئ أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمِ، فكَتَمَهُ ألْجَمَهُ الله بلِجامٍ من نارٍ يومَ القيامة" (1).

10 -

باب فضل نشر العلم

3659 - حدَّثنا زهيرُ بنُ حَرْبٍ وعثمانُ بنُ أبي شيبةَ، قالا: حدَّثنا جَريرٌ، عن الأعمش، عن عَبدِ الله بن عبد الله، عن سعيد بنِ جُبير عن ابنِ عباس، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "تَسمَعُونَ، ويُسمَعُ منكم، ويُسمَعُ ممن يَسمَعُ مِنكُم" 2.1

3660 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعبةَ، حدَّثني عُمَرُ بنُ سليمانَ من ولد عمرَ بنِ الخطّابِ، عن عبدِ الرحمن بن أبان، عن أبيه عن زيد بن ثابت، قال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "نَضَّرَ الله امرَأً سَمِعَ منَّا حديثاً فحفِظَه حتىِ يُبَلَّغَهُ، فَرُبَّ حامِلِ فقهٍ إلى مَن هو أفقَهُ منه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيهٍ" 1. = وأخرجه أحمد بن حنبل في "مسنده" (2945)، والحارث بن أبي أسامة (52 - زوائده) وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" 2/ 8 و 8 - 9 و 9، وابن حبان (62)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (92)، والحاكم في "المستدرك" 1/ 95، وفي "معرفة علوم الحديث" ص 27، والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 250، وفي "دلائل النبوة" 6/ 539، وفي "شعب الإيمان" (1740)، والخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" (70)، وابن عبد البر في "جامع ببان العلم وفضله" 1/ 43، والقاضي عياض في "الإلماع" ص10، وابن خير الاشبيلي في "فهرسته" ص 10، وأبو طاهر السِّلَفي في "مشيخة ابن الحطاب" (5)، والضياء المقدسي في "المختارة" 10/ (195 - 198)، والذهبي في "معجم شيوخه" 1/ 170 - 171 من طرق عن الأعمش، بهذا الإسناد.
وصححه الحاكم والضياء، وحسنه الذهبي في "معجم شيوخه"، وكذلك العلائي في "جامع التحصيل" ص 51 في كلامه على الأدلة على رد المرسل، ونقل عن إسحاق بن راهويه أنه قال ما يقتضي تصحيحه لهذا الخبر.
وقوله: "تسمعون ويسمع منكم": هو خبر يعني الأمر، أي: لتسمعوا مني الحديث، وتبلِّغوه عني، وليسمعه من بعدي منكم، وهكذا أداءً للأمانة وإبلاغاً للرسالة.
وقد أدرجه ابن حبان في "صحيحه" تحت باب: ذكر الإخبار عن سماع المسلمين السنن خَلَفٍ عن سلفٍ.
وأورده الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" تحت عنوان: بشارة النبي - صلَّى الله عليه وسلم - أصحابه بكون طلبة الحديث بعده واتصال الإسناد بينهم وبينه.
وذكره ابن أبي حاتم تحت باب وصف النبي - صلَّى الله عليه وسلم - أن سننه ستنقل وتقبل.

3661 - حدَّثنا سعيدُ بنُ منصورٍ، حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ أبي حازمٍ، عن أبيه عن سهلٍ -يعني ابن سعْد- عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "واللهِ لأن يُهدَى بهُداكَ رجلٌ واحدٌ خَير لَكَ مِن حُمْرِ النَّعَمِ" 1. = وأخرجه الترمذي (2847) من طريق شعبة بن الحجاج، بهذا الإسناد، وقال: حديث حسن.
وهو في "مسند أحمد" (21590)، و"صحيح ابن حبان" (67) و (680). وأخرجه ابن ماجه (230) من طريق عبّاد بن شيبان الأنصاري، عن زيد بن ثابت.
قال الخطابيُّ: قوله: "نضر الله" معناه: الدعاء له بالنضارة وهي: النعمة والبهجة، يقال: بتخفيف الضاد وتثقيلها، وأجودُها التخفيف.
وفي قوله: "رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" دليل على كراهة اختصار الحديث لمن ليس بالمتناهي في الفقه، لأنه إذا فعل ذلك، فقد قَطَعَ طريقَ الاستنباط والاستدلال لمعاني الكلام من طريق التفهم، وفي ضمنه وجوبُ التفقه والحث على استنباط معاني الحديث واستخراج المكنون من سِرِّه.
وهذا دعاء من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - لمستمع العلم وحافظه ومبلغه.

11 -

باب الحديث عن بني إسرائيل

3662 - حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا علي بنُ مُسهرٍ، عن محمد بنِ عمرٍو، عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "حَدِّثُوا عن بني إسرائيلَ ولا حَرَج" 1.

3663 - حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى، حدَّثنا معاذٌ، حدَّثني أبي، عن قتادةَ، عن أبي حسان عن عبد الله بن عمرو، قال: كان نبيُّ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يُحدِّثنا عن بني إسرائيلَ حتى يُصبحَ، ما يقومُ إلا إلى عُظمِ صلاة (1).

12 -

باب في طلب العلم لغير الله عز وجل

3664 - حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيبةَ، حدَّثنا سُرَيجُ بن النُّعمان، حدَّثنا فُلَيحٌ، عن أبي طُوالةَ عبد الله بن عبدِ الرحمن بن مَعمرٍ الأنصاريِّ، عن سعيد ابن يَسارٍ1

عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "مَن تعلَّم علماً مما يُبتَغَى به وجهُ الله عزَّ وجلَّ لا يتعلَّمُه إلا ليُصيبَ به عَرَضاً من الدُّنيا لم يَجِدْ عَرْفَ الجنةِ يومَ القيامة" يعني ريحَها (1).

13 -

باب في القَصَص

3665 - حدَّثنا محمودُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا أبو مُسهِرٍ، حدَّثني عبّادُ بن عبَّاد الخَوَّاصُ، عن يحيى بن أبي عَمرو السَّيباني، عن عمرو بن عبد الله الشَّيباني عن عَوف بن مالك الأشجعي، قال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "لا يَقُصُّ إلا أميرٌ أو مأمورٌ أو مختالٌ" 2.1

3666 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن المُعلَّى بن زياد، عن العلاء بن بَشير المُزنيِّ، عن أبي الصِّدِّيق الناجيّ عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: جلستُ في عصابة من ضعفاءِ المُهاجرين، وإن بَعضَهم ليستَتِرُ ببعضٍ من العُرْيِ، وقارئٌ يقرأ علينا، إذ جاء رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فقام علينا، فلما قام رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - سكَت القارئُ، فسلم، ثم قال: "ما كُنتُم تصنعون؟ " قلنا: يا رسولَ الله، = وأخرجه ابن قانع في "معجم الصحابة" 2/ 305، والطبراني في "الكبير" 18/ (121). وفي "الشاميين" (61) و (855) من طريق إبراهيم بن أبي عبلة، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن عوف بن مالك.
وأخرجه عبد الله بن وهب في "جامعه" (565)، وأحمد (23974)، والبخاري في "تاريخه"الكبير"، تعليقاً 3/ 266، والطبراني "الكبير" 18/ (114)، من طريق أزهر بن سعيد، عن ذي الكلاع، عن عوف بن مالك.
وهذا إسناد حسن.
وأخرجه أحمد (24005)، وعمر بن شبة في "تاريخ المدينة" 1/ 8، والبزار في "مسنده" (2762)، والطبراني في "الكبير" 18/ (100) من طريق صالح بن أبي عَريب، عن كثير بن مرة، عن عوف بن مالك.
وهذا إسناد حسن أيضاً.
وأخرجه البخاري في "تاريخه الكبير" 8/ 329، والطبراني في "الكبير" 18/ (112)، وفي "الشاميين" (1194) من طريق يزيد بن خمير، عن عوف بن مالك.
وإسناده جيد.
وانظر تمام تخريجه في "مسند أحمد" (23972). القص: التحدث بالقصص، ويستعمل في الوعظ.
قال الطيبي: قوله: "لا يقص" ليس بنهي، بل هو نفي، وإخبارٌ أن هذا الفعل ليس بصادر إلا مِن هؤلاء: للأمير وهو الإِمام، والمأمور: وهو المأذون له في ذلك من الإمام، والمختال: المفتخر المتكبر الطالب للرياسة، وفي رواية: أو مرائي، قال المناوي: سماه مرائيا، لأنه طالب للرياسة متكلف ما لم يكلفه الشارع حيث لم يؤمر بذلك، لأن الإمام نصب للمصالح، فمن رآه لائقاً نصبه للقص، أو غير لائق، فلا.

كان قارئ لنا يقرأ علينا، فكنا نستمعُ إلى كتاب الله عز وجل، قال: فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "الحمدُ لله الذي جَعَلَ من أمَتي من أمِرتُ أن أصْبِر نفسي معهم"، قال: فجلَس رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - وَسْطَنَا ليَعدِلَ بنفسِه فينا، ثم قال بيده هكذا، فتحلَّقوا، وبرزَت وجوهُهُم له، قال: فما رأيتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- عَرَفَ منهم أحداً غيري، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: أبشِرُوا يا مَعشَرَ صَعَاليكِ المهاجرين بالنورِ التامِّ يومَ القيامة، تدخُلُونَ الجنةَ قبلَ أغنياءِ الناسِ بنصفِ يومٍ، وذاك خمسُ مِئة سنة" 1. 3667 حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى، حدَّثني عبدُ السلام -يعني ابن مُطَهَّر أبو ظفر- حدَّثنا موسى بنُ خَلَفِ العَمَّي، عن قتادةَ عن أنس بن مالكٍ، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لأن أقعُدَ مع قومِ يذكرون الله من صلاةِ الغَدَاةِ حتَّى تطلعَ الشمسُ أحَبُّ إليَّ من أن

أُعتقَ أربعةً من وَلَد إسماعيل، ولأن أقعُد مع قومِ يذكرون الله من صلاةِ العصرِ إلى أن تغرُب الشمسُ أحبُّ إليَّ من أن أُعتِق أربعةً" 1.

3668 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عَبيدَة عن عبدِ الله، قال: قال لي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: اقرأ عليَّ سورةَ النساء" قال: قلت: أقرأُ عليكَ وعليكَ أُنزلَ؟ قال: "إني أحبُّ أن أسمعه من غيري" قال: فقرأتُ عليه، حتى إذا انتهيتُ إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء:41] فرفَعْتُ رأسي فإذا عيناه تَهْمُلان 1. آخر كتاب العلم

أول كتاب الأشربة

1 -

باب في تحريم الخمر

3669 - حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلِ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، حدَّثنا أبو حيَّان، حدَّثني الشَّعبيُّ، عن ابن عُمَرَ عن عمر، قال: نرلَ تحريمُ الخمرِ يَومَ نرلَ وهي مِن خمسةِ أشياء: مِنَ العِنَبِ، والتمْرِ، والعَسَلِ، والحِنْطَةِ والشَّعير، والخمرُ ما خَامَرَ العَقْلَ، وثلاثٌ وَدِدْتُ أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - لم يُفارِقْنا حتى يعهدَ إلينا فيهِنَّ عهداً ننتهي إليه: الجدُّ، والكلالة، وأبوابٌ من أبواب الربا 1.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرج البخاري (5579) من طريق مالك بن مغول، عن نافع، عن ابن عمر قال: لقد حرمت الخمرُ وما بالمدينة منها شيء.
قال الحافظ في "الفتح" 10/ 36: يحتمل أن يكون ابن عمر نفى ذلك بمقتضى ما علم، أو أراد المبالغة من أجل قِلَّتها يومئذ بالمدينة فأطلق النفي" ... ويحتمل أن يكون مراد ابن عمر: وما بالمدينة منها شيءٌ، أي: يُعصَر.
والذي استشكله سيدنا عمر بن الخطاب في شأن الكلالة هو معناها والمقصودُ منها: هل هو ما عدا الولد والوالد، أم ما عدا الولد وحسب، وهل المسمى كلالة الموروثُ أم الوارثُ.
انظر بيان ذلك في "جامع البيان" للطبري 4/ 283 - 289، و "شرح مشكل الآثار" 13/ 223 - 236. وقوله: والجد، أي: هل يحجب الأخ أو يحجبُ به أو يقاسمه، فاختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، وقوله: وأبواب من أبواب الربا، أي: ربا الفضل، لأن ربا النسيئة متفق على حرمته بين الصحابة.
قال الحافظ في "الفتح" 10/ 46: هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد والأبواب في الأحاديث المرفوعة لأن له عندهم حكم الرفع، لأنه خبر صحابي شهد التنزيل فأخبر سبب نزولها، وقد خطب به عمر على المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم فلم ينقل عن أحد منهم إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر المذكورة في أول كتاب الأشربة وهي آية المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى آخرها فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصاً بالمتخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيرها، ويوافقه حديث أنس عند البخاري (5580) فإنه يدل على أن الصحابة فهموا من تحريم الخمر تحريمَ كل مسكر سواء كان من العنب أم من غيرها، وقد جاء هذا الذي قاله عمر عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - صريحاً، فأخرج أصحاب السنن الأربعة وصححه ابن حبان (5398) من وجهين عن الشعبي أن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقول: "إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة، وإني أنهاكم عن كل مسكر" لفظ أبي داود وابن حبان، وزاد فيه أن النعمان خطب الناس بالكوفة، ولأبي داود (3676) من وجه آخر عن الشعبي عن النعمان بلفظ: "إن من العنب خمراً، وإن من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، لأن من البُرِّ خمراً، لأن من الشعير خمراً " ومن هذا الوجه =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أخرجها أصحاب السنن، والتي قبلها فيها الزبيب دون العسل، ولأحمد (12099) من حديث أنس بسند صحيح عنه قال: "الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة".
وقوله: الخمر ما خامر العقل، أي: غطاه أو خالطه فلم يتركه على حاله وهو من مجاز التشبيه، والعقل: هو آلة التمييز، فلذلك حُرِّم ما غطاه أو غيره، لأن بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من عباده ليقوموا بحقوقه.
قال الكرماني: هذا تحريف بحسب اللغة، وأما بحسب العرف فهو ما يخامر العقل من عصير العنب خاصة كذا قال، وفيه نظر، لأن عمر ليس في مقام تعريف اللغة، بل هو في مقام تعريف الحكم الشرعي، فكأنه قال: الخمر الذي وقع تحريمه في لسان الشرع: هو ما خامر العقل.
على أن عند أهل اللغة اختلافاً في ذلك ... ولو سلم أن الخمر في اللغة يختص بالتخذ بالعنب، فالاعتبار بالحقيقة الشرعية.
وقال القرطبي المحدث: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره -على صحتها وكثرتها- تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمراً، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب وللسنَّة الصحيحة وللصحابة، لأنهم لما نزل تحريم الخمر، فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره، بل سوَّوا بينهما، وحرموا كل ما يسكر نوعه ولم يتوقفوا ولا استفصلوا، ولم يُشْكِل عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردد، لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا ويستفصلوا ويتحققوا التحريم لما كان تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلما لم يفعلوا ذلك، وبادروا إلى الإتلاف، علمنا أنهم فهموا التحريم، فصار القائل بالتفريق سالكاً غير سبيلهم، ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر بما يوافق ذلك، وهو ممن جعل الله الحق على لسانه وقلبه، وسمعه الصحابة وغيرهم، فلم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك، وإذا ثبت أن كل ذلك يسمى خمراً لزم تحريم قليله وكثيره، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في ذلك.

3670 - حدَّثنا عبَّادُ بنُ موسى الخُتَّليُّ، أخبرنا إسماعيلُ -يعني ابن جعفرٍ- عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو عن عمر بن الخطاب قال: لما نزل تحريمُ الخمر، قال عمر: اللَّهُمَّ بيِّن لنا في الخمرِ بياناً شفاء، فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية [البقرة:219]، قال: فدُعِيَ عُمَرُ، فقُرِئَتْ عليه، قال: اللَّهُمَّ بيِّن لنا في الخمرِ بياناً شفاءً، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:43] فكان منادي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - إذا أقيمت الصلاةُ نادى: ألا لا يقربنَّ الصلاةَ سكرانُ، فدُعِيَ عُمرُ فقُرئَت عليه، فقال: اللَّهُمَّ بيِّن لنا في الخمرِ بياناً شفاء، فنزلت هذه الآية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:91]، قال عمر: انتهينا 1. = وقال في "المغني" 12/ 497: يجب الحد على من شرب قليلاً من المسكر أو كثيراً، ولا نعلم بينهم خلافاً في ذلك في عصير العنب غير المطبوخ واختلفوا في سائرها، فذهب إمامنا إلى التسوية بين عصير العنب وبين كل مسكر، وهو قول الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة والأوزاعي ومالك والشافعي.
وقالت طائفة: لا يحد إلا أن يسكر، منهم أبو وائل والنخعي وكثير من أهل الكوفة وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور: من شربه معتقداً تحريمه حُدَّ، ومن شربه متأولاً فلا حد عليه، لأنه مختلف فيه، فأشبه النكاح بلا ولي.

3671 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيان، حدَّثنا عطاءُ بنُ السَّائب، عن أبي عبد الرحمن السُّلميِّ عن علي: أن رجلاً من الأنصار دعاهُ وعبدَ الرحمن بن عوف، فسقاهما قبل أن تُحرَّمَ الخمرُ، فأمَّهُم عليٌّ في المغرب فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فخلط فيها، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:43] 1. 3672 - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ المروزيُّ، حدَّثنا عليُّ بنُ حُسين، عن أبيه، عن يزيدَ النحويِّ، عن عِكرِمَة عن ابنِ عباسِ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُواالصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:219] نسخْتهما التي في المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ الآية 2 [المائدة: 90].
= وأخرجه الترمذي (3302) من طريق وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن شرحبيل أن عمر بن الخطاب قال: اللهم بين ... ثم قال: وهذا أصح من حديث محمد بن يوسف.
وهو في "مسند أحمد" (378).

3673 - حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن ثابت عن أنس، قال: كنتُ ساقيَ القوم حيث حُرِّمَتِ الخمرُ في منزل أبي طلحة، وما شرابُنا يومئذ إلا الفضيخُ، فدخل علينا رجلٌ، فقال: إن الخَمْر قد حُرِّمَت، ونادى منادي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فقلنا: هذا منادي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - 1. = وأخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 361 - 362 من طريق يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن قالا ... فذكره.
والراوي عن يحيى بن واضح هو محمد بن حميد الرازي متروك الحديث.
وأخرجه أبو عُبيد القاسم بن سلام في "الناسخ والمنسوخ" (450)، ومن طريقه أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن " 2/ 201 من طريق ابن جريج وعثمان بن عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي مسلم الخراساني، عن ابن عباس، وقد قيل: إن في هذا الاسناد إنقطاعاً، لأن ابن جريج إنما أخذه عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، وعثمان ضعيف، ثم إن عطاءً الخراساني لم يلق ابنَ عباس.
وأخرج أبو عبيد (451)، وابن الجوزي ص 279 - 280 من طريق عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] قال: كانوا لا يشربونها عند الصلاة، فإذا صلَّوا العشاء شربوها حتى يذهب عنهم السكر، فإذا صلوا الغداة شربوها، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ [المائدة: 90]، فحرم الله الخمر.
وفي إسناده انقطاع لأن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وعبد الله ابن صالح كاتب الليث حسن الحديث في المتابعات.
والحديث بمجموع هذه الطرق يرتقي إلى رتبة الصحيح.
وفي حديث عمر السالف برقم (3670) إشارة إلى معنى حديث ابن عباس هذا.

2 -

باب العنب يُعصَر للخمر

3674 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا وكيعُ بنُ الجرَّاح، عن عبد العزيز ابن عمر، عن أبي طُعمة 1 مولاهم وعبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أنهما سمعا ابن عمر يقول: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لَعَن الله الخمرَ وشاربَها وساقيَها، وبائعَها ومبتاعَها، وعاصِرها ومعتصِرها، وحامِلَها والمحمولَةَ إليه" 2. = سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قُتِل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93].
وهو في "مسند أحمد" (13376)، و"صحيح ابن حبان" (4945). وأخرجه بنحوه البخاري (4617) و (5582) و (5583) و (5600) و (5622) و (7253)، ومسلم (1980)، وبإثر (1981)، والنسائي (5541) و (5542) من طرق عن أنس بن مالك.
وهو في "مسند أحمد" (12869)، و"صحيح ابن حبان" (5352) و (5361 - 5364). الفضيخ: شراب يتخذ من البسر المفضوخ، أي: المكسور.

3 -

باب في الخمر تُخَلَّل

3675 - حدَّثنا زُهيرُ بنُ حرب، حدَّثنا وكيع، عن سفيان، عن السُّدِّي، عن أبي هُبيرة عن أنس بن مالك: أن أبا طلحةَ سأل النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- أيتامٍ وَرِثُوا خمراً، قال: " أهْرِقْها" قال: أفلا أجعلُها خَلاًّ؟ قال: "لا" 1.

قال أبو داود: أبو هُبيرة: هو يحيى بن عبَّاد الأنصاري (1).

4 -

باب الخمر، مما هي؟

3676 - حدَّثنا الحسنُ بنُ عليّ، حدَّثنا يحيى بن آدمَ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن إبراهيمَ بن مُهاجر، عن الشعبي عن النُّعمان بن بشير، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "إنَّ مِنَ العنبِ خَمراً، وإن مِن التمر خمراً، وإن مِنَ العَسَل خمراً، وإن من البُرِّ خَمْراً، وإن مِنَ الشَعير خَمْراً 2.1 = وقال في "مرقاة المفاتيح" 4/ 113: وأما الجواب عن قوله عليه الصلاة والسلام: "لا" عد من يجوِّز تخليل الخمر، أن القوم كانت نفوسهم ألِفتْ بالخمر، وكل مألوفٍ تميل إليه النفس، فخشي النبي - صلَّى الله عليه وسلم - من دواخل الشيطان، فنهاهم عن اقترانها نهيَ تنزيهٍ، كيلا يتخذوا التخليل وسيلةً إليها، وأما بعد طول عهد التحريم فلا يُخشى هذهِ الدواخِلُ، ويؤيده خبر: " نِعْمَ الإدامُ الخلُّ".

3677 - حدَّثنا مالكُ بنُ عبدِ الواحِدِ أبو غسَّانَ، حدَّثنا مُعتمِرٌ، قال: قرأتُ على الفضيل -يعني ابنَ مَيسَرةَ-، عن أبي حريز، أن عامراً حدَّثه أن النعمان بن بشير قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقول: إن الخَمرَ من العَصير، والزبيب، والتمر، والحِنطَةِ، والشَّعير، والذُّرةِ، وإني أنهاكمْ عن كُلِّ مُسكرٍ" (1). 3678 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبانُ، حدَّثني يحيى، عن أبي كثير -وهو يزيد بن عبد الرحمن- عن أبى هريرة، أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "الخمرُ مِنْ هاتَيْنِ الشَّجرتَين: النخْلةِ، والعِنَبَة" (2).

5 -

باب النهي عن المُسكر

3679 حدَّثنا سليمانُ بنُ داود ومحمدُ بنُ عيسى في آخرين، قالوا: حَدَّثنا حمادٌ -يعني ابنَ زيد- عن أيوبَ، عن نافعٍ12

عن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمرٌ، وكُلُّ مُسكِرِ حَرامٌ، ومن ماتَ وهو يشربُ الخمرَ يُدْمِنُها لم يَشربْها في الآخرة 1.

3680 - حدَّثنا محمدُ بنُ رافع النيسابوريُّ، حدَّثنا إبراهيمُ بن عُمر الصنعانيُّ، سمعتُ النعمانَ يقول: عن طاووس، عن ابنِ عباسِ عن النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: " كل مُخَمَّرٍ خمرٌ، وكلُّ مُسكرٍ حرامٌ، ومن شَرِب مُسكِراً بُخِسَت صلاتُه أربعينَ صباحاً، فإن تابَ تابَ الله عليه، فإن عادَ الرابعةَ كان حقاً على الله أن يَسْقِيه مِن طينة الخَبالِ" قيل: وما طينةُ الخبالِ يا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -؟ قال: "صَدِيدُ أهلِ النار، ومن سَقاهُ صغيراً لا يَعرِف حلالَه من حرامِهِ كان حقاً على الله أن يَسْقِيَه من طينة الخَبال" 1. قال ابن عبد البر في "التمهيد" 15/ 7: محمله عندنا أنه لا يدخل الجنة إلا أن يُغفر له إذا مات غير تائب عنها كسائر الكبائر، وكذلك قوله: "لم يشربها في الآخرة" معناه عندنا: إلا أن يُغفر له فيدخل الجنة ويشربها، وهو عندنا في مشيئة الله إن شاء غفر له، وان شاء عذبه بذنبه، فإن عذبه بذنبه ثم دخل الجنة برحمته لم يُحرمها إن شاء الله، ومن غفر له فهو أحرى أن لا يُحْرَمَها، والله أعلم ... قال: وهذا الذي عليه عقد أهل السنة أن الله يغفر لمن يشاء ما خلا الشرك، ولا ينفذ الوعيد على أحد من أهل القبلة، وبالله التوفيق.

3681 - حدَّثنا قتيبةُ بن سعيد، حدَّثنا إسماعيلُ -يعني ابنَ جعفرٍ- عن داودَ بن بكرِ بن أبي الفُرات، عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "ما أسكَرَ كثيرُه فقليلُه حَرَامٌ" 1. = وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب عند أحمد (4917)، والترمذي (1970) -وقال الترمذي: حديث حسن- وأخرجه كذلك الطبراني (13448)، والبيهقي في "الشعب" (5580) بسند صحيح عندهما.

3682/ 1 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ القعنبيُّ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهاب، عن أبي سَلَمة عن عائشة قالت: سُئل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - عن البِتْع، فقال: "كُلُّ شرابِ أسكَر فهو حَرامٌ" 1. 3682/ 2 - قال أبو داود: قرأتُ على يزيد بن عبد ربه الجرجسيِّ: حدَّثكم محمدُ بنُ حرب، عن الزُّبيديِّ عن الزهريِّ بهذا الحديث، بإسناده، زاد: والبِتعُ: نبيذ العسل، كان أهلُ اليمن يشربونه 2. قال أبو داود: سمعتُ أحمد بن حَنبلِ يقول: لا إله إلا الله، ما كان فيهم مثلُه، ما كان فيهم أثبتُ منه، يعني أهلَ حِمْص، يعني يزيد بن عبد ربّه 3.

3683 - حدَّثنا هنَّادُ بنُ السريّ، حدَّثنا عَبدَةُ، عن محمد -يعني ابن إسحاق-، عن يزيدَ بن أبي حبيب، عن مَرْثَد بن عبد الله اليَزَني عن دَيْلَم الحِمْيري، قال: سألت رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسولَ الله، إنا بأرضٍ باردةٍ نُعالجُ فيها عملاً شديداً، وانا نتَّخذُ شراباً من هذا القمح نتقوَّى به على أعمالنا وعلى بَرْدِ بلادنا، قال: "هل يُسكِر؟ " قلت: نعم، قال: "فاجتنبوه" قال: قلت: فإن الناس غير تاركيه، قال: "فإن لم يتركوه فقاتِلُوهم" 1.

3684 - حدَّثنا وهبُ بنُ بقية، عن خالدٍ، عن عاصم بن كُليب، عن أبي بُردةَ عن أبي موسى، قال: سألتُ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم عن شراب من العسل، فقال: "ذاك البِتعُ" قلت: ويَنْتَبذون من الشعير والذُّرة، قال: "ذلك المِزْرُ " ثم قال: "أخْبِرْ قومَكَ أن كُلَّ مُسكرِ حَرامٌ" 1. = قلنا: قد حكى نسخ القتل أيضاً الترمذي بإثر الحديث (1510) عن شيخه البخاري وأيده بقوله: والعمل على هذا عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك في القديم والحديث، ومما يقوي هذا ما روى عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - من أوجه كثيرة أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه".

3685 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حَمَّادٌ، عن محمد بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ، عن الوليدِ بن عَبَدَةَ عن عبدِ الله بن عمرو: أن نبيَّ الله -صلَّى الله عليه وسلم- نَهَى عن الخَمْرِ والمَيسِرِ والكوبة والغُبَيراء، وقال.
"كُل مُسْكِرٍ حَرَامٌ" 1.

قال أبو داود: قال القاسمُ بنُ سلاَّم أبو عُبيد: الغُبيراء: السُّكُرْكَةُ تُعمل مِن الذُّرة، شرابٌ يعمله الحبشة 1. = وله في "المسند" طريقان آخران (6547) و (6608) ضعيفان ليس فيهما ذكر الغبيراء، ولا قوله: "كل مسكر حرام".
وشهد للنهي عن الكوبة حديث ابن عباس الآتي عند المصنف برقم (3696) بسند صحيح.
وللنهي عن الغبيراء حديث ابنُ عباس أيضاً عند ابن عبد البر في "التمهد" 5/ 166 ورجاله ثقات.
وللنهي عن كل مسكر انظر أحاديث الباب السالفة قبل هذا الحديث والحديثين الآتيين بعده.
قال الخطابي: "الميسر": القمار، و"الكوبة": يُفسَّر بالطبل، ويقال: هو النرد، ويدخل في معناه كل وتر ومزهر في نحو ذلك من الملاهي والغناء.
قال أبو عُبيد: "الغيراء" هو السُّكُرْكة يعمل من الذُّرة شراب يصنعه الحبشة.
قلنا: كذا فسر الخطابي "الكوبة" بالطبل، وقال: ويقال: النرد، وإنما فسّرها بالطبل علي بن بذيمة كما في حديث قيس بن حبتر الآتي عند المصنف برقم (3696) وهذا أصله فارسي لأن أباه بذيمة من سبي المدائن، وفي "غريب الحديث" لأبي عبيد 4/ 278: وأما الكوبة فإن محمد بن كثير العبدي أخبرني أن الكوبة النرد في كلام أهل اليمن، وقال غيره: الطبل، وفي "المعرَّب" للجواليقي ص 295: والكوبة الطبل الصغير المخصَّر، وهو أعجمي، وقال محمد بن كثير: الكوبة: النرد بلغة أهل اليمن.
قلنا: ويؤيد تفسيرها بالنرد ما رواه البخاري في "الأدب المفرد" (788) و (1267) من طريق حريز بن عثمان، عن سلْمان بن سمير الألهاني، عن فضالة بن عبيد ... بلغه أن أقواماً يلعبون بالكوبة، فقام غضبان ينهى عنها أشد النهي، ثم قال: ألا إن اللاعب بها ليأكل قمرها كآكل لحم الخنزير ومتوضئ بالدم.
يعني بالكوبة النرد.

3686 - حدَّثنا سعيدُ بنُ مَنصورٍ، حَدَّثنا أبو شهاب عبدُ ربِّه بن نافع، عن الحسن بن عَمرو الفُقَيْميِّ، عن الحكم بن عُتيبةً، عن شَهْر بن حَوْشب عن أمِّ سلمة، قالت: نهى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - عن كُلِّ مُسْكِرٍ ومُفَتِّر 1. 3687 - حدَّثنا مُسدَّدٌ وموسى بنُ إسماعيل، قالا: حدَّثنا مهديٌّ -يعني ابنَ ميمون- حدَّثنا أبو عثمان - قال موسى: وهو عمرو بنُ سالمٍ الأنصاري عن القاسم عن عائشة، قالت: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقول: "كل مُسْكِرٍ حَرام، وما أسْكَرَ منه الفَرَقُ، فمِلءُ الكَفِّ منه حَرَامٌ" 2.

6 -

باب في الدَّاذيِّ

3688 - حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، حدَّثنا زيدُ بنُ الحُباب، حدَّثنا معاويةُ بنُ صالحِ، عن حاتِم بن حُرَيْثٍ، عن مالكِ.
بن أبي مريم، قال: دَخلَ علينا عبدُ الرحمن ابنُ غَنْم، فتذاكرنا الطِّلاء، فقال: حدَّثني أبو مالكٍ الأشعري، أنه سَمعَ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقول: "لَيَشربَنَّ ناسٌ من أُمَّتي الخَمْرَ يُسمُّونها بغيرِ اسمِها" 1. = وأخرجه الترمذي (1974) من طريق مهدي بن ميمون، بهذا الإسناد.
وقال: هذا حديث حسن.
وهو في "مسند أحمد" (24423). قال الخطابي: الفَرَق: مكيلة تسع ستة عشر رطلاً، وفي هذا أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب المسكر.
وفيه حجة على من زعم أن الإسكار لا يُضاف إلى الشراب، لأن ذلك من فعل الله سبحانه.
قلت [القائل الخطابي]: والأمر وإن كان صحيحاً في إضافة الفعل إلى الله عز وجل فإنه قد يصح أن يُضاف إلى الشراب على معنى أن الله تعالى قد أجرى العادة بذلك كما أن إضافة الإشباع إلى الطعام والإرواء إلى الشراب صحيح إذ كان قد أجرى الله العادة به.

3689 - حدَّثنا شيخٌ من أهل واسِطَ، قال: حدَّثنا أبو منصورٍ الحارثُ بنُ منصورٍ، قال: سمعتُ سفيانَ الثوريَّ سئل عن الدَّاذيِّ، فقال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "تَسْتَحِلُّ أُمَّتي الخَمْرَ يُسمونها بغيرِ اسمِها" (1). قال أبو داود: وقال سفيان الثوري: الدَّاذيُّ شَراب الفاسقين (2).

7 -

باب في الأوعية

3690 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الواحد بن زيادٍ، حدَّثنا منصورُ بن حَيَّانَ، عن سعيدِ بن جُبَير12 = ويشهد له حديث رجل من أصحاب النبي - صلَّى الله عليه وسلم - عند أحمد (18073)، والنسائي (5658) (5658) بسند صحيح.
وقد سماه ابن ماجه (3385) عبادة بن الصامت.
لكن في الإسناد إليه ضعف.
وحديث عائشة عند الدارمي (2100)، والطبرآني في "الأوائل" (49) وغيرهما وإسناده صحيح.
وحديث ابن عباس عند الطبراني في "الكبير" (11228) وإسناده ضعيف.
وحديث أي أمامة عند ابن ماجه (3384) وإسناده ضعيف.
وانظر في شرب الطلاء "فتح الباري" 10/ 62 - 63.

عن ابن عمر وابن عباس، قالا: نَشهَدُ أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - نهى عن الدُّبَّاء، والحَنْتَم، والمُزَفَّتِ والنَّقِير 1.

3691 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ ومسلمُ بنُ إبراهيمَ -المعنى- قالا: حدَّثنا جريرٌ، عن يعلى -يعني ابنَ حكيم- عن سعيد بن جُبير، قال: سمعتُ عَبدَ الله بن عمر يقول: حرّم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - نبيذَ الجرِّ، فخرجتُ فَزِعَاً من قوله: حَرَّم رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - نبيذ الجرِّ، فدخلتُ على ابنِ عباس، فقلت: أما تَسْمَعُ ما يقولُ ابنُ عمر؟ قال: وما ذاكَ؟ قلتُ: قال: حَرَّمَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - نبيذ الجَرِّ، قال: صدَقَ، حَرَّمَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - نبيذَ الجرِّ، قلت: وما الجرُّ؟ قال: كُل شيء يُصنَعُ من مَدَرٍ (1).

8 -

باب وفد عبد القيس

2 3692 - حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، ومحمدُ بنُ عُبيدٍ، قالا: حدَّثنا حمادٌ (ح) وحدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبَّادُ بنُ عبَّاد، عن أبي جَمْرَة، قال:1 = قلت [القائل الخطابي]: وإنما نهى عن هذه الأوعية، لأن لها ضراوةً يَشتدُّ فيها النبيذُ ولا يشعر بذلك صاحبها فيكون على غرر من شربها.
وقد اختلف الناس في هذا: فقال قائلون: كان هذا في صُلب الإسلام، ثم نسغ بحديث بريدة الأسلمي أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "كنت نهيتكم عن الأوعية، فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً" وهذا أصح الأقاويل.
وقال بعضهم: الحظر باق.
وكرهوا أن ينتبذوا في هذه الأوعية، وإليه ذهب مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق، وقد روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم.

سمعتُ ابنَ عباس يقول -وقال مُسدَّدٌ: عن ابنِ عباس، وهذا حديث سليمان- قَدِمَ وفدُ عبد القيسِ على رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا رسولَ الله، إئا هذا الحيِّ من رَبيعةَ، قد حالَ بَينَنا وبينَك كفارُ مُضَرَ، وليس نَخلُصُ إليك إلا في شَهْرٍ حرام، فمُرنا بشيءٍ نأخُذُ به، ونَدعو إليه مَنْ وراءَنا، قال: "آمرُكُم بأربعٍ، وأنهاكم عن أربع: الإيمانِ بالله: شهادةِ أن لا إله إلا الله" وعقد بيدِه واحدةً، وقال مُسدَّدٌ: "الإيمانِ بالله ثم فسَّرها لهم: "شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامِ الصَّلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، وأن تؤدُّوا الخُمُسَ مما غَنِمتُم، وأنهاكم عن الدُّبَّاء، والحَنْتَم، والمُزَفَّت، والمقَيَّر"، وقال ابنُ عُبيد: "النقير"، مكان: "المُقيَّر" وقال مُسدَّدٌ: "والنَّقير والمُقيَّر"، لم يذكر المُزفّت 1. قال أبو داود: أبو جَمْرةَ: نصرُ بنُ عِمران الضُّبَعي.

3693 - حدَّثنا وهبُ بنُ بقيةَ، عن نوح بن قَيسٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ عون، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال لوفدِ عبدِ القيس: "أنهاكم عن النَّقير، والمُقيَّر، والحَنْتَم، والدُّبَّاء، والمَزادةِ المجبُوبةِ، ولكن اشرَبْ في سِقائِكَ وأوْكِهِ" 1. 3694 - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبانُ، حدَّثنا قتادةُ، عن عِكرِمَة وسعيد بن المسيب عن ابنِ عباسِ في قصة وقد عبد القيس، قالوا: فِيم نَشرَبُ يا نبيَّ الله؟ فقال نبيُّ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "عليكم بأسقيةِ الأدَم التي تُلاثُ على أفواهِها" 2.

3695 حدَّثنا وهبُ بنُ بقيَّة، عن خالدٍ، عن عوفٍ، عن أبي القَمُوص زيد بن علي، قال: حدَّثني رَجلٌ كان من الوفدِ الذين وفَدُوا إلى النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- من عبد القيس يحسَبُ عوف أن اسمه قيسُ بنُ النُّعمان، فقال: " لا تَشرَبُوا في نقيرٍ، ولا مُزَفَّتٍ، ولا دُبَّاءٍ، ولا حَنْتَمِ، واشربُوا في الجلْدِ المُوكى عليه، فإن اشتدَّ، فاكسروه بالماء، فإن أعياكم فاهريقوه" 1. 3696 حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّار، حدَّثنا أبو أحمدَ، حدَّثنا سفيانُ، عن عليٍّ ابن بذيمَة، حدَّثني قيسُ بنُ حَبْتَرٍ النهشليُّ عن ابنِ عباس، قال: إن وفدَ عبدِ القيس قالوا: يا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - فيم نشربُ؟ قال: "لا تشربُوا في الدُّبَّاء، ولا في المُزفَّت، ولا في النَّقِير، = وهو في "مسند أحمد" (3406). وأخرجه مسلم (18) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: حدَّثنا من لقي الوفد الذي قدموا على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -من عبد القيس- قال سعيد: وذكر قتادة أبا نضرة عن أبي سعيد الخدري في حديثه هذا-.
وهو في "مسند أحمد" (11175)، و"صحيح ابن حبان" (4541). قوله: "تُلاث على أفواهها" قال في "النهاية" أي: تُشَدُّ وتُربط.

وانتبِذوا في الأسقيَة قالوا: يا رسولَ الله، فإن اشتدَّ في الأسقية؟ قال: فصُبُّوا عليه الماءَ"، قالوا: يا رسُولَ الله، فقالَ لهم في الثالثة أو الرابعة: "أهريقوه"، ثم قال: "إن اللهَ حرَّم عليَّ، أو حَرَّمَ الخمْرَ والميسِر، والكُوبة" قال: "وكُلُّ مُسكِرٍ حَرَام"، قال سفيان: فسألتُ علي بن بذِيمَةَ عن الكُوبةِ، قال: الطَّبْلُ 1. 3697 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الواحد، حدَّثنا اسماعيلُ بنُ سُمَيعٍ، حدَّثنا مالكُ بنُ عُمَيْرٍ عن عليّ، قال: نهى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - عن الدُّبَّاء، والحَنْتَم، والنَّقير، والجِعَة 2.

جارٍ التحميل