سنن أبي داود ت الأرنؤوطصفحات 309-348

كتاب الفرائض

صفحات 309-348
عن هذه الطبعة
عَلَم
السجستاني، أبو داود
الكتاب
سنن أبي داود
المؤلف
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
المحقق
شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
الناشر
دار الرسالة العالمية
الطبعة
الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

4955 - حدَّثنا الربيعُ بنُ نافع، عن يزيدَ -يعني ابنَ المقدام بن شُريح- عن أبيه، عن جَدِّه شُريحٍ عن أبيه هانئ: أنه لما وَفَدَ إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-مع قومه سَمِعَهم يكنُّونه بأبي الحَكمَ، فدعاه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: " إن الله هو الحَكَمُ، وإليه الحُكمُ، فلِمَ تَكَنَّى أبا الحَكَمِ"، فقال: إن قومي إذا اختلفُوا في شيء أتوني، فحكمتُ بينهم، فرَضِيَ كِلا الفريقين، فقالَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما أحسَنَ هذا، فمالك مِن الولد؟ " قال: لي شُرَيحٌ ومسلمٌ وعبدُ الله، قال: " فَمَن اْكبَرُهُم؟ " قال: قلت: شُريح، قال: "فأنت أبو شُرَيحِ " 1. = قال: أريده راعيا، قال: فهو عاصم، وقبض كفه.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وذكره الهيثمي في "المجمع" 8/ 54 وقال: ورجاله ثقات.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" 1/ (874) من طريق معلي بن أسد العمي، عن بشر بن المفضل، عن بشير بن ميمون، عن أسامة بن أخدري، عن أصرم ... فذكره.
وجعله من مسند أصرم.
قال الخطابي: إنما غيرَ اسمَ الأصرم لما فيه من المعنى الصَّرْمِ، وهو القطيعة، يقال: صرمت الحبل: إذا قطعتَه، وصرمتُ النخلَةَ: إذا جددتَ ثمرها.
وإنما غيره؛ لأن فيه إيهام انقطاع الخير والبركة، وزرعة مشعِرٌ بهما؛ لأنه من الزراعة ويحصل بها الخير والبركة.

قال أبو داود: شُرَيح هذا: هو الذي كسر السِّلسِلَة، وهو ممن دخل تُستَرَ، وذلك أنه دخل من السَّرَبِ 1. 4956 - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا عبدُ الرزاق، عن مَعمَرِ، عن الزهريِّ، عن سعيد بن المُسيَّب، عن أبيه عن جده، أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال له: "ما اسمُكَ؟ " قال: حَزْنٌ، قال: "أنت سَهْلٌ " قال: لا، السَّهْلُ يُوطَا ويُمْتَهَنُ، قال سعيد: فظننتُ أنَّه سيُصيبُنا بَعدَهُ حُزُونهٌ 2. قال أبو داود: وغيَّرَ النبي-صلى الله عليه وسلم- اسمَ العاصِ وعزيزِ وعَتَلَة وشَيطانِ والحَكَمِ وغُرإبٍ وحُبابٍ، وشهابٍ فسماه هشاماً، وسمَّى حَرْباً: سِلْماً، وسَمَّى المُضطَجِعَ المنبَعِثَ، وأرضاً تُسمَّى عَفِرةَ سماها خَضِرَة،

وشِعْبَ الضَّلالة سَمَّاه شعبَ الهدى، وبنو الزنْيَة سماهم بني الرِّشدَة، وسمَّى بني مُغوِيَة بني رِشْدة 1. قال أبو داود: تركتُ أسانيدَها للاختصار 2.

.....................................................12345678910 =

4957 - حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي- شيبةَ، حدَّثنا هاشمُ بنُ القاسم، حدَّثنا أبو عَقيل، حدَّثنا مجالِدُ بنُ سعيد، عن الشعبىِّ عن مَسروقِ، قال: لقيتُ عمرَ بن الخطاب، فقال: مَنْ أنتَ؟ قلت: مسروقُ بنُ الأجْدَع، فقال عُمر: سمعتُ رسولَ الله-صلى الله عليه وسلم - يقول: "الأجدَعُ شَيطان" (3).12 = رجال الصحيح! ولفظه: كان النبي-صلى الله عليه وسلم-إذا سمع اسماً قبيحا غيره فمر على قرية يقال لها عَفِرَة فسماها خضرة.
وأخرجه الطحاوي في "شرح المشكل" (1849) ابن حبان (5821) بإسناد صحيح عن عائشة: أن النبي-صلى الله عليه وسلم-مرَّ بأرض تسمى غَدِرَة، فسماها خضِرَة.
وأخرجه الحربي في "غريب الحديث" 3/ 994 من حديث عائشة: أن النبي-صلى الله عليه وسلم- مرَّ بأرض تدعى عَقِرة فسماها خَضِرَة.

4958 - حدَّثنا النُّفيليُّ، حدَّثنا زُهيرٌ، حدَّثنا منصورُ بنُ المعتمرِ، عن هلالِ ابن يِسَاف، عن رَبيع بن عُمَيلَة عن سَمُرَة بن جُتدُبِ، قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "لا تُسَمِّيَنَ غُلامَكَ يَسَاراً، ولا رَبَاحاً، ولا نَجيحاً، ولا أفْلَحَ، فإنكَ تقول: أثَمَّ هُوَ؟ فيقول: لا، إنما هُنَ أربعٌ، فلا تَزيدُن عليٍّ" 1. 4959 - حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، حدَّثنا المُعتمرُ، قال: سمعت الرُّكَين بن الربيع يحدث، عن أبيه

عن سمرةَ، قال: نهى رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم- أن نسَمِّي رقيقَنا أربعةَ أسماءٍ: أفلحَ، ويساراَ، ونافعاً، ورباحاً 1. 4960 - حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابرِ، قال: قال رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم-: "إن عِشْتُ إن شاءَ الله أنهى أمَّتي أن يُسَمُّوا نافعاً وأفلحَ وبَرَكةَ- قال الأعمش: ولا أدري ذكرَ نافعاً أم لا- فإن الرجل يقول إذا جاء: أثَمَّ بَرَكةُ؟ فيقولون: لا" 2.

قال أبو داود: روى أبو الزُّبير عن جابر نحوه، لم يذكر بَرَكة 1. 4961 - حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، حدَّثنا سفيانُ بن عُيينة، عن أبي الزنادِ، عن الأعرج عن أبي هريرة، يبلغُ به النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، قال: " أخْنَعُ اسمٍ عندَ الله تباركَ وتعالى يومَ القيامةِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأمْلاكِ" 2. قال أبو داود: رواه شعيبُ بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، بإسناده، قال: "أخْنَى اسْم" 3. = وهو في "مسند أحمد" (14606) و (15164)، و"صحيح ابن حبان" (5839). قال الطحاوي تعليقاً على قوله: لئن عشت إلى قابل؛ لأنهين أن يسمى بهذه الأسماء المذكورة في هذا الحديث؟ وفي ذلك ما قد دل على أن التسمي بها ليس بحرام؛ لأنه لو كان حراماً، لنهى عنه - صلى الله عليه وسلم - ولم يؤخر ذلك إلى وقت آخر.

70 -

باب في الألقاب

4962 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن داودَ، عن عامرِ، قال: حدَّثني أبو جَبيرة بنُ الضحَّاك، قال: فينا نزلت هذه الآية في بني سَلِمَةَ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات:11]، قال: قَدِمَ علينا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وليسَ مِنا رَجُلٌ إلا وله اسمانِ أو ثلاثةٌ، فجعل النبيُّ-صلى الله عليه وسلم- يقول: "يا فلان" فيقولون: مَهْ يا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -، إنه يَغضَبُ مِن هذا الاسم، فأُنزِلَتْ هذه الآية: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ 1. = وقوله: "أخنع اسم"، أي: أذلُّها وأوضعُها، والخنوع: الذلة والمسكنة، والخانع: الذليل الخاضع، وأخنى الأسماء، أي: أفحشها وأقبحها.
وتأول بعضهم: "تسمى بملك الأملاك" أن يتسمى بأسماء الله عز وجل، كقوله: الرحمن، الجبار، العزيز.
وقال الخطابي في "معالم السنن" 4/ 129: قوله "أخنع" معناه: أوضع وأذل، والخنوع: الذلة والاستكانة.
وأخبرني أبو محمَّد عبد الله بن شبيب، حدَّثنا زكريا المنقري، حدَّثنا الأصمعي، قال: سمعت أعرابيا يدعو، فيقول: اللهم إني أعوذ بك من الخنوع والقنوع وما يغض طرف المرء ويغري به لئام الناس.
فالخنوع: الذل، والقنوع: المسألة.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36].

71 -

باب فيمن يتكنَّى بأبي عيسى

4963 - حدَّثنا هارونُ بن زيد بن أبي الزَّرقاء، حدَّثنا أبي، حدَّثنا هشامُ بن سعدِ، عن زيد بن أسلمَ، عن أبيه أن عُمرَ بن الخطاب ضَرَبَ ابناً له تكنَّى أبا عيسى، وأن المغيرةَ ابنَ شعبة تَكنَّى بأبي عيسى، فقال له عُمر: أما يَكْفيكَ أن تَكنَّى بأبي عبد الله؟ فقال: إنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - كَنَّاني، فقال: إنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - قد غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنبِه وما تأخَّرَ، وإنا في جَلْجَتِنا، فلم يزل يُكنى بأبي عبد الله حتّى هَلَكَ 1. =وأخرجه ابن ماجه (3741)، والترمذي (3551) و (3552)، والنسائي في "الكبرى" (11452) من طرق عن داود بن أبى هند، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (18288)، و "صحيح ابن حبان" (5709). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا﴾، أي: لا يَدْع بعضكم بعضاً بسوءِ الألقاب، والنبز مختص بالسوء عرفاً.
قاله السندي في "حاشية على المسند".
وجاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ النبز: اللمز، والتنابز: التعاير والتداعي بالألقاب، وقال أهل العلم: والمراد بهذه الألقاب ما يكرهه المنادَى به، أو يُعد ذماً له، فأما الألقاب التي تكسب حمداً، وتكون صدقاً، فلا تكره، كما قيل لأبي بكر عتيق، ولعمر فاروق، ولعثمان ذو النورين، ولعلي أبو تراب، ولخالد سيف الله.
انظر "زاد المسير" 7/ 468: بتحقيقا.

72 -

باب في الرجل يقول لابن غيره: يا بُنىَّ

4964 - حدَّثنا عمرُو بنُ عونٍ، أخبرنا.
وحدَّثنا مُسدَّدٌ ومحمدُ بن محبوب، قالا: حدَّثنا أبو عَوانة، عن أبي عثمانَ، -وسفاه ابنُ محبوبٍ الجعدَ- عن أنس بن مالكِ، أن النبيَّ- صلى الله عليه وسلم - قال له:" يا بُنَيَّ" 1. قال أبو داود: سمعتُ يحيى بن معين يُثني على محمدِ بن محبوبٍ، ويقول: كثيرُ الحديث 2. = وأخرجه مرسلاً عبد الرزاق (19857) عن معمر قال: أخبرني أيوب عن نافع، مثله (يعني سابقه بلاغ الزهري)، وزاد فقال عمر: إن عيسى لا أب له.
وقوله: "أنا في جلجتنا"، قال صاحب "عون المعبود": أي: في عدد من أمثالنا من المسلمين لا ندرى ما يصنع بنا.
كذا في "المجمع".
وقال ابن الأثير في "النهاية" 1/ 283: لما نزلت: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 1 - 2] قالت الصحابة: بقيِنا نحسّن في جَلَج لا ندري ما يُصنع بنا.
قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عنه، فلم يعرفه، وقال ابن الأعرابي وسلمة: الجلَجُ: رؤوس الناس، واحدتُها جلَجَة، المعنى: إنا بقِينا في عَدَدِ رؤوس كثيرة من المسلمين.
وقال ابن قتيبة: معناه وبقينا نحن في عَدَد من أمثالنا من المسلمين لا ندري ما يُصنع بنا، وقيل الجلَج في لغة أهل اليمامة: جِبابُ الماء، كأنه يريد: تُركنا في أمر ضيق كضيق الجِبَاب.

73 -

باب في الرجل يتكنّى بأبي القاسم

4965 - حدَّثنا مُسدَّدٌ وأبو بكر بن أبي شيبةَ، قالا: حدَّثنا سفيانُ، عن أيوبَ السختياني، عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "تَسَمَّوا باسمِي، ولا تَكَنَّوا بكُنيَتي" 1. قال أبو داود: وكذلك رواه أبو صَالح، عن أبي هريرة 2.

وكذلك رواية أبي سفيان، عن جابر.
وسالم بن أبي الجعد، عن جابر.
وسليمان اليشكري، عن جابر.
وابن المنكدر عن جابرٍ، نحوهم 1. وأنس بن مالك 2. = ورواية عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، لم نقف عليها هكذا، لكن أخرج الطبراني في "الأوسط" (1049) من طريق عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عمه، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فذكره.
فزاد في الإسناد عم عبد الرحمن.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (10627) لكن من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عمه، عن أبي هريرة بلفظ: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يكنى بكنيته.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (15734) من طريق عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عمه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تجمعوا اسمي وكنيتي".
ولم يذكر في الاسناد أبا هريرة.
ورواية موسى بن يسار، عن أبي هريرة، أخرجها أحمد في "المسند" (7728). وأخرجه أحمد في "مسنده" (10077) من طريق حيان بن بسطام الهذلي، عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، (5812) من طريق أبي يونس سليم بن جبير، عن أبي هريرة.

74 -

باب من رأى أن لا يُجْمَع بينهما

4966 - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، حدَّثنا هشامٌ، عن أبي الزُّبير عن جابر أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -قال: "من تَسَمَّى باسمي، فلا يَكْتَنِي بكُنيتي، ومن اكتَنَى بكُتيتي، فلا يتسمَّى باسْمِي" 1. = أبي بكر الصديق، ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن الأشعث، ومحمد بن حاطب، جمع كل واحد منهم بين اسم النبي -صلى الله عليه وسلم- وكنيته.
وروى محمَّد ابن الحنفية، عن علي أنه قال: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أرأيت إن ولد لي بعدك ولد أُسمِّيه محمداً وأكنيه بكنيتك؟ قال: "نعم"، وكانت رخصة لي.
قلنا: سيأتي عند المصنف (4967). ويخرج هناك.
وانظر" شرح السنة" 12/ 331 - 332 و"شرح مسلم" 14/ 95 - 96.

قال أبو داود: روى بهذا المعنى ابنُ عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة.
ورُوي عن أبي زُرعة، عن أبي هريرة، مختلفاً على الروايتين.
وكذلك روايةُ عبد الرحمن بن أبي عَمْرة، عن أبي هريرة، اختُلف فيه: رواه الثورىُّ وابن جُريج على ما قال أبو الزبير، ورواه مَعقِل بنُ عُبَيْدِ الله على ما قال ابنُ سيرين.
واختُلف فيه على موسى بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرة أيضاً، على القولين: اختلَفَ فيه حماد بن خالد وابن أبي فُديك (1).

75 -

باب في الرخصة في الجمع بينهما

4967 - حدَّثنا عثمانُ وأبو بكر ابنا أبي شيبةَ، قالا: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن فِطرٍ، عن مُنذرٍ، عن محمَّد ابن الحنفية، قال: قال علي: قلت: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إنْ وُلدَ لي مِنْ بعدك ولدٌ، أُسَمّيه باسمِكَ وأكنِّيه بكُنيتِكَ؟ قال: "نَعَم".
ولم يَقُلْ أبو بكر: قلت، قال: قال علىٌّ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - 2 3.1

4968 - حدَّثنا النُّفيلىُّ، حدَّثنا محمدُ بنُ عمرانَ الحَجَبيُّ، عن جَدَّته صفيةَ بنتِ شيبةَ عن عائشة، قالت: جاءَتِ امرأةٌ إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: يا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -، إني قد وَلَدْتُ غلاماً فسمَّيتُه محمداً وكنَّيتُه أبا القاسم، فذُكِرَ لي أنك تكرَهُ ذلك، فقال: "ما الذي أحَلَّ اسْمِيَ وحَرَّمَ كُنيَتي - أو ما الذي حَرَّمَ كُنيتي وأحَلَّ اسمي-؟ " 1.

76 -

باب ما جاء في الرجل يتكنّى وليس له ولد

4969 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، حدَّثنا حمادٌ، أخبرنا ثابتٌ عن أنس بن مالك، قال: كانَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يَدخُلُ علينا, ولي أخٌ صغير، يُكنى أبا عُميرٍ، وكان له نُغَرٌ يلعبُ به، فمات، فدَخَلَ عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ يومٍ فرآه حزيناً، فقال:: "ما شأنه؟ " قالوا: مات نُغَرُه، فقال: "يا أبا عُميرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ " 1. = وقال البخاري في "تاريخه"1/ 155 - 156: تلك الأحاديث أصح: "سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي.
قلنا: وقد سلف عند المصنف برقم (4965) من حديث أبي هريرة، وانظر حديث جابر (4966).

77 -

باب في المرأة تُكَنَّى

4970 - حدَّثنا مُسدَّدٌ وسليمانُ بنُ حَرْبٍ -المعنى- قالا: حدَّثنا حمادٌ، عن هشامِ بن عُروة، عن أبيه عن عائشة، أنها قالت: يا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -، كُلُّ صواحبي لهنَّ كُنى، قال: "فاكتَني بابنِكِ عبدِ الله" -يعني ابنَ أختها، قال مُسدَّدٌ: عبدُ الله ابن الزبير- قال: فكانت تُكنى بأمِّ عبد الله 1. قال أبو داود: وهكذا قال قُرَّانُ بن تَمَّام ومعمر، جميعاً عن هشام نحوَه، وقال أبو أسامة: عن هشام، عن عبّاد بن حمزة، وكذلك = وأخرجه من طريق قتادة، عن أنس النسائي في "الكبرى" (10096)، وهو في "المسند" (13954). وألفاظ الحديث عندهم جميعاً متقاربة.
وقوله:"النُّغير": تصغير النُّغر، وهو البُلبُل، وقيل: هو فَرخُ العُصْفور.
قال الخطابي: فيه من الفقه: أن صيد المدينة مباح وفيه إباحة السجع في الكلام.
وفيه جواز الدعابة ما لم يكن آثماً.
وفيه إباحة تصغير الأسماء.
وفيه أنه كناه ولم يكن له ولد، فلم يدخل في باب الكذب.
وقوله: يلعب به، أى: بحبسه وإمساكه في القفص.

حمادُ بن سلمةَ ومسلمةُ بنُ قَعْنَبٍ، عن هشامٍ، والصواب (1) كما قال أبو أسامة.

78 -

باب في المعاريض

4971 - حدَّثنا حَيوَةُ بنُ شريحٍ الحضرميُّ إمامُ مسجد حمص، حدَّثنا بقيةُ ابنُ الوليد، عن ضُبارةَ بن مالكٍ الحضرميِّ، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفَير، عن أبيه عن سفيان بن أَسِيدٍ الحضرميِّ، قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-يقول: "كَبُرَت خيانةً أن تُحَدِّثَ أخاكَ حديثاً هو لَكَ به مُصَدَّقٌ، وأنتَ لَهُ به كاذِبٌ" 2.1

79 -

باب قول الرجل: زَعَمُوا

4972 - حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا وكيعٌ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى، عن أبي قلابة، قال: قال أبو مسعود لأبي عبد الله، -أو قال أبو عبد الله لأبي مسعود-: ما سَمِعْتَ النبيَّ- صلى الله عليه وسلم - يقول في: زَعَموا؟ قال: سَمِعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "بِئسَ مَطِيَّةُ الرَّجل: زَعَمُوا" 1. = البلخي- وقد تابعه عليه الوليد بن مسلم- عند البخاري في "التاريخ الكبير" 4/ 86 - والوليد وإن كان ثقة- إلا أنه يدلس تدليس التسوية، وقد عنعنه فلا يفرح بهذه المتابعة، فقد يكون سمعه من عمر بن هارون ثم دلسه عنه، ولا سيما وقد قال أبو نعيم: تفرد به عمر بن هارون.
اهـ. والله تعالى أعلم.
وقوله: "كبرت خيانة ... " إلخ قال السند: وذلك لأن الكذب قبيح في ذاته، وقد ازداد ها هنا قبحا باعتماد المخاطب وظنه أنه صادق، فالاجتراء على الكذب في هذه الحالة أقبح وأشنع.

قال أبو داود: أبو عبد الله: هذا حذيفةُ.

80 -

باب الرجل يقول: أما بعد

4973 - حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا محمدُ بنُ فُضَيل، عن أبي حيَّان، عن يزيدَ بن حيَّان عن زيد بن أرقم: أن النبيَّ- صلى الله عليه وسلم - خَطَبَهم، فقال: "أمَّا بَعْدُ" (1).

81 -

باب في حفظ المَنْطِق

4974 - حدَّثنا سليمانُ بنُ داود، أخبرنا ابنُ وهبٍ، أخبرني الليثُ بنُ سعدٍ، عن جعفرِ بن ربيعة، عن الأعرج1 = الرجل أمام كلامه، ويتوصل به إلى حاجته من قولهم: "زعموا" بالمطية التي يتوصل بها إلى الموضع الذي يؤمه ويقصده.
وإنما يقال: "زعموا" في حديث لا سند له، ولا ثبت فيه، وإنما هو شيء يُحكى على الألسن على سبيل البلاغ، فذم النبي -صلى الله عليه وسلم- من الحديث ما كان هذا سبيله، وأمر بالتثبت فيه، والتوثيق لما يحكيه من ذلك، فلا يروبه حتى يكون معزوّاً ومروياً عن ثقة.

عن أبي هريرة، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: "لا يقولَنَّ أحدُكم: الكَرْم، فإن الكَرْمَ الرَّجُلُ المُسلِمُ، ولكن قولوا: حَدَائِقُ الأعْناب" 1.

82 -

باب لا يقول المملوك: ربي وربتي

4975 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حماد، عن أيوبَ وحبيبِ بن الشَهيد وهشام، عن محمدٍ عن أبي هريرة، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - قال:" لا يقولَنَّ أحدكُم: عَبْدي وأَمَتي، ولا يقولن المملوكُ: رَبِّي ورَبَّتي، وليَقُل المالك: فَتايَ وفتاتي، وليَقُلِ المملوكُ: سيدي وسيدتي، فإنكم المملوكون، والربُّ الله عزَّ وجل" 1. = وتعترفوا له بذلك، وليس الغرض حقيقة النهي عن تسمية العنب كرماً، ولكن الرمز إلى هذا المعنى، كأنه قال: إن تأتَّى لكم أن لا تسموه - مثلاً- باسم الكرم، ولكن بالحَبَلة فافعلوه.
وقوله: "فإن الكَرْم الرجُلُ المُسْلِمُ" أي: فإنما المستحق للاسم المشتق من الكرم: المسلم، ونظيره في الأسلوب قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: 138].

4976 - حدَّثنا ابنُ السَّرْحِ، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني عمرو بنُ الحارثِ، أن أبا يونَس حَدَّثَه عن أبي هريرة في هذا الخبر، ولم يذكرِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: ولْيَقُل: سَيِّدي ومَوْلاي 1. 4977 - حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمر بن مَيسرةَ، حدَّثنا معاذُ بن هشام، حدَّثني أبي، عن قتادةَ، عن عبدِ الله بن بُرَيدة عن أبيه، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تقولُوا للمنافقِ: سيِّدٌ، فإنَه إن يَك سَيِّداً فقد أسخطتُم رَبَّكم عزَ وجل" 2.

83 -

باب لا يقال: خَبُثتْ نفسي

4978 - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي أمامةَ بن سَهْل بن حنيفٍ عن أبيه، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يقولَن أحدُكم: خَبُثَتْ نفسي، وليقل: لَقِسَتْ نفسِي" 1. = بني قريظة بما كان حَكَمَ به فيهم، وبعد أن قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حُكمِه ذلك: " لقد حَكمْتَ فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات، قوموا إلى سيدكم" ... ثم قال: ومن ذلك قولُه - صلى الله عليه وسلم - لبني سَلِمَة: "مَن سيدُكم يا بني سَلِمَةَ .. ؟ قالوا: الجدُّ بنُ قيس، ثم ذكر بالبخل، فقال: "ليس ذلك سيدكم، ولكن سيدُكم بشرُ بن البراء بن معرور" ... ثم قال: وكما قال جابر بن عبد الله: أبو بكر رضي الله عنه سيِّدنا، وأعتق سيِّدَنا- يعني بلالاً.
(ثم ذكر إسناده) وقال: فكان من يستحق هذا الاسمَ والكون بهذا المكان مَن هذه صفتُه، وكان المنافقُ بضدِّ ذلك، ولما كان كذلك لم يستحق به أن يكون سيداً، وكان مَن سَماه بذلك واضعاً له بخلاف المكانِ الذي وضعه الله بذلك، وكان بذلك مُسخِطاً لربه.

4979 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ، عن هشامِ بن عُروة، عن أبيه عن عائشة، عن النبيَّ- صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يقولَن أحَدُكم: جاشَتْ نفسِي، ولكن لِيَقُلْ: لَقِسَت نَفسِي" 1. 4980 - حدَّثنا أبو الوليد الطَّيالسيُّ، حدَّثنا شُعبةُ، عن منصورٍ، عن عبدِ الله ابن يَسار = وهو عند الطحاوي في "شرح المشكل" (344) و (345). قال الخطابي في "معالم السنن" 4/ 131: قوله: لقست نفسي وخبثت معناهما واحد، وإنما كره من ذلك لفظ الخبث وبشاعة الاسمِ منه، وعلَّمهم الأدب في المنطق، وأرشدهم إلى استعمال الحسن وهجران القبيح منه.
وقال ابن أبي جمرة: النهي عن ذلك للندب.
والأمر بقوله: لَقِست للندب أيضاً، فإن عبَّر بما يؤدي معناه كَفَى، ولكن ترك الأولى، قال: ويُؤخذُ من الحديث استحبابُ مجانبة الألفاظ القبيحة والأسماء، والعدول إلى ما لا قبح فيه، والخبث واللقس وإن كان المعنى المراد يتأذى بكل منهما، لكن لفظ الخبث قبيح، ويجمع أموراً زائدة على المراد بخلاف اللقس، فإنه يختص بامتلاء المعدة، قال: وفيه أن المرء يطلب الخيرَ حتى بالفأل الحسن، ويضيفُ الخير إلى نفسه ولو بنسبة ما، ويدفع الشرِّ عن نفسه مهما أمكن، ويقطع الوصيلةَ بينه وبينَ أهل الشرِّ حتى في الألفاظ المشتركة.

عن حذيفة، عن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تقولوا: ما شاءَ الله وشاءَ فلان، ولكن قولوا: ما شاءَ الله، ثّم شاءَ فلانٌ" (1).

84 -

باب

4981 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ بن سعيدٍ، قال: حدَّثني عبد العزيز بن رُفَيع، عن تميم الطائيِّ عن عدي بن حاتم: أن خطيباً خَطَبَ عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: مَنْ يطعِ الله ورسولَه فقد رَشِدَ 2 ومن يَعْصِهما ... ، فقال: "قُمْ -أو قال: اذْهَبْ- فَبئسَ الخطيبُ أنتَ" 3. 9824 - حدَّثنا وهبُ بنُ بقيةَ، عن خالدٍ -يعني ابن عبد الله-، عن خالدٍ -يعني الحذاء- عن أبي تميمةَ، عن أبي المَليح عن رَجلِ، قال: كنتُ رديفَ النبيَّ- صلى الله عليه وسلم -، فعَثَرَتْ دابتُه، فقلت: تعس الشيطانُ، فقال: "لا تقل: تَعِسَ الشيطانُ، فإنَّك إذا قلت ذلك1

تعاظَمَ حتّى يكونَ مثلَ البيت، ويقول: بقوَّتي، ولكن قل: باسمِ الله، فإنَّك إذا قلْتَ ذلك تصاغَرَ حتى يكونَ مثلَ الذباب" 1. 4983 - حدَّثنا القعنبىُّ، عن مالكٍ.
وحدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ، عن سهيلِ بن أبي صالحٍ، عن أبيه عن أبي هريرة، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا سمعتَ الرجل يقول -وقال موسى: إذا قال الرجلُ- هَلَكَ الناسُ، فهو أهْلَكُهمْ" 2.

قال مالكٌ: إذا قالَ ذلك تحزُّناً لما يرى في الناس -يعني في أمرِ دينهم- فلا أُرى به بأساً، وإذا قالَ ذلك عُجْباً بنفسِه وتصاغراً للناس فهو المكروه الذي نُهي عنه.

85 -

باب في صلاة العَتَمة

4984 - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا سفيانُ، عن ابن أبي لَبيدٍ، عن أبي سَلَمةَ سمعت ابنَ عُمَرَ، عن النبيَّ- صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تَغْلِبنكم الأعرابُ على اسمِ صلاتِكُم، ألا وإنَّها العِشاءُ, ولكنّهم يُعتِمون بالإبل" 1. =عيبهم، والإزراءِ بهم، والوقيعةِ فيهم، وربما أدَّأه ذلك إلى العُجب بنفسه، فيرى أن له فضلاً عليهم، وأنه خيرٌ منهم فيهلِك.
ونقل البغوي في "شرح السنة" 13/ 144 قول مالك الذي جاء بإثر روايتنا هذه.
ثم قال: وقيل: هم الذين يؤيسون الناسَ مِن رحمة اللهِ، يقولون: هلكَ الناسُ، أي: استوجبوا النارَ والخلودَ فيها بسوء أعمالهم، فإذا قال ذلك، فهو أهلكَهم -بفتح الكاف- أي: أوجبَ لهم ذلك.
وقال الزرقاني في "شرح "الموطأ" 4/ 400 تعليقاً على قوله: "فهو أهلكهم": بضم الكاف على الأشهر في الرواية, أي: أشدهم هلاكاً لما يلحقه من الإثم في ذلَك القول أو أقربهم إلى الهلاك لذت للناس وذكر عيوبهم وتكبره، وروي: بفتحها، فعل ماض، أي: أنه هو نسبهم إلى الهلاك لا أنهم هلكوا حقيقة، أو لأنه أقنطهم عن رحمة الله تعالى وآيسهم من غفرانه، وأيَّدَ الرفع برواية أبي نعيم: فهو من أهلكهم.
وقوله على الأشهر في الرواية هو قول الحميدي في "الجمع بين الصحيحين" 3/ 287.

4985 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عيسى بن يونَس، حدَّثنا مِسْعرُ بن كِدامٍ، عن عمرو بن مُرة عن سأل بن أبي الجَعْدِ، قال: قال رجل -قال مِسْعَرٌ: أُراه من خُزاعةَ-: ليتني صَلَّيتُ فاسترحْتُ، فكانّهم عابُوا ذلك عليه، فقال: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - يقول: "يا بلالُ، أقِمِ الصَّلاةَ، أرِحْنا بها" 1. = وهو في "مسند أحمد" (4572)، و"صحيح ابن حبان" (1541). وفي "النهاية" لابن الأثير (عتم): قال الأزهري: أرباب النعم في البادية يُريحون الإبل، ثم يُنيخونها في مُراحها حتى يُعْتِموا، أي: يدخلوا في عمة الليل، وهي ظلمته.
وكانت الأعراب يسمون صلاةَ العشاء صلاةَ العَتَمة تسميةً بالوقت، فنهاهم عن الاقتداه بهم، واستحب لهم التمسُّك بالاسم الناطق به لسان الشريعة.
ونقل ابن حجر في "الفتح" 2/ 45 عن القرطبي عن غيره: إنما نُهي عن ذلك تنزيهاً لهذه العبادة الشرعية الدينية عن أن يُطلَق عليها ما هو اسمٌ لفعلةٍ دنيوية، وهي الحلبة التي كانوا يَحْلُبونها في ذلك الوقت، ويُسمونها العتمة.
وقال السندي في "حاشيته على المسند"، قوله: "لا تغلبنكم الأعراب ... " إلخ، أي: الاسمُ الذي ذكره الله تعالى في كتابه لهذه الصلاة اسمُ العشاء، والأعراب يسمونها العَتَمة، فلا تكثروا استعمال ذلك الاسم لما فيه غلبة الأعراب عليكم بالأكثر، واستعمالُ اسم العشاء مواففَةٌ للقرآن، فالمرادُ النهيُ عن إكثار اسم العَتَمَة لا عن استعماله، وإلا فقد جاء في الأحاديث إطلاقُ هذا الاسم أيضاً، ثم ذكر سببَ إطلاقِ الأعراب اسم العتمة بقوله: وإنهم -أي الأعرإب- يُعتمون -من أعْتَم: إذا دخل في العَتَمة، وهي الظُّلْمة-، أي: يؤخرون الصلاة، ويَدْخُلُون في ظلمة الليل بسبب الإبل وحَلبِها، والله تعالى أعلم.

4986 - حدَّثنا محمدُ بنُ كثير، أخبرنا إسرائيلُ، حدَّثنا عثمانُ بنُ المغيرة، عن سالم بن أبي الجَعْد عن عبدِ الله بن محمَّد ابن الحنفيّة، قال: انطلقتُ أنا وأبي إلى صِهْرٍ لنا من الأنصار نعودُه، فحَضَرتِ الصلاةُ، فقال لبعض أهله: يا جاريةُ، ائتوني بوَضوءِ، لعَلِّي أصَلِّي فاستريحَ، قال: فأنكَرْنا ذلك عليه، فقال: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - يقول: "قُم يا بلالُ، فأرِحْنا بالصَّلاة" 1. 4987 - حدَّثنا هارونُ بنُ زَيد، حدَّثنا أبي، حدَّثنا هشامُ بن سعدٍ، عن زيدِ ابن أسلم عن عائشة، قالت: ما سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - ينسُبُ أحداً إلا إلى الدَّين 2. = كما في رواية المصنف الآتية بعد هذا، وهو في مسند أحمد (231541)، وأخرى يرويه عن محمَّد ابن الحنفية نفسه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلاً كما عند الدارقطني في "العلل" 4/ 121، والخطيب في "تاريخه" 10/ 443. وانظر تمام تخريجه في "المسند" (23088). وانظر ما بعده.
وقوله: "أرحنا بها".
قال في "النهاية" أي: أذن بالصلاة نسترح بأداها من شغل القلب بها، وقيل: كان اشتغاله بالصلاة راحةً له، فإنه كان يَعُدُّ غيرها من الأعمال الدنيوية تعباً، فكان يستريح بالصلاة لما فيها من مناجاة الله تعالى، ولهذا قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" وما أقرب الراحة من قرة العين، يقال: أراح الرجل واستراح: إذا رجعت نفسه إليه بعد الإعياء.

86 -

باب ما روي في الترخيص في ذلك

4988 - حدَّثنا عمرو بن مرزوقِ، أخبرنا شُعبةُ، عن قتادةَ عن أنسِ، قال: كان فَزَعٌ بالمدينة، فرَكِبَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فرساً لأبي طلحةَ، فقال: "ما رأيْنا شيئاً -أو ما رأيْنا مِنْ فزَعِ- وإنْ وجَدناه لَبَحْراً" 1. = وأخرجه المصنف في "المراسيل" (520) عن هارون بن زيد، بهذا الإسناد.
قال المنذري في المختصر: يشبه أن يكون أبو داود رحمه الله أدخل هذا الحديث في هذا الباب، أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يَنْسُب أحداً إلا إلى الدين ليرشدهم بذلك إلى استعمال الألفاظ الواردة في الكتاب الكريم، والسنة النبوية، ويصرفهم عن عبارات الجاهية، كما فعل في العتمة.
والله عَزَّ وَجَلَّ أعلم.

87 -

باب في الكذب

4989 - حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، حدَّثنا وكيعٌ، أخبرنا الأعمش.
وحدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ داودَ، حدَّثنا الأعمش، عن أبي وائل عن عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إيَّاكم والكَذِبَ، فإنَّ الكَذبَ يهدي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النار، وإنَّ الرجلَ ليَكذِبُ ويَتحرَّى الكَذِبَ حتى يكتَبَ عند الله كَذَّاباَ، وعليكم بالصِّدْق، فإنَ الصِّدقَ يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنَّة، وإن الرَّجُلَ ليَصْدُقُ ويتحرَّى الصِّدقَ حتى يكتبَ عندَ الله صِدِّيقاً" 1.

4990 - حدَّثنا مُسدَّدُ بن مُسَرْهَدٍ، حدَّثنا يحيى، عن بَهْزِ بن حكيم، حدَّثني أبي عن أبيه، قال: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -يقول: "وَيْلٌ للَّذي يُحَدِّثُ فيكذِبُ ليُضْحِكَ به القومَ، وَيْلٌ له، وَيْلٌ له" 1. 4991 - حدَّثنا قتيبةُ، حدَّثنا الليثُ، عن ابن عجلانَ، أن رجلاً من موالي عبد الله بن عامرِ بن ربيعةَ العدوىِّ حدَّثه عن عبدِ الله بن عامرٍ، أنه قال: دعتْني أُمي يوماً ورسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قاعِدٌ في بيتنا، فقالت: ها تَعالَ أُعطِيكَ، فقال لها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- = وأصل الفجور: الميل عن الصدق والانحراف إلى الكذب، ومنه قول الأعرابي في عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أقسم بالله أبوحفص عمر ... ما إن بها من نَقَب ولا دَبَر اغفر له اللهم إن كان فجر يريد: إن كان مالَ عن الصدقِ فيما قاله.

"وما أرَدْتِ أن تُعطِيَهُ" قالت: أُعطِيهِ تمراً، فقال لها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أما إنَّك لو لم تُعْطِيه شيئاً كُتِبَت عليك كِذْبةٌ" 1.

4992 - حدَّثنا حفصُ بنُ عمر، حدَّثنا شعبةُ.
وحَدَّثنا محمدُ بنُ الحُسين، حدَّثنا عليُّ بنُ حفص، حدَّثنا شُعبةُ، عن خُبَيبِ ابن عبد الرحمن، عن حفصِ بن عاصم -قال ابنُ حُسين في حديثه- عن أبي هريرة، أن النبيَّ- صلى الله عليه وسلم - قال: "كَفى بالمَرْء إثماً أن يُحَدِّثَ بكُل ما سَمِعَ" (1). ولم يذكر حفصٌ أبا هريرة.
قال أبو داود: ولم يُسنده إلا هذا الشيخُ، يعني عليَّ بن حفصٍ المدائنيَّ (2).

88 -

باب في حُسن الظن

4993 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ.
وحدَّثنا نصر بن عليٍّ، عن مُهَنَّا أبي شِبْل، -قال أبو داود: ولم أفهمه منه جيداً- عن حمادِ بن سلمة، عن محمَّد بن واسعٍ، عن شُتَيرٍ -قال نصر:- بنُ نَهارٍ12

عن أبي هريرة -قال نصرٌ:- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "حُسْنُ الظَّن مِن حُسْنِ العِبادَة" 1. قال أبو داود: مُهَنَّا ثقة بصري 2. 4994 - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّد المروزيُّ، حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، عن علي بن حُسين عن صَفيَّة، قالت: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- معتكفاً، فأتيتُه أزورُه ليلاً، فحدَّثْتُهُ وقُمْتُ، فانقلبتُ، فقام معي ليقلِبَني، -وكان مَسكنُها في دار أسامة بن زيد- فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي -صلى الله عليه وسلم- أسرعا، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "على رِسْلِكُما إنَّها صَفيَّةُ بنتُ حييٍّ" قالا: سبحانَ الله يا رسولَ الله!! قال: "إنَّ الشَّيطانَ يجري مِن الإنسانِ مَجرَى الدَّم، فخشيتُ أن يَقذِفَ في قُلوبِكُما شيئاً- أو قال: شرّاً" 3.

89 -

باب في العِدَةِ

4995 - حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا أبو عامرٍ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن علي بن عبد الأعلى، عن أبي النُّعمان، عن أبي وقَّاص عن زيد بن أرقم، عن النبيً - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا وَعَدَ الرجلُ أخاه ومِنْ نيَّته أن يَفِيَ له، فلم يَفِ ولم يَجئْ للميعادِ، فلا إثْمَ عليه" 1. 4996 - حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بن فارس النَّيسابورىُّ، حدَّثنا محمدُ بن سِنانٍ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَهمانَ، عن بُدَيلٍ، عن عبدِ الكريم، عن عبدِ الله بن شقيق، عن أبيه عن عبدِ الله بن أبي الحَمْساء، قال: بايعتُ النبيَّ- صلى الله عليه وسلم - ببيع قَبلَ أن يُبعَثَ، وبَقيتْ له بقيّةٌ، فوعدتُه أن آتيَه بها في مكانِه فنَسيتُ، ثم ذكرتُ بعدَ ثلاثٍ، فجِئتُ، فإذا هو في مكانه، فقال: "يا فتى، لقد شَقَقتَ عَلىَّ، أنا ها هنا منذ ثلاثٍ أنتظِرُكَ" 2. = وفيه من العلم استحباب أن يتحرز الإنسان في كل أمر من المكروه مما تجري به الظنون، ويخطر بالقلوب، وأن يطلب السلامة من الناس بإظهار البراءة من الريب.
قاله الخطابي.

قال أبو داود: قال محمَّد بن يحيى: هذا عندنا عبد الكريم بن عبد الله بن شقيق.
قال أبو داود: وهكذا بلغني، عن عليٍّ بن عبد الله (1). قال أبو داود: وبلغني أن بِشْرَ بنَ السَّرىِّ رواه، عن عبد الكريم ابن عبد الله بن شَقيق (2).

90 -

باب في المُتشبِّع بما لم بُعْطَ

4997 - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن هشامٍ بن عُروة، عن فاطمةَ بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر: أن امرأة قالت: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إن لي جارةَ -تعني ضَرَّةً- هل علي جُناحٌ إن تَشَبَّعتُ لها بما لم يُعْطِ زَوجي، قال: "المُتشبِّعُ بما لم يُعْطَ كلابسِ ثَوبَي زور" 3.12 = وأخرجه الحربي في "غريب الحديث" 3/ 944، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (193)، والبيهقي 10/ 198، وابن الأثير في "أسد الغابة" 3/ 217 من طرق عن محمَّد ابن سنان، به.
وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" 7/ 59، والخرائطي في مكارم الأخلاق، (193) من طريق معاذ بن هانئ، عن إبراهيم بن طهمان، به.

91 -

باب في المُزاحِ

4998 - حدَّثنا وهبُ بنُ بقيةَ، أخبرنا خالدٌ، عن حُميدٍ عن أنسِ: أن رجلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، احمِلْني، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنا حَامِلُوكَ على ولَدِ نَاقَةٍ"، قال: وما أصنعُ بولدِ الناقة؟ فقال النبيَّ- صلى الله عليه وسلم -:"وهل تَلِدُ الإبِلَ إلا النُّوقُ" 1. = وهو في "مسند أحمد" (26921)، و"صحيح ابن حبان" (5738). قال الخطابي في "معالم السنن" 4/ 134 - 135: العرب تسمى امرأة الرجل جارته، وتدعو الزوجتين الضرتين جارتين، وذلك لقرب أشخاصهما كالجارتين المتصاقبتين في الدارين تسكنانهما، ومن هذا قول الأعشى لامرأته: أجارتَنا بيني فإنَّك طالقه ومن هذا النحو قول امرئ القيس: أجارتَنا إنّا غريبان ها هنا ... وكل غريب للغريب نسيب قال البغوي في "شرح السنة" 9/ 161 - 162: المتشبع: المتكثر بأكثر مما عنده يتصلَّف به، وهو الرجلُ يُرى أنه شبعان، وليس كذلك "كلابس ثوبي زور"، قال أبو عبيد: هو المرائي يلبس ثياب الزهاد، يُرى أنه زاهد، قال غيره: هو أن يلبس قميصاً يصل بكُمَّيه كُمَّين آخرين، يُرى أنه لابس قميصين، فكأنه يسخر من نفسه، وُيروى عن بعضهم أنه كان يكون في الحي الرجلُ له هيئة ونبل، فإذا احتيج إلى شهادة زور، شهد بها , فلا تُرد من أجل نبله وحسن ثوبيه، وقيل: أراد بالثوب نفسه، فهو كناية عن حاله ومذهبه، والعرب تكني بالثوب عن حال لابسه , تقول: فلان نقيُّ الثياب , إذا كان بريئاً من الدنس، وفلان دَنِسُ الثياب، إذا كان بخلافه، ومعناه: المتشبع بما لم يُعْط بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن.
وانظر "الفتح" 9/ 317 - 318.

جارٍ التحميل