سنن أبي داود ت الأرنؤوطصفحات 375-414

كتاب الفرائض

صفحات 375-414
عن هذه الطبعة
عَلَم
السجستاني، أبو داود
الكتاب
سنن أبي داود
المؤلف
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
المحقق
شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
الناشر
دار الرسالة العالمية
الطبعة
الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

3515 - حدَّثنا محمد بنُ يحيى بنِ فارس، حدَّثنا الحسنُ بن الربيع، حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن ابنِ جُريج، عن ابنِ شهاب، عن أبي سلمة، أو عن سعيد بن المسيِّب، أو عنهما جميعاً عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "إذا قُسِمَتِ الأرضُ وحُدَّتْ، فلا شُفعَة فيها 1. = وأخرجه مرسلاً النسائي (4754) من طريق صفوان بن عيسى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: ... وهو في "مسند أحمد" (14157) و"صحيح ابن حبان" (5184) و (5187). وانظر ما بعده.
قال الخطابي: هذا الحديث أبين في الدلالة على نفي الشفعة لغير الشريك من مثبته من الحديث الأول.
وقال: في هذا بيان أن الشفعة تبطل بنفس القسمة والتمييز بين الحصص بوقوع الحدود، ويشبه أن يكون المعنى الموجب للشفعة دفع الضرر بسوء المشاركة والدخول في ملك الشريك، وهذا المعنى يرتفع بالقسمة، وأملاك الناس لا يجوز الاعتراض عيها بغير حجة.

3516 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد النُّفيليُّ، حدَّثنا سفيانُ، عن ابراهيمَ بن مَيسَرةَ، سمع عَمرو بن الشَّريدِ سمع أبا رافع، سَمِعَ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "الجارُ أحقُّ بِسَقَبِهِ" 1. 3517 - حدَّثنا أبو الوليد الطيالسيُّ، حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن الحسن عن سمرةَ، عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "جارُ الدَّارِ أحقُّ بدارِ الجار أو الأرضِ" 2.

3518 - حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، حدَّثنا هُشَيْمٌ، أخبرنا عبدُ الملك، عن عطاء عن جابر بنِ عبد الله، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "الجارُ أحَقُّ بِشُفعة جَارِه: يُنْتَظَر بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقُهما واحداً" 1. = وأخرجه النسائي في "الكبرى" كما في "التحفة" (4610) من طريق شعبة بن الحجاج، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن، عن سمرة.
وأخرجه النسائي كما في "التحفة" (4610) من طريق يزيد بن زريع، عن يونس، عن الحسن قال: قضى النبي - صلَّى الله عليه وسلم - بالجوار هكذا رواه مرسلاً.
وهو في "مسند أحمد" (20088). وهو في "صحيح ابن حبان" (5182) من طريق عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - ونقل ابن حجر في "إتحاف المهرة" 2/ 207 و 208 عن البزار وابن القطان في "الوهم والإيهام" 5/ 443 - 444 أنهما صححا رواية عيسى بن يونس هذه، وقال ابن القطان: روايته للوجهين دليل على أنه كان عند سعيد كذلك، ولا يُعلَّل أحدهما بالآخر.
لكنه نقل عن الدارقطني أنه وهَّم عيسى بن يونس في روايته عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس.
وجزم الحافظ بما ذهب إليه الدارقطني فقال: وهو معلول، وإنما المحفوظ عن قتادة عن الحسن، عن سمرة.
قلنا: وكذلك أعلَّ البخاري الرواية عن أنس فيما نقله عنه الترمذي في "علله الكبير" 1/ 568، قال: الصحيح حديث الحسن عن سمرة، وحديث قتادة عن أنس غير محفوظ، ولم يُعرف أن أحداً رواه عن ابن أبي عروبة عن قتادة، عن أنس غير عيسى بن يونس.
وعلى كل فيشهد له حديث أبي رافع السالف، فهو صحيح به.

76 -

باب في الرجل يُفْلِسُ فيجدُ الرجلُ مالَه بعينِه عندَه

3519 - حدَّثنا عبدُ الله بن مَسلمةَ، عن مالك (ح) وحدَّثنا النُّفيليُّ، حدَّثنا زُهير -المعنى- عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عُمَرَ بنِ عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن = وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الحديث صحيح -وهو الصواب- وأنه لا منافاة بين الحديثين، منهم الترمذي وابن عبد الهادي والزيلعي، قال ابن عبد الهادي في "التنقيح" 3/ 58: اعلم أن حديث عبد الملك حديث صحيح، ولا منافاة بينه وبين رواية جابر المشهورة، فإن في حديث عبد الملك: "إذا كان طريقهما واحداً"، وحديث جابر المشهور لم ينفِ فيه استحقاق الشفعة إلا بشرط تصرُّف الطرق، قاله الحنابلة.
فنقول: إذا اشترك الجاران في المنافع كالبئر أو السطح أو الطريق، فالجار أحق بسقب جاره كحديث عبد الملك، وإذا لم يشتركا في شيء من المنافع فلا شبهة لحديث جابر المشهور، وهو أحد الأوجه الثلاثة في مذهب أحمد وغيره.
وطَعْنُ شعبةَ في عبد الملك بسبب هذا الحديث لا يقدح في عبد الملك؟ فإن عبد الملك ثقة مأمون، وشعبة لم يكن من الحُذَّاقِ في الفقه ليجمع بين الأحاديث إذا ظهر تعارضها، وإنما كان إماماً في الحفظ، وطعْن مَن طَعَن فيه إنما هو اتباعاً لشعبة، وقد احتج مسلم في "صحيحه" بعبد الملك، وخرج له أحاديث، واستشهد به البخاري، وكان سفيان يقول: حدثني الميزان عبد الملك بن أبي سليمان، وقد وثقه أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم.
هشيم: هو ابن بشير الواسطي، وعطاء: هو ابن أبي رباح.
وأخرجه ابن ماجه (2494)، والترمذي (1421)، والنسائي في "الكبرى" (7264) و (11714) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، به.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وهو في "مسند أحمد" (14253). وقد سلف حديث جابر: "الشُفعة في كل ما لم يُقسم ... " برقم (3514).

عن أبي هريرة، أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: أيُّما رجلٍ أفلَسَ فأدرك الرَّجُلُ متاعَه بعينه، فهو أحقُّ بهِ مِن غيره" 1.

3520 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسلمَةَ، عن مالك، عن ابنِ شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بنِ هشام، أن رسولَ الله قال: "أيُّما رجلِ باعَ متاعاً فأفلسَ الذي ابتاعَه ولم يَقْبِض الذي باعه من ثمنه شيئاً، فوجد متاعَه بعينه، فهو أحقُّ به، وإن مات المشتري فصاحبُ المتاعِ أسوةُ الغُرماء" 1. = يتعاملون بها إلا في الأشياء الحقيرة وقوله: "فهو أحق بها من غيره" أي: كائنا من كان وارثاً أو غريماً وبهذا قال جمهور العلماء، وخالف الحنفية فتأولوه لكونه خبر واحد خالف الأصول، لأن السلعة صارت بالبيع ملكاً للمشتري ومن ضمانه، واستحقاق البائع أخذها منه نقض لملكه، وحملوا الحديث على صورة وهي ما إذا كان المتاع وديعة أو عارية أو لقطة، وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يقيد بالفلس ولا جعل أحق بها لما يقتضيه صيغة أفعل من الاشتراك وأيضاً فما ذكروه ينتقض بالشفعة، وأيضاً قد ورد التنصيص في حديث الباب على أنه في صورة المبيع وذلك فيما رواه سفيان الثوري في "جامعه" وأخرجه من طريقه ابن خزيمة وابن حبان (5037) عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد بلفظ: "إذا ابتاع الرجل سلعة، ثم أفلس وهي عنده بعينها، فهو أحق بها من الغرماء" ولابن حبان (5038) من طريق هشام بن يحيى المخزومي عن أبي هريرة بلفظ "إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته بعينها، فهو أحق بها دون الغرماء" ولمسلم (1559) (3988) "إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه فإنه لصاحبه الذي باعه".
"فتح الباري" 5/ 62 - 65.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال الحافظ محمد بن يحيى الذهلي فيما نقله ابن الجارود بإثر الحديث (633): رواه مالك وصالح بن كيسان ويونس، عن الزهري، عن أبي بكر مطلقٌ عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، وهم أولى بالحديث -يعني طريق الزهري- وقال الدارقطني بإثر الحديث (2903): إسماعيل بن عياش مضطرب الحديث، ولا يثبت هذا عن الزهري مسنداً، انما هو مرسل، وقال البيهقي 6/ 47: لا يصح موصولاً عن الزهري، وذكره ابن القطان الفاسي في "بيان الوهم والايهام" (1674) فيما سكت عنه عبد الحق مصححاً له وليس بصحيح.
وسيأتي بإثر (3522) ترجيح المصنف لرواية مالك يعني الرواية المرسلة.
وهو في "موطأ مالك" 2/ 678. قال ابن عبد البر في "التمهيد" 8/ 406: هكذا وفي جميع "الموطآت" التي رأينا، وكذلك رواه جميع الرواة عن مالك فيما علمنا مرسلاً، إلا عبد الرزاق، فقد رواه عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر، عن أبي هريرة فأسنده، وقد اختلف في ذلك عن عبد الرزاق، فرواه محمد بن علي وإسحاق ابن إبراهيم بن جوتي الصنعانيان، عن عبد الرزاق مسنداً، ورواه محمد بن يوسف الحُذاقي وإسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق مرسلاً كما في "الموطأ" قال: وذكر الدارقطني أنه قد تابع عبدَ الرزاق على إسناده عن مالك أحمدُ بن موسى وأحمد ابن أبي طيبة.
وإنما هو في "الموطأ" مرسل.
قال: ورواه صالح بن كيسان ويونس بن يزيد ومعمر بن راشد، عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن مرسلاً.
قلنا: وكذلك رواه الشافعي عن مالك مرسلاً كما في "السنن الكبرى" للبيهقي 6/ 46. وأما ما جاء في رواية مالك هذه ورواية يونس بن يزيد الآتية بعده من قوله: "وإن مات المشتري، فصاحب المتاع أسوة الغُرماء" فقد جزم أبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذي" 6/ 19 بأن ما زيد من الأسوة في الموت من قول الراوي.
وهو في "مصنف عبد الرزاق" (15158) عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن مرسلاً.
وقد جزم الحافظ في "الفتح" 5/ 63 أن عبد الرزاق وصله في "المصنف"!! ويؤيد ما جاء في المطبوع قول ابن عبد البر السالف ذكره بأن إسحاق الدبري رواه عن عبد الرزاق مرسلاً.
=

3521 - حدَّثنا سليمانُ بنُ داود، حدَّثنا عبدُ الله -يعني ابنَ وهب- أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فذكر معنى حديث مالك، زاد: "وإن كان قد قضى من ثمنها شيئاً، فهو أُسوةُ الغرماء".
قال أبو بكر: وقضى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - أنه من تُوفيَ وعنده سلعة رجلٍ بعينها، لم يقضِ من ثمنها شيئاً، فصاحب السِّلعة أسوةُ الغُرَماء فيها 1. 3522 - حدَّثنا محمدُ بنُ عوف الطائي، حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبد الجبار الخبائريُّ حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيَّاش -عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي بكر ابن عبد الرحمن = وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (4606) من طريق عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري، عن عبد الرزاق، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر، عن أبي هريرة فوصله، ونقل عن ابن خزيمة قوله في عبد الرحمن بن بشر: وكان هذا من علماء نيسابور وثقاتهم.
قلنا: وعلى أي حال فرواة "الموطأ" رووه بالإرسال، ولا شك أن روايتهم أثبت، على أنه اختُلف على عبد الرزاق في وصله وإرساله! وانظر ما قبله، وما بعده.
قال الخطابي: ذهب مالك إلى جملة ما في هذا الحديث، وقال: إن كان قبض شيئاً من ثمن السلعة فهو أسرة الغرماء، وقال الشافعي: لا فرق بين أن يكون قبض شيئاً أو لم يقبضه في أنه إذا وجد عين ماله كان أحق به.
وقال مالك: إذا مات المبتاع فوجد البائع عين سلعته لم يكن أحق بها، وعند الشافعي: إذا مات المبتاع مُفلساً والسلعة قائمة فلصاحبها الرجوع فيها.

عن أبي هريرة، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - نحوه، قال: "فإن كان قضاه من ثمنها شيئاً فما بقي هو أسوةُ الغرماء، وأيُّما امرئٍ هلك وعنده متاعُ امرئٍ بعينه، اقتضى منه شيئاً أو لم يفتض، فهو أسوةُ الغرماء" 1. قال أبو داود: حديث مالك أصلح.
3523 - حدَّثنا محمدُ بنيُ بشار، حدَّثنا أبو داود، حدَّثنا ابنُ أبي ذئب، عن أبي المُعْتَمِرِ، عن عمر بن خَلدَةَ قال: أتينا أبا هريرة في صاحبِ لنا قد أفلسَ، فقال: لأقضينَّ فيكم بقضاء رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "مَنْ أفْلَسَ أو ماتَ، فوجد رَجُلٌ متَاعَهُ بعينه فهو أحق به" 2.

77 -

باب فيمن أحيا حَسيراً

3524 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، حدَّثنا حماد وحدَّثنا موسى، حدَّثنا أبان، عن عُبيدِ الله بنِ حُميد بن عبد الرحمن الحِمَيريِّ، عن الشعبي -قال عن أبان: إن عامراً الشعبي حدَّثه- أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ وجد دَابةً قد عَجَزَ عنها أهْلُها أن يَعْلِفُوهَا فسيَّبوها فأخذها، فأحياها، فهي له".
قال أبو داود في حديث أبان: قال عُبيد الله: فقلت: عَمَّنْ؟ قال: عن غير واحدٍ من أصحاب النبي - صلَّى الله عليه وسلم - 1. قال أبو داود: وهذا حديثُ حمادٍ، وهو أبينُ وأتمُّ.
3525 - حدَّثنا محمدُ بن عُبيدِ، عن حماد -يعني ابنَ زيدٍ- عن خالدٍ الحذاء عن عُبيد الله بن حُميد بن عبد الرحمن = وقد سلف من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبي هريرة دون ذكر الموت برقم (3519).

عن الشعبي، يرفع الحديث إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ تَرَكَ دابةً بِمهَلِكِ، فأحْيَاها رجُلٌ، فهي لمن أحياها، (1).

78 -

باب في الرهن

3526 - حدَّثنا هنادٌ، عن ابنِ المبارك، عن زكريا، عن الشعبي عن أبي هريرة، عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "لَبَن الدَّرِّ يُحْلَبُ بِنَفَقَتِه، إذا كانَ مَرْهوناً، والظهْرُ يُرْكَبُ بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يَرْكبُ ويَحْلُبُ النفقَة" 2.1

قال أبو داود: وهو عندنا صحيح.
3527 - حدَّثنا زهير بنُ حرب وعثمانُ بنُ أبي شيبةَ، قالا: حدَّثنا جريرٌ، عن عُمارة بن القعقاع، عن أبي زُرعة بنِ عمرو بن جرير = وقال أبو ثور: إذا كان الراهن ينفق عليه لم ينتفع به المرتهن، وإن كان الراهن لا ينفق عليه وتركه في يد المرتهن فأنفق عليه فله ركوبه واستخدام العبد، قال: وذلك لقوله: "وعلى الذي يحلُب ويركب النففة.
وقال الشافعي: منفعة الرهن للراهن، ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن، خلا الاحتفاظ به للوثيقة.
وعلى هذا تأوّل قوله: "الرهن مركوب ومحلوب" يرى أنه منصرف إلى الراهن الذي هو مالك الرقبة.
وقد روى نحو هذا عن الشعبي وابن سيرين.
وفي قوله: "الرهن مركوب ومحلوب" دليل على أنه من أعار الرهن، أو أكراهُ من صاحبه لم يفسخ الرهن.
قال الشيخ رحمه الله [يعني الخطابي]: وهذا أولى وأصح، لأن الفروع متابعة لأصولها، والاصل ملك الراهن.
ألا ترى أنه لو رهنه وهو يسوى مئة، ثم زاد حتى صار يسوى مئتين، ثم رجعت قيمته إلى عشرة أن ذلك كله في ملك الراهن؟ ولم يختلفوا أن للمرتهن مطالبة الراهن بحقه مع قيام الرهن في يده، ولأنه لا يجوز للمرتهن أن يجحد المال في هذه الحال، ولو كان الرهن عبداً فمات كان على الراهن كفنه، فدل ذلك على ثبوت ملكه عليه، وإن ان ممنوعاً من إتلافه لما يتعلق به من حق المرتهن.
ولو جاز للمرتهن أن يركب ويحلُب بقدر النفقة لكان ذلك معاوضة مجهول بمجهول، وذلك غير جائز.
فدل على صحة تأوُّل من تأوله على الراهن.
وقد روى الشافعي في هذا ما يؤكد قوله: حديثَ الأصم.
قال: أخبرنا الربيع، قال: حدَّثنا الشافعي، قال: حدَّثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه" قال: ووصله ابن المسيب عن أبي هريرة من حديث ابن أبي أُنيسة.
ففي هذا ما دل على صحة قول من ذهب إلى أن دَرَّه وركوبه للراهن دون المرتهن.
قلنا: وكذلك هو عند الحنفية كما حكاه المرغيناني في "الهداية".

أن عمر بن الخطاب قال: قال النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-: "إن مِنْ عِبادِ الله لأناساً ما هُمْ بأنبياء، ولا شُهَداء، يَغبِطُهُم الأنبياءُ والشهداء يَوْمَ القيامة لِمكانهم من الله" قالوا: يا رسولَ الله تُخبرنا مَنْ هم، قال: "هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بروُحِ الله على غيرِ أرحامٍ بينهم، ولا أموالٍ يتعاطَونْها، فواللهِ إن وجوهَهُمْ لنورٌ، وإنهم لعَلى نُور: لا يخافونَ إذا خافَ الناسُ، ولا يحزنُون إذا حَزِنَ الناسُ" وقرأ هذه الآية ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:62] 1.

79 -

باب في الرجل يأكل من مال ولده

3528 - حدَّثنا محمدُ بن كثير، أخبرنا سفيانُ، عن منصورِ، عن إبراهيمَ، عن عُمارة بن عُمير، عن عمته أنها سألت عائشة: في حَجْرِي يتيم، أفآكُلُ مِن ماله؟ فقالت: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "إن مِن أطيبِ ما أكلَ الرجُلُ من كَسْبه، وَوَلدُهُ من كَسْبِهِ" 1. = وأخرجه الطبري في "تفسيره" (17713) من طريق محمد بن فضيل، عن أبيه، عن عمارة، به.
وله شاهد من حديث معاذ بن جبل عند الطيالسي (571)، وأحمد (22002) و (22080)، والطحاوي (3892) و (3894) و (3895)، والشاشي في "مسنده" (1382)، والطبراني في "الكبير" 20/ (145) - (149) و (151)، والحاكم 4/ 170، وأبو نعيم في "الحلية" 5/ 206. وهو حديث صحيح.
وآخر من حديث عبد الله بن عمر عند الحاكم 4/ 170 - 171. وصححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي: قلنا: إسناده حسن.
ونالت من حديث أبي الدرداء أورده المنذرى في "الترغيب والترهيب" 4/ 21، وقال: رواه الطبراني بإسناد حسن.
ورابع من حديث أبي أمامة أورده المنذري 4/ 20، وقال: رواه الطبراني وإسناده جيد، وكذلك قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 277. تنبيه: هذا الحديث أثبتاه من (هـ)، وهي برواية أبي بكر ابن داسه.
وأشار إليه المزي في "الأطراف" (10661). قال الخطابي: قوله: "تحابوا بروح الله" أي: بالقرآن، لأن القلوب تحيا به كما تكون حياة النفوس والأبدان بالأرواح.

3529 - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عمرَ بن ميسرةَ وعثمانُ بن أبي شيبةَ -المعنى- قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن عُمارةَ بن عُمَيرٍ، عن أمه = وأخرجه ابن ماجه (2290)، والترمذي (1408)، والنسائي (4449) و (4450) من طريق عمارة بن عمير، بهذا الإسناد.
وأخرجه ابن ماجه (2137)، والنسائي (4451) و (4452) من طريق الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة.
وهذا إسناد صحيح.
وهو في "مسند أحمد" (24148)، و"صحيح ابن حيان" (4260) و (4261) من طريق الأسود.
وأخرجه الدارقطني في "العلل" 5/ ورقة 60، وابن حزم في "المحلى" 8/ 102 من طريق يحيى بن سعيد القطان، والدارقطني من طريق عمرو بن علي الفلاس، عن عبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن سفيان الثوري، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة، عن عائشة، وهذا إسناد صحيح أيضاً.
وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في "سنن ابن ماجه" (2137). قال الخطابي: فيه من الفقه أن نفقة الوالدين واجبة على الولد إذا كان واجداً لها، واختلفوا في صفة من تجب لهم النفقة من الآباء والأمهات، فقال الشافعي: إنما يجب ذلك للأب الفقير الزمن، فإن كان له مالٌ أو كان صحيح البدن غير زَمِنٍ فلا نفقة له عليه.
وقال سائر الفقهاء: نفقة الوالدين واجبة على الولد، ولا أعلم أحداً منهم اشترط الزمانة كما اشترطها الشافعي.
قلنا: وما أشار إليه المصنف بإثر الحديث بأن حماد بن أبي سليمان قد روى هذا الحديث وزاد فيه: "إذا احتجتم" وأنها زيادة منكرة، بينا في "سنن ابن ماجه" (2137) أنها ليست من حماد بن أبي سليمان، ولكنها ممن دونه، والله تعالى أعلم.
وهذه الزيادة أثبتناها من هامش (ج) مصححا" عليها، ومن النسخة التي شرح عليها العظيم آبادي.

عن عائشة، عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- أنه قال: "وَلَدُ الرّجُلِ مِن كسْبِهِ، مِن أطيبِ كسْبِه، فكلوا مِن أموالهم" 1. قال أبو داود: حمادُ بن أبي سليمان زاد فيه: "إذا احتَجتُمْ، وهو منكر.
3530 - حدَّثنا محمدُ بنُ المِنهال، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا حبيبٌ المعلمُ، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن رجلاً أتى النبي - صلَّى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ اللهِ، إن لي مالاً وولداً، وإن والدي يجتاجُ مالي، قال: "أنت ومالُكَ لِوالدك، إنَّ أولادَكم مِن اْطيبِ كَسْبِكُم، فَكُلُوا مِن كَسْبِ أولادِكم" 2.

80 -

باب الرجل يجد عينَ ماله عندَ رجل

3531 - حدَّثنا عَمرو بنُ عَونِ، أخبرنا هُشيم، عن موسى بنِ السائب، عن قتادةَ، عن الحسن عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "مَن وجَدَ عَينَ مالِه عندَ رَجُلٍ، فهو أحَقُّ به ويتّبع البيِّعُ مَن باعه" 1. = قال الخطابي: قوله: "يجتاح مالي" معناه: يستأصله ويأتي عليه، والعرب تقول: جاحهم الزمان، واجتاحهم، إذا أتى على أموالهم، ومنه الجائحة، وهي الأفة التي تصيب المال فتهلكله.
ويشبه أن يكون ما ذكره السائل من اجتياح والده مالَه، إنما هو بسبب النفقة عليه، وأن مقدار ما يحتاج إليه للنفقة عليه شيء كثير، لا يسعه عفوُ مالِه والفَضلُ منه، إلا بأن يجتاح أصلَه، ويأتي عليه، فلم يعذره النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، ولم يرخص له في ترك النفقة عليه، وقال له: "أنت ومالُك لأبيك" على معنى: أنه إذا احتاج إلى مالك أخذ منك قدر الحاجة، كما يأخذ من مال نفسه، وإذا لم يكن لك مال وكان لك كسْب لزمك أن تكتسب وتنفق عليه، فأما أن يكون أراد به إباحةَ ماله وخلاه واعتراضه حتى يجتاحه ويأتي عليه، لا على هذا الوجه، فلا أعلم أحداً ذهب إليه من الفقهاء، والله أعلم.

81 -

باب في الرجل يأخُذُ حقه مِن تحت يده

1 3532 - حدَّثنا أحمدُ ابنُ يونُس، حدَّثنا زُهَير، حدَّثنا هشام بنُ عُروة، عن عُروة عن عائشة: أن هنداً أُم معاوية جاءت رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فقالت: إن أبا سفيانَ رجُل شَحِيحٌ، وإنه لا يُعطيني ما يكفيني وبَنِيَّ، فهل عليَّ من جُناح أن آخذ مِن ماله شيئاً؟ قال: "خُذِي ما يكْفِيكِ وبَنِيكِ بالمعروفِ" 2. = وهو في "مسند أحمد" (20146). قال الخطابي: هذا في الغُصُوب ونحوها إذا وجد ماله المغصوب والمسروق عند رجل كان له أن يخاصمه فيه ويأخذ عين ماله منه ويرجع المأخوذ منه على من باعه إياه.

3533 - حدَّثنا خُشَيشُ بنُ أصْرَمَ، حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا معمرٌ، عن الزهريٌ، عن عُروة عن عائشة، قالت: جاءت هندٌ إلى النبيَّ - فقالت: يا رسولَ الله، إن أبا سفيانَ رجل مُمسِكٌ، فهل عليَّ من حَرَجٍ أن أُنفق على عيالِه مِن ماله بغيرِ إذنه؟ فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا حَرَجَ عليكِ أن تُنفقي عليهم بالمعروف" 1. 3534 - حدَّثنا أبو كاملٍ، أن يزيدَ بن زُريع، حدَّثَهم، حدَّثنا حُميدٌ -يعني الطويلَ- عن يوسفَ بنِ ماهَك المكيِّ، قال: كنتُ أكتب لفلان نفقةَ أيتام كان وليَّهُمْ، فغالَطُوه بألفِ درهم، = وفيه جواز الحكم على الغائب، وفيه جواز ذكر الرجل ببعض ما فيه من العيوب إذا دعت الحاجة إليه، وفيه جواز أن يقضي الرجل حقه من مال عنده لرجل له عليه حق يمنعه منه، وسواء كان ذلك من جنس حقه أو من غير جنس حقه، وذلك لأن معلوماً أن منزل الرجل الشحيح لا يجمع كل ما يحتاج إليه من النفقة والكسوة وسائر المرافق التي تلزمه لهم، ثم أطلق إذنها في أخذ كفايتها وكفاية أولادها من ماله، ويدل على صحة ذلك قولها في غير هذه الرواية: إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يُدخل على بيتي ما يكفيني وولدي.
وانظر لزاما في فقه هذا الحديث "شرح السنة" للإمام البغوي 8/ 204 - 206.

فأدَّاها إليهم، فأدركْتُ لهم من مالِهم مِثلَها 1، قال: قلت: أقْبِضُ الألفَ الذي ذهبُوا به منك؟ قال: لا، حدثني أبي أنه سَمعَ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يقول: "أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خَانَك" 2.

3535 - حدَّثنا محمدُ بنُ العَلاء وأحمدُ بن إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا طَلْقُ بن َغَنَّامٍ، عن شَريكٍ -قال ابنُ العلاء: وقيسٍ- عن أبي حَصين، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "أدِّ الأمانةَ إلى مَنِ ائْتمَنكَ، ولا تَخُن مَنْ خَانَك"َ (1).

82 -

باب في قَبول الهدايا

3536 - حدَّثنا عليُّ بنُ بحر وعبدُ الرحيم بن مُطَرِّف الرؤاسيُّ، قالا: حدَّثنا عيسى بنُ يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي - عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه عن عائشة: أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - كان يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ ويُثِيبُ عليها 2.1

3537 - حدَّثنا محمدُ بن عَمرو الرازيُّ، حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضْل حدَّثني محمدُ بنُ إسحاق، عن سعيد بنِ أبي سعيد المقبِرُيِّ، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم: "وَايْمُ اللهِ، لا أقبلُ بَعْدَ يَوْمِي هذا مِن أحدِ هدِيّةً، إلاَّ أن يكون مُهاجِراً قُرَشِيّاً، أو أنْصَارِيّاً، أو دَوْسِياً، أو ثَقَفيّاً" (1).

83 -

باب الرجوع في الهبة

3538 - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، حدَّثنا أبانُ وهمَّام وشعبةُ، قالوا: حدَّثنا قتادة، عن سعيدِ بنِ المسيب1 = وهو في "مسند أحمد" (24591). قال الخطابي: قبول النبي - صلَّى الله عليه وسلم - الهدية نوع من الكرامة، وباب من حسن الخلق ويتألف به القلوب، وكان أكل الهدية شعاراً له، وأمارة من أماراته، ووصف في الكتب المتقدمة بأنه يقل الهدية، ولا يأكل الصدقة، لأنها أوساخ الناس، وكان إذا قبل الهدية أثاب عليها لئلا يكون لأحد عليه يد، ولا يلزمه لأحد مِنَّة.

عن ابن عباس، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "العائدُ في هبتِهِ كالعائِدِ في قَيئه" 1. قال همام: قال قتادة: ولا نعلم القيء إلا حراماً.
3539 - حدَّثنا مسدّدٌ، حدَّثنا يزيد -يعني ابنَ زُريع- حدَّثنا حسينٌ المعلمُ، عن عَمرو بن شُعيب، عن طاووسِ عن ابن عُمَرَ وابنِ عباس، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "لا يَحل لِرَجُلٍ أن يُعطِيَ عَطِيَّةً أو يَهَبَ هِبَةً فيَرْجِعَ فيها، إلا الوالِدَ فيما يُعْطِي وَلَدَه، ومَثَلُ الذي يُعطي العطيةَ، ثم يَرْجِعُ فيها كمَثَلِ الكلبِ يأكلُ، فإذا شبعَ قاء َثم عاد في قيئهِ" 2.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه البخاري (2589)، ومسلم (1622)، والنسائي (3701) من طريق عبد الله ابن طاووس، والنسائي (3702) و (3710) من طريق أبي الزبير، كلاهما عن طاووس، عن ابن عباس وحده، رفعه ولفظه: "العائد في هبته كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه".
وهو في "مسند أحمد" (2250) و (3013). وانظر ما قبله.
قال الخطابي: وإنما استثنى الوالد لأنه ليس غيره من الأجانب والأباعد، وقد جعل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - للأب حقاً في مال ولده، قال: "أنت ومالك لأبيك" وهو إذا سرق ماله مع الغنى عنه لم يُقطع، ولو وطئ جاريته لم يُحدَّ، وجعلت يده في ولاية مال الولد كيده، ألا ترى أنه يلي عليه البيع والشراء ويقبض له، وإذا كان كذلك صار في الهبة منه والاسترجاع عنه في معنى من وهب ولم يقبض، إذ كانت يده كيده وهو مأمون عليه غير متهم فيما يسترده منه، فأمره محمول في ذلك على أنه نوع من السياسة وباب من الاستصلاح، وليس كذلك الأجنبي، ومن ليس باب من ذوي الأرحام، فقد يُظن به التهمة والعداوة، وأن يكون إنما دعا إلى ارتجاعها عتب أو موجدة، في نحوها من الأمور.
وقد اختلف الناس في هذا: فقال الشافعي بظاهر الحديث، وجعل للأب الرجوع فيما وهب لابنه، ولم يجعل له الرجوع فيما وهب للأجنبي.
وقال مالك: له الرجوع فيما وهب، إلا أن يكون الشيء قد تغير عن حاله، فإن تغير لم يكن له أن يرتجعه.
وقال أبو حنيفة: ليس للأب الرجوج فيما وهب لولده، ولكل ذي رحم من ذوي أرحامه، وله الرجوع فيما وهب للأجانب.
وتأولوا خبر ابن عمر على أن له الرجوع عند الحاجة إليه.
والمعنى في ذلك عند الشافعي: أنه جعل ذلك بحق الأبوة والشركة التي له في ماله.
وقال الرازي في "مختصر اختلاف العلماء" 4/ 152: قال أصحابنا: إذا وهب لذي رحم محرم، لم يرجع، وكذلك المرأة لزوجها وإن وهب لأجنبي رجع إن شاء ما لم يثب منها أو يزيد في نفسه.
وانظر "مختصر الطحاوي" ص 138 - 139.

3540 - حدَّثنا سليمانُ بنُ داود المَهريُّ، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني أسامةُ ابنُ زيد، أن عمرو بن شعيب، حدَّثه، عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "مَثَلُ الذي يَسْترِدُّ ما وهَب كمثل الكلبِ يَقيءُ فيأكلُ قيئَهُ، فإذا اسْتَرَدَّ الواهِبُ فليوَقَّفْ فَلْيُعَرَّفْ بما استرَدَّ، ثم ليُدْفَعْ إليه ما وَهَبَ" (1).

84 -

باب الهدية لقضاء الحاجة

3541 - حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو بن السَّرْحِ، حدَّثنا ابنُ وهب، عن عُمر بنِ مالك، عن عُبيد الله بنِ أبي جعفر، في خالد بن أبي عِمرانَ، عن القاسم عن أبي أُمامةَ، عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ شَفَعَ لأخيه شَفَاعةً، فأهدى له هديةً عليها فَقَبِلَهَا، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الرِّبا" 2.1

85 -

باب في الرجل يُفَضِّلُ بعض ولده على بعضٍ في النُّحْلِ

3542 - حدَّثنا أحمد بنُ حنبل، حدَّثنا هُشَيْمٌ أخبرنا سيَّار.
وأخبرنا مغيرةُ.
وأخبرنا داود، عن الشعبي.
وأخبرنا.
مجالد وإسماعيلُ بنُ سالم، عن الشعبي عن النعمان بن بَشير، قال: أنْحَلَني أبي نُحْلاً -قال إسماعيلُ بنُ سالمِ من بَيْنِ القومِ: نَحلَه غُلاماً له- قال: فقالت له أمي عَمْرةُ بنتُ رواحةَ: ائتِ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - فأشهِدْهُ، فأتى النبي - صلَّى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، فقال: إني نَحَلْتُ ابني النعمانَ نُحْلاً، وإن عَمرَةَ سألتْني أن أُشْهِدَكَ على ذلك، قال: فقال: "ألكَ وَلَدٌ سِوَاهُ؟ " قال: قلتُ: نعم، قال: "فَكُلَّهُمْ أعطَيْتَ مِثلَ ما أعطَيْتَ النعمانَ؟ " قال: لا، قال: فقال بعضُ هؤلاء المحدَّثين: "هذا جَوْرٌ" وقال بعضهم: "هذا تَلْجِئةٌ، فأشهِدْ على هذا غَيرِي".
قال مغيرةُ في حديثه: "أليسَ يَسُرُّكَ أن يكونوا لَكَ في البِرِّ واللُّطفِ سواءَ؟ " قال: نَعَمْ، قال: "فأشهدْ على هذا غيري" وذكر مجالد في حديثه: "إنَّ لهُم عليكَ منَ الحق أن تَعدِلَ بَينَهُم، كما أن لَكَ عليَهِم من الحقِّ أن يَبَرُّوكَ" 1. = وأخرجه الطبراني في الكبير (7928)، ومن طريقه الشجري في "أماليه" 2/ 236 من طريق أسد بن موسى، عن ابن لهيعة، عن عُبيد الله بن زحْر، عن خالد بن أبي عمران، به فذكر عُبيد الله بن زَحْر بدل عُبيد الله بن أبي جعفر! وأخرجه الطبراني (7853) من طريق يحيى بن أيوب، عن عُبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = هذا الإسناد أن سياراً وداود بن أبي هند ومغيرة بن مقسم ومجالداً وإسماعيل بن سالم، هؤلاء الخمسة رووا الحديث عن الشعبي، وروى عنهم الحديث جميعاً هشيم بن بشير.
وأخرجه البخاري (2587) و (2650)، ومسلم (1623)، وابن ماجه (2375)، والنسائي (3679 - 3682) من طرق عن الشعبي، عن النعمان.
وأخرجه البخاري (2586)، ومسلم (1623)، وابن ماجه (2376)، والترمذي (1367) والنسائي (3672 - 3674) من طريق الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان بن بشير، والنسائي (3685) و (3686) من طريق فطر بن خليفة، عن مسلم بن صبيح، كلهم عن النعمان بن بشير.
وهو في "مسند أحمد" (18363) و (18382)، و"صحيح ابن حبان" (5097) و (5098) و (5102). وانظر تالييه.
قال الخطابي: واختلف أهل العلم في جواز تفضيل بعض الأبناء على بعض في النحل والبر، فقال مالك والشافعي: التفضيل مكروه، فإن فعل ذلك نفذ، وكذلك قال أصحاب الرأي.
وعن طاووس أنه قال: إن فعل ذلك لم ينفذ، وكذلك قال إسحاق بن راهويه، وهو قول داود.
وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز التفضيل، ويُحكى ذلك أيضاً عن سفيان الثوري.
واستدل بعض من منع ذلك بقوله: "هذا جور" وبقوله: "هذا تلجئة" والجور مردود، والتلجئة غير جائزة، ويدل على ذلك حديثه الآخر.
قلنا: وقول الأمام أحمد: لا يجوز التفضيل، ليس هو على إطلاقه، فقد قال ابن قدامة في "المغني" 8/ 258: فإن خص بعض أولاده لمعنى يقضي تخصيصه، مثل اختصاصه بحاجة أو زمانة أو عمى أو كثرة عائلة أو اشتغاله بالعلم أو نحوه من الفضائل، أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله أو ينفقه فيها، فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك لقوله في تخصيص بعضهم بالوقف.
لا بأس به إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة، =

قال أبو داود في حديث الزهري: قال بعضُهم؟ "أكلَّ بَنِيك؟ " وقال بعضهم: "ولَدِكَ؟ " وقال ابنُ أبي خالد، عن الشعبي فيه: "ألَكَ بَنُونَ سِواه؟ " وقال أبو الضحى، عن النعمان بن بشير: "ألَكَ ولَدٌ غَيرُهُ؟ ". 3543 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا جَرير، عن هشامِ بنِ عُروة، عن أبيه حدَّثني النعمان بن بشير، قال: أعطاه أبوهُ غلاماً، فقال له رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "ما هذا الغُلامُ؟ قال: غلامي أعطانيه أبي، قَالَ: فَكُلَّ إخوَتِك أعطَى كما أعْطَاكَ؟ " قال: لا، قال: "فارْدُدْهُ" 1. = والعطية في معناه.
ثم قال الخطابي: فأما قوله: "هذا جور" فمعناه: هذا ميل عن بعضهم إلى بعض، وعدول عن الفعل الذي هو أفضل وأحسن، ولا خلاف أنه لو آثر بجميع ما له أجنبياً وحرمه أولاده أن فعله ماضٍ، فكيف يُردُّ فعلُه في إيثار بعض أولاده على بعض؟ وقد فضل أبو بكر عائشة رضي الله عنهما بجذاذ عشرين وسقا ونحلها إياه دون أولاده وهم عدد، فدل ذلك على جوازه وصحة وقوعه.
وقد قال بعض أهل العلم: إنما كره ذلك لأنه يقع في نفس المفضول بالبر شيء فيمنعه ذلك من حسن الطاعة والبر، وربما كان سببا لعقوق الولد وقطيعة الرحم بينه وبين إخوته.
وذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يسوي بين أولاده الذكران والإناث في البر والصلة أيام حياته، ولكن يفضل ويقسم على سهام الميراث وروي ذلك عن شريح.
وإليه ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، واحتج من رأى التسوية بين الذكر والأنثى بقوله: "أليس يسرُّك أن يكونوا في البر واللطف سواء" قال: نعم، أي: فسوِّ كذلك في العطية بينهم، وقالوا: لم يستثن ذكراً من أنثى.

3544 - حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب، حدَّثنا حماد، عن حاجبِ بنِ المفضّل ابن المُهَلَّبِ، عن أبيه، قال: سمعت النعمانَ بنَ بشيرِ يقول: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "اعدِلُوا بينَ أبنائِكم، اعدِلُوا بينَ أبنائِكم" 1. 3545 - حدَّثنا محمدُ بنُ رافع، حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، حدَّثنا زهيرٌ، عن أبي الزبير عن جابر، قال: قالت امرأةُ بشيرِ: انْحَلِ ابني غلامك، وأشهدْ لي رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فأتى رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فقال: إن ابنةَ فلانِ سألتْني أن أنْحَلَ ابنَها غلاماً، وقالت لي: أشهدْ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فقال: له إخوةٌ؟ " فقال: نعم، قال: فكُلَّهم أعطَيتَ ما أعطيتَه؟ " قال: لا، قال: "فَلَيْسَ يَصْلُحُ هذا، وإني لا أشهَدُ إلا على حَقٍّ" 2.

3545/ 1 - حدَّثنا أحمد ابن يونس، حدَّثنا زهير، حدَّثنا عبد اللهِ بنُ عطاءٍ، عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه بريدة: أن امرأة أتت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - فقالت: كنت تصدّقْتُ على أمي بوليدة وإنها ماتت وتركت تلك الوليدة، قال: وذكر الحديث (1).

86 -

باب عطية المرأةِ بغَير إذنِ زَوجِها

3546 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ، عن داود بنِ أبي هند وحبيبٍ المعلّمِ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "لا يجوز لامرأةٍ أمْرٌ في مالها إذا مَلَكَ زوجُها عصمتَها" 2.1

3547 - حدَّثنا أبو كاملٍ، حدَّثنا خالدٌ -يعني ابنَ الحارث- حدَّثنا حسينٌ، عن عَمرو بن شُعيب، أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو، أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "لا يَجُوُز لامْرأةٍ عَطيَّةٌ إلا بإذنِ زوجها" (1).

87 -

باب في العُمْرى

3548 - حدَّثنا أبو الوليدِ الطيالسيُّ، حدَّثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن النضْر ابن أنسٍ، عن بَشِير بن نَهِيكٍ1 = "مختصر البويطي والربيع": قد يمكن أن يكون هذا في موضع الاختيار، كما قيل: ليس لها أن تصوم يوماً وزوجها حاضر إلا بإذنه، فإن فعلت فصومها جائز، وإن خرجت بغير إذنه فباعت فجائز، وقد اعتقت ميمونة رضي الله عنها قبل أن يعلم النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، فلم يَعب ذلك عليها، فدل هذا مع غيره على أن قول النبي - صلَّى الله عليه وسلم -إن كان قاله- أدب واختيار لها.
قال البيهقي: الطريق في هذا الحديث إلى عمرو بن شعيب صحيح، ومن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب لزمه إثبات هذا، إلا أن الأحاديث التي مضت في الباب قبله أصح إسناداً، وفيها وفي الآيات التي احتج بها الشافعي رحمه الله دلالة على نفوذ تصرفها في مالها دون الزوج، فيكون حديث عمرو بن شعيب محمولاً على الأدب والاختيار كما أشار إليه في كتاب البويطي، وبالله التوفيق.
وانظر لزاما "الأم" للشافعي 3/ 216، و"شرح معاني الآثار" 4/ 351 - 354.

عن أبي هُريرة، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "العُمرى جائزةٌ" 1. 3549 - حدَّثنا أبو الوليد، حدَّثنا هَمَّامٌ، عن قتادةَ، عن الحسن عن سمرة، عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم-، مثله 2.

3550 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبانُ، عن يحيى، عن أبي سلمةَ عن جابر، أن نبيَّ الله -صلَّى الله عليه وسلم- كان يقول: "العُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ له" 1. 3551 - حدَّثنا مؤمَّل بنُ الفضل الحَرَّانيُّ، حدَّثنا محمد بن شُعيبِ، أخبرني الأوزاعي، عن الزهري، عن عُروة عن جابر، أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "من أُعْمِرَ عُمْرَى فهىَ لهُ ولِعَقِبهِ يَرِثُها من يرثُهُ من عقِبهِ" 2. 3552 - حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي الحَواريّ، حدَّثنا الوليدُ، عن الأوزاعيِّ، عن الزهري، عن أبي سلمةَ وعروة عن جابر، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -، بمعناه 3.

قال أبو داود: وهكذا رواهُ الليثُ بنُ سعْد عن الزهري عن أبي سلمة، عن جابرٍ.

88 -

باب من قال فيه: ولِعَقِبه

3553 - حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ فارسِ ومحمدُ بنُ المثنّى، قالا: حدَّثنا بِشْرُ بنُ عمر، حدَّثنا مالكٌ -يعني ابنَ أنسِ- عن ابنِ شهاب، عن أبي سَلَمَة عن جابر بن عبد الله، أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "أيّما رجلٍ أُعْمِرَ عُمرى له ولعقبهِ، فإنها للذي يُعطاها لا تَرجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريثُ" 1. = وأخرجه النسائي (3742) من طريق أبي عمرو الأوزاعي، بهذا الإسناد.
وأخرجه النسائي (3741) من طريق الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده، به.
وهو في "صحيح ابن حبان" (5135). وانظر سابقيه، وما سيأتي بعده.

ْ3554 - حدَّثنا حجاجُ بنُ أبي يعقوب، حدَّثنا يعقوبُ بن إبراهيم بن سعد، حدَّثنا أبي، عن صالح، عن ابنِ شهاب بإسناده ومعناه 1. قال أبو داود: وكذلك رواه يزيدُ بن أبي حبيب -قال أبو داود: لم يسمع من الزهري، إنما كتَب إليه- 2، وكذلك رواه عُقَيلٌ، عن ابن شهاب على هذا اللفظ على قول أهل المدينة، واختلف عن الأوزاعي، عن ابن شهاب، ورواه فُليح بن سُليمان مثل رواية مالكٍ.
3555 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله، قال: إنما العُمْرَى التي أجازَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - أن يقول: هِيَ لَكَ وَلعَقبِكَ، فأمَّا إذا قال: هي لك ما عِشْتَ، فإنها تَرْجِعُ إلى صاحبها 3. 3556 - حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا سفيانُ، عن ابن جُريج، عن عطاء

عن جابر، أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال: " لا تُرْقِبُوا، ولا تُعْمِرُوا، فمن أُرْقِبَ شيئاً أو أُعمِره، فهو لِورثَته" 1. 3557 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا معاويةُ بنُ هشام، حدَّثنا سفيانُ، عن حبيبٍ -يعني ابنَ أبي ثابتِ- عن حُمَيدٍ الأعرجِ، عن طارقي المكيِّ عن جابر بن عبد الله، قال: قَضَى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - في امرأةٍ من الأنصارِ أعطاها ابنُها حديقةً مِن نخل، فماتت، فقال ابنها: إنما أَعطَيْتَها حَيَاتَها، وله إخوة، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "هي لها حياتَها وموتَها" قال: كنتُ تصدقتُ بها عليها، قال: "ذلك أبعدُ لك" 2.

89 -

باب في الرُّقْبَى

3558 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا هُشيمٌ، أخبرنا داود، عن أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "العُمرَى جائِزَةٌ لأهلِها، والرُّقبَى جائزةٌ لأهلِها" 1. = أخرجه أحمد (14197) عن يحيى القطان وروح بن عبادة عن سفيان الثوري قال ابن عدي عن معاوية بن هشام: قد أغرب عن الثوري بأشياء، وأرجو أنه لا بأس به.
وأما حبيب بن أبي ثابت، فالمحفوظ عنه أنه رواه عن حميد الكندي، عن جابر كما أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 167، والطحاوي 4/ 93 عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن حميد الكندي، عن جابر.
قلنا: وإسناده إلى حبيب صحيح، وأما حميد الكندي فقد ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" 3/ 232، وسكت عنه.
وأخرجه ابن أبي شيبة 10/ 183، والبيهقي 6/ 174 عن معاوية بن هشام، بهذا الإسناد.
وأخرج عبد الرزاق (16886)، ومن طريقه مسلم (1625)، والبيهقي 6/ 173 عن ابن جريح، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أَعْمَرت امرأة بالمدينة حائطا لها ابناً لها، ثم توفي وتوفيت بعده، وله إخوة بنو المُعمِرة، فقال: ولد المُعمِرة: رجع الحائط إلينا، وقال بنو المُعمَرة: بل كان لأبينا حياتَه وموتَه، فاختصموا إلى طارق مولى عثمان، فدعا جابراً فشهد على النبي - صلَّى الله عليه وسلم - بالعمرى لصاحبها، فقضى بذلك، ثم كتب إلى عبد الملك: صدق جابر.
وأمضى ذلك طارق، فإن ذلك الحائط لبني المُعمَر حتى اليوم.
وأخرج الشافعي 2/ 169، وابن أبي شيبة 7/ 137، وأحمد (15077)، ومسلم (1625)، وأبو يعلى (1835)، والطحاوي 1/ 91، والبيهقي 6/ 173 - 174 من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سليمان بن يسار: أن طارقاً كان أميراً بالمدينة، فقضى بالعمرى للوارث عن قول جابر بن عبد الله عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -. وانظر ما سلف بالأرقام (3550 - 3556).

3559 - حدَّثنا عبدُ الله بن محمد النُّفيليُّ، قال: قرأت على مَعقِلٍ، عن عَمرو بنِ دينارٍ، عن طاووسٍ، عن حُجْر = وأخرجه ابن ماجه (2383)، والترمذي (1401)، والنسائي (3738) (3739) من طريق داود بن أبي هند، به.
وقال الترمذي: حديث حسن.
واقتصر النسائي في الموضع الأول على ذكر الرقبى.
وهو في "مسند أحمد" (14254)، و"صحيح ابن حبان" (5136). لكن لفظ رواية ابن حبان: "لا تعمروا أموالكم، فمن أُعمِر شيئاً حياتَه، فهو له ولورثته إذا مات".
وأخرجه مسلم (1625)، والنسائي (3736) و (3737) من طرق عن أبي الزبير، عن جابر، ولفظه: "أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عُمرى فهي للذي أُعمِرها، حياً وميتاً ولعقبه".
وأخرجه النسائي (3735) من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابراً يقول: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "من أعمر شيئاً فهو له حياته ومماته".
وهو في "مسند أحمد" (14126)، و"صحيح ابن حبان" (5140) و (5141). قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي - صلَّى الله عليه وسلم - وغيرهم: أن الرقبى جائزة مثل العُمرى، وهو قول أحمد وإسحاق.
وفرق بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم بين العُمرى والرُّقبى، فأجازوا العُمرى، ولم يجيزوا الرُّقبى.
وتفسير الرقبى: أن يقول: هذا الشيء لك ما عشتَ، فإن متَّ قبلي فهي راجعة إليَّ.
وقال أحمد وإسحاق: الرقبى مثل العُمرى، وهي لمن أُعطيها، ولا ترجع إلى الأول.
قلنا: وقال الخطابي: والرقبى: أن يرقب كل واحد منهما موت صاحبه، فتكون الدار التي جعلها رقبى لآخر من بقي منهما.
وقال أبر حنيفة: العمرى موروثة، والرقبى عاريّة، وعند الشافعي: الرقبى موروثة كالعُمرى، وهو حكم ظاهر الحديث.
وانظر ما سيأتي عند المصنف برقم (3560).

عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "مَن أَعْمَرَ شيئاً، فهو لِمُعْمَرِهِ محياه ومماتَهُ، ولا تُرقِبوا، فمن أرقَبَ شيئاً فهو سبيلُه" 1. 3560 - حدَّثنا عبدُ الله بن الجرّاحِ، عن عُبيدِ الله بن موسى، عن عثمانَ بن الأسود عن مجاهد، قال: العمرى أن يقولَ الرجل للرجل: هو لك ما عشتَ، فإذا قال ذلك فهو له ولورثته، والرقبى: أن يقول: الإنسان: هو للآخِرِ مني ومنك 2.

90 -

باب في تضْمين العاريَّة

3561 - حدَّثنا مُسَدَّدُ بن مُسَرْهَدٍ، حدَّثنا يحيى، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ عن سمرة، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "على اليَدِ ما أخذت حتى تُؤَدِّيَ".
ثم إن الحسن نسِيَ، فقال: هُوَ أمِينُكَ، لا ضَمَانَ عَلَيهِ 1. 3562 - حدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ وسلمةُ بن شَبيبٍ، قالا: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، حدَّثنا شَريكٌ، عن عبدِ العزيز بنِ رُفَيع، عن أُميَّةَ بن صفوان بن أمية عن أبيه أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - استعار منه أدْراعاً يَومَ حُنَينٍ، فقال: أغَصْبٌ يا محمد؟ فَقَالَ: "لا، بل عاريَّةٌ مضمونَةٌ" 2.

جارٍ التحميل