حاشية الخلوتي على منتهى الإراداتصفحات 83-122

فإن تعذر بِيع بقدر حاجة، أو كله إن خيف استغراقه.

3 - فصلٌ والرهن أمانة ولو قبل عقد، كبعد وفاء، ويدخل في ضمانه بتعدٍّ أو تفريط، ولا يبطل.
ولا يسقط بتلفه شيء من حقه، كلدفع عين ليبيعها ويستوفى حقه من ثمنها......   قوله: (فإن تعذر)؛ أيْ: مؤنته وما عطف عليها.
قوله: (أو كله) بالرفع عطف على محل (1) الجار والمجرور؛ لأنه في محل رفع للنيابة عن الفاعل، والمعنى بيع منه مقدار الحاجة، أو بيع كله إن خيف استغراقه.

فصل

قوله: (كبَعْدَ... إلخ) فيه أن "بعد" 2 من الظروف الغير المتصرفة [التي لا تخرج عن النصب على الظرفية إلا إلى الجر بـ "مِنْ" خاصة، فلعله استعملها استعمال الأسماء المتصرفة] 3 على ضرب من التجوُّز.
قوله: (ولا يبطل... إلخ)؛ أيْ: لا يبطل الرهن بدخوله في ضمانه؛ لأن العقد جمع أمانة واستيثاقًا، فإذا بطُل أحدهما بقي الآخر.
وأما قوله: (ولا يسقط) مرتبط بما بعده، فهو استئناف كلام.1

وكحبس عين مؤجرة بعد فسخ، على الأجرة فيتلفان، وإن تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الحق، وإن ادعى تلفه بحادث......  وبخطه -رحمه اللَّه تعالى- على قوله: (ولا يبطل) راجع لما قبله, وقوله: "ولا يسقط" لما بعده.
قوله: (على الأجرة)؛ أيْ: المعجلة.
قوله: (فيتلفان)؛ أيْ: العينان، كان الظاهر حذف النون من "يتلفان"؛ لأنه عطف على المصدر، فـ "أن" مقدرة معه على حدِّ: لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْني 1 إلا أن يدعي أنه على 2 لغة إلغاء الناصب 3؛ لأن المذكور قد يُلْغَى كقوله: أنْ تَقْرَأان عَلَى أسْمَاءَ وَيْحَكُما... مِنِّي السَّلَامَ وَأنْ لا تُشْعِرَا أحَدَا 4 فالمقدر كما هنا من باب أولى، لكن يبقى الكلام في هذا هل هو قياسي أو سماعي 5.

وقامت بيِّنة بظاهر، أو لم يعين سببًا حُلِّف.
وإن ادّعى راهن تلفه بعد قبض في بيع شُرط فيه، قُبِل قول مرتهن: "إنه قبله"، ولا ينفك بعضه حتى يُقضى الدين كله.
ومن قضى أو أسقط بعض دين -وببعضه رهن أو كفيل- وقع عما نواه، فإن أطلق صرفه إلى أيهما شاء، وإن رهنه عند اثنين فوفّى أحدهما، أو رهناه شيئًا فوفَّاه أحدهما انفك في نصيبه......   قوله: (بظاهر) وأما الخفي فيقبل قوله فيه بيمينه.
قوله: (راهن) وهو المشتري.
[قوله: (في بيع شرط) صفة "بيع".
قوله: (فيه)؛ أيْ: الرهن] 1. قوله: (قبل قول مرتهن) وهو البائع.
قوله: (إنه)؛ أيْ: التلف.
قوله: (قبله)؛ أيْ: القبض.
قوله: (عند اثنين)؛ أيْ: على دينيَن لهما، كما يؤخذ من تصوير المحشِّي 2، فراجعه!.
قوله: (انفك في نصيبه) هذا لا يعارض قوله السابق "ولا ينفك بعضه = إذ لا يلزم في الأم قوتها من كل وجه... ".

ومن أبى وفاء حالٍّ -وقد أذن في بيع رهن، ولم يرجع- بيع، ووُفِّي، وإلا أُجبر على بيع أو وفاء، فإن أبى حُبس أو عُزِّر، فإن أصرَّ باعه الحاكم ووفَّى.

4 - فصلٌ ويصح جعل رهن بيد عدل، وإن شُرِط بيد أكثر لم ينفرد واحد......  حتى يقضي الدين كله"؛ لأن ذاك (1) في عقد واحد، وهذا في أكثر من عقد، بدليل قول المحشِّي (2) في تعليله: "لأن عقد الواحد مع اثنين بمنزلة عقدين كعكسه"، انتهى.
قوله: (وإلا أجبر... إلخ)؛ أيْ: لم يأذن، أو أذن ثم رجع.

فصل

قوله: (بيد عدل) قال شيخنا 3: "ظاهر كلامهم أن العدالة ولو ظاهرة ليست شرطًا، فالأولى 4 بيد من اتفقا عليه، كما عبر به الإقناع" 5. ويمكن أن يحمل العدل على معنى من اعتدلت فيه إرادتهما؛ أيْ: اتفقت عليه، فيرجع إليه، لكنه خلاف المتعارف من مثل هذه العبارة.12

بحفظه، ولا يُنقل عن يد من شُرِط -مع بقاء حاله- إلا باتفاق راهن ومرتهن، ولا يملك ردَّه إلى أحدهما، فإن فعل وفات، ضمن حق الآخر، ويضمنه مرتهن بغصبه......  فإن قلت: إنه ينافي حمل كلام المص على هذا قوله فيما بعد: "وإن حدث له فسق... إلخ"، فإنه ربما اقتضى اعتبار العدالة؟.
قلت: ليس الأمر كذلك، بل المراد أنهما لو اتفقا على أن يكون الرهن تحت يد زيد، وكان زيد في الواقع عدلًا، فطرأ عليه ما ينافي حالته التي كان عليها حين اتفاقهما على كونه تحت يده، كفسقه بعد عدالته أنه يجعله الحاكم تحت يد أمين غيره، وهذا لا إشعار له باشتراط العدالة في كل فرد ممن يريدان جعله تحت يده.
قوله: (بحفظه) فلو كانا اثنين وأسقط أحدهما حقه من الحفظ للآخر، ثم تلف لم يضمن من هو تحت يده سوى نصفه؛ لأن التلف ترتب على أمر مأذون فيه، وأمر غير مأذون فيه، فتنصَّف الحال، كما قالوه فيما يأتي في الجنايات 1، من أنه لو جرحه مرتدًّا ثم مسلمًا، وسرى الجرحان لم يضمن إلا نصف الدية، أو جرحه قودًا ثم تعديا وسرى الجرحان لم يضمن أيضًا إلا النصف.
قوله: (ولا يملك)؛ أيْ: العدل.
قوله: (ردَّه)؛ أيْ: الرهن.
[قوله: (إلى أحدهما)؛ أيْ: الراهن والمرتهن.
قوله: (بغصبه)؛ أيْ: بغصب المرتهن الرهن من العدل.

ويزول بردِّه، لا من سفر ممن بيده، ولا بزوال تعدِّيه.
وإن حدث له فسق أو نحوه، أو تعادى مع أحدهما، أو مات أو مرتهن -ولم يرض راهن بكونه بيد ورثة أو وصِيٍّ- جعله حاكم بيد أمين، وإن أذنا له أو راهن لمرتهن في بيع -وعُين نقد- تعيَّن، وإلا بيع بنقد البلد، فإن تعدد فبأغلب......   قوله: (بردِّه)؛ أيْ: الرهن] 1. قوله: (لا من سفر)؛ أيْ: لا يزول الضمان بردِّه من سفر غير مأذون فيه، فلو تلف بعد رجوعه من السفر المتعدي به كان ضمانه باقيًا ويطلب الفرق؟.
وفرق شيخنا في شرح الإقناع 2: "بأن ائتمانه زال بالسفر، فلا يعود بالعود من السفر مع بقائه بيده، بخلاف الغصب فإن غصبه قد زال بردِّه إلى العدل".
قوله: (بزوال تعدِّيه) لزوال الائتمان بأصل التعدي.
قوله: (ولم يرض راهن)؛ أيْ: للمذكورَين من العدل، والمرتهن، ويقال مثله في وصي، فلو أخره عنه لكان أولى.
قوله: (أو راهن) عمومه يشمل من كان مستعيرًا أو مستأجرًا للعين المرهونة، مع أن الظاهر أنه لا يصح الإذن منه في هذه الحالة؛ لأنه لا يصح البيع منه، فلا يصح الإذن فيه.

فإن لم يكن فبجنس الدين، فإن لم يكن فبما يراه أصلح، فإن تردد عيَّنه ححم، وتلفُه بيد عدل من ضمان راهن.
وإن استُحق رهن بيع رجع مشترٍ أُعلِم على راهن، وإلا فعلى بائع، وإن قضى مرتهنًا في غيبة راهن فأنكر -ولا بيِّنة- ضمن، ولا يُصدَّق عليهما، فيحلف مرتهن وبرجع، فإن رجع على العدل، لم يرجع على أحد، وإن رجع على راهن رجع على العدل......  ولا يقال: إن إذن مالك العين في رهنها إذن في باقي التصرفات كالبيع ونحوه؛ لأنه بعيد جدًّا، ولا دليل عليه، فكان الأولى للمص أن يقول: أو مالك بدل قوله: "أو راهن... إلخ".
قوله: (فبجنس الدين)؛ أيْ: بمثله وصفته.
قوله: (وتلفه)؛ أيْ: ثمن الرهن.
قوله: (وإن استحق)؛ أيْ: تبين استحقاقه لغير 1 راهن بعد بيعه.
قوله: (مشترٍ أعلم)؛ أيْ: أعلمه العدل أنه وكيل في البيع.
قوله: (وإلا)؛ أيْ: وإلا يعلم المشتري.
قوله: (ويرجع)؛ أيْ: مرتهن 2 إن شاء على العدل، وإن شاء على الراهن.
[قوله: (رجع)؛......

وكذا وكيل.
ويصح شرط كل ما يقتضيه العقد، كبيع مرتهن وعدل لرهن ونحو ذلك، وينعزلان......  أيْ: الراهن 1] 2. قوله: (وكذا وكيل) في قضاء دين عن موكله إذا قضاه مع غيبة المدين ولم يشهد، فإنه يضمن، ولرب الدين الرجوع على أيهما شاء، فتدبر!.
فإن رجع على الوكيل لم يرجع على أحد، وإن رجع على الموكل رجع على الوكيل.
قوله: (وينعزلان) أثبت النون مع أنه معطوف على اسم خالص، وهو يقتضي النصب بـ "أن" مضمرة؛ لأن ذلك جائز لا واجب 3، فقد قرأ نافع 4: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: 51] برفع "يرسل".
والباقون بالنصب 5، ويجوز أن تكون الواو استئنافية لا عاطفة، وهو أظهر.

بعزله، لا ما لا يقتضيه، أو ينافيه، ككون منافعه له، أو أن لا يقبضه، أو لا يبيعه عند حُلول، أو من ضمان مرتهن، ولا يفسد العقد.

5 - فصل وإن اختلفا في أنه عصير أو خمر في عقد شُرط فيه......   [قوله: (بعزله)؛ أيْ: الراهن] 1. قوله: (لا ما لا يقتضيه العقد أو ينافيه) قال في شرحه 2: "فالأول: ككون منافعه له؛ لأن الرهن ملك للراهن، فلا تكون منافعه لغيره" إلى أن قال: "والثاني: كشرط توفيته، أو كونه يومًا لازمًا ويومًا جائزًا، أو لا يباع إلا بثمن يرضاه الراهن"، انتهى ملخصًا.
ومنه تعلم أن المراد بما يقتضيه العقد ما يقابل هذين، وليس المراد منه المعنى السابق 3 في الشروط في البيع 4، مما كان مؤكدًا للعقد، بحيث لو سكت عن اشتراطه كان ذلك له.
[قوله: (أو ينافيه) ككون منافعه تكون تحت يد العدل أو المرتهن]

5.

فصل

أو ردِّ رهن أو في عينه أو قدره، أو دين به أو قبضه -وليس بيد مرتهن- فقول راهن.
و"أرسلتُ زيدًا ليرهنه بعشرين، وقبضها" وصدَّقه، قُبل قول الراهن "... بعشرة".
وإن أقرَّ -بعد لزومه- بوطء......   قوله: (أو ردِّ رهن) جملة حالية مقيدة لما قبلها فقط.
قوله: (أو قبضه)؛ أيْ: قبض الرهن وليس الرهن بيد مرتهن، هكذا رجَّع الضمائر في الشرح 1. قوله: (وصدقه)؛ أيْ: صدق زيد المرتهن.
قوله: (قبل قول الراهن)؛ أيْ: بيمينه.
قوله: (بعشرة)؛ أيْ: قبل قوله أنه ما أرسله ليرهنه إلا على عشرة، وأنه ما قبض من زيد إلا العشرة، ويرجع المرتهن على زيد بالعشرة الأخرى؛ لأنه معترف بقبضها، إلا أن يقيم بينة على أخذ الراهن لها.
[قوله: (وإن أقرَّ)؛ أيْ: راهن] 2. قوله: (لزومه بوطء)؛ أيْ: بأنه كان قد وطئها؛ يعني: وأن الأمة قد 3 حملت حتى إذا ولدت تكون أم ولد له، فيبطل رهنها.

أو أن الرهن جنى أو باعه أو كصبه، قُبل على نفسه، لا على مرتهن أنكره.
ولمرتهن ركوب مرهون وحلبه واسترضاع أمه بقدر نفقته، متحرِّيًا للعدل، ولا يُنهكه بلا إذن راهن، ولو حاضرًا ولم يمتنع، ويبيع فضل لبن بإذن، وإلا فحاكم، ويرجع بفضل نفقة على راهن.
قوله: (جنى)؛ أيْ: كان قد جنى.
قوله: (أو غصبه)؛ أيْ: كان قد غصبه قبل رهنه.
قوله: (ركوب)؛ أيْ: بلا إذن راهن.
قوله: (وحلبه)؛ أيْ: بلا إذن راهن.
قوله: (استرضاع)؛ أيْ: بلا إذن راهن، وهو مقيس على الحلب.
قوله: (بلا إذن راهن) متعلق بـ "ركوب" وما بعده فقط؛ أيْ: لا بـ "ينهكه".
قوله: (ويبيع) الباء الأولى للبدلية، والثانية للملابسة، فلا يلزم عليه تعلق حرفَين بمعنى واحد، بعامل واحد المحوج إلى تكلف الزمخشري 1 في قوله -تعالى-: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ [البقرة: 25]، وأنه من تقييد المقيد على حدِّ: أكلت من بستانك من ثمرة، فاحفظه!.
[قوله: (فضل لبن بإذن)؛ أيْ: بإذن راهن] 2.

وأن ينتفع به بإذن راهن مجانًا -ولو بمحاباة- ما لم يكن الدين قرضًا......   قوله: (مجانًا)؛ أيْ: أو 1 من غير عوض.
وقوله: (ولو بمحاباة)؛ أيْ: بعوض ولو بمحاباة، وكأن العبارة مقلوبة والأصل: ولو بمحاباة أو مجانًا، ولو عبر كذلك لكان أظهر في المراد، إذ لا فائدة لقوله: "ولو بمحاباة" بعد "مجانًا"، بل لا يصح؛ لأنه يوهم أنه غاية له، مع أنه يُبَاينُه -كما علمت-.
قوله: (ما لم يكن الدين قرضًا) فإن كان الدين قرضًا حرم؛ لأنه صدق عليه أنه قرض جرَّ نفعًا.
ومقتضى هذا 2 التفرقة 3 بين القرض وباقي الديون في حرمة جرِّ النفع، وهو مخالف لما أسلفه 4 في باب القرض من التعميم.
لكن في المستوعب 5 أن في المسألة روايتَين 6، فيكون المص ماشيًا في كلٍّ على رواية.
وبخطه أيضًا -رحمه اللَّه تعالى-: يؤخذ مما في المبدع 7، وما هنا أن قوله: "ما لم يكن الدين قرضًا" شرط في المسألتَين؛ أعني: هذه المسألة،......

ويصير مضمونًا بالانتفاع.
وإن أنفق عليه -ليرجع- بلا إذن راهن، وأمكن فمتبرع، وإن تعذر رجع بالأقل مما أنفق أو نفقة مثله، ولو لم يستأذن حكمًا أو يُشهد، ومعارٌ، ومؤجَّر، ومودَع كرهن، وإن عمَّر الرهن رجع بآلته، لا بما يحفظ به مالية الدار، إلا بإذن.

6 - فصل وإن جنى رهن تعلق الأرش برقبته......  ومسألة (1) الركوب، والحلب، والاسترضاع.
قوله: (ويصير مضمونًا)؛ أيْ: الرهن، ووجه ضمانه أنه غير مأذون في ذلك الانتفاع لتحريمه شرعًا، ومقتضى كلامه أن الحكم ليس خاصًّا بالأخيرة، وهي ما إذا كان الدين (2) قرضًا، بل بكل محلٍّ (3) وجد فيه الانتفاع المأذون فيه؛ لأنه صار بالانتفاع عارية، وهي مضمونة.
[قوله: (وأمكن) إذن راهن] (4). قوله: (مالية الدار) كثمن ماء، ورماد، وطين، وجص، وأجرة مُعَمِّرِينَ.

فصل

1234

فإن استغرقه خُيِّر سيده بين فدائه بالأقل منه ومن قيمته -والرهن بحاله- أو بيعه في الجناية، أو تسليمه لوليِّها، فيملكه، ويبطُل فيهما، وإلا بِيع منه بقدره، وباقيه رهن، فإن تعذر فكله.
وإن فداه مرتهن لم يرجع......   قوله: (والرهن بحاله)؛ أيْ: في البيع، والتسليم.
قوله: (أو تسليمه) لولي الجناية.
قوله: (ويبطل)؛ أيْ: الرهن.
قوله: (وإلا)؛ أيْ: وإن لم تستغرقه الجناية.
قوله: (وإن فداه مرتهن لم يرجع)؛ لأن الفداء ليس واجبًا عينًا 1 عليه، بل هو مخير بينه وبين بيعه، فلم يقم عن غيره بواجب عينًا، كذا قرره شيخنا وفيه أنه يقتضي أن الفداء لو كان واجبًا عينًا، وفداه المرتهن أنه يرجع، سواء كان بنية الرجوع أم لا، مع أن من أدى عن غيره دينًا واجبًا لا يرجع إلا بشرط نية الرجوع، وهو مقتضى قوله قبل الفصل 2: "وإن أنفق عليه ليرجع بلا إذن راهن... إلخ", وقوله هنا: "لم يرجع إلا إن نوى وأذن راهن... إلخ"، ثم رجع عن ذلك التقدير إلى ما أثبته في الشرح 3 حيث قال: "وإن فداه؛ أيْ: الرهن، مرتهن لم يرجع على راهن إلا إن نوى المرتهن الرجوع، وأذن له راهن في فدائه؛ لأنه إن 4 لم ينو رجوعًا فمتبرع،

إلا إن نوى وأذن راهن، ولم يجُز شرط كونه رهنًا بفدائه مع دينه الأول، وإن جُني عليه فالخصم سيدُه، فإن أخَّر الطلب لغيبة أو غيرها فالمرتهن.
ولسيد أن يقتص إن أذن مرتهن أو أعطاه ما يكون رهنًا، فإن اقتَصَّ بدونهما......  وإن نواه ولم يأذن راهن فمتآمر 1 عليه؛ لأنه لا يتعين عليه فداؤه"، لكن ما قرره شيخنا هو الموافق لما في الإقناع 2 وشرحه 3، وعبارته: (وإن فداه)؛ أيْ: الجاني (مرتهن بإذن راهن غير متبرع) بفدائه (رجع به)؛ أيْ: بفدائه لأدائه بإذن مالكه، كما لو قضى عنه دينه بإذنه، (وإلا) بأن لم يكن بإذن مالك (لم يرجع ولو نوى الرجوع، حتى ولو تعذر استئذانه؛ لأن مالكه 4 لم يجب عليه الافتداء هنا) بخلاف النفقة عليه، وكذا لا يرجع إذا كان بإذن المالك ونوى التبرع"، انتهى المقصود.
قوله: (وأذن راهن)؛ أيْ: مع إمكان استئذانه على قياس ما سبق، لكن في الإقناع 5 ما يخالفه فإنه قال: "وإلا لم يرجع حتى ولو تعذر استئذانه" 6، فتدبر!.
قوله: (مع دينه الأول) لما تقدم 7 من أنه لا تجوز زيادة دينه.
قوله: (بدونهما)؛ أيْ: الإذن والإعطاء.

في نفس أو دونها، أو عفا على مال، فعليه قيمة أقلهما، تُجعل مكانه، والمنصوص 1: "أن عليه قيمة الرهن أو أرشه"، وكذا لو جنى على سيده فاقتصَّ هو أو وارثه.
وإن عفا عن المال صحَّ، لا في حق مرتهن، فإذا انفكَّ بأداء أو إبراء ردَّ ما أخذ من جانٍ، وإن استوفى من الأرش رجع جانٍ على راهن.
وإن وطئ مرتهن مرهونة -ولا شبهة- حُدَّ، ورُقَّ ولدُه......   قوله: (أقلهما)؛ أيْ: الجاني والمجني عليه 2. قوله: (فاقتص هو)؛ أيْ: إن كانت الجناية على الطرف.
وقوله: (أو وارثه) إن: كانت الجناية على النفس ومات.
[قوله: (عن المال) الواجب بسبب الجناية] 3. قوله: (لا في حق مرتهن) فللمرتهن أخذ الأرش من الجاني، ويستمر تحت يده إلى أن ينفك الرهن.
[قوله: (أو إبراءٍ ردَّ)؛ أيْ: المرتهن 4. قوله: (من جانٍ) بتلفه لسقوط التعلق به] 5. قوله: (ولا بشبهة ملك)؛ أيْ: ولا زوجية.

ولزمه المهر، وإن أذن راهن فلا مهر، وكذا لا حدَّ إن ادَّعى جهل تحريمه ومثله يجهله، وولده حرٌّ، ولا فداء.
قوله: (ولزمه المهر) ويندرج فيه أرش البكارة إن كانت بكرًا ولو طاوعته؛ لأن مطاوعتها لا تسقط حق السيد.

8 - باب

الضمان:

التزام من يصح تبرعه، أو مفلس، أو قنٌّ، أو مكاتب -بإذن سيدهما-، ويؤخذ مما بيد مكاتب، وما ضمنه قنٌّ من سيده ما وجب على آخر مع بقائه، أو يجب غير جزية فيهما بلفظ: "... ضمين......  باب الضمان قوله: (من) فاعل بقوله: "التزام".
قوله: (أو مفلس) يجوز فيه الجر والرفع باعتبار مراعاة لفظ "من" ومحلها، وكذا قوله: "أو قنٍّ أو مكاتب".
قوله: (بإذن سيدهما) يشمل الواحد والمتعدد؛ لأنه مفرد مضاف لمعرفة، [فيشمل العبارة المشترك] 1. قوله: (ما وجب) مفعول لقوله: "التزام".
قوله: (مع بقائه) ليس غرضه من ذلك إخراج ما وجب، ثم سقط بابراء أو غيره قبل الضمان؛ لأن وجوبه في الماضي صادق ببقائه إلى الآن، وعدم بقائه، بل غرضه من ذلك بيان أن الضمان لا يسقط الحق عمن هو عليه.
قوله: (بلفظ ضمين)؛ أيْ: أنا ضمين، وكذا الباقي.

وكفيل، وقبيل، وحميل، وصبير، وزعيم"، و"ضمنتُ دينك أو تحمَّلته" ونحوه، وبإشارة مفهومة من أخرس.
ولربِّ الحق مطالبة أيهما شاء، ومعًا في الحياة والموت، فإن أحال أو أحيل، أو زال عقد برئ ضامن وكفيل، وبطل رهن لا إن وُرِّث، لكن لو أحال رب دين على اثنين......   قوله: (وبإشارة) عطف علي "بلفظ ضمين".
قوله: (ولرب الحق) تصريح بما علم من قوله: "مع بقائه".
قوله: (ومعًا) انظر المعطوف عليه؟ وأشار شيخنا في شرحه 1 إلى أن المعطوف محذوف، وأن "معًا" حال منه، والمعطوف عليه "مطالبة أيهما" والتقدير: ومطالبتهما معًا.
قوله: (فإن) الفاء إما للتفريع على مقدر متعلق بما سبق؛ أيْ: له مطالبة أيهما شاء، ما دام الحق ثابتًا فإن أحال... إلخ، أو للاستئناف على ضعف كما صرح به ابن قاسم العبادي الشافعي في حواشي مختصر المعاني 2، فراجعه إن شئت.
قوله: (أحال)؛ أيْ: رب الحق.
[قوله: (أو أحيل) الحوالة في الأولى واقعة ممن له الدين، وفى الثانية ممن عليه الدين] 3. قوله: (لكن) استدرك من مسألة الحوالة 4.

وكلٌّ ضامن الآخر، ثالثًا ليقبض من أيهما شاء صحَّ، وإن أُبرئ أحدهما من الكل بقي ما على الآخر أصالة، وإن برئ مديون، برئ ضامنه، ولا عكس.
ولو لحق ضامن بدار حرب مرتدًّا أو أصليًّا لم يبرأ.
وإن قال رب دين لضامن: "برئت إليَّ من الدين"، فقد أقرَّ بقبضه، لا: "أبرأتُك"، أو "برئت منه"، و"وهبتُكه" تمليك له......   قوله: (وكل ضامن) الواو للحال، لكن هو من قبيل مجيء الحال من النكرة، ولو أسقط الواو وأتى بالعائد وأوقع الجملة صفة لـ "اثنين" فقال: كل منهما ضامن الآخر 1، لكان أظهر في المراد.
قوله: (مديون) لغة تميم، والأفصح: مدين، وهي 2 لغة الحجاز 3. قوله: (فقد أقرَّ بقبضه) وحينئذٍ فيسوغ للضامن المطالبة على المدين بمثل الدين الذي أبرئ منه، بدليل قول الشارح 4 في التعليل: "لأن قوله: برئت إليَّ إخبار بفعل الضامن، والبراءة لا تكون لمن عليه الحق إلا بالأداء".
قوله: (لا أبرأتك)؛ أيْ: لا يكون إقرارًا بالقبض، فيرجع إلى البراءة من صفة الضمان فقط، ولرب الحق مطالبة المضمون.
قوله: (تمليك له) ويؤخذ من هنا أنه يصح هبة الدين لمن هو عليه أصالة أو ضمانًا.

فيرجع على مضمون، ولو ضمن ذمي لذمي عن ذمي خمرًا، فأسلم مضمون له أو عنه برئ، كضامنه، وإن أسلم ضامن برئ وحده.
ويُعتبر رضا ضامن، لا من ضُمن أو ضُمن له، ولا أن يعرفهما ضامن، ولا العلم بالحق ولا وجوبه إن آل إليهما.
فيصح: "ضَمِنتُ لزيد ما على بكر"، أو "... ما يُداينُه"، وله إبطاله قبل وجوبه.
ومنه: "ضمان السوق"؛ وهو أن يضمن ما يلزم التاجر من دين، وما يقبضه من عين مضمونة.
ويصح ضمان ما صحَّ أخذ رهن به، ودين ضامن وميت......   قوله: (ولا وجوبه) عطف على قوله: "لا العلم بالحق"؛ أيْ 1: ولا يعتبر وجوبه، ولكن هذا مكرر مع قوله في التعريف 2: "ما وجب على آخر أو يجب... إلخ" هذا إن قرئ بالرفع -كما قرره شيخنا-.
وأقول: انظر ما المانع من قراءته بالجر عطفًا على الحق، والمعنى 3: لا يعتبر العلم بالحق، ولا العلم بوجوبه، وكأن المانع منه قول المص: "إن آل إليهما" كما هو ظاهر، وكان يمكن الاعتذار عنه بأنه ثَنَّى نظرًا لتعدد المضاف إليه، فتدبر!.
قوله: (وميت) ولو لم يخلف وفاء.

-ولا تبرأ ذمته قبل قضاء-، ومفلس مجنون، ونقص صنجة أو كيل -ويرجع بقوله مع يمينه-، وعُهدة مبيع عن بائع لمشترٍ، بأن يضمن عنه الثمن إن استُحقَّ المبيع أو رُدَّ بعيب، أو أرشه، وعن مشترٍ لبائع، بأن يضمن الثمن الواجب قبل تسليمه، أو إن ظهر به عيب، أو استُحقَّ.
ولو بنى مشترٍ، فهدمه مستحق فالأنقاض لمشترٍ، ويرجع بقيمة تالف على بائع، ويدخل في ضمان العهدة.
وعين مضمونة كغصب وعارية ومقبوض على وجه سوم وولده -في بيع أو إجارة- إن ساومه......   قوله: (ويرجع بقيمة تالف)؛ أيْ: إن كان المشتري غير عالم بالغصب، أما إن كان عالمًا فلا رجوع؛ لأنه وضع بغير حق.
وقوله: (على بائع)؛ أيْ: إن كان عالمًا بالغصب، أما إن كان غير عالم، كأَن ورثه عن أبيه وهو لا يعلم فلا رجوع، إذ لا تغرير، وهذا الثاني في كلام الشيخ التقي في موضع 1، فتدبر!.
وبخطه -رحمه اللَّه تعالى-: لو قال مؤنة تالف، لكان أوضح، ولشمل قيمة تالف، وأجرة تالف، فتدبر!.
قوله: (وولده)؛ أيْ: ولد المقبوض على وجه السوم كهو في صحة ضمانه.
قوله: (أو إجارة) هو مشكل في جانب الإجارة؛ لأن العين المؤجرة غير مضمونة بعد العقد، فقبله بالأولى 2؟.

وقطع ثمنه، أو ساومه فقط، ليُريه أهله إن رضوه وإلا ردَّه، لا إن أخذه لذلك بلا مساومة ولا قطع ثمن ولا بعض لم يُقَدَّر من دين، ولا دين كتابة، ولا أمانة، كوديعة ونحوها، إلا أن يضمن التعدي فيها.
ومن باع بشرط دَركِه إلا من زيد......  وجوابه: أن المراد بالعين في قوله: "وعين... إلخ" المعين، فشمل المنفعة، وهي في الإجارة مضمونة، أو العين مستعملة في حقيقتها ومجازها، وهو المنفعة، والوجه الأول من عموم المجاز، وهو أولى للاتفاق عليه 1، أو يحمل الضمان في العين على ضمان التعدي فيها، فتدبر!.
قوله: (وقطع ثمنه)؛ أيْ: أو أجرته.
قوله: (لا إن أخذه)؛ أيْ: لا ضمان إن... إلخ.
قوله: (لذلك)؛ أيْ: ليريه أهله.
قوله: (ولا بعض لم يُقَدَّر)؛ أيْ: بنصف مثلًا.
قوله: (ولا دين كتابة)؛ لأنه لا يلزم أن يؤول إلى الوجوب.
قوله: (إلا أن يضمن التعدي فيها) قال شيخنا 2: "فعلى هذا لا يصح ضمان الدلالين فيما يُعطَونه ليبيعوه؛ لأنه أمانة بيدهم، إلا أن يضمن تعديهم فيه أو هربهم به".
قوله: (إلا من زيد)؛ أيْ: لم يصح البيع؛ لأنه يقتضي ثبوت الحق فيه لزيد.

ثم ضمن دَركَه منه أيضًا لم يعُد صحيحًا.
وإن شُرط خيارٌ في ضمان أو كفالة فسدا، ويصح: "ألق متاعك في البحر، وعليَّ ضمانه".

1 - فصلٌ وإن قضاه ضامن أو أحال به -ولم ينو رجوعًا- لم يرجع، وإن نواه رجع على مضمون عنه -ولو لم يأذن في ضمان ولا قضاء- بالأقل مما قضى......   قوله: (لم يعد صحيحًا)؛ أيْ: البيع.
قوله: (فسدا)؛ أيْ: لم يصحَّا.
قوله: (وعليَّ ضمانه) ومثل هذه المسألة: أعتق عبدك أو أعطه لزيد وعليَّ ثمنه، لا: بعه وعلي ثمنه، من غير أن يقول: لزيد مثلًا، والفرق: الإتلاف وعدمه، إذ مسألة البيع لا إتلاف فيها؛ لأنه يرجع بثمنه على المشتري.

فصل

قوله: (وإن قضاه)؛ أيْ: الدين، أو رب الدين، ولا يتعين عوده على الدين كما تُوهمه عبارة الشارح 1، ونكتة اقتصار الشارح موافقته للضمير في "أحال به"؛ لأنه عائد على الدين، لا غير.
قوله: (وإن نواه)؛ أيْ: الرجوع.

ولو قيمة عرض عوَّضه به، أو قدر الدين، وكذا كفيل، وكل مؤدٍّ عن غيره دينًا واجبًا، لا زكاة ونحوها، لكن يرجع ضامن الضامن عليه، وهو على الأصيل.
وإن أنكر مَقْضِيٌّ القضاء وحلف لم يرجع على مدين......   قوله: (عوضه به)؛ أيْ: بالدين.
قوله: (أو قدر الدين) عطف على مدخول "من" التفضيلية.
قوله: (ونحوها)؛ أيْ: نحو الزكاة مما يتوقف الاجزاء فيه على نية، كالكفارة فإنها لا تجزئ بغير نية ممن هي، حاشية 1. قوله: (عليه)؛ أيْ: الضامن.
قوله: (وهو على الأصيل)؛ أيْ: بعد أن يؤديه هو.
وهذه المسألة هي التي أخذ منها ابن نصر اللَّه حكم مسألة الحوالة 2، وهو ما لو أحال رب الدين بدينه على الضامن، فإن الضامن لا يرجع على المضمون عنه إلا إذا أدى الدين، وقد كنت نظمت مسألة ابن نصر اللَّه هذه بما نصه: إذا أحَالَ ربُّ دينٍ واحدَا... بديِنه من ضَامِنٍ فقدْ غَدَا من قَدْ ضَمِنْ لا يملكُ المطالبَهْ... إلا إذا أدَّى الديون الواجبَه كذا ابنُ نصرِ اللَّهِ قد أفْتَى به... نَجَّاهُ ربُّ العرشِ مِنْ عقابِه قوله: (وأنكر مقضي القضاء)؛ أيْ: أنكر رب الدين الأخذ من ضامن أو نحوه.

ولو صدَّقه، إلا إن ثبت أو حضره، أو أشهد ومات أو غاب شهوده وصدَّقه، وإن اعترف وأنكر مضمون عنه لم يُسمع إنكاره.
ومن أرسل آخر إلى من له عنده مال لأخذ دينار فأخذ أكثر ضمنه مرسِل، ورجع به على رسوله.
قوله: (ولو صدَّقه)؛ لأن عدم الرجوع لتفريط الضامن ونحوه بعدم الإشهاد، فلا فرق بين تصديقه وتكذيبه، شرح 1. قوله: (شهوده) تنازع فيه "مات" و"غاب".
قوله: (لم يسمع إنكاره) لاعتراف رب الحق بأن الذي كان له صار للضامن، فوجب قبول قوله؛ لأنه إقرار على نفسه، شرح 2. قوله: (ضمنه مرسل)؛ أيْ: مرسل الرسول، [بدليل ما بعده، والأظهر أن المراد: مرسل الدراهم، لا مرسل الرسول] 3، كما هو الموافق لنص الإمام 4، وبه صرح في الإقناع 5 في باب الوكالة تبعًا للمستوعب 6، خلافًا لظاهر المتن والشرح 7، وليوافق المسألة السابقة في باب الرهن 8 في قول المص: "وأرسلت

ويصح ضمان الحالِّ مؤجلًا، وإن ضمن المؤجل حالًّا، لم يلزمه قبل أجله، وإن عجَّله لم يرجع حتى يحلَّ، ولا يحل بموت مضمون عنه، ولا ضامن، ومن ضمن أو كفل، ثم قال: "لم يكن عليه حق" صُدِّق خصمه بيمينه.

 زيدًا ليرهنه بعشرين، وقبضها، وصدقة زيد قُبلَ قول الراهن بعشرة".
وفي شرح شيخنا 1: " (ضمنه مرسل)؛ لأنه المسَلِّطُ للرسول، ورجع مرسل به؛ أيْ: بالمأخوذ على رسوله؛ لتعديه بأخذه، وفي الإقناع 2 وغيره 3: يضمنه باعث"، انتهى كلامه، فتدبره!.
قوله: (حتى يحل)؛ أيْ: إن لم يأمره المضمون عنه بتعجيله، حاشية 4. قوله: (ولا ضامن) محله في هذه [إن وثق الورثة على ما في شرح 5، وأما مسألة موت المدين فالتوثقة موجودة] 6 بوجود الضامن.
قوله: (لم يكن عليه)؛ أيْ: على من ضمنته أو كفلته.
قوله: (صدق خصمه)؛ أيْ: في أنه مدين.

2 - فصل في الكفالة

وهي التزام رشيد إحضار من عليه حق مالي إلى ربه، وتنعقد بما ينعقد به ضمان، وإن ضمن معرفته أخذ به.
فصل في الكفالة قوله: (وهي التزام رشيد) والمراد به جائز التصرف، وهو البالغ العاقل المصلح لماله.
قوله: (من عليه حق مالي) ظاهر كلامه أن الكفالة لا تتعلق إلا بمن عليه حق بالفعل، أما من سيتعلق به حق في المستقبل فلا تصح كفالته الآن، وحينئذٍ فيطلب الفرق بين الضمان والكفالة.
وقد يقال: لا فرق، ومراده الحق حالًا أو مآلًا، لا حالًا فقط.
أو المراد من عليه حق مالي في حالة الإحضار، ولو تأخر ثبوته وترتبه بذمته عن حالة الالتزام، فتوافق الضمان.
قوله: (أخذ به)، أيْ: بإحضاره، لا غرم ما عليه، فإن هذا لا يلزمه ابتداءً، كما يدل عليه بقية عبارة الإمام 1 -المختلف في معناها، وهي: "فإن عجز غرم ما عليه" 2، وليس المراد أخذ بمعرفته -كما يدل عليه ما ذكر أيضًا-؛ لأن المعرفة بمعنى التعريف، لا يتأتى العجز عنها، وفي عبارة الإقناع 3......

وتصح ببدن من عنده عين مضمونة، أو عليه دين لا حدٍّ أو قصاص، ولا بزوجة وشاهد، ولا إلى أجل أو بشخص مجهولَين ولو في ضمان.
وإن كفَل بجزء شائع أو عضو، أو بشخص على أنه إن جاء به وإلا فهو كفيل بآخر أو ضامن ما عليه، أو "إذا قدم الحاج فأنا كفيل بزيد شهرًا" صحَّ، ويبرأ إن لم يطالبه فيه.
ما يحتاج إلى تحرير 1. قوله: (لا حدٍّ) للَّه أو لآدمي.
قوله: (أو قصاص) في النفس، أو في 2 الطرف.
قوله: (ولا بزوجة وشاهد) قال في شرحه 3: "لأن الذي عليهما أداؤه لا يمكن استيفاؤه من الكفيل"، انتهى.
والمراد بما عليهما أداؤه تأدية الشهادة في الشاهد، وتسليم النفس للزوج، وحقوق الزوجية في حق الزوجة، أما كفالتهما في حق مالي فهما كغيرهما في ذلك، خلافًا لمن توهم من المتن غير ذلك 4.

وإن قال: "أبرئ الكفيل وأنا كفيل" فسد الشرط، فيفسد العقد، ويُعتبر رضا كفيل لا مكفول به.
ومتى سلَّمه بمحلِّ عقد -وقد حلَّ الأجل......   قوله: (فسد الشرط)؛ أيْ: قوله: "أبرئ الكفيل"؛ لأنه في معنى أبرأت الكفيل.
وقوله: (فيفسد العقد)؛ أيْ: قوله: "وأنا كفيل"؛ وفيه نظر؛ لأن غايته على ما أفهمه كلامه أنه عقد وشرط من مصلحته، وهو لا يقتضي فسادًا، وفي قول الشارح 1 في التعليل: "لأنه وعد وهو لا يلزم الوفاء به" نظر؛ لأن هذا لا يقتضي الفساد، وهذا مما ينبغي أن يتنبه له.
وقال شيخنا 2: "الظاهر أن الفساد لكونه أشبه بيعتَين في بيعة المنهي عنهما، فيفسدان لذلك".
وفيه أن ذلك الشبه لازم في كل عقد وشرط، ولو من مقتضاه أو مصلحته وهو مما لم يقل به أحد.
بقي أنه لو أجابه لِمَا سأله، وأبرأ الكفيل، ثم امتنع السائل من الكفالة هل يبرأ المبرأ؟ أم لا، لأن رب الدين إنما أبرأه اعتمادًا على صدق السائل.
قال شيخنا: "رأيت ببعض الهوامش نقلًا عن الفارضي أنه لا يبرأ" 3. قوله: (لا مكفول به)؛ أيْ: ولا مكفول له شرح 4. قوله: (وقد حل الأجل)؛ أيْ: أجل الكفالة.

أو لا- ولا ضرر في قبضه، وليس ثَم يد حائلة ظالمة، أو سلَّم نفسه، أو مات......   قوله: (أو لا)؛ أيْ: أو لم يحل الأجل.
قوله: (ولا ضرر) راجع لقوله: "وقد حل الأجل أو لا"، لا لقوله: "أوْ لا" فقط، بدليل صنيعه في الإنصاف 1، وكذا قوله: "وليس ثم... إلخ"، إذ هو من أفراد الضرر 2 -كما في الإنصاف 3 أيضًا- فتأمل!.
والذي يؤخذ من المستوعب 4 [أنه راجع لقوله: "أوْ لا"، ومثله في المبدع 5 وعبارة المستوعب] 6: "وإذا تكفل برجل إلى أجل، فسلمه إلى المكفول له قبل الأجل، ولا ضرر على المكفول له في ذلك، مثل أن يسلمه إليه في مِصْرٍ فيه سلطان، وفيه شهود صاحب الحق، سواء كان المصر الذي كفل فيه أو غيره جاز وبرئ الكفيل"، انتهى، وهذا هو الذي مشى عليه شيخنا 7. قوله: (أو سلم نفسه)؛ أيْ: سواء كانت الكفالة حَالَّةً أو لا على ما في المستوعب 8. قوله: (أو مات)؛ أيْ: مكفول.

أو تلفت العين بفعل اللَّه -تعالى- قبل طلب برئ كفيل، لا إن مات هو أو مكفول له.
وإن تعذر إحضاره مع بقائه أو غاب -ومضى زمن يمكن ردُّه فيه، أو عيَّنه لإحضاره- ضمن ما عليه، لا إذا شرط البراءة منه، وإن ثبت موته قبل غرمه استردَّه، والسجَّان كالكفيل.
وإذا طالب كفيل مكفولًا به أن يحضر معه، أو ضامن مضمونًا بتخليصه لزمه إن كفل أو ضمن -بإذنه-، وطولب، ويكفي في الأولى أحدهما.
قوله: (أو تلفت العين) قال في شرحه 1: "أيْ: التي ضمن التعدي فيها"، والذي في تصحيح الفروع 2 والإنصاف 3: أن المراد بها العين المضمونة، وكذا في الهداية 4. قوله: (لا إن مات هو)؛ أيْ: الكفيل.
قوله: (لا إذا شرط البراءة منه)؛ أيْ: فإنه لا يلزمه ما عليه.
قوله: (والسجان كالكفيل) فيضمن مطلقًا فرَّط أو لم يفرط، قاله الشيخ تقي الدين 5.

ومن كفله اثنان، فسلَّمه أحدهما لم يبرأ الآخر، وإن سلَّم نفسه برِئا، وإن كفل كلَّ واحد منهما آخر، فأحضر المكفول به برئ هو ومن تكفَّل به فقط، ومن كفل لاثنين، فأبرأه أحدهما لم يبرأ من الآخر، وإن كفل الكفيل آخر، والآخر آخر، برئ كلٌّ ببراءة من قبله، ولا عكس، كضمان.
ولو ضمن اثنان واحدًا......  وقال ابن نصر اللَّه 1: هو كالوكيل بجعل، فلا يضمن إلا إذا فرط قال شيخنا: وهذا أقرب إلى القواعد.
قوله: (وإن سلم نفسه برئا)؛ أيْ: لأن المقصود التسليم وقد حصل، ومنه يشكل ما في المسألة الأولى من أنه إذا سلمه أحدهما لم يبرأ الآخر، إذ التسليم قد حصل فيها أيضًا.
بقي ما إذا سلمه غيرهما هل يبرأان قياسًا على الثانية أو لا يبرأان قياسًا على الأولى؟ والأظهر في التعليل ما في شرح المص 2 حيث قال: "وإن سلم نفسه برئا، لأن المكفول لهما أصل، فيبرأان ببراءته"، انتهى، ولم يُعَرِّج على ما ذكر، من أن المقصود التسليم، فتدبر!.
قوله: (فأحضر)؛ أيْ: أحد الآخرين.
قوله: (المكفول به)؛ أيْ: مكفول المكفول.
قوله: (ولو ضمن اثنان... إلخ) هذه من قبيل التتمة للباب، فهي متعلقة

وقال كلٌّ: "ضمنتُ لك الدين"، فضمان اشتراك في انفراد، فله طلبُ كل بالدين كله، وإن قالا: "ضُمِّنَّا لك بالدين" فبينهما بالحصص.
بنفس الضمان، لا بنفس الكفالة، فكأن فَصْلَ الكفالة قد انقضى، ومما أشرنا إليه عُلِمَ سقوط الاعتراض على المص بأن حق هذه المسألة أن تذكر قبل فصل الكفالة.
قوله: (فضمان اشتراك)؛ أيْ: في الالتزام بالدين.
وقوله: (في انفراد) بأن يطالب كل منهما بجميع الدين على انفراده، شرح 1. وقد أشار إلى ذلك المص بقوله: "فله طلب كل... إلخ".
قوله: (فبينهما بالحصص)؛ أيْ: على كل واحد نصفه.

9 - باب

الحوالة:

عقد إرفاق، وهي: انتقال مال من ذمة إلى ذمة، بلفظها أو معناها الخاص.
وشرطٌ: رضا مُحيل، والمقاصَّة 1، وعلم المال، واستقراره، فلا تصح على مال سلَم......  باب الحوالة قوله: (بلفظها) كأَحَلْتك.
قوله: (أو معناها الخاص) وهو أَتبعتك بتقديم التاء المثناة فوق.
قوله: (والمقاصَّة)؛ أيْ: صحتها.
قوله: (وعلم المال)؛ أيْ: المحال به، أو عليه.
وقوله: (واستقراره)؛ أيْ: المال المحال عليه، لا الأعم بدليل قول المص الآتي: "لا استقرار محال به" فذكر المال بمعنًى، وأعاد عليه الضمير بمعنى آخر، فهو من قبيل الاستخدام، وفي الشرح 2 ما يلوح إلى ذلك، فراجعه!.
قوله: (فلا تصح على مال سلم) يصح تفريعه على قوله: "والمقاصَّة".

أو رأسه بعد فسخ، أو صداق قبل دخول، أو مال كتابة، ويصح إن أحال سيده، أو زوج امرأته لا يجزئه، ولا أن يُحيل ولد على أبيه.
وكونه يصح السلم فيه من مثلِيٍّ وغيره، كمعدود ومذروع، لا استقرار محال به، ولا رضا محال عليه، ولا محتال إن أحيل على مليء......  وعلى قوله أيضًا: "واستقراره".
وأما قوله: "أو رأس مال سلم" فيتعين تفريعه على "المقاصَّة"، ولو ذكره بجنبه للزم عليه تكرار قوله: "فلا يصح على مال سلم"، لما علمت أنه يصح تفريعه على الشيئَين.
وأما قوله: "أو صداق" فيتعين تفريعه على قوله: "واستقراره"، فتأمل!.
قوله: (ولا أن يحيل ولد على أبيه) هو مفرع على قوله: "واستقراره"؛ لأنه وإن كان مستقرًّا إلا أن الولد لما لم يملك المطالبة به صار كغير المستقر، فعلى هذا يشترط في الاستقرار أن يكون استقرارًا تامًا بحيث يملك المطالبة به.
قوله: (وكونه يصح السلم فيه) هذا الشرط غير محتاج إليه مع تعريف الحوالة بأنها انتقال مال 1 من 2 ذمة إلى ذمة، إذ الجواهر ونحوها إنما يثبت في الذمة ابتداء قيمتها، ومعلوم أن ما صحَّ أن يثبت في الذمة صحَّ السلم فيه، وما لا فلا.
قوله: (كمعدود ومذروع) قال بعضهم 3: إن قلنا إن الواجب في القرض ردُّ مثله أما إذا قلنا الواجب ردُّ القيمة، فلا تصح الحوالة في المعدود والمذروع؛

ويُجبر على اتباعه ولو ميتًا، ويبرأ محيل بمجردها، ولو أفلس محال عليه أو جحد أو مات.
والمليء: القادر بماله وقوله وبدنه فقط، فعند الزركشي: "ماله؛ القدرة على الوفاء, وقوله؛ أن لا يكون مماطلًا......  لأنه لم يثبت في الذمة.
قوله: (ولو ميتًا)؛ أيْ: إن خلَّف وفاء.
قوله: (أو جحد... إلخ) قال في الإقناع 1: "وكذا الجحود صرح به في الفروع 2 وغيره" 3 ولعل المراد إذا كان المحتال يعلم الدين، أو صدَّق المحيل عليه، أو ثبت ببينة ثم ماتت ونحوه، أما إن ظنه 4 عليه فجحد ولم يمكن إثباته فله الرجوع عليه، انتهى، حاشية 5. قوله: (وقوله) زاد في الإقناع 6: "وفعله، وتمكنه من الأداء"، والظاهر أنه لا يخرج عما هنا.
قوله: (فقط) احتراز عما زاده بعض الأصحاب 7 على هذا، وهو: فعله.
قوله: (فعند الزركشي... إلخ) الزركشي استظهر ولم يجزم به، خلافًا

وبدنه؛ إمكان حضوره إلى مجلس الحكم"، فلا يلزم أن يحتال على والده.
وإن ظنه مليئًا أو جهله فبان مفلسًا رجع، لا إن رضي ولم يشترط الملاءة، ومتى صحَّت......  لما يفهم من المتن 1. وبخطه: وعند الشيخ [صفي] 2 الدين 3 4: قوله؛ أيْ: إقراره بالدين، وبدنه، أن لا يكون ميتًا، واتفقا على تفسير المال بما ذكر.
قوله: (لا إن رضي)؛ أيْ: بالحوالة على من ظنه أو جهله مليئًا، لتفريطه بعدم اشتراطه الملاءة في الصورتَين، هذا ما في الشرحَين 5، وقد يتوقف في مسألة

فَرَضيَا بخير منه أو بدونه 1 أو تعجيله أو تأجيله أو عوضه جاز.
وإذا بطل بيع -وقد أحيل بائع أو أحال بالثمن-: بطُلت، لا إن فُسخ على أي وجه كان......  الظن، فإنه ما رضي بالحوالة عليه إلا ظنًّا 2 أنه مليء، ورأى أن اشتراط الملاءة في حقه تحصيل للحاصل، وأما مسألة الجهل فالأمر فيها ظاهر.
قوله: (فرضيَا) الفاء داخلة على شرط مقدر، والجملة جواب "متى" والتقدير: ومتى صحت فإن رضيا... إلخ جاز، وقد تقدم نظير ذلك 3. قوله: (أو تأجيله) لا يقال هذا يشكل على ما سبق من أن الحالَّ لا يؤجل؛ لأن المجد في شرح الهداية 4 صرح بأن معنى قولهم: لا يؤجل الحالُّ: لا يلزم أن يؤجل، لا أنه حرام أو لا يصح، ويلوح لذلك المعنى قول المص فيما سبق 5: "وإن ضمن المؤجل حالًّا لم يلزمه قبل أجله"، فتدبر!.
قوله: (جاز)؛ أيْ: ما تراضيا عليه؛ لأن الحق لهما، لكن إن جرى بين العوضَين ربا النسيئة اعتبر التقابض قبل التفرقة، حاشية 6. قوله: (وإذا بطُل بيع) بأن بأن المبيع حرًّا أو مستحقًّا.
قوله: (لا إن فسخ) على أيِّ وجه كان؛ أيْ: بتقايل، أو عيب، أو غيرهما.

وإن لم يَقْبِض، وكذا نكاح فسخ ونحوه، ولبائع أن يُحيل المشتري على من أحاله عليه في الأولى، ولمشترٍ أن يُحيل محالًا عليه......   قوله: (وإن لم يقبض)؛ أيْ: سواء قبض المحتال الثمن من المشتري أو لم يقبضه، أما إذا قبضه منه فظاهر، وأما إذا لم يقبضه فوجهه أن البيع لم يرتفع من أصله فلم يسقط الثمن.
قال شيخنا 1: "ولمشترٍ الرجوع بالعوض على بائع فيهما؛ لأنه لما ردَّ المعوض استحق الرجوع بالعوض، وقد تعذر الرجوع في عينه للزوم الحوالة فوجب في بدله"، انتهى.
قوله: (ونحوه)؛ أيْ: نحو النكاح، كالإجارة، أو نحو الفسخ كما لو طلقها قبل الدخول وقد أحالها بالصداق.
قوله: (ولبائع)؛ أيْ: ونحوه.
قوله: (أن يحيل المشتري)؛ أيْ: ونحوه.
قوله: (في الأولى) وهي التي أحيل فيها البائع، وموضوع المسألة فيما إذا فسخ البيع؛ لأن تحتها صورتَين، وهما ما إذا أحيل بائع، وما إذا أحال بائع، وليس المراد بالأولى مسألة البطلان، ومنه تعلم أن المراد من الثانية ما إذا أحال 2 بائع على مشترٍ 3 بالثمن من مسألتَي الفسخ.
[قوله: (عليه)؛ أيْ: على المشتري] 4.

جارٍ التحميل