سنن أبي داود ت الأرنؤوطصفحات 14-53

كتاب الفرائض

صفحات 14-53
عن هذه الطبعة
عَلَم
السجستاني، أبو داود
الكتاب
سنن أبي داود
المؤلف
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)
المحقق
شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي
الناشر
دار الرسالة العالمية
الطبعة
الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أطِع أبا القاسِم، فاسلَم، فقامَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلم - وهو يقول: "الحَمْدُ لله الذي أنقذه بي من النار" (1).

6 -

باب المشي في العيادة

2 3096 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا عبدُ الرحمن بن مَهديٍّ، عن سفيانَ، عن محمدِ بن المُنكدر عن جابر، قال: كانَ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- يعودُني ليس براكبِ بغلٍ ولا بِرْذَونِ 3.1

7 -

باب في فضل العبادة

3097 - حدَّثنا محمد بن عوف الطائي، حدَّثنا الربيعُ بن رَوح بن خُلَيدٍ، حدَّثنا محمدُ بن خالدِ، حدَّثنا الفضل بن دَلْهَم الواسطيُّ 1، عن ثابتٍ البُنَاني عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "مَن توضَّأ فأحسن الوضوءَ وعَادَ أخاهُ المُسلمَ مُحتسِباً بُوعِدَ من جهنَّمَ مسيرةَ سبعينَ خريفاً" قلت: يا أبا حمزةَ، وما الخَريفُ؟ قال: العامُ 2. = من طريق سفيان بن عيينة، كلاهما عن محمد بن المنكدر، به كلفظ الثوري عند مسلم، وقد سبق ذكره، وهو في "مسند أحمد" (14298) و (15011). البرذون من الخيل: ما كان من غير نتاج العراب، قال صاحب "المصباح" نقلاً عن ابن الأنباري: يقع على الذكر والأنثى سواه.
قال ابن فارس: برذن الرجل برذنة، إذا ثقل، واشتقاق البرذون منه، وهو خلاف العراب، وجعلوا النون أصلية، كأنهم لاحظوا التعريب، وقالوا في الحرذون: نونه زائدة، لأنه عربي، فقياس البرذون عند من يحمل المعربة على العربية زيادة النون.

3098 - حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، أخبرنا شعبةُ، عن الحكَمِ، عن عبدِ الله بن نافعِ عن عليٍّ، قال: ما مِن رجلٍ يعودُ مريضاً مُمسِياً إلا خرجَ معهُ سبعون ألف ملكٍ يستغفِرون له حتى يُصْبِحَ، وكان له خريفٌ في الجنة، ومن أتاهُ مُصبِحاً خرج معه سبعونَ ألفَ ملكٍ يستغفرون له حتى يُمسيَ، وكان له خريفٌ في الجنة 1.

3099 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا أبو مُعاويةَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن الحكَمِ، عن عبدِ الرحمن بن أبي ليلى عن علي، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم-، بمعناه، لم يذكرِ الخريفَ 1. قال أبو داود: رواه منصور عن الحكم، كما رواه شعبة.
3100 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا جَريرٌ، عن مَنصورٍ، عن الحكَمِ، عن أبي جعفرٍ عبدِ الله بن نافع -قال: وكان نافع غلام الحسن بن علي- قال: = وسيأتي مرفوعاً من طريق أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - كما في الطريق الآتية عند المصنف بعده.
ولقوله: "كان له خريف في الجنة" شاهد من حديث ثوبان عند مسلم في "الصحيح" (2568) بلفظ: "عائد المريض في مخرفة الجنة حتى يرجع".
وقوله: "كان له خريف في الجنة" قال الخطابي: أي: مخروف من ثمر الجنة، فعيل بمعنى مفعول، وهذا كحديثه الآخر: "عائد المريض على مخارف الجنة" والمعنى -والله أعلم- أنه بسعيه إلى عيادة المريض يستوجب الجنة ومخارفها.

جاء أبو موسى الحسنَ يعوده (1). وساق معنى حديثِ شُعبةَ.
قال أبو داود: وأُسند هذا عن عليٍّ من غيرِ وجهٍ صحيحٍ عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - (2).

8 -

باب في العيادة مراراً

3101 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا عبدُ الله بن نُميبر، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه عروة عن عائشةَ، قالت: لما أُصيبَ سعْدُ بن مُعاذٍ يوم الخندق رماه رجلٌ في الأكْحَلِ، فضربَ عليه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - خيمةً في المسجد لِيعودَه من قريبٍ 3.12

9 -

باب العيادةِ من الرَّمَدِ

3102 - حدَّثنا عبدُ الله بن محمد النُّفَيليُّ، حدَّثنا حجّاجُ بن محمدٍ، عن يونسَ بن أبي إسحاقَ، عن أبيه عن زيد بن أرقمَ، قال: عادَني رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- من وَجَعٍ كان بعيني (1).

10 -

باب الخروج من الطاعون

3103 - حدَّثنا القَعنَبيُّ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عَبدِ الحُميد بن عَبد الرحمن بن زيدِ بن الخطاب، عن عَبدِ الله بن عَبدِ الله بن الحارث بن نَوفَلٍ عن عبد الله بن عباس: أن عمر بن الخطاب جاء إلى الشام، حتى إذا كان بِسَرْغٍ لقيه أمراء الأجناد أبو عُبيدة بن الجراح وغيره، فأخبروه أن1 = أسلم على يد مصعب بن عمير لما أرسله النبي -صلَّى الله عليه وسلم- إلى المدينة ليعلم المسلمين، فلما أسلم قال لبني عبد الأشهل: كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تسلموا، فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام، وشهد بدراً، وشهد أحداً، ورمي بسهم يوم الخندق، فعاش بعد ذلك شهراً حتى حكم في بني قريظة، وأجيبت دعوته ذلك، ثم انتقض جرحه فمات، أخرج ذلك البخاري (4122) وذلك سنة خمس.

الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا عليه، فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيباً في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علماً، سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "إذا سمعتمُ به بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرُجوا فِراراً منه" 1.

11 -

باب الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة

3104 - حدَّثنا هارونُ بن عبدِ الله، حدَّثنا مَكِّيُّ بن إبراهيمَ، حدَّثنا الجُعَيد، عن عائشةَ بنت سعدٍ أن أباها قال: اشتكيتُ بمكةَ، فجاءني النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- يعودُني، ووضع يَدَه على جبهتي، ثم مسح صدري وبطني، ثم قال: "اللهم اشفِ سعداً، وأَتمم له هِجْرتَهُ" 1. 3105 - حدَّثنا ابنُ كثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ عن أبي موسى الأشعريِّ، قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: في أطعِمُوا الجائعَ، وعُودوا المريضَ، وفُكُّوا العانيَ" قال سفيانُ: العاني: الأسيرُ 2.

12 -

باب الدعاء للمريض عند العيادة

3156 - حدَّثنا الربيعُ بن يحيى، حدَّثنا شعبةُ، حدَّثنا يزيدُ أبو خالدِ، عن المنهالِ بن عَمرو، عن سعيدِ بن جُبير عن ابن عباس، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم-، قال: "مَن عادَ مرِيضاَ لم يحضُر أجلُه، فقال عنده سبعَ مِرار: أسألُ اللهَ العظيمَ ربَّ العرشِ العظيمِ أن يشفيَك، إلا عافاه اللهُ من ذلك المرضِ" 1.

3107 - حدَّثنا يزيدُ بن خالدٍ الرمْليُّ، حدَّثنا ابن وهْبِ، عن حُيَيِّ بن عبدِ الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُليِّ = طريق حرملة بن يحيى التجيبي، والحاكم 4/ 213 من طريق بحر بن نصر، أربعتهم عن عبد الله بن وهب، وابن عدي في "الكامل" في ترجمة رشدين بن سعد، من طريق رشدين، كلاهما (ابن وهب ورشدين) عن عمرو بن الحارث، عن عبد ربه بن سعيد، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس - فزادا في الإسناد: عبد الله بن الحارث.
وقد جاء في رواية النسائي وأبي يعلى وابن عدي والضياء: المنهال بن عمرو - مرة قال: - أخبرني سعيد بن جبير، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس.
ومعنى ذلك: أن المنهال مرة قال: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، - كما في إسناد المصنف ومن تابعه - ومرة قال: عن سعيد بن جببر، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس - بواسطة عبد الله بن الحارث - فالضمير في "قال" يعود على المنهال، بمعنى أنه روي عنه على الوجهين، كذلك جاءت عبارة "مرة قال" بعد المنهال بن عمرو في أصلى "سنن النسائي الكبرى" الخطيين: نسخة الرباط، ونسخة ملا مراد، وهو الصواب، خلافا لما توهمناه في المطبوع منه من أن ذلك خطأ، فيستدرك من هنا.
وبذلك يكون أصحاب ابن وهب من رواه عنه بذكر عبد الله بن الحارث، ومن رواه عنه دون ذكره، كلهم مصيب، لان ابن وهب قد رواه على الوجهين.
لكن خالف أصحاب عبد الله بن وهب: أحمد بن عيسى بن حسان المصري، عند البخاري في "الأدب المفرد" (536) حيث رواه عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عبد ربه بن سعيد، عن المنهال، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس -بإسقاط سعيد بن جبير من إسناده- وكذلك رواه الحجاج بن أرطأة عند ابن أبي شيبة 8/ 46 - 47 و 10/ 314، وأحمد (2138)، وعبد بن حميد (718)، والنسائي في "الكبرى" (10816)، والطبراني في "الكبير" (12722) و (12723)، والحاكم 1/ 343 و 4/ 213 عن المنهال، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس -بإسقاط سعيد بن جبير من إسناده- فالذي يغلب على الظن أن ذلك وهمٌ، لان كل الذين رووه عن المنهال قد ذكروا سعيداً، فحذفه من الإسناد خطأ، والله تعالى أعلم.

عن عبد الله بن عَمرو، قال: قال النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم-: "إذا جاء الرَّجلُ يعودُ مريضاً فليقل: اللهم اشفِ عبدَكَ، ينكا لكَ عَدُوّاً، أو يمشي لك إلى جنازةٍ" (1). قال أبو داود: وقال ابن السرح: "إلى صلاة" (2).

13 -

باب كراهية تمني الموت

3108 - حدَّثنا بشْرُ بن هلالٍ، حدَّثنا عبدُ الوارث، عن عبد العزيز بن صُهَيبٍ عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "لا يَدْعُوَنَّ أحدُكم بالموتِ لِضُرٍّ نزل به، ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياةُ خيراً لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاةُ خيراً لي" 3.12

3109 - حدَّثنا محمد بن بشّار، حدَّثنا أبو داودَ الطيالسي، حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ عن أنس بن مالك، أن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "لا يَتَمنَّينَّ أحدُكمُ الموتَ" فذكر مثله (1).

14 -

باب في موت الفَجْأة

3110 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شعبةَ، عن منصورٍ، عن تميمِ بن سلمةَ أو سعْد بن عُبيدةَ1 = وأخرجه البخاري (5671) و (7233)، ومسلم (2680)، والنسائي (1820) و (1822) من طرق عن أنس.
وهو في "مسند أحمد" (11979)، و"صحيح ابن حبان" (968) و (969). وانظر ما بعده.
قوله: "لا يدعون أحدكم بالموت ... " الخطاب فيه للصحابة، والمراد هم ومن بعدهم من المسلمين عموماً، وقوله: "لضر نزل به".
حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي، فإن وجد الضر الأخروي بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي، وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة ففي الموطأ 2/ 824 عن عمر أنه قال: اللهم كبرت سنين، وضعفت قوتي، وانتثرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مُضَيِّعٍ ولا مُفَرِّط.
وأخرج أحمد (16040) من طريق عبس أو عابس الغفاري أنه قال: يا طاعون خذني، ثلاثاً يقولها، فقال له عليم الكندي: لم تقول هذا؟ ألم يَقُل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم: "لا يتمنى أحدكم الموت"، فقال: إني سمعته يقول: "بادروا بالموت ستاً إمرة السفهاء، وكثرة الشُّرَط، وبيع الحكم ... " وهو حديث صحيح، وأخرج أحمد (23970) من حديث عوف بن مالك نحوه، وأنه قيل له: ألم يقل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "ما عمر المسلم كان خيراً له" وفيه الجواب نحوه، وأصرح منه حديث معاذ بن جبل عند أحمد (22109) وفيه: فإذا أردت فتنة في قوم، فتوفني غير مفتون.

عن عُبيد بن خالد السُّلَمي -رجلٍ من أصحابِ النبي -صلَّى الله عليه وسلم-- قال مرةً: عن النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم-، ثم قال مرةً: عن عُبيدٍ، قال: "موت الفَجْاة أخْذةُ أَسِفٍ" 1.

15 -

باب ما جاء في فضل من مات في الطاعون

3111 - حدَّثنا القَعْنَبيُّ: عن مالكٍ، عن عَبدِ الله بن عَبد الله بن جابرِ بن عَتيكٍ، عن عَتيكِ بن الحارثِ بن عَتيكٍ -وهو جدُّ عبد الله بن عبد الله أبو أُمه- أنه أخبره أن جابرَ بن عَتيكٍ أخبره: أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- جاء يعودُ عبدَ الله بن ثابتٍ، فوجدَه قد غُلِبَ، فصاح به رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فلم يُجبْه، فاسترجَع رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- وقال: "غُلِبنا عليك يا أبا الرَّبيع" فصاح النِّسوة وبكَين، فجعل ابن عَتيكٍ يُسكتهن، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "دَعْهُنَّ، فإذا أوجَبَ فلا تبكِيَنَّ باكيةٌ"، قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: "الموتُ".
قالتِ ابنتُه: والله إن كنت لأرجو أن تكونَ شهيداً فإنك قد كنتَ قضيتَ جَهازك، قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- إن الله قد أوقع أجرَه على قدرِ نيته، وما تعدُّون الشهادةَ؟ " قالوا: القتل في سبيل الله تعالى، قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "الشَّهَادَةُ سبعٌ سوى القتلِ في سبيل الله: المَطْعونُ شهيدٌ، والغَرِقُ شهيدٌ، وصاحبُ ذاتِ الجَنْبِ شهيدٌ، والمَبطُونُ شهيدٌ، وصاحِبُ الحريق شهيدٌ، والذي يموت تحت الهَدْمِ شهيدٌ، والمرأةُ تموت بجُمْعٍ شهيدٌ" 1.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرجه ابن ماجه (2803) من طريق وكيع، عن أبي العُميس عتبة بن عبد الله المسعودي، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن أبيه، عن جده.
قال ابن عبد البر في "التمهيد" 19/ 207: ولم يُقمه أبو العميس، والصواب ما قاله فيه مالك.
وأخرجه النسائي (3194) من طريق جعفر بن عون، عن أبي العميس، عن عبد الله ابن عبد الله بن جبْر -وهو نفسه: ابن جابر بن عتيك، كذا يقال في اسمه أيضاً- عن أبيه.
فاسقط من إسناده جده جابر بن عتيك.
وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (4607) من طريقين عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن عمير، عن ربيع الأنصاري أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- عاد ابن أخي جبْر ... الحديث قال المنذري في "الترغيب والترهيب" 2/ 333 - 334: رواته محتج بهم في الصحيح، وقال الهيثمي في "المجمع" 5/ 350: رجاله رجال الصحيح.
قلنا: فهذه متابعة قوية لعتيك.
وأخرج قصة إذن - صلَّى الله عليه وسلم - للنسوة بالبقاء من هذا الحديث النسائي (3195) من طريق داود يعني الطائي، عن عبد الملك بن عمير، عن جبْر.
بدل: ربيع الأنصاري وقد أورد الحافظ هاتين الروايتين في "الإصابة" في ترجمة ربيع الأنصاري، وقال: فالله تعالى أعلم.
ويشهد لهذه القصة من الحديث من إذنه - صلَّى الله عليه وسلم - بالبكاء على الميت: حديث أنس بن مالك عند البخاري (1303)، ومسلم (2315) ولفظه عند البخاري: "إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا" وحديث ابن عمر عند البخاري (1304)، ومسلم (924) ولفظه عند البخاري: "إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه".
قلنا: وانما نهي عن النَّوح على الميت لا عن البكاء.
ويشهد لذكر أنواع الشهداء حديث أبي هريرة عند البخاري (653)، ومسلم (1914) أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: "الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدْم، والشهيد في سبيل الله".
=

16 -

باب المريض يؤخَذُ من أظفارهِ وعانتِه

3112 - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا إبراهيمُ بن سعْد، أخبرنا ابن شهابٍ، أخبرني عَمرو بنُ جاريةَ الثقفي حَليفُ بني زُهرةَ -وكان من أصحاب أبي هريرة- = وفي باب قوله: "صاحب ذات الجنب شهيد" عن عقبة بن عامر عند أحمد (17434). وسنده حسن في الشواهد.
وفي باب قوله: "والمرأة تموت بجُمع شهيد" عن عبادة بن الصامت عند الطيالسي (582)، وأحمد (22684)، والدارمي (2414)، والشاشي في "مسنده" (1302 - 1305) وإسناده صحيح.
ولفظه عند أحمد: "قتل المسلم شهادة" والطاعون شهادة، والبطن، والغرق، والمرأة يقتلها ولدها جمعاء".
وعن أبي هريرة عند أحمد (8092) وسنده صحيح.
قال الخطابي: أصل الوجوب في اللغة: السقوط.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 36] وهو أن تميل فتسقط، وإنما يكون ذلك إذا أزهقت نفسها، ويقال للشمس إذا غابت: قد وجبت الشمس، وقوله: "والمرأة تموت بجُمع" فهو أن تموت وفي بطنها ولد.
قلنا: المطعون: هو المصاب بالطاعون.
والمبطون" قال ابن الأثير: هو الذي يموت بمرض بطنه كالاستسقاء ونحوه.
قلنا: ولا يبعد أن يدخل في قوله: "المطعون والمبطون" كل من مات بداء عُضالٍ من الأدواء الميؤوس من شفائها.
وقوله: "صاحب ذات الجنب" هي كما يرى بعض أطباء العرب قرحة تصيب الإنسان في داخل جنبه، وفي الطب الحديث: التهابٌ في الغشاء المحيط بالرئة.
انظر "قاموس الأطباء" لمدْيَن بن عبد الرحمن المصري 1/ 23، و"المعجم الوسيط" 1/ 138. وقوله: "غُلبنا عليك يا أبا الربيع" قال العظيم آبادي: يعني أنا نريد حياتك، لكن تقدير الله تعالى غالب.
وقولها: جَهازك: أي أسباب الجهاد.

عن أبي هريرةَ، قال: ابتاعَ بنو الحارثِ بن عامر بن نَوفَلٍ خُبَيباً، وكان خُبيبٌ هو قَتَلَ الحارثَ بن عامر يومَ بدرٍ، فلبث خُبيبٌ عندهم أسيراً، حتى أجمعوا لقتلِه، فاستعَار من ابنةِ الحارث موسى يَسْتَحِدُّ بها، فاعارتْه، فدَرَجَ بُنَيٌّ لها وهي غافلةٌ، حتى أتته فوجدتْه مُخْلِياً، وهو على فخذِه والموسى بيده، ففزِعت فزْعةً عرَفَها فيها، فقال: أتخْشَيْنَ أن أقتلَه؟ ما كنت لأفْعَلَ ذلك 1.

قال أبو داود: روى هذه القصة شعيبُ بن أبي حمزةَ، عن الزهري، أخبرني عُبيد الله بنُ عياضٍ أن ابنةَ الحارث أخبرتْه أنهم حين اجتمعُوا -تعني لقتلِه- استعار منها موسى يستحدُّ بها، فأعارتْه.

17 -

باب ما يُستحب من حُسنِ الظن بالله عند الموت

3113 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عيسى بن يونسَ، حدَّثنا الاعمشُ، عن أبي سفيانَ عن جابر بن عبد الله: سمعتُ النبي -صلَّى الله عليه وسلم- يقول قبل موتِه بثلاث، قال: "لا يَمُوتُ أحدُكم إلا وهو يُحْسِنُ الظنَّ بالله" 1. = وقوله: "دَرَج" أي: مشى.
و"بُنَيٌّ" تصغير ابن، والمراد ابن صغير.
و"مُخلِياً" قال ابن الأثير: يقال: خلوتُ به ومعه وعليه، وأخليتُ به، إذا انفردتَ به.

18 -

باب تطهيرِ ثيابِ الميت عند الموت

3114 - حدَّثنا الحَسنُ بن علي، حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، أخبرنا يحيى بن أيوبَ، عن ابن الهادِ، عن محمد بن إبراهيمَ، عن أبي سَلمَةَ عن أبي سعيد الخدري: أنه لما حضرَه الموتُ دعا بثيابٍ جُدُدٍ فلبسها، ثم قال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "إنَّ الميِّتَ يُبْعَثُ في ثيابه التي يموت فيها" 1. = وعفوه ورحمته، وما وعد به أهل التوحيد وما ينشره من الرحمة لهم يوم القيامة كما قال سبحانه وتعالى في الحديث الصحيح: "أنا عند ظن عبدي بي" هذا هو الصواب في معنى الحديث، وهو الذي قاله جمهور العلماء، وشذ الخطابي، فذكر معه تاويلاً آخر: أن معناه: أحسنوا أعمالكم حتى يحسن ظنكم بربكم، فمن حسن عمله حسن ظنه، ومن ساء عمله ساء ظنه، وهذا تأويل باطل نبهت عليه لئلا يغتر به.

19 -

باب ما يُستحب أن يُحضَرَ الميت من الكلام

3115 - حدَّثنا محمدُ بن كثير، أخبرنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي وائل عن أم سلمة، قالت: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: وإذا حَضرتم الميِّتَ فقولوا خيراً، فإن الملائكةَ يؤمِّنونَ على ما تقولون" فلما مات أبو سلَمةَ، قلت: يا رسولَ الله، ما أقولُ؟ قال: "قولي: اللهُمَّ اغفِرْ له، وأعقِبنا عُقبى صالحةً" قالت: فأعقبني اللهُ تعالى به محمداً -صلَّى الله عليه وسلم- 1. = قلنا: ولتفسيره بمعنى العمل أيضاً ذهب ابنُ حبان عقب الحديث.
قال الحافظ في "الفتح" 11/ 391: وحمل بعضهم الحديث على الشهداء، لأنهم الذين أمروا أن يزمَّلوا في ثيابهم، ويدفنوا فيها، فيحتمل أن يكون أبو سعيد سمعه في الشهيد، فحمله على العموم.
وممن حمله على عمومه معاذ بن جبل، فأخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن عن عمرو بن الأسود: دفنا أم معاذ بن جبل، فأمر بها، فكفنت في ثياب جدد، وقال: أحسنو أكفان موتاكم، فإنهم يحشرون فيها.
قال الحافظ: وحمله بعض أهل العلم على العمل، وإطلاق الثياب على العمل وقع في مثل قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:26] وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:4] على أحد الأقوال، وهو قول قتادة، قال: ومعناه: وعملك فأخلصه، ويؤكد ذلك حديث جابر رفعه: "يبعث كل عبدٍ على ما مات عليه" أخرجه مسلم، وحديث فضالة بن عُبيد: "من مات على مرتبة من هذه المراتب بعث عليها يوم القيامة" أخرجه أحمد، قلنا: وممن خص حديث أبي سعيد - بالشهيد القرطبي في "التذكرة" 1/ 210.

20 -

باب في التلقين

3116 - حدَّثنا مالكُ بن عبد الواحد المِسْمَعيُّ، حدَّثنا الضحَّاك بن مَخلَدٍ، حدَّثنا عبدُ الحميد بن جعفرٍ، حدَّثني صالحُ بن أبي عَرِيبٍ، عن كثيرِ بن مُرَّةَ الحضرمي عن معاذِ بن جبل، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "من كان آخرُ كلامهِ لا إله إلا اللهُ دخل الجنة" 1.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ولفظ قتادة: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار".
ولفظ أبي حمزة: "من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة".
ولفظ ثابت: "لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسولُ الله فيدخل النار، أو تطعمه" وأخرجه الحميدي (369) وأحمد (22060) والطبراني 20/ (63) وابن حبان (200) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله أن معاذاً لما حضرته الوفاة، قال: اكشفوا عني سجْفَ القبة، سمعت رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة".
وفي الباب عن عثمان بن عفان عند مسلم (26)، وأحمد (464) "وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" وصححه ابن حبان (201) وعن أبي ذر، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" أخرجه البخاري (5828) ومسلم (94) قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق" قالها ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذر" فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر.
وعن عتبان بن مالك، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم-: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله" أخرجه البخاري (425)، ومسلم (33). وعن أبي هريرة مرفوعاً: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاكٍّ بهما إلا دخل الجنة".
وعن عبادة بن الصامت مرفرعا: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، حرم الله عليه النار" أخرجه مسلم (29). قال الحافظ ابن رجب في "تحقيق كلمة الإخلاص" المدرجة في مجموع رسائله 3/ 45 - 46: وأحاديث هذا الباب نوعان، أحدهما ما فيه أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة أو لم يحجب عنها، وهذا ظاهر، فإن النار لا يخلد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص، وقد يدخل الجنة ولا يحجب عنها إذا طُهِّر من ذنوبه بالنار، وحديث أبي ذر معناه: أن الزنى والسرقة لا يمنعان من دخول الجنة مع التوحيد، وهذا حق لا مرية فيه، ليس فيه أن لا يعذب يوما ًعليهما مع التوحيد.
=

3117 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا بشرٌ، حدَّثنا عُمارة بن غَزِيَّةَ، حدَّثنا يحيى بن عُمارة سمعت أبا سعيد الخدريَّ يقول: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "لقِّنوا موتاكُم قَوْلَ: لا إله إلاَّ اللهُ" (1).

21 -

باب تغميض الميت

3118 - حدَّثنا عبدُ الملك بن حَبيبٍ أبو مروانَ، حدَّثنا الفَزَاريُّ -يعني أبا إسحاق- عن خالدٍ الحذّاء، عن أبي قِلابةَ، عن قَبيصةَ بن ذؤيب1 = والثاني ما فيه أنه يحرم على النار، وهذا قد حمله بعضهم على الخلود فيها، أو على نار يخلد فيها أهلها، وهي ما عدا الدرك الأعلى، فإن الدرك الأعلى يدخله كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين وبرحمة أرحم الراحمين وفي "الصحيحين": إن الله تعالى يقول: "وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله".

عن أُم سلمة، قالت: دخلَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- على أبي سلمةَ وقد شقَّ بصرُه فأغمضَه، فصَيَّحَ ناسٌ من أهله، فقال: "لا تَدْعُوا على أنفسِكم إلا بخيرٍ، فإنَّ الملائكةَ يُؤمِّنون على ما تقولون" ثم قال: "اللهم اغفرْ لأبي سَلمةَ، وارفع درجته في المهديين، واخْلُفْه في عَقِبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربَّ العالمين، اللهم افْسَحْ له في قبرِه، ونَوِّرْ له فيه" 1. قال أبو داود: وتغميضُ الميِّت بعد خُروج الروح، سمعت محمدَ بن محمد بن النعمانِ المُقرئ، قال: سمعت أبا ميسرةَ -رجلاً عابداً- يقول: غَمَّضْتُ جعفراً المعلِّم، وكان رجلاً عابداً، في حالة

الموت، فرأيته في منامي ليلة مات يقول: أعظم ما كان عليَّ تغميضُك لي قبل أن أموتَ (1).

22 -

باب في الاسترجاع

3119 - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حمادٌ، أخبرنا ثابتٌ، عن ابن عُمر بن أبي سَلَمةَ، عن أبيه عن أُم سلمةَ، قالت: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- "إذا أصابَتْ أحَدَكُم مُصيبةٌ فَليَقُلْ: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك احتسَبْتُ مُصيبتي، فأْجُرني فيها، وأبدِلني بها خيراً منها" 2.1

23 -

باب في الميت يُسَجَّى

3120 - حدَّثنا أحمدُ بن حنبلِ، حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا معمرٌ، عن الزهري، عن أبي سلمةَ عن عائشة: أن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- سُجِّي في ثوب حِبَرَةٍ (1).

24 -

باب القراءة عند الميت

3121 - حدَّثنا محمدُ بن العلاءِ ومحمد بن مكيٍّ المروزيُّ -المعنى- قالا: حدَّثنا ابنُ المبارَك، عن سليمانَ التيمىِّ، عن أبي عثمانَ -وليس بالنَّهْديِّ- عن أبيهِ عن مَعْقِلِ بن يَسارٍ، قال: قال رسول -صلَّى الله عليه وسلم-: "اقرؤوا ﴿يس﴾ على موتاكُم" وهذا لفظ ابن العلاء 2.1 =وقد تابع آدم وعمرو بن عاصم على روايته كذلك عبد الملك بن قدامة الجمحي عند ابن ماجه (1598)، فرواه عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة، عن أم سلمة، عن أبي سلمة.
وأخرجه من حديث أم سلمة أحمد (26635)، ومسلم (918) من طريق ابن سفينة مولى أم سلمة، عن أم سلمة.

25 -

باب الجلوسُ عند المصيبة

3122 - حدَّثنا محمدُ بن كثيبر، حدَّثنا سليمانُ بن كثير، عن يحيى بن سعيدِ، عن عَمْرةَ عن عائشة، قالت: لما قُتل زيدُ بن حارثةَ وجعفرٌ وعبدُ الله بن رَوَاحةَ، جلس رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- في المسجد يُعرَف في وجهه الحزنُ، وذكر القصةَ 1. = بالاضطراب وبجهالة أبي عثمان وجهالة أبيه كذلك، وقال الدارقطني كما في "تلخيص الحبير" 2/ 104: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث.
وأخرجه ابن ماجه (1448)، والنسائي في "الكبرى" (10846) من طريق عبد الله ابن المبارك، بهذا الإسناد.
وأخرجه النسائي (10847) من طريق معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار.
وهو في "مسند أحمد" (20301)، و"صحيح ابن حبان" (3002). وفي الباب عن صفوان بن عمر والسَّكْسَكِىّ، قال: حدثني المشيخة أنهم حضروا غُضيف بن الحارث الثُّمالي حين اشتد سَوقُه، فقال: هل منكم أحدٌ يقرأ ﴿يس﴾؟ قال: فقرأها صالح بن شُريح السَّكُوني، فلما بلغ أربعين منها قُبض، قال: وكان المشيخة يقولون: إذا قرئت عند الميت خُفّف عنه بها.
قال صفوان: وقرأها عيسى بن المَعْمَر، عند ابن معبد.
أخرجه أحمد (16969)، وابن سعد في "طبقاته" 7/ 443 وهو أثر إسناده حسن وغضيف صحابي، وجهالة المشيخة لا تضر، لأنهم جمع.
ومعنى "على موتاكم" أي: الذين حضرهم الموت.

26 -

بادٍ في تعزية النساء وكراهةِ بُلوغهن إلى القبور

3123 - حدَّثنا يزيدُ بن خالدِ بن عَبدِ الله بن مَوهَبٍ الهَمْداني، حدَّثنا المُفضَّل، عن ربيعةَ بن سَيفٍ المَعافِريِّ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِيِّ عن عَبد الله بن عَمرو بن العاص، قال: قَبَرْنا مع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-يعني ميتاً-، فلما فرغْنا انصرفَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - وانصرفنا معه، فلما حاذى بابَه وقف فإذا نحن بامرأة مُقبِلةِ، قال: أظنه عرفها، فلما ذهبتُ إذا هي فاطمة فقال لها رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "ما أخرجَك يا فاطمةُ من بيتِك؟ " قالت: أتيتُ يا رسول الله أهْلَ هذا البيت فرحَّمْتُ إليهم ميتَهم، أو عزيتُهم به، فقال لها رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- "فلعلَّك بَلغتِ معهم الكُدَى" قالت: معاذ الله! وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر، قال: "لو بلغتِ معهم الكُدَى" فذكر تشديداَ في ذلك.
فسألت ربيعةَ عن الكُدى، فقال؟ القبور فيما أحسب 1. = وهو في مسند أحمد" (243131)، و"صحيح ابن حبان" (3147) (3155). وقوله: وذكر القصة، وتمام القصة كما في رواية البخاري (1299): وأنا انظر من سائر الباب: شقَّ الباب، فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر - وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن، فذهب، ثم أتاه الثانية لم يطعنه فقال: "انههن" فأتاه الثالثة.
قال: والله غلبننا يا رسول الله، فزَعَمَتْ أنه قال: "فاحث في أفواهن التراب" فقلت: أرغم الله أنفك لم تفعل ما أمرك رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -، ولم تترك رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- من العناء.

27 -

باب الصبر على المصيبةِ

3124/ 1 - حدَّثنا محمدُ بن المثنَّى، حدَّثنا عثمانُ بن عمر، حدَّثنا شعبةُ، عن ثابتٍ عن أنس، قال: أتى نبيُّ الله -صلَّى الله عليه وسلم- على امرأةٍ تبكي على صبيٍّ لها، فقال لها: "اتقي الله واصبري" فقالت: وما تبالي أنت بمصيبتي؟ فقيل لها: هذا رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- فأتتْه، فلم تجدْ على بابه بَوّابِين، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفْك، فقال: "إنما الصبرُ عندَ الصّدْمةِ - أو عندَ أوَّل صدمة" 1. = صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطىء كثيراً.
المفضَّل: هو ابن فضالة، وأبو عبد الرحمن الحبُلي: هو عبد الله بن يزيد المعافري.
وأخرجه النسائي (1880) من طريق سعيد بن أبي أيوب، عن ربيعة بن سيف، به.
وهو في "مسند أحمد" (6574)، و"صحيح ابن حبان" (3177). قال الخطابي: الكُدَى، جمع الكُدْية، وهي القطعة الصُّلْبة من الأرض، والقبور إنما تُحفَرُ في المواضع الصُّلْبة لئلا تنهارَ، والعربُ تقول: ما هو إلا ضبُّ كُدية، إذا وصفوا الرجل بالدهاء والإرب، ويقال: أكدى الرجلُ: إذا حفر فافضى إلى الصلابة؟ ويضرب به المثل فيمن أخفق، فلم ينجح في طَلِبتِه.

3124/ 2 - حدَّثنا محمد بن المُصفّى، حدَّثنا بقيّةُ، عن إسماعيلَ بن عياشٍ، عن عاصم بن رجاء بن حيوةَ، عن أبي عمران، عن أبي سلّام الحبشي، عن ابن غنم عن أبي موسى، قال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "الصبر رضاً" 1. = وقولها: وما تبالي أنت بمصيبتي، ولفظ البخاري: إليك عني لم تصب بمصيبتي، ولمسلم: ما تبالي بمصيبتي، وقوله -صلَّى الله عليه وسلم-: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" المعنى: إذا وقع الثبات في أول شيء يهجم على القلب من مقضيات الجزع، فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر.
وأصل الصدم: ضرب الشيء الصلب بمثله، فاستعير للمصبة الواردة على القلب.
قال الخطابي: المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة بخلاف ما بعد ذلك، فإنه على الأيام يسلو، وحكى الخطابي عن غيره أن المرء لا يؤجر على المصيبة، لأنها ليست من صنعه، وإنما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره.
وقال ابن بطال: أراد أن لا يجتمع عيها مصيبة الهلاك وفقد الأجر.
قال الحافظ: في هذا الحديث من الفوائد، منها ما كان عليه الصلاة والسلام من التواضع والرفق بالجاهل ومسامحة المصاب، وقبول اعتذاره، وملازمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومنها أن القاضي لا ينبغي أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس.
ومنها أن الجزع من المنهيات لأمره لها بالتقوى مقروناً بالصبر.
ولأبي يعلى (6067) من حديث أبي هريرة أنها قالت: يا عبد الله إني أنا الحرى الثكلى، ولو كنت مصاباً عذرتني.

28 -

باب في البكاء على الميت

3125 - حدَّثنا أبو الوليدِ الطيالسيُّ، حدَّثنا شعبةُ، عن عاصمٍ الأحولِ، سمعتُ أبا عثمانَ عن أسامة بن زيد: أن بِنْتاً لرسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- أرسلتْ إليه وأنا معه وسعْدٌ، وأحسب أُبَيّاً: أنَّ ابني أو ابنتي قد حُضِرَ فاشهد، فأرسلَ يقرأُ السلامَ، وقال: "قُلْ: لله ما أخذ، وما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجَلٍ " فأرسلتْ تُقْسِم عليه، فأتاها، فوُضعَ الصبيُّ في حَجْر رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- ونفسُه تَقَعْقَعُ، ففاضت عينا رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، فقال له سعْد: ما هذا؟ فقال: "إنها رحمةٌ، وضَعَها الله في قلوبِ من يشاء، وإنما يرحَمُ الله من عباده الرُّحَماءَ" 1. 3126 - حدَّثنا شيبانُ بن فَرُّوخٍ، حدَّثنا سليمانُ بن المغيرةِ، عن ثابت البُنَانيِّ عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- "وُلِدَ لي اللّيْلةَ غُلامٌ فسميتُه باسم أبي إبراهيم" فذكر الحديث، قال أنس: لقد رأيته

يَكيدُ بنفسِه بين يدي رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فدمَعتْ عينا رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-، فقال: "تَدمَعُ العينُ، ويَحزنُ القلبُ، ولا نقولُ إلا ما يَرضَى رَبُّنَا، إنا بكَ يا إبراهيم لمحزونونَ" (1).

29 -

باب في النَّوْحِ

3127 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الوارث، عن أيوبَ، عن حفصةَ عن أُم عطيةَ، قالت: إن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- نهانا عن النِّيَاحة 2.1

3128 - حدَّثنا إبراهيمُ بن موسى، أخبرنا محمدُ بن ربيعةَ، عن محمدِ بن الحَسن بن عطيةَ، عن أبيه، عن جده عن أبي سعيد الخدريِّ، قال: لعنَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- النائحةَ والمستمِعةَ 1.

3129 - حدَّثنا هنَّادُ بن السَّريِّ، عن عبدةَ وأبي معاويةَ -المعنى- عن هشامِ ابن عُروةَ، عن أبيه عن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "إن الميتَ لَيعذّبُ ببُكاء أهلهِ عليه" فذُكِر ذلك لعائشةَ، فقالت: وَهَلَ -تعني ابنَ عمر- إنما مَرَّ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلم - على قبر فقال: "إن صاحبَ هذا ليُعَذَّبُ وأهلُه يبكون عليه" ثم قرأت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء:15].
قال عن أبي معاوية: على قبرِ يهوديٍّ 1.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والنسائي (1848) من طريق نافع، و (1850) من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، أربعتهم عن عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب.
فجعلوه من مسند عمر بن الخطاب.
وأخرجه مسلم (932)، والترمذي (1025)، والنسائي (1856) من طريق عمرة بنت عبد الرحمن، أنها سمعت عائشة وذكر لها أن ابن عمر يقول ... الحديث.
قال الخطابي: قد يحتملُ أن يكونَ الأمرُ في هذا على ما ذهبت إليه عائشة، لأنها قد روت أن ذلك إنما كان في شأن يهودي، والخبر المفسَّر أولى من المجمل، ثم احتجت له بالآية، وقد يحتمل أن يكون ما رواه ابن عمر صحيحاً من غير أن يكون فيه خلاف الآية، وذلك أنهم كانوا يوصون أهليهم بالبكاء والنوح عليهم، وكان ذلك مشهوراً من مذاهبهم، وهو موجود في أشعارهم كقول القائل، وهو طرفة: إذا مت فانعيني بما أنا أهلُه ... وشُقي عليَّ الجيبَ يا ابنة معبد وكقول لبيد: فقوما فقولا بالذي تعلمانه ... ولاتخمِشا وجهاً ولاتحلِقا الشعر وقولا هو المرءُ الذي لا صديقه ... أضاعَ ولا خان الأمين ولا غدر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يَبْكِ حولاً كاملاً فقد اعتذر ومثل هذا كثير في أشعارهم، وإذا كان كذلك فالميت إنما تلزمه العقوبة في ذلك بما تقدم من أمره إياهم بذلك وقت حياته، وقد قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- "من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها".
وقولها: وهَلَ ابنُ عمر، معناه: ذهب وهلُه إلى ذلك، يقال: وهل الرجل ووهم بمعنى واحد.
كل ذلك بفتح الهاء، فإذا قلت: وهِل، بكسر الهاء كان معناه فزع.
وفيه وجه آخر ذهب إليه بعض أهل العلم، قال: وتأويله أنه مخصوص في بعض الأموات الذين وجب عليهم بذنوب اقترفوها وجرى من قضاء الله سبحانه فيهم أن يكون عذابهم وقت البكاء عليهم، ويكون كقولهم: مطرنا بنوء كذا، أي: عند نوء كذا، كذلك قوله: "إن الميت يعذب ببكاء أهله"، أي: عند بكائهم عليه لاستحقاقه ذلك بذنبه، ويكون ذلك حالاً لا سبباً، لأنا لو جعلناه سبباً لكان مخالفاً للقرآن، وهو قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء:15]، والله أعلم.
=

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قلنا: لكن ابن القيم في "تهذيب السنن" صوّب ما قاله ابن عمر، وأنه حفظه ولم يُتهم فيه، وأنه قد رواه عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - أبوه عمر بن الخطاب، وأنه وافق عمر عليه من حضره من جماعة الصحابة فقد قال 4/ 290 - 293: هذا أحد الأحاديث التي ردَّتها عائشة واستدركتها، ووهمت فيه ابن عمر، والصواب مع ابن عمر، فإنه حفظه ولم يُتهم فيه، وقد رواه عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- أبوه عمر بن الخطاب وهو في "الصحيحين": البخاري (1292) ومسلم (927) وقد وافقه من حضره من جماعة الصحابة، كما أخرجاه في "الصحيحين": البخاري (1290) ومسلم (927) عن ابن عمر قال: لما طعن عمر أُغْمي، فصيح عليه، فلما أفاق، قال: أما علمتم أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي".
وأخرجاه أيضاً [البخاري (1291)، ومسلم (927)] عنه، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "الميت يُعذب بما نيح عليه".
وأخرجا في "الصحيحين" أيضاً [البخاري (1290)، ومسلم (927)] عن أبي موسى، قال: لما أصيب عمر، جعل صهيب يقول: وا أخاه، فقال له عمر: يا صهيب أما علمت أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: إن الميت ليعذب ببكاء الحي".
وفي رواية أخرجها ابن سعد في الطبقات الكبرى، 3/ 362 قال عمر: أما علمت أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "من يبك عليه يُعذبْ".
وفي: الصحيح" [مسلم (927)] عن أنس أن عمر لما طُعِنَ عولت عليه حفصة، فقال: يا حفصة أما سمعت رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "المعول عليه يُعذب".
وفي "الصحيحين" [البخاري (1291)، ومسلم (933)] عن المغيرة بن شعبة سمعت رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: "من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه".
فهؤلاء عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وابنته حفصة وصهيب والمغيرة بن شعبة كلهم يروي ذلك عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم -،ومحال أن يكون هؤلاء كلهم وهموا في الحديث.
والمعارضة التي ظنتها أم المؤمنين رضي الله عنها بين روايتهم وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ غير لازمة أصلاً، ولو كانت لازمة، لزم في روايتها أيضاً أن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذاباً، فإن الله لا يعذب أحداً بذنب غيره الذي لا تسبب له فيه.
ثم ذكر رحمه الله الطرق التي سلكها العلماء في معنى الحديث.
=

3130 - حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ = أحدها: أن ذلك خاص بمن أوصى أن يناح عليه، فيكون النوح بسبب فعله، ويكون هذا جارياً على المتعارف من عادة الجاهلية كما قال قائلهم: إذا مت فانعيني بما أنا أهلُه ... وشقي على الجيبَ يا ابنة معبد وهو كثير في أشعارهم ... الثاني: أن ذلك خاص بمن كان النوح من عادته وعادة قومه وأهله وهو يعلم أنهم ينوحون عليه إذا مات، فإذا لم ينههم كان ذلك رضا منه بفعلهم، وذلك سبب عذابه، وهذا مسلك الإِمام البخاري في "صحيحه" قبل الحديث (1284)، فإنه ترجم عليه وقال: إذا كان النوح من سننه.
الثالث: أن المراد بالحديث ما يتألم به الميت ويتعذب به من بكاء الحي عليه، وليس المراد أن الله تعالى يعاقبه ببكاء الحي عليه، فإن التعذيب هو من جنس الألم الذي يناله بمن يجاوره مما يتأذى به ونحوه، قال النبي -صلَّى الله عليه وسلم-: "السفر قطعة من العذاب " وليس هذا عذاباً على ذنب، وإنما هو تعذيب وتألم، فإذا وبخ الميت على ما يناح به عليه لحقه ذلك ألم وتعذيب، ويدل على ذلك ما روى البخاري في صحيحه (4267) عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق ما قلت شيئاً إلا قيل لي: أأنت كذلك؟ وهذا أصح ما قيل في هذا الحديث.
ولا ريب أن الميت يسمع بكاء الحَيِّ ويسمع قرع نعالهم، وتعرض عليه أعمال أقاربه الأحياء، فماذا رأى ما يسوؤهم تالم له، وهذا ونحوه مما يتعذب به الميت ويتألم، ولا تعارض بين ذلك وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ بوجه ما.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" 31/ 155: وهذا اختيار أبي جعفر الطبري من المتقدمين، ورجحه ابن المرابط وعياض ومن تبعه، ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين.
قلنا: والمراد من البكاء بعضه لا جميعه وهو النوح، فقد جاءت الرخصة في البكاء عند المصيبة في غير نوح، فقد بكى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- على ابنه إبراهيم، وقال لابن عوف: "إنها رحمة، وإن العين لتدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا" رواه البخاري (1303) وقد بكى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- على عدد من الموتى كما ثبت في الأحاديث الصحيحة انظر تخريجها في التعلبق على "مستدركات عائشة" ص 186.

عن يزيدَ بن أوسِ، دخلتُ على أبي موسى وهو ثقيل، فذهبتِ امرأتُه لتبكيَ، أو تَهُمَّ به، فقال لها أبو موسى: أما سمعتِ ما قالَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-؟ قالت: بلى، قال: فسكتت، فلما مات أبو موسى قال يزيد: لقيت المرأة فقلت لها: ما قولُ أبي موسى لك: أما سمعتِ قول رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم-، ثم سكتِّ؟ قالت: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "ليس منَّا من سَلَقَ، ومن حَلَقَ، ومن خَرَقَ" 1. 3131 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حميدُ بن الأسودِ، حدَّثنا حجاجٌ عاملُ عُمرَ ابن عبد العزيز على الرَّبَذَةِ، قال: حدَّثني أَسيد بن أبي أَسيد

عن امرأةٍ من المبايعات، قالتْ: كان فيما أخذَ علينا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في المعروفِ الذي أخذ علينا أن لا نعصيَه فيه: أن لا نَخْمِشَ وجهاً، ولا ندعوَ ويْلاً، ولا نَشُقَّ جَيباً، ولا نَنشُرَ شعراً (1).

30 -

باب صنعة الطعام لأهل الميت

3132 - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا جعفرُ بن خالد، عن أبيه عن عبد الله بن جعفر، قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "اصنعوا لألِ جَعْفَرٍ طعاماً، فإنه قد أتاهم أمرٌ يَشغَلُهم" 2.1

31 -

باب الشهيد يغسل

3133 - حدَّثنا قتيبةُ بن سعيدِ، حدَّثنا مَعْنُ بن عيسى (ح) وحدَّثنا عُبيد الله بن عُمر الجُشَميُّ، حدَّثنا عبدُ الرحمن بن مهدي، عن إبراهيم بن طَهمَان، عن أبي الزبير عن جابر، قال: رُمي رجل بسهمٍ في صَدرِه، أو في حلْقِه، فمات، فأُدرج في ثيابه كما هو، قال: ونحن مع رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم- 1. 3134 - حدَّثنا زيادُ بن أيوبَ وعيسى بن يونُس الطَّرَسوسي، قالا: حدَّثنا عليُّ بن عاصمٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ عن ابن عباس، قال: أمر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بقتلى أُحُدِ أن يُنزعَ عنهم الحديدُ والجلودُ، وأن يُدْفَنُوا بدمائِهم وثيابِهم 2. وهذا لفظ زياد.
= وقال المناوي في "فيض القدير" 1/ 534: قال ابن الأثير: أراد اطبخوا واخبزوا لهم، فيندب لجيران الميت وأقاربه الأباعد صنع ذلك ويحلفون عليهم في الأكل، ولا يندب فعل ذلك لأهله الأقربين، لأنه شرع في السُّرور لا في الشُّرور، فهو بدعة قبيحة كما قاله النووي وغيره.
ونقل المناوي عن القرطبي أنه قال: الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام والمبيت عندهم، كل ذلك من فعل الجاهلية، قال: ونحو منه الطعام الذي يصطنِعُه أهلُ الميت في اليوم السابع، ويجتمع له الناس، يريدون به القربة للميت، والترحم عليه، وهذا لم يكن فيمن تقدم، ولا ينبغي للمسلمين أن يقتدوا بأهل الكفر، وينهى كل إنسان أهله عن الحضور لمثل هذا، وشبهه من لطم الخدود وشق الجيوب واستماع النوح.

جارٍ التحميل