كتاب الفرائض
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السجستاني، أبو داود
- الكتاب
- سنن أبي داود
- المؤلف
- أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
- المحقق
- شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
- الناشر
- دار الرسالة العالمية
- الطبعة
- الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
4907 - حدَّثنا هارونُ بنُ زيد بن أبي الزَّرقاء، حدَّثنا أبي، حدَّثنا هشامُ بن سعْدِ، عن أبي حازمِ وزيدِ بن أسلمَ، أن أمِّ الدرداءِ قالت:
سمعتُ أبا الدرداء قال: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -يقول: "لا يكونُ اللعَّانُونَ شُفَعاءَ، ولا شُهَداءَ" 1. =وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (320) عن مسلم، والترمذي (2591) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن هشام، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (20175). وله شاهد مرسل بلفظه عند عبد الرزاق (19531)، ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" (3557) من حديث حميد بن هلال مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ورجاله ثقات.
ويشهد له ما قبله، وقد ذكرنا فيه شواهد أخرى فانظرها هناك.
قال علي القاري في "مرقاة المفاتيح" 4/ 636: قوله: "لا تلاعنوا بلعنة الله" أي: لا يلعن بعضكم بعضاً فلا يقل أحد لمسلم معيّن: عليك لعنة الله، مثلاً.
"ولا بغضب الله" بأن يقول: غضب الله عليك.
ولا "بالنار" بأن يقول: أدخلك الله النارَ، أو النار مثواك.
وقال الطِّيبي: أي: لا تَدعوا على الناس لما يُبعدهم الله من رحمته، إمَّا صريحاً كما تقولون: لعنة الله عليه، أو كناية كما تقولون: عليه غضب الله، أو أدخله الله النارَ، فقوله: "لا تلاعنوا" من باب عموم المجاز، لأنه في بعض أفراده حقيقة، وفي بعضه مجاز، وهذا مختصٌّ بمعيَّن؛ لأنه يجوز اللعن بالوصف الأعم كقوله: لعنة الله على الكافرين، أو بالأخصِّ كقوله: لعنة الله على كافر معيَّن مات على الكفر كفرعون وأبي جهل.
4908 - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، حدَّثنا أبان (ح) وحدَّثنا زيدُ بنُ أخزَمَ الطائيُّ، حدَّثنا بِشْرُ بنُ عُمَرَ، حدَّثنا أبانُ بن يزيدَ العطارُ، حدَّثنا قتادةُ، عن أبي العالية، قال زيد: عن ابنِ عباس: أن رجلاً لَعَنَ الريحَ -وقال مسلم: إنَّ رجلاً نازعَتْهُ الريحُ رداءَه على عهدِ النبيَّ- صلى الله عليه وسلم - فلعَنَها- فقال النبيَّ- صلى الله عليه وسلم -: (لا تَلْعَنْها فإنَّها مأمُورَةٌ، وإنه مَنْ لَعَنَ شيئاً ليسَ له بأهْلٍ رَجَعَتِ اللعنةُ عليه" 1. = وهو في "مسند" أحمد (7529)، و"صحيح" ابن حبان (5746). قال البغوي في "شرح السنة" 13/ 135: قيل في قوله: " ولا شهداء" أي: لا يكونون في الجملة التي يُستشهدون يومَ القيامة على الأمم التي كذَّبت أنبياءهم عليهم السلام، لأن من فضيلة هذه الأمة أنهم يشهدون للأنبياء عليهم السلام بالتبليغ إذا كذبهم قومُهم.
53 -
باب فيمن دعا على مَن ظَلَمَه
4909 - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ معاذ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن عطاءٍ عن عائشة، قالت: سُرِقَ لها شيءٌ فجَعَلَت تَدعُو عليه، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تُسبِّخي عنه" (1).
54 -
باب فيمن يهجر أخاه المسلم
4910 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ عن أنسِ بن مالكٍ، أن النبيَّ- صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تَبَاغَضُوا, ولا تحاسَدُوا، ولا تَدَابَرُوا، وكونُوا عبادَ الله إخواناً، ولا يَحِلُّ لمُسلمٍ أنْ يَهجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاثِ لَيَالٍ" 2.1
4911 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عطاء ابن يزيدَ الليثىِّ
عن أبي أيوبَ الأنصارىِّ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يَهجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاثةِ أيام، يلتقيانِ، فيُعرِضُ هذا ويُعرِضُ هذا، وخَيرُهما الذي يَبدَأ بالسلام" 1. = وقوله: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال"، قال ابن الأثير في "النهاية": يريد به الهجر ضدَّ الوصل، يعني فيما يكون بين المسلمين من عَتْبٍ ومَوْجِدَة أو تقصير يقع في حقوق العِشرة والصُّحبة دون ما كان من ذلك في جانب الدين، فإن هِجرة أهل الأهواءِ والبدع دائمة على مر الأوقات ما لم تظهر منهم التوبةُ والرجوع إلى الحق، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لما خاف على كعب بن مالك وأصحابه النفاق حين تخلفوا عن غزوة تبوك، أمر بهجرانهم خمسين يوماً، وقد هجر نساءَه شهراً.
وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" 26/ 149: والذي عندي: أن من خشيَ من مجالستِه ومكالمته الضَّرَرُ في الدين أو في الدنيا، والزيادة في العداوة والبغضاء، فهجرانُه والبُعدُ عنه خيرٌ من قُرْبِهِ؛ لأنه يحفظُ عليك زلّاتِكَ، ويُمارِيكَ في صوابِك، ولا تَسلَمُ من سوء عاقِبةِ خُلْطتهِ، ورُبَّ صَرْمٍ جَميل خيرٌ من مُخالطة مُؤذية.
وقال الخطابي: وأما الهجران أكثر من ذلك، فإنما جاء ذلك في هجران الرجل أخاه في عَتْبٍ، وموجدة، أو لنبوة تكون منه، فرخص له في مدة ثلاث لقلتها، وجعل ما وراءها تحت الحظر.
فأما هجران الوالد الولد والزوج الزوجة، ومن كان في معناهما، فلا يضيق أكثر من ثلاث، وقد هجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نساءه شهراً.
4912 - حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ بن مَيسَرَةَ وأحمدُ بنُ سعيد السَّرْخَسي، أن أبا عامِرٍ أخبرهم، حدَّثنا محمدُ بنُ هلالِ، حدَّثني أبي
عن أبي هريرة، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَحِل لمؤمنٍ أن يَهْجُرَ مؤمناً فوقَ ثلاثٍ، فإن مرَّتْ به ثلاث فلْيَلقَهُ، فليُسَلِّمْ عليه، فإن ردَّ عليه السَّلام فقد اشتركا في الأجرِ، وإن لم يَرُدَّ عليه فقد باءَ بالإثم".
زاد أحمدُ: "وخَرَجَ المُسلِّمُ من الهِجْرَة" 1.
4913 - حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى، حدَّثنا محمدُ بنُ خالد بن عَثمَةَ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ المُنيب المدنىُّ، أخبرني هشامُ بن عُروة، عن عُروة
عن عائشةَ أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يكونُ لمُسلمٍ أن يَهْجُرَ مُسْلماً فوقَ ثلاثةٍ، فإذا لَقِيه سَلَّم عليه ثلاثَ مرارٍ، كُلُّ ذلك لا يَرُدُّ عليه، فَقَدْ باءَ بإثْمِهِ" 2.
4914 - حدَّثنا محمدُ بنُ الصَّبَّاح البزّازُ، حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، أخبرنا سفيانُ الثورىُّ، عن منصورٍ، عن أبي حازمٍ
عن أبي هريرة، قال: قالَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَحِل لمُسْلِمٍ أن يَهْجُرَ أخاه فَوقَ ثلاثٍ، فمَنْ هَجَرَ فَوقَ ثلاثٍ فماتَ، دَخَلَ النّارَ" 1.
4915 - حدَّثنا ابنُ السَّرْح، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، عن حَيوةَ، عن أبي عثمانَ الوليد بن أبي الوليد، عن عمرانَ بن أبي أنسٍ
عن أبي خِرَاشٍ السُّلَمى، أنه سَمعَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - يقول: "مَن هَجَرَ أخاه سنةً، فهو كَسَفْكِ دَمِهِ" 2. = وأخرجه مختصراً أبو يعلى (4568) عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن محمَّد ابن خالد، به.
وأخرج البخاري (6075)، وأحمد في "مسنده" (18921) من مسند المسور بن مخرمة قصة له ولعبد الرحمن بن الأسود في اسشفاعهما لعبد الله بن الزبير عند عائشة وفيها: وطفق المِسْوَرُ وعبدُ الرحمن يناشدانها إلاَّ ما كلمتْهُ، وقَبِلَت منه، ويقولان: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عما قد عَلِمتِ من الهجرة، فإنه "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال" فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج، طَفِقَت تُذَكِّرُهما وتبكي ... إلخ.
واللفظ للبخاري، وهو عند ابن حبان في "صحيحه" (5662). وانظر ما قبله من أحاديث الباب وما بعده.
4916 - حدَّثنا مُسدِّدٌ، حدَّثنا أبو عَوانَةَ، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه
عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "تُقتَحُ أبوابُ الجنةِ كلَّ يومِ اثنينِ وخميسٍ، فيُغفَرُ في ذلك اليومَينِ لكل عَبدٍ لا يُشرِكُ بالله شيئاً إلا من بَيْنَه وبَينَ أخيهِ شَحْنَاءُ، فيقال: أنْظِرُوا هذين حتَّى يَصْطَلِحَا" 1. = وأخرجه ابن الأثير في "أسد الغابة" 6/ 85 من طريق المصنف، بهذا الإسناد.
وأخرجه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" (551) من طريق يحيى بن سليمان، عن عبد الله بن وهب، به.
وأخرجه ابن سعد في" الطبقات" 7/ 500، وأحمد في "مسنده" (17935)، والبخاري في "الأدب المفرد" (404)، والدولابي في "الكنى" (164)، والطبراني في "الكبير" 22/ (779)، والحاكم في" المستدرك" 4/ 163، والبيهقي في "الشعب" (6631)، وفي "الآداب" (280)، والمزي في "تهذيب الكمال" 5/ 488 من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، عن حيوة، به.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وأخرجه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2735)، والدولابي في "الكنى" (164)، والطبراني في "الكبير" 22/ (785) و (781) و (782) من طرق عن الوليد أبي عثمان، به.
وكنى الطبراني في روايته (782) أبا خراش: أبا حدرد الأسلمي.
وقال المزي في "تحفة الأشراف " 3/ 19: رواه يحيى بن أيوب، عن الوليد بن أبي الوليد، أن عمران بن أبي أنس حدثه أن رجلاً من أسلم من أصحاب النبي-صلى الله عليه وسلم- حدثه عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: "هجرة المسلم سنة كدَمِه" قال: وفي المجلس: محمَّد بن المنكدر وعبد الله بن أبي عتاب، قالا: قد سمعنا هذا عنه.
قلنا: أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (405) من طريق يحيى بن أيوب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه ابن ماجه (1740) من طريق محمَّد بن رفاعة، عن سهيل، به.
لكن بلفظ: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصوم الاثنين والخميس، فقيل: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إنك تصومُ الاثنين والخميس! فقال: "إن يومَ الاثنين والخميس يغفرُ اللهُ فيها لكلِّ مسلم إلاَّ مُهتجرَينِ، يقولُ: دعهما حتى يصطلحا".
وأخرجه الترمذي (757) من طريق محمَّد بن رفاعة، عن سهيل أيضاً، به.
بلفظ: "تُعرضُ الأعمال يومَ الاثنين والخميس، فأحِبُّ أن يعرضَ عملي وأنا صائمٌ".
وأخرجه مسلم (2565) من طريق مسلم بن أبي مريم، عن أبي صالح، به.
بلفظ: تعرض الأعمالُ في كلِّ يومِ خميسِ واثنين، فيغفر اللهُ عَزَّ وَجَلَّ في ذلك اليوم لكل امرىء لا يشركُ بالله شيئاً، إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه شحناءُ، فيقال: ارْكُوا هذين حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا".
وقوله: ارْكُوا، أي: أخِّروا.
وهو في "مسند أحمد" (7639)، و"صحيح ابن حبان" (5661) و (5663).
وجاء في بعض الروايات: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس"، قال السندي في "حاشيته على المسند": قال الشيخ عز الدين: معنى العرض هنا: الظهور، وذلك أن الملائكة تقرأ الصحف في هذين اليومين.
وقال الشيخ ولي الدين: إن قلت: ما معنى هذا مع ما ثبت في "الصحيحين": أن الله تعالى يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وبالعكس؟ قلت: يحتمل أن أعمالَ العباد تُعرض على الله تعالى كلَّ يوم، ثم تُعرض عليه أعمال الجمعة في كلِّ يوم اثنين وخميس، ثم تُعرض عليه أعمالُ السنة في شعبان! فتعرض عرضاً بعدَ عرض، ولكل عرض حكمة يطلع عليها من يشاءُ من خلقه، أو يستأثر بها عنده مع أنه تعالى لا يخفى عليه من أعمالهم خافية، ويحتمل أن الأعمالَ تعرض في اليوم تفصيلاً، ثم في الجمعة جملة أو بالعكس.
انتهى.
وفي "المجمع": حديثُ العرض لا يُنافي حديث الرفع؛ لأن الرفع غيرُ العرض، فإن الأعمال تُجمع بعد الرفع في الأسبوع، وتعرض يوم الاثنين والخميس، والعرضُ على الله أو على ملك، وكله على جمع الأعمال.
انتهى.
لكن في رواية النسائي تصريح بأن العرض على ربِّ العالمين.
قلنا: يعني رواية النسائي في "الكبرى" (2679) من حديث أسامة بن زيد.
قال أبو داود: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هَجَرَ بعضَ نسائِه أربعين يوماً، وابنُ عمر هَجَرَ ابناً له إلى أن مات (1). قال أبو داود: إذا كانت الهجرةُ لله (2)، فليسَ من هذا بشيء، عُمر بن عبد العزيز غطَّى وَجهَه عن رجل.
55 -
باب في الظن
4917 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ، عن مالكٍ، عن أبي الزِّناد، عن الأعْرَج عن أبي هريرة، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - قال: "إيَّاكم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذَبُ الحديث، ولا تَحسَّسُوا, ولا تجسَّسُوا" 3.12
56 -
باب في النَّصيحة
4918 - حدَّثنا الربيعُ بن سليمان المؤذَّن، حدَّثنا ابنُ وهب، عن سُليمان -يعني ابنَ بلال- عن كثيرِ بن زيدٍ، عن الوليد بن رباح 1 = وأخرجه البخاري (6064) و (6724)، ومسلم (2563) من طرق عن أبي هريرة.
وبعضهم يزيد فيه على بعض.
وهو في "مسند أحمد" (7337) و (10001)، و "صحيح ابن حبان" (5687). وقوله: "إياكم والظن"، قال السندي في "حاشيته على المسند": أي: سوء الظن، قيل: وهو أن يعقِدَ قلبه عليه بسبب لا يلزم منه ذلك لا مجرد الوسوسة، ولا إذا تحقق سببه، انتهى.
وجاء عند الترمذي بإثر روايته للحديث، قال: سمعت عبد بن حميد يذكرُ عن بعض أصحاب سفيان، قال: قال سفيان: الظَّن ظنّانِ: فظنُّ إثمٌ، وظن ليس بإثمِ، فأما الظَّنُّ الذي هو إثمٌ، فالذي يظُنُّ ظنّاً ويتكلّمُ به، وأما الظَّنُّ الذي ليس بإثمٍ، فالذي يظنُّ ولا يتكلمُ به.
وعلق السندي بعد أن نقل كلام الترمذي عن عبد بن حمد قلت (أي السندي): كأنه أخذه من قوله: "فإنه أكذب الحديث"، ولا يكون حديثاً إلا بالتكلم، ولعل معنى كونه أكذب أنه كثيراً ما يكون كذباً مع اعتقاد صاحبه أنه صِدْقٌ، فصار بذلك أقبحَ من كذب لا يعتقد صاحبُه صدق نفسه، والله تعالى أعلم.
وقال الخطابي في "معالم السنن" 4/ 123، قوله: "إيام والظن": يريد إياكم وسوء الظن وتحقيقه دون مبادئ الظنون التي لا تملك.
وقوله: "لا تجسسوا"، معناه: لا تبحثوا عن عيوب الناس، ولا تتبعوا أخبارهم.
والتحسس بالحاء: طلب الخبر، ومنه قوله تعالى: ﴿بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: 87]، ويقال: تجسست الخبر وتحسست بمعنى واحد.
عن أبي هريرة، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: "المؤمِنُ مرآةُ المؤمِنِ، والمؤمِنُ أخو المؤمن: يكُفُّ عليه ضَيْعَتَه، ويَحُوطُه مِن وَرائه" 1.
57 -
باب في إصلاح ذات البين
4919 - حدَّثنا محمدُ بنُ العلاء، حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرة، عن سالمٍ، عن أمِّ الدرداء
عن أبي الدَّرداء، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألا أخبِرُكُم بأفضَلَ من درجةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَة؟ " قالوا: بَلَى يا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - قال: "إصلاحُ ذاتِ البَينِ، وفسادُ ذات البين الحالِقَة" 1. = وقال المناوي في تفسير قوله: ويكف عليه ضيعته، أي: يجمع عليه معيشته، ويضمُّها له، وضيعة الرجل ما منه معاشه.
و"يحوطه من ورائه"، أي: يحفظه ويصونه ويذب عنه، ويدفع عنه من يغتابه، أو يلحق به ضرراً، ويعامله بالإحسان بقدر الطاقة والشفقة والنصيحة وغير ذلك.
4920 - حدَّثنا نصرُ بن عليّ، أخبرنا سفيانُ، عن الزهريِّ (ح) وحدَّثنا مُسدِّدٌ، حدَّثنا إسماعيلُ (ح).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّد ابن شَبُّويه المَروزِيُّ، حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزهري، عن حُميد بن عبد الرحمن
عن أمه، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لم يَكذبْ مَنْ نَمَى بين اثنين ليُصلِحَ".
وقال أحمدُ بن محمدٍ ومُسدَّدٌ: "ليسَ بالكاذِبِ مَنْ أصْلَحَ بين الناسِ فقال خَيْراً أو نَمَى خَيْراَ" 1.
4921 - حدَّثنا الرَّبيع بنُ سليمانَ الجِيزىُّ، حدَّثنا أبو الأسود، عن نافعِ بن يزيد، عن ابنِ الهادِ أن عبد الوهَّاب بن أبي بكر حَدَّثه، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميد بن عبد الرحمن
عن أُمه أمِّ كلثوم بنت عُقبةَ، قالت: ما سَمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - يُرخِّصُ في شيءِ من الكَذَبِ إلا في ثلاث، كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا أَعُدُّه كاذباً، الرَّجُلُ يُصلحُ بينَ النَّاسِ، يقولُ القولَ ولا يريدُ به إلا
الإصلاحَ، والرجلُ يقولُ في الحَرْبِ، والرجل يُحَدِّثَّ امرأتَه، والمرأة تُحَدِّث زَوجَها" 1.
58 -
باب ضَربِ الدُّفِّ في العُرسِ والعيد
1
4922 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا بِشرٌ، عن خالد بن ذَكوانَ
عن الرّبَيِّع بنتِ مُعَوِّذ بن عَفْراءَ، قالت: جاءَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فدَخَلَ عليٍّ صَبِيحةَ بُنِيَ بي، فجَلَس على فِرَاشي كمَجْلِسِكَ مني، فجَعَلت جُوَيرِيَاتٌ يَضرِبْنَ بدُفٍّ لهنّ، ويَنْدُبْنَ من قُتِلَ من آبائي يومَ بدرٍ، إلى أن قالت إحداهن: وَفينا نبيٌّ يعلمُ ما في الغَدِ.
فقال: "دَعِي هذه، وقولي الذي كنت تقولين" 2. = قال الخطابي في "معالم السنن" 4/ 123 - 124 في شرح هذا الحديث: هذه أمور قد يضطر الإنسان فيها إلى زيادة القول ومجاوزة الصدق طلبا للسلامة ودفعا للضرر عن نفسه، وقد رخص في بعض الأحوال في اليسير من الفساد لما يؤمل فيه من الصلاح.
والكذب في الإصلاح بين اثنين، هو أن ينمي، من أحدهما إلى صاحبه خيراً أو يبلغه جميلاً، وإن لم يكن سمعه منه، ولا كان أذن له فيه، يُريد بذلك الإصلاح.
والكذب في الحرب: هو أن يظهر من نفسه قوة، ويتحدث بما يشحذ به بصيرة أصحابه، ويقوي مُنتهم ويكيد به عدؤهم في نحو ذلك من الأمور.
وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الحرب خدعة" وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه كثيراً ما يقول في حروبه صدق الله ورسوله، فيتوهم أصحابُه أنه يُحدث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان يقول: إنما أنا رجل محارب.
فأما كذبُ الرجل زوجتَه، فهو أن يَعِدَها ويُمنيَها ويُظهِرَ لها مِن المحبة أكثر مما في نفسه، يستديمُ بذلك محبتَها، ويستصلحُ به خُلقَها.
4923 - حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا عبدُ الرزّاق، أخبرنا مَعمرٌ، عن ثابتٍ
عن أنسِ، قال: لَمَّا قَدِمَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ لَعِبتِ الحبشة لقُدومه فَرَحاً بذلك، لَعِبُوا بجرَابِهم 1. = وأخرجه البخاري (4001)، والترمذي (1115)، والنسائي في "الكبرى" (5538) من طرق عن بشر بن المفضل، به.
وأخرجه ابن ماجه (1897) من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الحسين خالد بن ذكوان، به.
وهو في "مسند أحمد" (27021)، و "صحيح ابن حبان" (5878). وقوله: "بُني بي"، البناء: الدخول بالزوجة.
وأصله: أن الرجل إذا تزوج امرأة بني عليها قبة، ليدخل بها فيها.
فيقال: بني الرجل على أهله.
والدف: بضم الدال وفتحها، وهو الذي يلعب به الناسُ.
والمراد: إعلان النكاح.
والندب: أن تذكر النائحةُ الميت بأحسنِ أفعاله وأوصافه.
والاسم: الندب - بضم النون.
وقوله: "دعي هذه" أي: اتركي ما يتعلق بمدحي الذي فيه الاطراء المنهي عنه، زاد في رواية حماد بن سلمة في رواية ابن ماجه: لا يعلم ما في غد إلا الله، فأشار إلى عِلة المنع.
قال الحافظ في "الفتح" 9/ 203: وإنما أنكر عليها ما ذكر من الإطراء حيث أطلق علم الغيب له وهو صفة تختص بالله تعالى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65] وقوله لنبيه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الاعراف: 188] وسائر ما كان النبي-صلى الله عليه وسلم- يخبر به من الغيوب بإعلام الله تعالى إياه، لا أنه يستقِلُّ بعلم ذلك كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: 26 - 27].
59 -
باب كراهية الغناء والزَّمْر
4924 - حدَّثنا أحمدُ بنُ عُبيد الله الغُدَانيُّ، حدَّثنا الوليدُ بن مسلم، حدَّثنا سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى
عن نافع، قال: سمع ابن عُمرَ مِزْماراً، قال: فوَضَع إصْبَعيه على أُذُنَيْه، ونأى عن الطريق، وقال لي: يا نافعُ هَلْ تَسمعُ شيئاً؟ قال: فقلت: لا، قال: فرَفعَ إصبَعيْه من أُذُنَيه، وقال: كنتُ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فسَمِعَ مثلَ هذا، فصنع مثل هذا 1. = وأخرج أحمد في "مسنده" (12540)، وابن حبان في "صحيحه" (5870) من حديث أنس قال: كانت الحبشة يَزْفِنُون بين يَدَي رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ويَرْقُصونَ، ويقولون: محمدٌ عبدٌ صالحٌ.
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما يقولون"؟ قالوا؟ يقولون: محمدٌ عبدٌ صالحٌ.
وإسناده صحيح.
وقوله: يزفنون معناه يرقصون، قال النووي: وحمله العلماء على التوثب بسلاحهم ولعبهم بحرابهم على قريب من هيئة الرقص؛ لأن معظم الروايات إنما فيها لعبهم بحرابهم فتاول هذه اللفظة على موافقة سائر الروايات.
قال أبو علي اللؤلؤىُّ: سمعتٌ أبا داود يقول: هذا حديث منكر 1. 4925 - حدَّثنا محمودُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: أخبرنا مُطعِمُ بن المقدام، قال: حدَّثنا نافِعٌ، قال: كنتُ رِدْفَ ابن عُمر إذ مرَّ براعٍ يَزمُرُ، فذكر نحوه 2. قال أبو داود: أُدخِلَ بينَ مُطعمٍ ونافع سليمانُ بنُ موسى 3. =قال الخطابي في" معالم السنن" 4/ 124: المزمار الذي سمعه ابن عمر رضي الله عنه هو صفارة الرعاة (وفي "النهاية" وهي القصبة التي يزمر بها)، وقد جاء ذلك مذكوراً في هذا الحديث من غير هذه الرواية , وهذا لأن كان مكروهاً فقد دل هذا الصنع على أنه ليس في غِلَظ الحرمةِ كسائر الزمور والمزاهر والملاهي التي يستعملها أهل الخلاعة والمجون، ولو كان كذلك لأشبه أن لا يقتصر في ذلك على سد المسامع فقط دون أن يبلغ فيه من النكير مبلغ الشرع والتنكيل والله أعلم.
4926 - حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفر الرَّقِّىّ، قال: حدَّثني أبو المَليح، عن ميمونٍ، عن نافعِ، قال:
كنا مع ابن عمر، فسَمعَ صوتَ مزمارِ رَاعٍ، فذكرَ نحوَه 1.
قال أبو داود: هذا أنكَرُها.
4927 - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حَدَّثنا سلامُ بنُ مسكينِ، عن شيخٍ شَهِدَ أبا وائلٍ في وليمةٍ، فجعلوا يُغنُّونَ، فحلَّ أبو وائلٍ حُبْوَته، وقال:
سمعتُ عبدَ الله يقول: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - يقول: "إنَّ الغِناءَ يُنبِتُ النِّفاقَ في القَلْب" 2.
60 -
باب الحكم في المُخنَّثين
4928 - حدَّثنا هارون بن عبد الله ومحمدُ بنُ العلاء، أن أبا أسامة أخبرَهُم، عن مُفَضَّل بن يونسَ، عن الأوزاعيِّ، عن أبي يَسارٍ القُرشيِّ، عن أبي هاشم
عن أبي هريرة: أنَ النبي-صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بمُخَنَّث قد خَضَبَ يَدَيهِ ورجلَيه بالحِنَّاء، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-:"ما بالُ هذا؟ " فقيل: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, = وقد صحيح الموقوف على ابن مسعود ابن القيم في "إغاثة اللهفان" 1/ 248.
وأخرجه البيهقي في "السنن" 10/ 223 من طريق سعيد بن كعب المرادي، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود.
وفيه زيادة.
ومحمد بن عبد الرحمن لم يدرك ابن مسعود.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (19737) من قول إبراهيم النخعي.
ورجاله ثقات.
وله شاهد مرفوع من حديث جابر بن عبد الله، أخرجه البيهقي في "الشعب" (4746). وإسناده ضعيف جداً.
وأخرجه المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" من قول الشعبي برقم (691) بلفظ: إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع، لأن الذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع.
وفي سنده عبد الله بن دكين وهو ضعيف.
قال ابن القيم في "إغاثة اللهفان" 1/ 248: فإن قيل: فما وجه إنباته للنفاق في القلب من بين سائر المعاصي؟ قيل: هذا من أدلَّ شيء على فقه الصحابة في أحوال القلوب وأعمالها، ومعر فتهم بأدويتها وأدوائها، وأنهم هم أطباء القلوب، دون المنحرفين عن طريقتهم، الذين داووا أمراض القلوب بأعظم أدوائها.
فكانوا كالمداوي من السَّقم بالسُّمِّ القاتل، انتهى.
وقوله: فحل أبو وائل حبوته: قال في "القاموس": احتبى بالثوب: اشتمل أو جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها، والاسم الحَبوة ويضم.
يتشبه بالنِّساء، فأمر به، فنُفِيَ إلى النَّقيع، فقيل: يا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -، ألا نقتُلُه؟ قال: "إني نُهيتُ عن قتلِ المُصلِّين" 1.
قال أبو أسامة: والنَّقيع: ناحية عن المدينة، وليس بالبقيع.
4929 - حدَّثنا أبو بَكر بن أبي شَيبةَ، حدَّثنا وكيعٌ، عن هشامٍ -يعي ابن عُروة-، عن أبيه، عن زينبَ بنت أمِّ سلمة
عن أمِّ سلمة: أن النبيَّ- صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ عليها وعندَها مُخنَّثٌ، وهو يقول لعبدِ الله أخيها: إنْ يفتَحِ الله الطائفَ غداً دللتُكَ على امرأة تُقبِلُ بأربعٍ وتُدبِرُ بثمانٍ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أخرجوهُم مِن بيوتكم" 1. = وأخرج الطحاوي فى "شرح مشكل الآثار" (473) من حديث عمر بن أبي سلمة، عن أبيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ... وفيه: "وإني نهيت عن المصلين" وهو مرسل.
وعمر بن أبي سلمة: هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قال البخاري: صدوق إلا أنه يخالف في بعض حديثه، وقال ابن عدي: حسن الحديث، لا بأس به.
قال أبو داود: المرأةُ كان لها أربعُ عُكَنٍ في بَطنِها.
4930 - حدَّثنا مسلمُ بن إبراهيم، حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن عِكرمَة
عن ابنِ عباسٍ: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَعَنَ المُخنَّثين من الرِّجال، والمترجِّلات من النِّساء، وقال: "أخرِجوهُم مِن بيوتكم، وأخرجوا فلاناً وفلاناً" يعني: المُخنَّثِينَ (1).
61 -
باب اللعبِ بالبَنات
4931 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حمّادٌ، عن هشامِ بن عُروة، عن أبيه عن عائشة، قالت: كنتُ ألعبُ بالبنات، فربَّما دَخَلَ عليٍّ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وعندي الجواري، فإذا دَخَلَ خَرجْنَ، وإذا خَرَجَ دَخَلْنَ 2.1 = قال الحافظ: ويُستفاد منه حجب النساء عمن يفطن لمحاسنهن، وفيه تعزير من يتشبه بالنساء بالإخراج من البيوت والنفى إذا تعين ذلك طريقاً لردعه، وظاهر الأمر وجوب ذلك، وتشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء من قاصد مختار حرام اتفاقاً.
4932 - حدَّثنا محمدُ بنُ عوف، حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، أخبرنا يحيى ابن أيوب، قال: حدَّثني عُمارةُ بن غَزيَّة، أن محمدَ بن إبراهيم حدَّثه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن
عن عائشة قالت: قَدِمَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- من غزوة تَبوكٍ، أو خيبرَ، وفي سَهْوتها سِتْرٌ، فهبَّت ريحٌ فكَشَفَتْ ناحية السَّتر عن بناتٍ لعائشة لُعبٍ، فقال: "ما هذا يا عائشة؟ " قالت: بناتي، ورأى بينهنَّ فرساً لها جناحانِ من رِقاع، فقال: "ما هذا الذي أرَى وَسْطَهُنَّ؟ " قالت: فرسٌ، قال: "وما هذا الذي عليه؟ " قالت: جناحَان: قال: "فرسٌ له جَناحَان؟! " قالت: أما سمعَت أن لسليمان خَيلاً لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجِذَه 1. = وأخرجه بنحوه البخاري (6130)، ومسلم (2440)، وابن ماجه (1982)، والنسائي في "الكبرى" (8897) و (8898) و (8899) من طرق عن هشام بن عروة، بهذا الإسناد.
وأخرجه النسائي في "الكبرى" (8900) من طريق يزيد بن هارون، عن عروة، عن عائشة قالت: كنت ألعب بالبنات على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وهو في "مسند أحمد" (24298)، و"صحيح ابن حبان" (5863) و (5864) و (5866). وانظر ما سيأتي بعده.
وقد استدل بهذا الحديث كما في "الفتح" 10/ 527 على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض، ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن.
62 -
باب في الأُرْجُوحَةِ
4933 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، حدَّثنا حمادٌ.
وحدَّثنا بشرُ بنُ خالد، حدَّثنا أبو أسامة، قالا: حدَّثنا هشامُ بن عُروة، عن أبيه
عن عائشة، قالت: إن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - تزوَّجَني وأنا بنتُ سَبْعِ أو ستٍّ، فلما قدِمنَا المدينةَ أتينَ نسوةٌ -وقال بشر: فأتتني أمُّ رومان- وأنا على أُرجُوحَة، فذَهبْنَ بي، وهيَّأنني، وصنَعْنني، فأتي بي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فبَنَى بي وأنا ابنةُ تسعِ، فوَقَفَت بي على الباب، فقلتُ: هِيْه هيه،
- قال أبو داود: أي: تَنَفسْتُ- فأدخلنَني بيتاً، فإذا فيه نسوةٌ مِن الأنصار، فقلن: على الخير والبركة 1. دَخلَ حديثُ أحدهما في الآخر.
= وأخرجه النسائي في "الكبرى" (8901) عن أحمد بن سعْد بن الحكم عن عمه سعيد بن الحكم بن أبي مريم، بهذا الإسناد.
وهو عند ابن حبان في "صحيحه" (5864). وانظر ما قبله.
قال الخطابي: السهوة عن الأصمعي، كالصفة تكون بين يدي البيت، وقال غيره: السهوة: شبيهة بالرف والطاق يوضع فيه الشيء.
4934 - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا أبو أسامة، مثله، قال:
على خيرِ طائرٍ، فسلَّمتني إليهنَّ، فغسَلْن رأسِي وأصلحنَني، فلم يَرُعْني إلا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ضُحَى، فاسلمنَني إليه 1.
4935 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، حدَّثنا حمادٌ، أخبرنا هشامُ بن عُروة، عن عُروة
عن عائشة، قالت: فلما قَدِمْنا المدينةَ جاءني نسوةٌ، وأنا ألعبُ على أُرجُوحَةِ، وأنا مُجمَّمةٌ، فذهبنَ بي، فهيأنني وصَنَعنَني، ثم أتين بي رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -، فبَنَى بي، وأنا ابنةُ تسعِ سنين 2.
4936 - حدَّثنا بِشرُ بن خالد، أخبرنا أبو أسامة، حدَّثنا هشامُ بن عُروة، بإسناده، في هذا الحديث، قالت: = وتكون أيضاً حبلاً يشد طرفاه في موضع عال، ثم يركبه اللاعب، ويتحرك فيه، سمي بذلك لتحركه ومجيئه وذهابه.
وقولها: فقلت: هيه هيه، وفي رواية مسلم: هه هه حتى ذهب نَفَسي.
قال النووي: هو بفتح الهاه هذه الكلمة يقولها المبهور حتى يتراجع إلى حال سكونه، وهي باسكان الهاء الثانية، فهي هاه السكت.
ولفظ ابن حبان: فقلت: هَهْ هَهْ شبه المنبهرة.
ولفظ البخاري: وإني لأنهِجُ (أي: أتنفس نفساً عالياً) حتى سكن بعضُ نفسي.
وأنا على الأُرجُوحَة، ومعي صَوَاحِبَاتي، فادخلنَنِي بيتاً، فإذا نِسوةٌ مِنَ الأنصارِ، فَقُلنَ: على الخيرِ والبَرَكة (1). 4937 - حدَّثنا عُببد الله بن معاذٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمَّدٌ -يعني ابن عمرو- عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: قالت عائشة: فقدمنا المدينةَ، فنزلنا في بني الحارث بن الخَزْرَج، قالت: فوالله إني لَعَلى أرْجُوحةٍ بين عِذقَيْنِ، فجاءَتني أُمِّي، فأنزلَتْني ولي جُمَيمَةٌ، وساق الحديث (2).
63 -
باب في النهي عن اللعب بالنَّرد
4938 - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ، عن مالكٍ، عن موسى بنُ مَيسَرةَ، عن سعيد بن أبي هندٍ عن أبي موسى الأشعري، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن لَعِبَ بالنرد فقد عَصَى الله ورسولَه" 3.12
4939 - حدَّثنا مُسدَّدة حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، عن علقمةَ بن مَرثدٍ، عن سليمانَ بن بُريدة عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن لَعِبَ بالنَّردَ شِيرِ فكأنَّما غَمَس يَدَه في لحمِ خنزيرِ ودَمِه" (1).
64 -
باب في اللعب بالحمام
4940 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، حدَّثنا حماد، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة1 = وهو في "الموطأ" 2/ 958. وأخرجه ابن ماجه (3762) من طريق نافع، عن سعيد، به.
وهو في "مسند أحمد" (19501) و (19521) و (19649)، و"صحيح ابن حبان" (5872). ويشهد له حديث بريدة الآتي بعده.
والنرد: لعبة وضعها ملوك الفرس، قال في "المعجم الوسيط": لعبة ذات صندوق وحجارة وفصَّين تعتمد على الحظ، وتقل فيها الحجارة على حسب ما يأتي به الفَصُّ (الزهر)، وتعرف عند العامة (بالطاولة).
قال النووي: والحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد، وأما الشطرنج فمذهبنا أنه مكروه ليس بحرام، وهو مروي عن جماعة من التابعين.
وانظر في فقه هذا الحديثا التمهيد، 13/ 175 - 188 لابن عبد البر.
عن أبي هريرة، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يَتبَعُ حمامةً، فقال: "شيطان يَتبَعُ شيطانةً" (1).
65 -
باب في الرَّحمة
4941 - حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ ومُسدَّدٌ -المعنى- قالا: حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو، عن أبي قابُوسَ مولَى لعبد الله بن عَمرو1
عن عبدِ الله بن عمرو، يبلُغ به النبيَّ- صلى الله عليه وسلم -: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهمُ الرَّحمنُ، ارحَمُوا أهلَ الأرضِ يَرْحْمْكُم مَن في السّماء" 1.
لم يَقُلْ مُسدِّدٌ: مولى عبد الله بن عمرو، وقال: قال النبيَّ- صلى الله عليه وسلم -.
4942 - حدَّثنا حفصُ بنُ عُمرَ، حدَّثنا شعبة.
وحدَّثنا ابنُ كثير، أخبرنا شعبةُ، قال: كَتَبَ إليّ منصورٌ، -قال ابنُ كثير في حديثه: وقرأتُه عليه، وقلت: أقول: حَدَّثني منصورٌ؟ فقال: إذا قرأتَه َعَلَىَّ فقد حَدَّثتُك به.
ثم اتَّفقا- عن أبي عثمانَ مولى المغيرة بن شُعبة
عن أبي هريرة، قال: سمعتُ أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - الصَّادِقَ المصدوقَ صاحِبَ هذه الحُجْرَةِ، يقول: "لا تُنْزَعُ الرَّحمَةُ إلا من شَقِيٍّ" 2.
4943 - حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ وابن السرح، قالا: حدَّثنا سُفيانُ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن ابنِ عامرٍ
عن عبدِ الله بن عمرو يرويه -قال ابنُ السرح: عن النبيِّ- صلى الله عليه وسلم - قال:- "مَن لم يرحَمْ صَغيرَنا، ويَعرِفْ حقَّ كبيرِنا، فليسَ منَّا" 1. = في "التهذيب" أن ابن حبان ذكره في "الثقات"، لكننا لم نجده في المطبوع منه.
والله أعلم.
وباقي رجاله ثقات.
ابن كثير: هو محمَّد، ومنصور: هو ابن المعتمر.
وأخرجه الترمذي (2036) من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (8001)، و"صحيح ابن حبان" (462) و (466). وانظر تمام تخريجه في "المسند".
قال أبو داود: هو عبد الرحمن بن عامر (1).
66 -
باب في النصيحة
4944 - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونس، حدَّثنا زهيرٌ، حدَّثنا سهيلُ بن أبي صالح، عن عطاء بن يزيد عن تميم الدَّارىِّ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الدِّينَ النَّصيحةُ، إن الدينَ النَّصيحة، إنَّ الدِّين النصيحة"، قالوا: لِمَنْ يا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -؟ قال:"لله وكتابِه ورسوله وأئمةِ المؤمنينَ وعامَّتهم، أو أئمة المسلمينَ وعامَّتهم" 2.1
4945 - حدَّثنا عمرُو بن عَونٍ، أخبرنا خالدٌ، عن يونسَ، عن عَمرو بن سعيد، عن أبي زُرعَةَ بن عمرو بن جرير
عن جَرير، قال: بايعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - على السَّمْع والطَاعة، وأن أنْصَحَ لكُلِّ مُسلمٍ.
قال: وكانَ إذا باعَ الشيءَ أو اشتَراه قال: "أمَا إنَّ الذي أخَذنا منكَ أحبُّ إلينا مما أعطيناكَ فاخْتَر" (1).
67 -
باب في المعونة للمسلم
4946 - حدَّثنا أبو بَكرٍ وعثمانُ ابنا أبي شيبةَ -المعنى- قالا: حَدَّثنا أبو معاويةَ -قال عثمان: وجَريرٌ الرَّازي-.
وحدَّثنا واصلُ بن عبد الأعلى، حدَّثنا أسباط، عن الأعمش، عن أبي صالح،- وقال واصلٌ: قال: حُدِّثتُ عن أبي صالح، ثم اتفقوا-1 = فمعنى نصيحةِ الله سبحانه: صحةُ الاعتقاد في وحدانيته واخلاصُ النية في عبادته.
والنصيحةُ لكتاب الله: الإيمانُ به والعملُ بما فيه.
والنصيحةُ لِرسوله: التصديقُ بنبوته، وبذلُ الطاعةِ له فيما أمر به ونهى عنه.
والنصيحةُ لأئمة المؤمنين: أن يُطيعهم في الحق، وأن لا يرى الخروجَ عليهم بالسيفِ إذا جاروا، والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادُهم إلى مصالحهم.
عن أبي هريرة عن النبيِّ- صلى الله عليه وسلم -، قال: "مَن نَفَّسَ عن مسلم كُرْبةً مِن كُرَبِ الدُّنيا، نَفسَ الله عنه كُرْبةً من كرب يوم القيامة، ومَن يَسَّرَ على مُعْسِرٍ، يَسَّرَ الله عليه في الدُّنيا والآخِرَة، ومَن سَتَر على مسلمٍ، سَتَرَ الله عليه في الدُّنيا والآخرة، واللهُ في عَونِ العبد ما كان العبدُ في عَونِ أخيه" 1.
قال أبو داود: لم يذكُز عثمانُ، عن أبي معاوية: "ومن يَسَّرَ على مُعْسِرٍ".
4947 - حدَّثنا محمدُ بنُ كثير، أخبرنا سفيانُ، عن أبي مالكٍ الأشجَعيّ، عن رِبْعي بن حِراشٍ
عن حُذَيفة، قال: قال نبيُّكُم - صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّ مَعروفٍ صَدَقَةٌ" (1).
68 -
باب في تغيير الأسماء
4948 - حدَّثنا عمرو بن عون، أخبرنا.
وحدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا هُشيم، عن داود بن عَمرو، عن عبد الله بن أبي زكريا عن أبي الدَّرداء، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنّكم تُدعَوْنَ يومَ القيامَةِ باسمائِكُم وأسماءِ آبائكُم، فاحسِنُوا أسماءكم" 2.1
قال أبو داود: ابنُ أبي زكريا لم يدرك أبا الدرداء.
4949 - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ زياد سَبَلان، حدَّثنا عباد بنُ عباد، عن عُبيد الله، عن نافع
عن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أحَبُّ الأسماءِ إلى الله تعالى: عبدُ الله وعبدُ الرحمن" 1. = وأخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (213) عن عمرو بن عون، بهذا الإسناد.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (21693)، والدارمي في "سننه" (2694)، وأبو القاسم البغوي في "الجعديات" (2584)، وابن حبان في "صحيحه" (5818) وأبو نعيم في "الحلية" 5/ 152 و 9/ 58 - 59، والبيهقي في "السنن" 9/ 306، وفي "الشعب" (8633)، والبغوي في "شرح السنة" (3360) من طرق عن هشيم بن بشير، به.
وقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- غير أسماء بعض الصحابة، انظر الأحاديث في هذا في " المسند"، عند حديث ابن عمر (4682). وعند حديثنا برقم (21693). وسيأتي عند المصنف بعد هذا باب تغيير الاسم القبيح.
وذكر فيه حديث ابن عمر وغيره.
قال ابن القيم في "مختصر سنن أبي داود" 7/ 250: وفي هذا الحديث ردٌ على من قال: إن الناس يوم القيامة إنما يدعون بأمهاتهم، لا آبائهم، وقد ترجم البخاري في "صحيحه"، لذلك بإثر الحديث رقم (6176) فقال: باب ما يدعى الناس بآبائهم، وذكر فيه (6177) حديث نافع عن ابن عمر عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: "الغادر يرفع له لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان".
4950 - حدَّثنا هارونُ بن عبد الله، حدَّثنا هشامُ بن سعيد الطَّالْقانىُّ، أخبرنا محمدُ بن المُهاجِرِ الأنصاريُّ، قال: حَدَّثني عَقِيلُ بنُ شَبيب
عن أبي وَهْب الجُشَمِىّ -وكانت له صحبة- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "تَسَمَّوْا بأسَماءِ الأنبياء، وأحَبُّ الأسماءِ إلى الله: عَبدُ الله وعبدُ الرحمن، وأصدَقُها: حارِثٌ وهَمَّامٌ، وأقْبَحُها: حَرْبٌ ومُرَّة" 1. = وقوله: "أحب الأسماء ... " إلخ، قال السندي في "حاشيته على المسند": أي: لما فيها من نسبة العبد إلى مولاه بالعبودية، وإذا صادف مثل هذا الاسم مسمّاه بعثه على الاجتهاد في العبادة تصديقاً لاسمه.
وقال السندي في "حاشيته على ابن ماجه"، قوله: "عبد الله وعبد الرحمن"، أي: وأمثالهما مما فيه إضافة العبد إلى الله تعالى لما فيه من الاعتراف بالعبودية، وتعظيمه تعالى بالربوبية ... ولا شك أن وصف العبودية وتعظيمه تعالى بالربوبية يتضمن الاشعارَ بالذل في حضرته المستدعي للرحمة لصاحبه.
4951 - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ
عن أنس، قال: ذهبتُ بعبد الله بن أبي طلحةَ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- حينَ وُلِدَ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في عَباءةٍ يَهْنَأ بعيراً له، قال: "هل مَعَكَ تَمْرٌ؟ " قلت: نعم، قال: فناولتُه تَمَراتٍ، فألقاهُن في فيه، فلاكَهُنّ، ثم فَغَرَ فَاهُ، فأوجَرَهُنَّ إيَّاه، فجَعَلَ الصبي يَتَلمَّظُ، فقالَ النبيُّ- صلى الله عليه وسلم -:" حِبَّ الأنصارِ التَّمْرَ" وسماه عبدَ الله 1. = ويشهد لقوله: "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن" حديث ابن عمر السالف عند المصنف قبله.
ويشهد له دونَ قوله: "تسموا بأسماءِ الأنبياءِ" حديث عبد الله بن عامر اليحصبي، أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: "خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن ونحو هذا، وأصدق الأسماء الحارث وهمام، حارث، لديناه ولدينه، وهمام بهما، وشر الأسماء حرب ومرة" أخرجه ابن وهب في جامعه (53). وهو مرسل صحيح.
ويشهد له أيضاً مرسل عبد الوهَّاب بن بخت، أخرجه أيضاً ابن وهب في "جامعه" (46). ورجاله ثقات.
قال الخطابي: إنما صار "الحارث" من أصدق الأسماء من أجل مطابقة الاسم معناه الذي اشتق منه، وذلك أن معنى الحارث الكاسب، يقال: حرث: إذا كسب، واحتراث الرجل كسبه قال الله سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى:20]، وأما همام، فهو من هممتُ بالشيء: إذا أردته، وليس من أحد إلا وهو يهم بشيء، وهو معنى الصدق الذي وصف به هذان الأسمان، وأقبحها حرب لما في الحرب من المكاره وفي مرة من البشاعة والمرارة، وكان - صلى الله عليه وسلم - يحب الفأل الحسن والاسم الحسن.
69 -
باب في تغيير الاسمِ القَبيح
4952 - حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ ومُسدَّدٌ، قالا: حدَّثنا يحيى، عن عُبيدٍ الله، عن نافعٍ
عن ابن عُمَرَ: أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - غيَّرَ اسمَ عاصيةَ، وقال: " أنتِ جميلةٌ" 1. = وهو في "مسند أحمد" (12795)، و "صحيح ابن حبان" (4531). وقد سلف الحديث مختصراً برقم (2563) وانظر تمام تخريجه هناك.
قال الخطابي في "معالم السنن" 4/ 127، وقوله: "يهنأ": معناه: يطليه بالقطران ويعالجه به.
والهناء: القطران.
وجاء بهامش "مختصر المنذري" ما نصه: "حُبّ الأنصار التمر": بضم الحاء ونصب الباء، وحذف الفعل، وهو: انظروا للعلم به، ويكون: التمر: منصوباً بالحب، ويجوز أن تكون الحاء مكسورة، بمعنى: المحبوب، أي: محبوبهم التمرُ، و"التمر": مرفوع خبر المبتدأ.
ومعنى: "فغر فاه" أي: فتحه، وفغر فوه، أي: انفتح، يتعدى ولا يتعدى.
و"الوَجور": ما صب في وسط فم المريض.
تقول منه: وَجَرْته، وأوجرتُه، بمعنى.
و"يتلمظ " أي: يدير لسانه في فيه، ويحركه يتتبع أثر التمر.
وكذلك إذا أخرج لسانه، فمسح به شفتيه.
واللماظة -بالضم- ما بقي في الفم من الطعام.
4953 - حدَّثنا عيسى بن حماد، أخبرنا الليثُ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن.
عمرو بن عطاء
أن زينبَ بنتَ أبي سلمة سألته: ما سَمَّيتَ ابنتَك؟ قال: سَمَّيتُها بَرَّة، فقالت: إن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - نهى عن هذا الاسمِ، سُمِّيتُ بَرَّة، فقال النبيَّ- صلى الله عليه وسلم -: " لا تُزَكُوا أنفسَكم، الله أعلمُ بأهلِ البرِّ منكُم" فقال: ما نُسَمِّيها؟ فقال: "سَمُّوها زَينبَ" 1.
4954 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا بِشْرٌ -يعني ابن المُفَضل-، حدثني بشيرُ بنُ ميمون
عن عَمِّه أسامةَ بن أخْدَريٍّ: أن رَجُلاً يقال له: أصرَمُ، كان في النفر الذين أتَوْا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -، فقالَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما اسمُك؟ " قال: أنا أصْرَمُ، قال: "بل أنتَ زُرعة" 2.