حاشية الخلوتي على منتهى الإراداتصفحات 5-46

مقدمة وزارة الأوقاف والشؤن الإسلامية دولة قطر

صفحات 5-46

الحمدُ للَّهِ حمدًا يوافي نعمه، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ خلقه وخاتم رسله.
وبعد: فإن علماء الإسلام قد خلَّفوا لنا تراثًا علميًّا ضخمًا، متعدد المناحي، وما يزال معظم هذا التراث مخطوطًا لم يرَ النور، ولم يتعرّف عليه الباحثون، رغم ما فيه من المعاني الدقيقة والأفكار العميقة التي تخدم واقعنا المعاصر، وتنير السبل لأمتنا في مجالات الفكر والتشريع والثقافة، ويقدِّر بعض الخبراء أن ما بقي مخطوطًا من تراث علماء الإسلام يربو على ثلاثة ملايين عنوان، تَقبعُ في زوايا المكتبات، وظلام الصناديق والأَقبية، حتى أن بعضها لم يفهرس فهرسةً دقيقةً فضلًا عن النشر.
فكان من المهم في هذه المرحلة أن تتَّجه الجهود لتقويم هذا التراث واستجلاء ما ينفع الناس منه في عصرنا، ثم العمل على تحقيقه ونشره.
وإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر -وقد وفقها اللَّه لأن تضرب بسهم في إحياء هذا التراث- لَتحمد اللَّه -سبحانه وتعالى- على أنَّ ما أصدرته من نفائس التراث قد نال الرضا والقبول من أهل العلم في مشارق الأرض ومغاربها.
والمتابع لِحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهود دولة قطر في خدمة تراث الأمة منذ ما يزيد على ستة عقود، وقد جاء مشروع إحياء التراث الإسلامي الذي بدأته الوزارة منذ أربع سنوات امتدادًا لتلك الجهود، وسيرًا على تلك المحجَّة التي عُرفت

بها دولة قطر.
ومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسَّر اللَّه -جل وعلا- للوزارة إخراج مجموعة من أمهات كتب العلم في فنون مختلفة تُطبع لأول مرة، ففي تفسير القرآن الكريم أصدرت الوزارة تفسير الإمام العُليمي "فتح الرحمن في تفسير القرآن"، وفي علم الرسم أصدرت كتاب "مرسوم المصحف" للإمام العُليمي، ونحن بصدد إصدارٍ جديد متمينر لـ "المحرر الوجيز" لابن عطية، مقابلًا على نسخ خطية عدة.
وفي السُّنّة أصدرت الوزارة كتاب "التوضيح شرح الجامع الصحيح" لابن الملقن، و"حاشية مسند الإمام أحمد" للإمام السندي، وشرحين لموطأ مالك لكل من القنازعي والبوني، و"شرح مسند الشافعي" للإمام الرافعي، و"نخب الأفكار شرح معاني الآثار" للبدر العيني، إضافة إلى "صحيح ابن خزيمة" بتحقيقه الجديد المُتقن.
ويخرج قريبًا بإذن اللَّه كل من "السنن الكبرى" للنسائي، و"صحيح ابن حبان" كما صنَّفه صاحبه على التقاسيم والأنواع.
وهناك مشاريع أخرى يُعلن عنها في حينها.
وفي الفقه أصدرت الوزارة: "نهاية المطلب في دراية المذهب" للإمام الجويني الذي حقَّقه وأتقن تحقيقه عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي أ. د. عبد العظيم الديب -رحمه اللَّه تعالى- وكتاب "الأوسط" لابن المنذر، بمراجعة دقيقة للدكتور: عبد اللَّه الفقيه عضو اللجنة، وفي الطريق إصدارات أخرى مهمّة تمثِّل الفقه الإسلامي في عهوده الأولى.
وفي السيرة النبوية أصدرت الوزارة الموسوعة الإسنادية "جامع الآثار" لابن ناصر الدين الدمشقي.
وفي العقيدة والتوحيد أصدرت الوزارة كتابا نفيسًا لطيفًا هو "الاعتقاد" لابن العطار، تلميذ النووي رحمهما اللَّه.

ولم نغفل عن إصدار دراسات معاصرة متميزة من الرسائل العلمية وغيرها، فاخرجنا "القيمة الاقتصادية للزمن" و"نوازل الإنجاب" وفي الطريق -بإذن اللَّه تعالى- ما تقرُّ به العيون من دراسات معاصرة في القرآن والسنة، ونوازل الأمة.
ويسرُّنا اليوم أن نقدِّم للمسلمين إصدارًا آخر، هذه المرة في الفقه الحنبلي، وهو "حاشية الخلوتي على كتاب منتهى الإرادات"، و"منتهى الإرادات" من أهم كتب المذهب لدى المتأخرين، وهذه الحاشية من أَنفَس حواشيه، وقد حُقِّقت في رسالتين علميتين رأى صاحباهما إخراجهما كما هما، ولم نمانع من ذلك لأهمية الكتاب.
إدارة الشؤن الإسلامية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة الأولي

إن الحمد للَّه، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70 - 71] 1. أما بعد: فإن أولى ما يتنافس فيه المتنافسون، وأحرى ما يتسابق في حلبة سباقه المتسابقون، ما كان فيه سعادة العبد في الدنيا والآخرة، ذلك العلم النافع والعمل الصالح، فمن رُزِقهما فقد فاز وغنم، ومن حُرِمهما فالخير كله حُرِم.
وإن العلم الشرعي ومعرفة ما أنزل اللَّه على رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- من الأحكام بأدلتها، وما يترتب عليها من الثواب والعقاب من أفضل ما شُغِلت به الأوقات وصُرِفت إليه العزائم والهمم، فإنه بمعرفة ذلك يكون متعبدًا للَّه على بصيرة، نافعًا للعباد في عباداتهم

ومعاملاتهم الدقيقة والجليلة.
ومن رحمة اللَّه -تعالى- بعباده أن حفظ هذا الدين برجاله المخلصين، وهم العلماء العاملون، الذين كانوا أعلامًا يُهتدَى بهم، وأئمة يُقتدَى بهم، وأقطابًا تدور عليهم معارف الأمة، وأنوارًا تتجلى بهم غياهب الظلمة، آثارهم محمودة، وطريقتهم مأثورة، وذكرهم مرفوع، وسعيهم مشكور.
ومن هؤلاء الأئمة الإمام أحمد بن حنبل -رحمه اللَّه-، فإنه ملأ الأرض علمًا وحديثًا، وعَلِمَ اللَّه -تعالى- حسن نِيَّته وقصده، فكُتِبَ كلامه وحُفِظ، وانتفعت به الأمة، وصار إمامًا وقدوة لأهل السنة.
ثم جاء من بعده أتباعه، فجمعوا مسائله ورواياته، وقعَّدوا لها القواعد، وفَرَّعوا عليها المسائل، وأكثروا من التصنيف، والتأليف في ذلك، ولا سيما المتأخرون منهم، فإنهم سلكوا مسلك التصحيح والترجيح بين الروايات والأقوال، فحرروا المذهب ونقَّحوه، وبيَّنوا ما أُجمِل ووضحوه.
ومن هؤلاء العلَّامة علاء الدين علي بن سليمان المرداوي في كتابه: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف"، فهو تصحيح لما نقل عن الإمام أحمد في المسألة من روايات، وما نقل عن الأصحاب فيها من أقوال.
ثم اختصره في كتابه: "التنقيح المشبع" صحح فيه ما أطلقه الموفق في: "المقنع" من الروايات، والأوجه، وقيَّد ما أخَل فيه من الشروط، أو ما فيه إطلاق، واستثنى من عمومه ما هو مستثنى على المذهب حتى خصائص النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فصار تصحيحًا لغالب كتب المذهب 1، فبين في: "إنصافه"، و"تنقيحه" -رحمه اللَّه- الصحيح من الضعيف.

ثم نحا نحوه مقلدًا له: العلامة موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي في كتابه: "الإقناع لطالب الانتفاع"، فقد جرد فيه الصحيح من مذهب الإمام أحمد.
ونحا نحوه أيضًا: العلَّامة محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي الشهير بابن النجار في كتابه: "منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح، وزيادات".
ويعتبر هذان الكتابان -"الإقناع" و"المنتهى"- العمدة عند المتأخرين، ومدار الفتوى عليهما، إذ فيهما البغية المنشودة والضالة المفقودة.
فإن اختلفا فالمرجع والمعتمد على ما في: "المنتهى"، لأنه أكثر تحريرًا وتصحيحًا من "الإقناع" وإن كان الإقناع أكثر وضوحًا ومسائل.
ولما كان لكتاب: "المنتهى" هذه المنزلة عند المتأخرين من الأصحاب أَوْلوه عناية فائقة من جميع جوانبه؛ فتارة: بالحفظ، والتدريس، واعتماده في القضاء والفُتيا، وتارة: بالشرح والاستدلال.
وتارة: بالتحشية، والتحرير، والتدقيق.
وتارة: بالاختصار.
وتارة: بالجمع بينه وبين "الإقناع".
وممن خدم هذا الكتاب واهتم به -بالتحشية والتحرير- الشيخ محمد الخَلوتي -رحمه اللَّه- في: "حاشيته على المنتهى"، فحَلَّل وحرر كثيرًا من ألفاظ "المنتهى" ومسائله، واعتنى بالفروق الفقهية، وتصوير المسائل، وتلخيص الشروط.
ولما أنهيت -بحمد اللَّه- مرحلة الماجستير، بحثت عن موضوع ليكون رسالة لنيل درجة الدكتوراه، فاستعنت باللَّه -تعالى، فهو خير معين-، فوقع اختياري على "حاشية المنتهَى" للخَلوتي -رحمه اللَّه-، القسم الأول (من أول الحاشية إلى آخر كتاب الوصايا).

أسباب اختيار الموضوع

: 1 - الإسهام ولو بجهد المقِل لإحياء ما خلَّفه أسلافنا من تراث أَوْدَعوه ثمرات جهودهم مع ما أوتوا من التحقيق، والتمحيص.
2 - لمَّا كان الإمام أحمد -رحمه اللَّه- من أكثر الأئمة الأربعة إلمامًا بالحديث والأثر، وما كان عليه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه -رضي اللَّه عنهم-، وكانت كتب أتباعه معتبرة في هذه البلاد، ومعتمدة في التدريس في المساجد والكليات والمعاهد، أحببت أن يكون الكتاب الذي أحققه أحد الكتب الفقهية في مذهب الإمام أحمد -رحمه اللَّه-.
3 - شهرة كتاب: "المنتهى" ومنزلته الرفيعة عند المتأخرين وتقديمه على غيره في الفتوى والقضاء، ولا شك أن هذه الحاشية ستستمد هذه القوة من ذلك، إضافة إلى مكانتها المميزة بين شروح "المنتهى" وحواشيه.
4 - مكانة مصنف الحاشية بين علماء المذهب وشهرته، وتميزه بالتحرير والتحقيق والتدقيق.
5 - ما لهذه الحاشية من ميزات كالعناية بنقل الأقوال ونسبتها، وكثرة مصادرها، واشتمالها على فوائد وزيادات كثيرة في فنون متنوعة، وظهور شخصية مؤلفها، ووضوح رأيه -كما فصلته في موضعه-.
6 - أن تحقيق الحواشي لا يقل أهمية عن تحقيق الشروح: فالشرح وإن فاق الحاشية بتناوله جميع ألفاظ المتن بالشرح والتحليل، لكن الحاشية تفوق الشرح بأن المحشي يتناول من ألفاظ المتن ما يرى أن بحثه مهم، فتجد في الحواشي من العمق، والتحرير، والتدقيق، ما لا يكاد يوجد في الشروح.
7 - توفر النسخ الكافية لهذه الحاشية مما يعني خروج نَصها على النحو الذي أردت -إن شاء اللَّه تعالى-، وقد اعتمدت أربع نسخ خطية كما سيأتي.

خطة البحث

: وقد كانت خطة العمل في هذا التحقيق على النحو التالي: أولًا- القسم الدراسي: وتحته ستة فصول: الفصل الأول: التعريف بمؤلف كتاب منتهى الإرادات.
الفصل الثاني: التعريف بكتاب منتهى الإرادات - القسم الأول.
الفصل الثالث: التعريف بكتاب منتهى الإرادات - القسم الثاني.
الفصل الرابع: التعريف بمؤلف حاشية منتهى الإرادات.
الفصل الخامس: التعريف بحاشية منتهى الإرادات - القسم الأول.
الفصل السادس: التعريف بحاشية منتهى الإرادات - القسم الثاني.
ثانيًا- منهج تحقيق "حاشية الخلوتي على المنتهى": التزمت في تحقيق "حاشية الخلوتي على المنتهى" بالمنهج الموحد لتحقيق المخطوطات في قسم الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء وذلك على النحو التالي: 1 - نسخ المخطوط حسب قواعد الإملاء، مع مراعاة علامات الترقيم المعروفة.
2 - مقارنة النسخ الخطية المتوفرة والتي قد ذكرتها عند كلامي عن النسخ.
3 - اختيار النسخة الأصل مراعيًا قواعد الاختيار.
4 - إثبات الفروق بين النسخ في الهامش.
5 - عَزْو الآيات القرآنية إلى مواضعها في الكتاب الكريم.
6 - تخريج الأحاديث والآثار من مصادرها الأصيلة، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بذلك، وإلا ذكرت من خَرَّجه من كتب السنن الأربعة، وغيرها من كتب الأحاديث المعتمدة.

7 - ذكر الأدلة التي يشير إليها المصنف إشارة دون ذكر.
8 - توثيق الروايات والنصوص التي يذكرها المؤلف من مصادرها الأصيلة.
9 - شرح الغريب من الألفاظ الواردة في الحاشية.
10 - توثيق ما يحتاج إلى توثيق من المقادير أو غيرها.
11 - التعريف بالبقع والأماكن من المصادر المعتمدة في ذلك.
12 - الترجمة للأعلام غير المشهورين الوارد ذكرهم في الكتاب.
13 - وضع فهارس كافية كشافات للنص المحقق، وهي: 1 - فهرس الآيات القرآنية.
2 - فهرس الأحاديث.
3 - فهرس الآثار.
4 - فهرس الأشعار.
5 - فهرس المصطلحات والكلمات الغريبة.
6 - فهرس الأماكن.
7 - قائمة المصادر والمراجع.
8 - فهرس الموضوعات.
وبعد: فإن ما قدمته عمل بشري، يسري عليه الخطأ، ويكتنفه النقص والقصور، ويأبى اللَّه العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه.
هذا واعترافًا بالفضل لأهله، أتقدم بالشكر الجزيل لكل من أعانني في هذه

الرسالة، وأحق هؤلاء بالشكر والاعتراف له بالفضل، بعد اللَّه -سبحانه وتعالى-، سماحة شيخنا ووالدنا العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه اللَّه رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته-، فقد كان له الفضل في توجيهي إلى تحصيل العلم الشرعي، وأفادني من علمه وخُلُقِه الشيء الكثير، فجزاه اللَّه خير الجزاء، وغفر له، ورحمه.
كما أتقدم بالشكر إلى صاحب الفضيلة الدكتور سليمان بن عبد اللَّه بن حمود أبا الخيل، وكيل جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية، والمشرف على الرسالة، لما قام به من نصح، وتوجيه، وإفادة، فجزاه اللَّه خيرًا.
وأخيرًا: أشكر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية على ما تقوم به من خدمات جليلة وعظيمة للإسلام والمسلمين، وأخص بالشكر القائمين على المعهد العالي للقضاء لما يسروا من الخدمات للعلم وطلابه.
وفي الختام: أسال اللَّه -تعالى- أن يجعل عملي خالصًا لوجهه، نافعًا لعباده، إنه جواد كريم، والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه الدكتور سامي بن محمد بن عبد اللَّه الصقير

المقدمة الثانية

إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-.
أما بعد: فإن من أشرف ما شُغلت به الأوقات، وأجل ما بُذلت فيه الجهود، وعُلقت به الهمم والعزائم؛ طلب العلم الشرعي؛ المستمد من كتاب اللَّه -جل وعلا-، وسنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، حفظًا، وتفقهًا، وتطبيقًا.
ومن أول ذلك فقه الأحكام، الذي هو تفسير لتلك النصوص، وتنزيل لها على الوقائع والنوازل؛ لشدة حاجة الناس إليه في كل زمان ومكان، فهو الطريق لتصحيح العبادات التي يتقرب بها الناس إلى اللَّه -جلا وعلا-، لتكون مبنية على الحق، ومقامة على بصيرة، ولتصحيح معاملات الناس، وتجاراتهم وتبادلهم المنافع، ولتأمين المجتمع من شرور الفوضى، والحفاظ على دماء الناس وأعراضهم وأموالهم؛ بمعرفة حكم اللَّه وكيفية تطبيقه على المعتدين والمجرمين، وضبط قواعد القضاء والتحاكم والدعاوى والبينات في ذلك كله.
لذا تعلقت أنفس العلماء وطلاب العلم بهذا الفن، واتجهت أنظارهم وهممهم إليه سلفًا وخلفًا، يدرسونه ويقررونه، استنباطًا من النصوص، ومقارنة يين المذاهب، وإقامة للمناظرات والمناقشات في ذلك؛ طلبًا للوصول إلى الحق فيه، فنشأ لذلك

علم الفقه، وكثرت فيه المصنفات؛ ما بين مختصرات ومطولات، ومتون وشروح لها وحواش عليها، وتبارى جهابذة هذا الفن من كل المذاهب في هذا الميدان، فتكونت فيه ثروة عريضة مشرفة، بقيت منارًا للأجيال اللاحقة، ولم يزل هذا المدُّ -بفضل اللَّه تعالى- مستمرًا في العطاء والتجدد.
وكان من فضل اللَّه عليَّ أن تخصصت في هذا الفن في دراستي الجامعية وما بعدها، وقد تشرفت بالانتساب إلى هذه الجامعة المباركة، في المعهد العلمي، ثم كلية الشريعة، ثم المعهد العالي للقضاء في مرحلتَي الماجستير والدكتوراه.
وقد أنهيت متطلبات الماجستير عام 1417 هـ، ولم أزل أتلفت عن موضوع يصلح لتسجيله أطروحة لنيل درجة الدكتوراه، حتى وجدت بغيتي -بحمد اللَّه- في حاشية العلامة محمد بن أحمد البهوتي الخَلوتي المصري المتوفى سنة ثمان وثمانين وألف بعد الهجرة، على منتهى الإرادات للعلامة محمد بن أحمد الفتوحي الشهير بابن النجار المتوفى سنة اثنتين وسبعين وتسعمئة.
فسعدت بهذه الحاشية، وعزمت على تحقيقها بعد أن اطلعت عليها، وذلك لما يلي: 1 - شهرة المنتهى ومنزلته الرفيعة بين أهل المذهب، وتقديمه على غيره عند المتأخرين في الفتوى والقضاء، ولا شك أن هذه الحاشية ستستمد هذه القوة من ذلك إضافة إلى ما أطبق عليه الحنابلة من مكانتها المميزة بين شروح المنتهى وحواشيه.
2 - مكانة مصنف الحاشية بين علماء المذهب وشهرته وتميزه بالتحرير والتحقيق والتدقيق.
3 - ما لهذه الحاشية من ميزات كالعناية بنقل الأقوال ونسبتها، وكثرة مصادرها، واشتمالها على فوائد وزيادات كثيرة في فنون متنوعة، وظهور شخصية مؤلفها، ووضوح رأيه -كما فصلته في موضعه-.

4 - توفر النسخ الكافية لهذه الحاشية مما يعني خروجها نصًّا على أحسن صورة -إن شاء اللَّه تعالى- وقد اعتمدت أربع نسخ خطية -كما سيأتي-.
5 - استشهاد المصنف في الحاشية بأحاديث وآثار كثيرة مما يقوي الكتاب ويثري مادته.
وقد كانت خطة العمل في هذه الأطروحة على النحو التالي: أولًا- القسم الدراسي: وتحته ستة فصول: الفصل الأول: التعريف بمؤلف كتاب منتهى الإرادات.
الفصل الثاني: التعريف بكتاب منتهى الإرادات - القسم الأول.
الفصل الثالث: التعريف بكتاب منتهى الإرادات - القسم الثاني.
الفصل الرابع: التعريف بمؤلف حاشية منتهى الإرادات.
الفصل الخامس: التعريف بحاشية منتهى الإرادات - القسم الأول.
الفصل السادس: التعريف بحاشية منتهى الإرادات - القسم الثاني.
ثانيًا- منهجي في تحقيق حاشية الخَلوتي على المنتهى: وقد التزمت فيه بالمنهج الموحد لتحقيق المخطوطات في قسم الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء وذلك على النحو التالي: 1 - نسخ المخطوط حسب قواعد الإملاء مع مراعاة علامات الترقيم المعروفة.
2 - مقارنة النسخ الخطية المتوفرة والتي قد ذكرتها عند كلامي عن النسخ.
3 - اختيار النسخة الأصل مراعيًا قواعد الاختيار.
4 - إثبات الفروق بين النسخ في الهامش.
5 - عزو الآيات القرآنية إلى مواضعها في الكتاب الكريم.

6 - تخريج الأحاديث والآثار من المصادر الأصلية فإن كان الحديث في الصحيحَين أو أحدهما اكتفيت بذلك وإلا فألتزم ببيان درجته.
7 - ذكر الأدلة التي يشير إليها المصنف إشارة دون ذكر.
8 - توثيق الروايات والنصوص التي يذكرها المؤلف من مصادرها الأصلية.
9 - شرح الغريب من الألفاظ الواردة في الحاشية.
10 - توثيق ما يحتاج إلى توثيق من المقادير أو غيرها.
11 - التعريف بالبقع والأماكن من المصادر المعتمدة في ذلك.
12 - الترجمة للأعلام الوارد ذكرهم في الكتاب.
13 - وضع فهارس كافية كشافات للنص المحقق وهي: 1 - فهرس الآيات القرآنية.
2 - فهرس الأحاديث.
3 - فهرس الآثار.
4 - فهرس الأشعار.
5 - فهرس المصطلحات والكلمات الغريبة.
6 - فهرس الأماكن.
7 - قائمة المصادر والمراجع.
8 - فهرس الموضوعات.
14 - وقد كان مصطلحي في ذكر المصادر كما يلي: أ- إذا كانت المسألة نصًّا بتمامها في بعض المصادر، وبالمعنى أو ناقصة في الأخرى، ذكرت الأولى مباشرة ثم أذكر الأخرى مسبوقة بكلمة: (وانظر).

ب- إذا قلت: انظر المصادر السابقة أو: المصدر السابق في تحقيق كلام صاحب الحاشية فالمقصود آخر مصدر مذكور متعلق بالحاشية دون المنتهى، وكذلك إذا ذكرته في تحقيق المنتهى فالمقصود آخر مصدر مذكور متعلق بالمنتهى دون الحاشية.
وقد ألجأني إلى ذلك ما استحسنته أخيرًا من دمج مصادر الكتابَين لئلا يكثر تقسيم الصفحة مما يبدد الفائدة، ويشتت ذهن القارئ.
15 - ميزت كل نص بنوع من الأقواس؛ فالآيات الكريمة بين قوسين هكذا {}، والأحاديث بين قوسين هكذا: " "، والنصوص المنقولة عن العلماء بين قوسين هكذا:، كما وضعت الكلمات الساقطة وأرقام لوحات وصفحات النسخ بين قوسَين هكذا:.
وبعد: فأحمد اللَّه -جل وعلا- أولًا وآخرًا على ما مَنَّ به من تيسير هذا العمل، ووفق لاتمامه، وأساله -سبحانه- أن يوفقني لاخلاص النية فيه، وأن يتقبله مني، وأن ينفع به، وييسرني للخير واليسرى إنه سميع مجيب.
ثم أتقدم بخالص شكري وامتناني لهذه الجامعة العريقة جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية، التي احتضنتني في مراحل التعليم، ممثلة بمعالي مديرها ومسؤوليها في كافة قطاعاتها، واخص منها المعهد العالي للقضاء، الذي لم يزل نتاجه موفورًا ومشكورًا وظاهرًا في كل ميدان، وأسال اللَّه -تعالى- أن يرفع منارها، وأن يعلي شأنها، ويزيدها عزًّا وتمكينًا.
والشكر موصول لكل من أسدى إليَّ معروفًا وأعانني على إتمام هذا العمل، وعلى رأسهم صاحب الفضيلة الدكتور سليمان بن عبد اللَّه بن حمود أبا الخيل وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والمشرف على الرسالة، الذي غمرني بفضله وتوجيهه، ونصحه، ولا أجد من الكلام ما يوفي بما في النفس له، لكني أسال اللَّه

-تعالى- أن يتولى مثوبته.
اللهم ارزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وزدنا علمًا وعملًا يا أرحم الراحمين، والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
وكتبه الدكتور محمد بن عبد اللَّه بن صالح اللحيدان

الفصل الأول التعريف بمؤلف كتاب منتهي الإرادات

المطلب الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته

: اسمه ونسبه: هو العلامة الفقيه الأصولي: محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم بن رُشَيد -بضم الراء مصغرًا- الفتوحي المصري الحنبلي، تقي الدين، أبو بكر، الشهير بابن النجار (1). كنيته: وأما أصل نسبة الفتوحي، فلعله نسب إلى باب "الفتوح" الذي هو جزء من قصبة القاهرة القديمة، والمعروف بناحية قسم الجمالية بجوار الحسينية، وبالقرب من مقبرة "باب نصر" المشهورة.
ولا يبعد أن يكون أحد أجداده القدامى قد أكثر من الخروج للغزو والجهاد، واشتهر بفتح الأمصار والبلاد، فلُقب بـ "الفتوحي"، ثم نسب أولاده إليه.
و"الفتوحي" بضم الفاء: جمع فتح والمراد به: افتتاح دار الحرب (2).

المطلب الثاني: مولده، ونشأته، وحياته

: مولده: ولد رحمه اللَّه سنة (898 هـ).12 هذا الفصل من كتابة الدكتور سامي بن محمد بن عبد اللَّه الصقير (الناشر).

وكان مكان ولادته: القاهرة، مصر 1. نشأته وحياته: نشأ تقي الدين الفتوحي -رحمه اللَّه تعالى- في بيت علم، وأدب، وصلاح، وزهد، إذ كان والده أحمد بن عبد العزيز، من كبار فقهاء الحنابلة، وقاضي قضاتهم بالديار المصرية، ومن علماء السنة والحديث والآثار 2. فتأثر -رحمه اللَّه- بهذا الجو العلمي، وبتلك الأسرة الصالحة، فلم تكن حياته حياة لهو وترف ولعب، بل كانت حياة جد، وطلب للعلم، وحرص على الاستفادة والاعتماد على النفس.
فاتجه -رحمه اللَّه- إلى طلب العلم وتحصيله على يد والده وغيره من العلماء في عصره، فحفظ على يد والده "المقنع" وغيره من المتون في أنواع العلوم، ولازمه مع غيره من الطلاب 3 ليستفيد من غزير علمه، وتنوع معارفه، ويتربى على أخلاقه، فقد كان والده مع علو مكانته الاجتماعية والعلمية متواضعًا، زاهدًا، ورعًا، لا يحب التكلف.
وقد أثر هذا البيت الصالح في خلقه وصفاته، فكان -رحمه اللَّه- على جانب كبير من حسن الخلق، وكريم الصفات، وسلامة الصدر.
ويشهد لهذا زميله الشعراوي حين ترجم له فقال: "ومنهم سيدنا ومولانا الشيخ، الإمام، العلَّامة، تقي الدين، ولد شيخ الإسلام، الشيخ شهاب الدين الشهير بابن النجار، صحِبته أربعين سنة فما رأيت عليه شيئًا يشينه في دينه، بل نشأ في عفة، وصيانة، ودين، وعلم، وأدب وديانة...، وما سمعته قط يستغيب أحدًا

من أقرانه، ولا غيرهم، ولا حسد أحدًا على شيء من أمور الدنيا، ولا زاحم عليها وما رأيت أحدًا أحلى منطقًا، ولا كثر أدبًا مع جليسه منه، حتى يود أنه لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا، وبالجملة: فأوصافه الجميلة تَجِل عن تصنيفي" (1). ولم يكن -رحمه اللَّه- من أهل الثراء والمال، ولا من الذين اشتغلوا بالفانية عن الباقية، بل كان على تقشف، وزهد، وتقلل من هذه الحياة الدنيا.
قال زميله في الطلب الجزيري: "وكانت أيامه جميعًا اشتغالًا بالفُتيا، أو بالتدريس، أو بالتصنيف مع جلوسه في إيوان الحنابلة للقضاء، وفصل الأحكام وربما لُمْتُه في ذلك فيعتذر بفقرة، وكثرة العيلة" (2). هذه بعض صور من حياته، وجوانب من نشأته تبين ما كان عليه -رحمه اللَّه- من نشأة صالحة، وحب للعلم، والتحصيل، والإطلاع، وإفادة الناس، وعلو همة، وزهد، وروع، وتَقلُّل من هذه الفانية، وتعلق بالباقية.

المطلب الثالث: عقيدته

: لم يرد في كتب التراجم والأعلام التي وقفت عليها ما يوضح أو يشير إلى عقيدة ابن الفتوحي -رحمه اللَّه-.
لكن يمكن معرفة جوانب من عقيدته من خلال بعض العقائد التي ذكرها في كتابه: "شرح الكوكب المنير".
1 - قوله في الإيمان: "وعن أحمد -رضي اللَّه عنه- في المعرفة الحاصلة في القلب -هل تقبل التزايد والنقص؟ - روايتان، والصحيح من مذهبنا ومذهب جمهور أهل السنة12

إمكان الزيادة في جميع ذلك" 1. فأثبت أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا مذهب أهل السنة.
وأثبت أن الإيمان: "عقد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان" 2. وقال أيضًا -رحمه اللَّه-: "ويجوز الاستثناء فيه؟ أيْ: في الإيمان، بأن تقول: أنا مؤمن -إن شاء اللَّه-، نص على ذلك الإمام أحمد، والإمام الشافعي، ومنع ذلك الإمام أبو حنيفة وأصحابه" 3. 2 - وأثبت أن مرتكب الكبيرة إن تاب منها غُفرت، وإلا فهو تحت المشيئة، وأنه لا يخلد في النار، ثم قال: "وخالف المعتزلة، فقالوا: بخلود أهل الكبائر في النار، ولو عملوا حسنات كثيرة، وهذا يصادم القرآن والأحاديث الصحيحة" 4. وقال أيضًا: "أجمعنا على أن القرآن كلام اللَّه، كما أخبر به، نحو قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6] " 5 وقال -رحمه اللَّه- بعد أن ذكر خلاف السلف والخلف في إثبات الحرف والصوت في كلام اللَّه -عز وجل-، والرد على من قال بعدم الإثبات: "ورأينا هؤلاء الأئمة -أئمة الإسلام الذين اعتمد أهل الإسلام على أقوالهم، وعملوا بها، ودونوها، ودانوا اللَّه بها- صرحوا بأن اللَّه يتكلم بحرف وصوت لا يشبهان صوت مخلوق ولا حرفه بوجهٍ البتة، معتمدين على ما صح عندهم عن صاحب الشريعة المعصوم

في أقواله، وأفعاله، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، مع اعتقادهم -الجازمين به الذي لا يعتريه شك، ولا وهم، ولا خيال- نفي التشبيه، والتمثيل، والتعطيل، والتكييف، وأنهم قائلون في صفة الكلام، كما يقولون في سائر الصفات -للَّه تعالى- من النزول، والاستواء، والمجيء، والسمع، والبصر، واليد، والقدم، والوجه، والعين، وغيرها، كما قاله سلف الأمة مع إثباتهم لها ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: 32]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40] " 1. 4 - وأثبت الصفات الفعلية: كالنزول، والاستواء، والمجيء، وغيرها 2، والصفات الخبرية: كاليد، والقدم، والوجه، والعين، والذاتية: كالسمع، والبصر، وغيرها 3. وقال أيضًا -رحمه اللَّه-: "وهي؛ أيْ: مشيئة اللَّه -سبحانه وتعالى-، وإرادته ليستا بمعنى محبته ورضاه، وسخطه وبغضه 4، فيحب ويرضى ما أمر به فقط، وخلق كل شيء بمشيئته -تعالى-، فيكون ما يشاء لمشيئته، وإن كان قد لا يحبه، وهذا مذهب السلف من أئمة الفقهاء من السلف والمحدثين" 5. ثم بين أنواع الإرادة فقال: "ثم اعلم أن إرادة اللَّه سبحانه وتعالى في كتابه نوعان: نوع بمعنى المشيئة لما خلق نحو قوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ في

السَّمَاءِ} [الأنعام: 125]. ونوع بمعنى محبته ورضاه لما أمر به، وإن لم يخلقه، نحو قوله -تعالى-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] " (1). فتبين من النصوص السابقة التي نقلناها عن الفتوحي -رحمه اللَّه- أنه اعتقد فيها اعتقاد السلف، المبني على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ويدل ذلك كثرة نقله لكلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، عند تعرضه لمسائل العقيدة.
ولكن يُؤخذ عليه أنه بعد أن أثبت: أن القرآن كلام اللَّه -تعالى- حرفُه ومعناه وأنه غير مخلوق، أنه قال: "وإنما أطلنا لأن غالب الناس في زماننا يزعمون أن القائل بأن اللَّه يتكلم بصوت وحرف قديمين غير متعاقبين، من فوق السماء بقدرته ومشيئته إذا شاء، وكيف شاء -كما قرر-، يكون كافرًا، فهذا أحمد والبخاري وغيرهم -ممن ذكرنا- صرحوا بذلك، وقد سمَّوا مخالِفه مبتدِعًا" (2). وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه-: "أن اللَّه متكلم بحرف وصوت، وأن صفة الكلام قديمة النوع حادثة الآحاد، وبين بطلان من وصف الصوت والحرف بالقدم" (3).

المطلب الرابع: مكانته العلمية

: سبق أن الفتوحي -رحمه اللَّه- نشأ في بيت علم، وصلاح، إذ والده من علماء123

الحديث والفقه، فتأثر بوالده فنشأ محبًّا للعلم، حريصًا عليه، مشتغلًا بطلبه، فكان من ثمرة ذلك: أن "حفظ المقنع" وغيره من المتون في مختلف العلوم على والده، ولازم والده ملازمة تامة حفظًا، وقراءة، وبحثًا 1. كما أنه لم يقتصر على التفقه في مذهب الإمام أحمد -رحمه اللَّه-، بل أخذ عن أصحاب المذاهب الأخرى -كما ذكر ذلك الشعراوي عنه- فاتسعت بذلك دائرة مشايخه، وازداد بذلك عمقًا في الفقه، وكان له أثر في نبوغه وتفوقه 2. والمطلَّع على ما حرره من مختصرات، وما سطره من شروح، وما كتبه من مؤلفات، يجد أنه من الفقهاء المدققين، والأصوليين البارعين الملمين بعلم السنة والعربية.
فكتابه: "منتهى الإرادات" جمع فيه بين "المقنع" و"التنقيح" وزاد عليهما بعض المسائل، فالجمع بين هذين الكتابين الكبيرين ليس هينًا، بل لابد من فهم تام لما يحتويان عليه من دقيق المسائل، وما يكتنفانه من إشارات وتنبيهات، ومن معرفة في علم العربية وأسالبيها البلاغية.
كما أن زيادة المسائل التي -لا توجد فيهما- دليل على سعة اطلاع وتبحر في فقه المذهب.
وأيضا شرحه: "الكتاب المنتهى"، وتحليل ألفاظه، وفك غموضه، والاستدلال للمذهب بالكتاب والسنة والآثار والإجماع والمعقول، وذكر الروايات المتعددة عن الإمام، والأقوال الأخرى عن الأصحاب يدل على إطلاع في العربية، وعلم الرواية والسنة، والتبحر في الفقه، ومعرفة بأقوال الأصحاب، وروايات الإمام.

ولم يكن علمه ونبوغه -رحمه اللَّه- بالفقه فحسب، بل برز في أصول الفقه وتمكن فيه، ويدل على ذلك اختصاره لكتاب المرداوي "تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول"، ثم شرحه شرحًا نفيسًا حوى قواعد علم الأصول ومسائله، ومعاقد فصوله بأسلوب سلس رصين، لا تعقيد فيه ولا غموض في الجملة، فالكتاب زاخر بالقواعد والفوائد الأصولية، والفروع الفقهية، والمسائل اللغوية والبلاغية، والعلوم المنطقية 1. ولا يخفى ما في ذلك من دلالة على تمكن مؤلفه في العلم، وعلو شأنه فيه، وبراعته في التصنيف، واطلاعه الواسع على أكثر الكتابات السابقة له في هذا الفن، واستفادته منها استفادة الناقد البصير 2. وقد ذكر زميله الجزيري أن له مصنفًا في علم الحديث، ولعله لا يقل عما كتبه في الفقه والأصول، وبذا أصبح فقيهًا محققا، وأصوليًّا مدققا، ومصنفًا بارعًا، انفرد بعد والده بالإفتاء والتدريس بالأقطار المصرية، وقُصد بالأسئلة من البلاد الشاسعة 3. ولهذا تنوعت عبارات العلماء والمترجمين له في الثناء عليه، وبيان ما كان عليه -رحمه اللَّه- من زهد، وصلاح، وتقلل من هذه الحياة الدنيا، وحب للعلم والتحصيل، وإفادة الناس.
قال والده بعد أن قرئ عليه كتاب: "منتهى الإرادات" في تقريضه، والثناء على مؤلفه: "... فرأيت ألفاظه كالسحر الحلال ومعانيه مطابقة لمقتضى الحال، وتأملت ما فيه من الدرر والجواهر، فتذكرت حينئذ المثل السائر: كم ترك الأول

للآخر، ووجدت مؤلفه قد أحسن ما صنع، وحرر ما قرر وجمع، فليتلق بالقبول، وليُرجَع إلى ما فيه من النقول، وظهر بذلك علو شأنه وتميزه على أقرانه، فلله دَرُّه من إمام همام، وعالم مُفْتنٍّ علام، قد جمع فأوعى، وسعى في تحصيل الفضائل، فلا خَيَّب اللَّه هذا المسعى، وجعلني وإياه من المخلصين في خدمته، الفائزين بمغفرته ورحمته، وختم لنا أجمعين بالحسنى، وبَوَّأ لنا من قربه المحل الأسنى، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير" 1. وقال زميله عبد الوهاب الشعراوي -رحمه اللَّه-: "صحبته أربعين سنة فما رأيت عليه شيئًا يشينه في دينه، بل نشأ في عفة، وصيانة، وعلم، وأدب، وديانة... وما سمعته قط يستغيب أحدًا من أقرانه ولا غيرهم، ولا حسد أحدًا على شيء من أمور الدنيا...، وما رأيت أحدًا أحلى منطقًا ولا كثر أدبًا مع جليسه منه، حتى يود أنه لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا...، وبالجملة: فاوصافه الجميلة تَجِل عن تصنيفي، فأسأل اللَّه -تعالى- أن يزيده من فضله علمًا، وعملًا، وورعًا إلى أن يلقاه وهو عنه راضٍ آمين، اللهم آمين" 2. وقال زميله الجزيري: "وكانت أيامه جميعًا اشتغالًا بالفُتيا، أو التدريس، أو بالتصنيف، مع جلوسه في إيوان الحنابلة للقضاء وفصل الأحكام" 3. وقال أيضًا: "ثم بعد وفاة شيخنا شهاب الشويكي بالمدينة، وتلميذه الشيخ موسى الحجاوي بالشام، انفرد فيما أعلم في سائر أقطار الأرض، وقُصد بالأسئلة من البلاد الشاسعة كاليمن وغيره" 4.

وقال الشعراوي أيضًا: "وتبحر في العلوم حتى انتهت إليه الرئاسة في مذهبه، وأجمع الناس أنه إذا انتقل إلى رحمة اللَّه -تعالى- مات بذلك فقه الإمام أحمد في مصر، وسمعت هذا القول مرارًا من شيخنا الشيخ شهاب الدين الرملي" (1). وقال الشيخ منصور البهوتي في مقدمة شرح المنتهى (2): "أما بعد: فإن كتاب: "المنتهى" لعلَم الفضائل، وأوحد العلماء الأماثل، محمد تقي الدين ابن شيخ الإسلام أحمد شهاب الدين ابن النجار الفتوحي".

المطلب الخامس: مشايخه

: أخذ العلم -رحمه اللَّه- عن عالم مصر في وقته والده أحمد بن عبد العزيز الفتوحي، ولازمه ملازمه تامة.
ونص من ترجم له على أخذه عن كبار علماء عصره، لكنهم لم يسمُّوا أحدًا من هؤلاء غير والده، فلعله في أثناء رحلته إلى الشام التي صنف فيها كتابه المشهور: "منتهى الإرادات" أخذ عن عالمها في وقته الشويكي 3، شيخ موسى الحجاوي، وقد سبقه الشويكي في: "الجمع بين المقنع والتنقيح"، فلعله استفاد هذه الطريقة من شيخه.
وأيضًا فقد نص من ترجم له على أنه أخذ عن أرباب المذاهب المختلفة،12

لكن لم يعينوا أحدًا منهم.
فلعله أخذ عن عالم الشافعية بمصر فى وقته الشهاب الرملي، وقد أشار إلى ذلك زميله في الطلب الشعراوي، حيث قال في ترجمته للفتوحي: "وأجمع الناس على أنه إذا أنتقل إلى رحمة اللَّه -تعالى- مات بذلك فقه الإمام أحمد من مصر، وسمعت هذا القول مرارًا من الشيخ شهاب الدين الرملي" (1).

المطلب السادس: رحلاته

: أولًا- مجاورته بمكة: قال الجزيرى -رحمه اللَّه-: "وحج قبل بلوغه صحبة والدته، وجاور بمكة، ثم حج لقضاء الفرض عام (955 هـ)، على غاية من التقشف والتقلل من زينة الدنيا، وعاد مكبًّا على ما هو بصدده من الفُتيا، والتدريس لانفراده بذلك" 2. ثانيا- رحلته إلى الشام: لم يقتصر -رحمه اللَّه- على علماء بلده، بل رحل إلى الشام، وأقام بها مدة من الزمان، فألف في هذه المدة كتابه المشهور: "منتهي الإرادات" الذي حرر أحكامه على الراجح من المذهب، وعرضه على والده، بعد عودته من رحلته فأثنى عليه، وحاز ثقة والده فاستنابه في وظيفة القضاء حين غاب إلى مرج دابق 3. 1

المطلب السابع: مناصبه

: بعد وفاة والده شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز الفتوحي، خلفه ابنه محمد في مناصبه العلمية والقضائية، فيما يلي: 1 - جلوسه في إيوان الحنابلة للقضاء وفصل الخصومات، ولم يقبل القضاء إلا بعد أن أشار عليه كثير من علماء عصره بوجوب قبولها وتعينها عليه، وبعد أن سأله الناس إياها وألَحُّوا عليه كي يقولها.
2 - خلف والده في الإفتاء، وتدريس الطلبة في الديار المصرية مع أن والده قبل وفاته قد استنابه في وظيفة أقضى القضاة، حينما توجه إلى: مرج دابق في بعض المهام (1).

المطلب الثامن: تلاميذه

: أخذ عن الفتوحي -رحمه اللَّه- العلم خلق كثير، وانتفع به جم غفير، وممن نص على أنهم أخذوا منه: 1 - الشيخ عبد الرحمن بن يوسف البهوتي 2.1

2 - الشيخ محمد بن أحمد المرداوي 1. 3 - الشيخ محمد بن عمر الحانوتي 2. 4 - الشيخ زامل بن سلطان الخطيب آل يزيدي 3. 5 - ولي الدين بن محمد بن أحمد الفتوحي 4: وهو أكبر أولاد تقي الدين، ولم أقف على نص على أنه أخذ من أبيه، لكن ورد ما يدل على هذا ويشير إليه، وهو ما ذكره عبد القادر الجزيري: أن تقي الدين وهو مريض سأل قاضي مصر أن يفوض لولده الكبير -المدعو ولي الدين- قضاء الصالحية، فأجابه إلى ذلك.
= النعت الأكمل ص (204)، السحب الوابلة (2/ 527).

فسؤال والده له منصب القضاء يدل على معرفة الوالد بفقه ابنه وعلمه وكفاءته، ولا يكون إلا إذا كان الابن أخذ عن أبيه، ولازمه في الطلب حتى طلب الوالد لابنه هذا المنصب الهام، وأيضًا قرب الابن من أبيه يؤيد أنه أخذ عن أبيه.
6 - موفق الدين بن محمد بن أحمد الفتوحي (1).

المطلب التاسع: آثاره العلمية

: صنف الفتوحي -رحمه اللَّه- مؤلفات في فنون مختلفة ومنها: 1 - "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح، وزيادات".
2 - "شرح منتهى الإرادات": شرحه شرحًا وافيًا بيَّن غوامضه وكشف دقائقه، وتظهر أهمية هذا الشرح من أهمية متنه، وما حازه هذا المتن من انتشار وقبول، لتحقيقه غاية المراد ووصوله إلى منتهى الإرادات، ولا يتصور أن يكون هناك إنسان أعرف بمراده من كلامه منه.
وكتاب "شرح المنتهى" -مع احتوائه لمادة متنه وما لها من أهمية وقيمة علمية- فإنه يتضمن فوائد علمية تزيد من قيمته العلمية منها: أ- استدلاله للمذهب بالأدلة من الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو التعليل.
ب- ذكره للروايات والأقوال في مذهب الإمام أحمد -رحمه اللَّه-.
فيكون المطلع عليها مُلِمًّا بمذهب الإمام أحمد وما فيه من روايات وأقوال،1

عارفًا بالراجح منه.
ج- توضيح ما يمكن أن يكون غامضًا من ألفاظ المتن وعباراته، وكشف النقاب عما استتر عن الخطاب من مراده ومدلولاته.
د- إشارته في بعض المسائل إلى آراء المذاهب الأخري، فهو من كتب الخلاف في بعض المسائل.
3 - "مختصر التحرير": اختصره من كتاب: "تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول" للمرداوي، قال الفتوحي (1): "إنما وقع اختياري على اختصار هذا الكتاب دون بقية كتب هذا الفن، لأنه جامع لأكثر أحكامه، حاوٍ لقواعده وضوابطه، وأقسامه، قد اجتهد مؤلفه في تحرير نقوله وتهذيب أصوله".
4 - "شرح الكوكب المنير": وهو شرح لـ"مختصر التحرير" المتقدم.
5 - ذكر عبد القادر الجزيري في ترجمته للفتوحي أن له مصنفًا في الحديث (2).

المطلب العاشر: وفاته

: توفي -رحمه اللَّه- يوم الجمعة الثامن عشر من شهر صفر سنة (972 هـ) 3، وكانت وفاته أثر مرض من الزحير 4 الذي أصابه، واستمر معه خمسة عشر يومًا، فتأسف عامة الناس وأهل العلم على وفاته، وأكثروا من الترحم عليه، وخرج نعشه12

من المدرسة الصالحية يوم السبت التاسع عشر، وصلى عليه ولده موفق الدين بالجامع الأزهر، ودفن بتربة المجاورين 1. وقد رُثِيَ بأبيات هي: لما ثوى الشيخ الإمام دَفينا... أضحى الوجود بأَسره محزونا فقد التقى الحنبلي وقد غدا... بمصابه الإسلام يلطم عَينا وَاغْبرَّ وجه الحق عند وفاته... والدين مصدوع يطيل غبونا وغدت ربوع الفقه وَهْي دوارس... ومجالس التدريس تندب حينا يا قبره ما أنت إلا روضة... حازت إمامًا زاكيًا وفنونا قد ضم هذا اللحد نورًا باهرًا... وعلوم فقه حُررت وسكونا فسقى الإله عُهَاده صوب الرضا... وأثابه عفوًا وعِلِّيِّينا 2

الفصل الثاني التعريف بكتاب منتهى الإرادات

القسم الأول

المطلب الأول: اسم الكتاب

: اسمه: "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح، وزيادات".
للأدلة الآتية: 1 - قول المؤلف في مقدمته 1: وسميته: "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح، وزيادات".
2 - أن هذه التسمية هي الواردة في شرح المؤلف لهذا الكتاب 2. 3 - أن جميع النسخ التي وقفت عليها، اعتمدتها في التحقيق، ورد هذا الاسم على غلافها.
4 - ورود هذا الاسم في الكتب التي اعتنت بهذا الكتاب، إما بالشرح 3، أو التحشية 4،..... هذا الفصل من كتابة الدكتور سامي بن محمد بن عبد اللَّه الصقير (الناشر).

أو الجمع بينه وبين "الإقناع" (1). 5 - ورود هذا الاسم في الكتب التي ترجمت للمؤلف (2). 6 - ورود هذا الاسم في الكتب التي نقلت عن هذا الكتاب (3).

المطلب الثاني: نسبة الكتاب إلى مؤلفه

: لقد توفر لدينا -بحمد اللَّه- من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة ما يؤكد نسبة كتاب: "المنتهى" إلى الشيخ محمد بن أحمد ابن النجار الفتوحي -رحمه اللَّه-.
ومن الأدلة على هذا: 1 - إقرار الفتوحي نفسه بكتاب: "المنتهى"، ونسبته إليه، فلقد جاء في كتابه "شرح المنتهى" 4 ما نصه: "وقد كنت ألَّفت كتابًا جمعت فيه بين "المقنع" و"التنقيح المشبع" الذي هو تصحيح عليه، وزدت على مسائلهما ما ظهر لي أنه المحتاج إليه، لكنني لما بالغت في اختصار ألفاظه حتى صارت على وجوه عرائس معانية كالنقاب، فاحتاجت إلى شرح يبرزها لمن يريد إبرازها من الطلاب والخطاب، فتصديت لكتاب يشرحه شرحًا يبين حقائقه، ويوضح معانيه ودقائقه".123

2 - أن جميع نسخ الكتاب على اختلاف ناسخيها، وتباعد مواطن وجودها جاء اسم المؤلف فيها مصرحًا به، وأنه: محمد بن أحمد ابن النجار الفتوحي، مما لا يدع مجالًا للشك بأن ابن النجار هو صاحب كتاب: "المنتهى".
3 - ذِكْرُ فقهاء الحنابلة لكتاب: "المنتهى"، ونسبته للفتوحي، ونقلهم عنه، واقتباسهم منه.
4 - ذِكْرُ علماء التاريخ، والتراجم، والسِّيَر لكتاب: "المنتهى" ونسبته للفتوحي (1). كل هذه الأدلة وغيرها تجعلنا نجزم يقينًا أن كتاب: "المنتهى".

سبب تأليفه

: وأما عن سبب تأليف "منتهى الإرادات"؛ فإن الفتوحي -رحمه اللَّه-؛ رأى أهمية كتاب: "التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع" للمرداوي -رحمه اللَّه-؛ لكونه اعتنى بتفسير ما أبهم في: "المقنع"، وتصحيح ما أطلق، من الروايات والأوجه، وتقييد ما أطلق من الشروط، لكنه في الوقت ذاته لا يغني عن أصله وهو كتاب: "المقنع" للموفق ابن قدامة -رحمه اللَّه-؛ وذلك لكونه لم يتعرض لما قطع به في المقنع، أو صححه، أو قدمه، أو ذكر أنه المذهب...، لذا فلابد من الجمع بينهما.
وقد نص الفتوحي -رحمه اللَّه- في مقدمة "المنتهى" على هذا السبب فقال: "وبعد: فـ "التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع"... قد كان المذهب محتاجًا إلى مثله، إلا أنه غير مستغنٍ عن أصله، فاستخرت اللَّه -تعالى- أن أجمع مسائلهما1

في واحد مع ضم ما تيسر عقله من الفوائد الشوارد... " (1).

مكان تأليفه

: وأما عن مكان تأليفه: فقد ألفه الفتوحي في الشام أثناء رحلته إليها، حيث أقام هناك مدة من الزمان، وعاد إلى مصر وقد ألف "المنتهى" (2).

المطلب الثالث: قيمته العلمية

: تبدو أهمية كتاب: "المنتهى" أن مؤلفه الفتوحي جمع بين كتابين عظيمين لمؤلفين جليلين لهما الصدارة في تقرير المذهب.
الكتاب الأول: "المقنع" 3 لشيخ المذهب الموفق ابن قدامة، وقد اجتهد مؤلفه -رحمه اللَّه- في جمعه وترتيبه، وإيجازة، وتقريبه، وسطًا بين القصير والطويل، وجامعًا كثر الأحكام عُرْية عن الدليل، أو التعليل.
وقد أطلق مؤلفه في كثير من مسائله روايتين، ليتمرن الطالب على ترجيح الروايات فيتربى على الميل إلى الدليل.
وقد نال هذا الكتاب اهتمامًا كبيرًا من علماء المذهب لقيمته العلمية، قال المرداوي 4: "إنه من أعظم الكتب نفعًا، وأكثرها جمعًا"، ولهذا أخذ العلماء في خدمته فشرحوه عدة شروح منها:12

1 - الشرح الكبير.
2 - المبدع.
وخُدِم من جهة بيان الغريب، وتحليل الألفاظ في كتاب "المطلع على أبواب المقنع".
ومن جهة بيان أدلة مسائله كما في: "كفاية المستقنع لأدلة المقنع".
ومن جهة التصحيح، وبيان الراجح من الروايات وأقوال الأصحاب المختلفة في المذهب، كما في: "الإنصاف"، و"التنقيح المشبع".
ومن جهة الاختصار كما في: "زاد المستقنع".
كل هذه الجوانب وغيرها تدل على أهمية هذا الكتاب عند الأصحاب -رحمهم اللَّه-.
الكتاب الثاني: "التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع" الذي هو تصحيح لكتاب: "المقنع"، واختصار لكتاب: "الإنصاف"، وكتاب: "الإنصاف" أهميته عند المتأخرين من الحنابلة لا تخفى، فقد سلك فيه مؤلفه مسلكًا لم يسبق إليه أحد من علماء المذهب.
وطريقته: أنه يذكر في المسألة أقوال الأصحاب، ثم يجعل المختار ما قاله الأكثر منهم، سالكًا في ذلك مسلك ابن قاضي عجلون في تصحيحه لمنهاج النووي 1، فصار كتابه مغنيًا للمقلد عن سائر كتب المذهب، ثم اقتضب منه كتابه المسمى: "بالتنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع"، فصحح فيه الروايات المطلقة في: "المقنع"، وما أطلق فيه من الوجهين أو الأوجه، وقيد ما أخلَّ به من الشروط، وفسر ما أبهم فيه من حكم أو لفظ، واستثنى من عمومه ما هو مستثنى على المذهب حتى

خصائص النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقيد ما يحتاج إليه القيد، ويحمل على بعض فروعه ما هو مرتبط بها.
وكذا ما قطع به الموفق، أو قدَّمه، أو صححه وذكر أنه المذهب، والمشهور خلافه، فإنه أتى بمكانه بالصحيح من المذهب، مع الإشارة إلى نص الإمام أحمد -رحمه اللَّه- إن كان في المسألة، إلا أن ما قطع به الموفق، أو قدمه، أو صححه، أو ذكر أنه المذهب، أو كان مفهوم كلامه مخالفًا لمنطوقه، وكان موافقًا للصحيح من المذهب، فإنه لا يتعرض إليه في التنقيح 1. وزاد مسائل محررة مصححة، فصار كتابه تصحيحًا لغالب كتب المذهب 2. قال مؤلفه -رحمه اللَّه-: "فإذا انضم هذا التصحيح إلى بقية ما في الكتاب تحرر المذهب -إن شاء اللَّه تعالى-، وهو في الحقيقة تصحيح، وتنقيح، وتهذيب لكل ما فى معناه، بل وتصحيح لغالب ما في المطولات، ولا سيما في التتمات، وهذه طريقة لم أر أحدًا ممن يتكلم على التصحيح سلكها، وإنما يصححون الخلاف المطلق من الروايات، والأوجه، والاحتمالات فقط، ففاتهم شيء كثير جدًّا مع مَسِيس الحاجة إليه كثر مما فعلوه، واللَّه الموفق، وأمشي في ذلك كله على قول واحد، وهو الصحيح من المذهب أو ما اصطلحنا عليه في: "الإنصاف"، و"تصحيح الفروع" فيما إذا اختلف الترجيح" 3. هذا جانب من أهمية هذين الكتابين الجليلين، ومدى الارتباط الوثيق بينهما.
فجاء كتاب: "منتهى الإرادات" ليحيط بهما، وليجمع شملهما في كتاب

واحد، فحقق بذلك ما كان محتاجًا إليه في المذهب، ويسر أمرًا كان يتشوق إليه، فنال ما يستحقه من العناية والاهتمام، وحظي بالقبول والانتشار، فكان والده يقرؤه للطلاب ويثني عليه، واشتغل به عامة الحنابلة واقتصروا عليه، فقدموه فى الحفظ، والتدريس، والإفتاء، والقضاء، وكتبوا عليه عدة شروح، وحَوَاشٍ، وتعليقات.
قال والد المصنف في تقريضه لكتاب المنتهى: "وبعد: فقد وقفت على مواضع من هذا الموَلَّف الفريد، والجمع الحسن المفيد، المُنبي عن نباهة مؤلفه بلا ترديد، فرأيت ألفاظه كالسحر الحلال، ومعانيه مطابقة لمقتضى الحال، وتأملت ما فيه من الدُّرَر والجواهر، فتذكرت حينئذ المثل السائر: كم ترك الأول للآخر، ووجدت مؤلفه قد أحسن ما صنع، وحرر ما قرر وجمع، فليُتَلَقَّ بالقبول، وليرجع إلى ما فيه من النقول... " 1. وقال الشيخ منصور في مقدمة شرحه للمنتهى 2: "أما بعد: فإن كتاب: "المنتهى" لعَلَم الفضائل، وأوحد العلماء الأماثل محمد تقي الدين، ابن شيخ الاسلام أحمد شهاب الدين ابن النجار الفتوحي...، كتاب وحيد في بابه، فريد في ترتيبه واستيعابه، سلك فيه منهجًا بديعًا، ورَضَعَه ببدائع الفوائد ترصيعًا، حتى عُدَّ ذلك الكتاب من المواهب، وسار في المشارق والمغارب".
وقال ابن بدران 3: "واعلم أن لأصحابنا ثلاثة متون حازت اشتهارًا أيَّما اشتهار: أولها: "مختصر الخرقي" فإن شهرته عن المتقدمين سارت مشرقًا ومغربًا إلى

أن ألف الموفق كتابه: "المقنع"، فاشتهر عند علماء المذهب قريبًا من اشتهار "الخرقي" إلى عصر التسعمئة، حيث ألف القاضي علاء الدين المرداوي "التنقيح المشبع"، ثم جاء بعده تقي الدين محمد بن أحمد ابن النجار الشهير بالفتوحي، فجمع المقنع من التنقيح في كتاب سماه: "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح، وزيادات"، فعكف الناس عليه، وهجروا ما سواه من كتب المتقدمين".
ومن مظاهر ذلك جعله أهم المصادر الفقهية التي يعتمد عليها القاضي في المملكة العربية السعودية؛ حيث جاء في قرار الهيئة القضائية - عدد (3) بتاريخ 7/ 1/ 1347 هـ، المقترن بالتصديق العالي بتاريخ (24/ 3/ 1347 هـ) فقرة (ب) - تحديد الكتب المعتمدة في القضاء في المملكة العربية السعودية، حيث اعتمد فيها كتابان هما: 1 - "شرح المنتهى" للفتوحي.
2 - "كشاف القناع شرح الإقناع" للبهوتي.
وقد نص القرار على أن ذلك فيما اتفق عليه الكتابان، وأما ما اختلفا فيه فالعمل يكون بما في "المنتهى" (1).

المطلب الرابع: منهج المؤلف في كتابه

: كل مؤلف له منهج يسير عليه في كتابه، وقد يصرح به، قد لا يصرح ولكنه يعرف بالتتبع والاستقراء، وقد ذكر الفتوحي -رحمه اللَّه- طريقته في مقدمة كتابه، وتتلخص فيما يلي:1

جارٍ التحميل