حاشية الخلوتي على منتهى الإراداتصفحات 35-75

كِتَابُ القَضَاءِ وَالفُتيَا

صفحات 35-75

(35) كِتَابُ القَضَاءِ وَالفُتيَا (أ) وهي: تَبْيِينُ الحُكْمِ الشرعيِّ 1. ولا يَلزمُ جوابُ ما لم يَقَعْ 2، ولا ما لا يَحتمِلُه سائِلٌ 3، ولا ما لا نفعَ فيه.
ومَن عَدِم مُفْتِيًا في بلدِه وغيرِه، فحُكمُه: حُكمُ ما قَبْلَ الشَّرْعِ 4. ويحرُمُ تَساهُلُ مُفتٍ......  كتابُ القَضاءِ والفُتْيَا قوله: (فحكمُه [حكمُ] 5 ما قبلَ الشرعِ)؛ من إباحةِ، أو حظرٍ، أو وقفٍ 6؛ على الخلاف فيه، والأولُ أرجحُ 7.

وتقليدُ معروفٍ به 1. ويقلَّدُ العَدْلُ ولو مَيْتًا.
ويُفتي مجتهدٌ فاسِقٌ نفسَه 2. ويقلِّدُ عامِّيٌّ مَنْ ظَنَّه عالمًا، لا: إن جَهِل عدالَتَهُ 3. ولمفتٍ رَدُّ الفُتْيا: إن كانَ بالبلدِ عالمٌ قائمٌ مَقامَه.
وإلا: لم يجُزْ......   قوله: (وبفتي مجتهدٌ فاسقٌ نفسَه) إن في ذلك لعبرةً.
قوله: (لا إن جهلَ عدالَتَه)، ولو كان عدلًا 4. قوله: (ولمفتٍ ردُّ الفُتيا إن كانَ بالبلد عالمٌ قائمٌ مقامَه)، وكذا إن خاف غائلتها -على ما في الإقناع 5 -. وبخطه: عُلم منه 6: أنه لو كان بها مَنْ هو معروف عند العامة بكونه مفتيًا، وهو جاهل أنه يتعين الجواب على العالم 7.

كقولِ حاكمٍ لمن ارتَفَعَ إليه: "امْضِ إلى غيري" 1. ويحرُم إطلاقُ الفُتْيا في اسمٍ مشتَرَكٍ، فمن سُئِلَ: "أَيُؤْكَلُ في رمضانَ 2 بعدَ الفجر؟ "، لا بُدَّ أن يقولَ: "الأولَ، أو الثانيَ".
وله تَخْيِيرُ من استفتاهُ بينَ قولِه وقولِ مخالفِه.
ويَتخيَّرُ -وإن لم يُخَيِّرْهُ، لا لمنِ انتَسبَ لمذهبِ إمامٍ- أن يَتخيَّر في مسألةٍ ذاتِ قولَيْنِ 3.   قوله: (كقولِ حاكمٍ لمن ارتفعَ إليه: امضِ 4 إلى غيري) ولو كان بالبلد 5 من يقوم مقامه، [فالتشبيه في مطلق عدمِ الجوازِ، لا في عدمه حين لا يكون فيه مَنْ يقوم مقامه] 6. هكذا يؤخذ من الشرح 7. قال: (لأن تدافُعَ الحكومات يؤدِّي إلى ضياع الحقوق) 8. قوله: (الأولَ) منصوب بـ "تعني" 9. قوله: (لا لمنِ انتسبَ لمذهبِ إمامٍ أن يتخيرَ في مسألةٍ ذاتِ قولين) لإمامه، أو وجهين لأصحابه، فيفتي، أو يحكم بحسب ما يختار منهما، بل عليه أن

ومن لم يجدْ إلا مفتيًا: لزمَهُ أخذُه بقولهِ.
وكذا ملتزمٌ قولَ مفتٍ، وثَمَّ غيرُه.
ويجوزُ تقليدُ مفضولٍ من المجتهدين 1. (ب) و"القضاء": تَبْيينُه، والإلزامُ به، وفَصْلُ الحكوماتِ 2. وهو فرضُ كفايةٍ؛ كالإمامةِ.
فعلى الإمامِ أن يَنْصبَ بِكُلِّ إقليم قاضيًا.
ويَختارُ لذلك أفضلَ من يجدُ: عِلْمًا ووَرَعًا، ويأمرُه بالتقوى، وتحرِّي العدلِ، وأن يَستخلِفَ في كُلِّ صُقْعٍ أفضلَ من يجدُ لهم 3. ويجبُ على من يَصلُح، إذا طُلِبَ، ولم يوجَدْ غيرُه......  ينظر: أيهما أقربُ من قواعدِ 4 مذهبهِ، أو من الأدلة، فيعمل به؛ أي: يفتي، أو يحكم 5. قوله: (في كلِّ صُقْع)؛ أي: ناحية من عمله 6.

ممن يوثَقُ به: أن يدخُلَ فيه 1 إن لم يُشْغِلْه عَمَّا هو أَهَمُّ [منه] 2 3. ومعَ وجودِ غيرِه، الأفضلُ: أَلَّا يُجيبَ 4. وكُرِه له طلبُه إذًا 5. ويحرُم بذلُ مالٍ فيه، وأَخْذُه، وطلبُه، وفيه مباشِرٌ أَهْلٌ 6. وتَصِحُّ تَولِيَةُ مفضولٍ 7 وحريصٍ عليها 8، وتعليقُ وِلايةِ قضاءٍ وإمارةٍ بشرطٍ 9.   قوله: (ويحرُمُ بدلُ مالٍ فيه، وأخذُه وطلبُه وفيه مباشِرٌ أَهْلٌ)، ويبقى النظر في أحكامه حينئذ، هل تنفذ؟ ولو فسق بذلك؟ فليحرر.

وشُرِطَ لصحَّتِها: 1، 2، 3، 4، 5 - كونُها من إِمامٍ، أو نائِبه فيه، وأن يَعرفَ أن المُوَلّى صالحٌ للقضاء، وتعيينُ ما يُوَلِّيه الحُكْمَ فيه؛ من عملٍ، وبلدٍ، ومشافَهَتُه بها، أو مكاتَبتُه، وإشهادُ عَدْلَيْن عليها، أو استفاضَتُها: إذا كان بلدُ الإمام خمسةَ أيام فما دون 1، لا عدالةُ المولِّي (بكسر اللام) 2. وألفاظُها الصريحةُ سبعةٌ: "ولَّيْتُك الحُكْمَ، وَقلَّدْتُك الحكمَ، وفَوَّضْتُ 3 -أو رَدَدْتُ......   قوله: (من عمل)؛ أي: ما يجمع بلادًا وقرى متفرقةً؛ كمصرَ ونواحيها 4. قوله: (إذا كان بلد الإمام خمسةَ أيام)؛ أي: إذا كان بينَ بلد الإمام وبلد المولى خمسةُ أيام فما دون.
ومفهومُه: أنه إذا كان بينهما فوقَ خمسةِ أيام: أنه لا تكفي 5 الاستفاضة 6. قوله: (وألفاظُها الصريحةُ سبعةٌ).

أو جعلْتُ- إليكَ الحكمَ، واستخلَفْتُك -أو استَنَبْتُك- في الحكمِ" 1. فإذا وُجد أحدُها، وقَبِلَ مولّى حاضِرٌ في المجلسِ، أو غائبٌ بعدَه 2، أو شرعَ الغائبُ في العملِ: انعقدَتْ 3. والكنايةُ نحو: "اعتمدْتُ، أو عَوَّلْتُ عليكَ، ووَكَّلْتُ، أو أسنَدْتُ إليكَ".
لا تنعقد إلا بقرينة......  قال 4 شيخنا عبدُ الرحمن: على عددِ أبوابِ جهنم 5. قوله: ([أو] 6 غائبٌ)؛ أي: ولو كان بالبلد، لكنه غائب عن المجلس 7. قوله: (بعده)؛ أي بعد بلوغ التولية له 8. قوله: (إلا 9 بقرينة)؛ أي: تنفي الاحتمال، ومقتضى التمثيل والتعليلُ أنه

نحو: "فاحكمْ، أو: فَتَوَلَّ ما عَوَّلْتُ عليكَ فيه" (1). وإن قال: "من نَظر في الحكم في بلدِ كذا، من فلانٍ وفلانٍ، فقد وَلَّيْتُه" لم تنعقِدْ لمن نَظَر؛ لجهالتِه (2). وإن قال: "وَلَّيْتُ فُلانًا وفلانًا، فمن نَظَر منهما، فهو خليفتي" انعقدَتْ لهما، ويتعيَّنُ من سَبَقَ (3).

1 - فصل وتُفِيدُ وِلايةُ حكمِ عامَّةٌ النظرَ في أشياءَ، والإلزامَ بها: 1 -

فصل

الحكومةِ، وأخذُ الحقِّ، ودفعُه لربِّه.
لا بدَّ من قرينة لفظية.

فصلٌ

4 قوله: (فصلُ الحكومة) بدلٌ من (أشياءَ) 5، أو خبرُ مبتدأ محذوف، وأي، وهي: أي الأشياء فصل الحكومة... إلخ، فتدبر.123

2، 3 - والنظرُ في مالِ يتيمٍ ومجنونٍ وسفيهٍ وغائبٍ، والحَجْرُ لِسَفَهٍ وفَلَسٍ.
4، 5 - والنظرُ في وقوفِ عملِه؛ لتجريَ على شرطِها.
وفي مصالحِ طرقِ عملِه وأَفْنِيَتِهِ.
6، 7 - وتنفيذُ الوصايا، وتزويجُ من لا وليَّ لها.
8 - وتصفُّحُ شهودِه وأُمَنائه؛ ليَستبدِلَ بمن ثَبَتَ جَرْحُه.
9، 10 - وإقامةُ حَدٍّ، وإمامَةُ جمعةٍ وعيدٍ 1: ما لم يُخَصَّا بإمام 2. 11 - وجبايةُ خَراجٍ وزكاةٍ، ما لم يُخَصَّا بعاملٍ 3. لا الاحتِسابَ على الباعةِ والمشترينَ، وإلزامَهم بالشرع 4.  ..................................

وله طلبُ رزقٍ من بيتِ المالِ، لنفسِه، وأُمَنائه، وخُلفائه، حتى مع عدمِ حاجةٍ 1. فإن لم يُجعل له شيءٌ -وليس له ما يكفيه- وقال للخصمَيْن: "لا أقضِي بينكما إلا بجُعْلٍ"، جاز 2. [لا مَنْ تعيَّنَ أن يُفتي وله كفايةٌ] 3. ومن يأخذُ من بيتِ المالِ......   قوله: (إلا بجعل)؛ أي: ويعينه؛ لأن من شرط الجعالة تعيينُ الجُعْلِ 4. قوله: (لا من تعيَّنَ أن يُفتي وله كفايةٌ).
قال شيخنا في شرحه في بيان المحترزين: (فإن لم يتعين؛ بأن كان بالبلد عالم يقوم مقامه، أو لم يكن له كفاية، جاز) 5. انتهى 6. قوله: (ومن يأخذ من بيت المال) لعل المراد: قدر كفايته 7.

لم يأخذْ أُجرةً لفُتياهُ، ولا لِخَطِّهِ (1).

2 -

فصل

ويجوزُ أن يُوَلِّيَه عمومَ النظرِ في عمومِ العملِ، وأن يولِّيَه خاصًّا في أحدهما، أو فيهما 2، فيولِّيه عمومَ النظرِ -خاصًا- بِمَحَلَّةٍ خاصةٍ، فينفُذُ حكمُه في مقيمٍ بها، وطارٍ إليها فقط 3......  فصلٌ 4 قوله: (ويجوز أن يولِّيَه عُمومَ النظرِ في عمومِ العمل)؛ بأن يوليه سائرَ الأحكام في سائر البلدان 5. قوله: (وأنه يولِّيه خاصًّا في أحدِهما)، وتحتها صورتان؛ فالصورُ أربع 6. قوله: (فقط)؛ أي: دون مَنْ كان مقيمًا، ثم رحل منها قبلَ ولايته.1

لكنْ: لو أَذِنَتْ له في تزويجها، فلم يزوِّجْها حتى خرجَتْ من عمله: لم يصحَّ؛ كما لو أذنتْ له، وهي في غيرِ عملِه، ثم دخلتْ إلى عملهِ 1. ولا يسمعُ بينةً في غير عملِه -وهو مَحَلُّ حكمِه-، وتجبُ إعادَةُ الشهادةِ فيه؛ كتعديلها 2. أو يولِّيَه الحكمَ في المُدَايَناتِ خاصَّةً، أو في قَدْرٍ من المالِ لَا يتجاوزُه، أو يَجعلَ إليه عقودَ الأَنْكحةِ، دونَ غيرِها 3.   [قوله: (لم يصح)؛ أي: تزويجُه لها؛ لأنها حينئذٍ ليست في ولايته] 4 5. قوله: (ثم دخلت إلى عمله)؛ أي: بعد الإذن، فلا يصح تزويجُه لها بذلك الإذنِ؛ إذ لا عبرةَ بالإذن في غير عمله؛ لعدم الولاية عليها 6. قوله: (كتعديلها)؛ أي: كما أنه لا بد من إعادة التعديل؛ لاحتمال طُروءِ 7 ما ينافي العدالةَ بين السماعَين، فتدبر.

وله أن يولِّيَ مِنْ غيرِ مذهبِه 1، وقاضِيَيْنِ فأكثرَ ببلدٍ، وإن اتَّحَدَ عملُهما 2. ويقدَّمُ قولُ طالبٍ -ولو عندَ نائبٍ-، فإن استَويَا 3 -كمُدَّعِيَيْنِ اختلفا في ثمنِ مَبيعٍ باقٍ 4 -: فأقربُ الحاكِمَيْن.
ثم قُرْعَةٌ.
وإن زالت [ولايةُ] 5 المَوَلِّي [بكسر اللامِ]، أو عُزِلَ المُولَّى (بفتحها) -مع صلاحيتِه- لم تبطُلْ وِلايتُه؛ لأنه نائبُ المسلمينَ، لا الإمامِ 6. ولو كان المستَنِيبُ قاضيًا، فعَزَلَ نُوَّابَه، أو زالَتْ ولايتُه بموتٍ أو غيرِه: انعزلوا 7.  ..................................

وكذا والٍ، ومحتسِبٌ، وأميرُ جهادٍ، ووكيلُ بيتِ المالِ، ومن نُصِبَ لجبايَةِ مالٍ وصرفِه 1. ولا يبطُلُ ما فَرَضَهُ فارضٌ، في المستقبَل 2. ومن عَزَلَ نفسَه: انعزلَ 3، لا بعزلٍ قبلَ علمِه 4.   قوله: (لا بعزلٍ قبلَ علمِه)؛ لتعلق قضايا الناس وأحكامِهم به، فيَشُقُّ؛ بخلاف الوكيل؛ فإنه يتصرف في أمرٍ خاصٍّ.
شرح شيخنا 5. وفي شرحه على الإقناع تعليلٌ أحسنُ من هذا 6،......

ومن أُخْبِرَ بموتِ مُوَلّى ببلدٍ، وولَّى غيرَه، فبانَ حيًّا: لم ينعزلْ (1).

3 - فصل ويُشترطُ كونُ قاضٍ: بالغًا، عاقلًا، ذَكَرًا، حُرًّا، مُسْلِمًا......  نقلَه عن الاختيارات (2). قوله: (فبان حَيًّا، [لم] (3) ينعزلْ).
قال شيخنا: (فيؤخَذُ من هذا: أن من أنهى شيئًا (4)، فولي بسبب إنهائه (5): أن ولايته لا تصح؛ لأنها كالمعلقة على صحة الإنهاء، وهذه مسألة كثيرةُ الوقوع، فليتنبه (6) لها).
حاشية (7).

فصلٌ

81234567

عَدْلًا 1، ولو تائبًا من قَذْفٍ 2، سَميعًا، بَصيرًا، متكلِّمًا، مجتهدًا -ولو في مذهبِ إمامِه للضرورة 3 -، فيُراعِي ألفاظَ إمامِه ومتأخِّرَها، ويقلِّدُ كبارَ مذهَبِه في ذلك، ويَحْكُمُ به -ولو اعتَقَدَ خلافَه- 4. لَا كونُه: كاتبًا 5، أو وَرِعًا، أو زاهِدًا 6، أو يَقِظًا 7، أو مُثْبِتًا للقياس، أو حسَنَ الخُلُقِ.
والأَوْلَى كونُه كذلكَ 8. وما يَمنعُ التوليةَ ابتداءً: يَمنعُها دوامًا، إلا فقْدَ السمعِ أو البصرِ 9 فيما ثبت عندَه، ولم يَحْكُم به: فإن ولايةَ حكمِه باقيةٌ فيه 10.  ..................................

ويَتعيَّن عزلُه مع مرضٍ يمنعُه القضاءَ 1. ويصحُّ أن يولَّى عبدٌ إمارةَ يسَرِيَّةٍ، وقَسْمَ صَدَقَةٍ وفَيْءٍ، وإمامةَ صلاةٍ 2. و"المجْتهدُ": من يَعرِفُ -من الكتابِ والسُّنةِ-: "الحقيقةَ والمَجاز"، و"الأمرَ والنّهيَ"، و"المُجْمَلَ والمُبَيَّن"، و"المحْكَمَ والمتشابِهَ"، و"العامَّ والخاصَّ"، و"المُطلَقَ والمقيَّدَ"، و"الناسِخَ والمنسوخَ"، و"المستثنَى والمستثنَى منه"، وصحيحَ السُّنَّة وسقِيمَها، ومُتواتِرَها وآحادَها، ومُسنَدَها، والمنقطِعَ: -مما يَتعلّقُ بالأحكامِ- والمُجمَعَ عليه، والمختَلَفَ فيه، والقياسَ وشروطَه، وكيفَ يَستنبطُ؟ والعربيَّة المتداولَة بالحجاز والشامِ والعِراقِ، وما يُوالِيهم 3. فمن عَرَف أكثرَ فقط: صَلُحَ للفُتْيَا والقضاءِ 4.   قوله: (وإمامة 5 صلاة)؛ أي: غير جمعةٍ وعيدٍ 6.

4 - فصل

1 وإن حَكَّمَ اثنانِ فأكثرُ بينَهما صالحًا للقضاء: نفذَ حكمُه في كلِّ ما ينفُذُ فيه حكمُ مَنْ وَلَّاه إمامٌ أو نائبُه 2، لكن: لكلٍّ منهما الرجوعُ قبلَ شروعِه في الحكم 3.  ..................................

1 - بابُ أدَبِ القاضي

وهو: أخلاقُه التي يَنبغِي التخلُّقُ بها.
و"الخُلُقُ": صورتُه الباطنةُ 1. يُسَنُّ: كونُه قَوِيًّا بلا عُنْفٍ، لَيِّنًا بلا ضَعفٍ، حليمًا، متأنيًّا، متفطِّنًا، عفيفًا، بصيرًا بأحكامِ الحُكّام قبلَه 2. وسؤالُه: إن وُلِّيَ في غير بلدِه -عن علمائِه وعدولِه، وإعلامُهم يومَ دخولِه: ليتلَقَّوْهُ- من غير أن يأمرَهم بتلَقِّيه 3.  بابُ أَدَبِ القاضي قوله: (مُتَفَطِّنًا) 4. قال في الشرح: (عالمًا بلغاتِ أهلِ ولايتِه) 5

ودخولُه -يومَ اثنينِ أو خميسٍ أو سبتٍ- ضَحْوَةً، لابسًا أجملَ ثيابِه.
وكذا أصحابُه.
ولا يَتطيَّرُ، وإن تفاءَلَ، فحسَنٌ 1. فيأتِي الجامعَ: فيصلّي ركعتَيْن، ويجلسُ مستقبِلًا، ويَأمُرُ بعهدِه -فيُقرأُ على الناس- ومن يناديهم بيومِ جلوسِه للحكم.
ويُقِلُّ من كلامه إلا لحاجةٍ 2.   قوله: (ودخوله 3 يوم اثنينِ... إلخ) استحبابُ يوم الاثنين؛ لأنه يومُ تنقلاته 4 -صلى اللَّه عليه وسلم- 5، ويوم السبت والخميس 6؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: (بَرَكَةُ السَّبْتِ 7 وَالخَمِيسِ بُكْرَةً) 8 9.

ثم يَمضِي إلى منزله، ويُنْفِذُ: فيَتسلَّمُ دِيوانَ الحكمِ ممن كان قبلَه 1. ويأمُرُ كاتبًا ثقةً: يُثْبتُ ما تَسَلَّمه بمَحْصرِ عَدْلَيْن 2. ثم يخرُجُ يومَ الوعدِ بأعدلِ أحواله: غيرَ غَضبانَ، ولا جائعٍ، ولا حاقِنٍ، ولا مهمومٍ بما يَشغَلُه عن الفهم، فيُسلّمُ على من يَمُرُّ به -ولو صبيًّا-......   قوله: (ويُنفِذُ)؛ أي: يبعث ثقةً 3. قوله: (فيتسلمُ دِيوانَ الحكمِ) -بكسرِ الدالِ، وحُكيَ فتحُها- فارسيٌّ 4 معرَّبٌ 5. قوله: (فيسلِّم على مَنْ يمرُّ به -ولو صبيًا-)؛ لأن السنة = وورد بلفظ: "اللهمَّ باركْ لأمتي في بُكورها يومَ سبتِها ويومَ خميسِها"، لكن قال أبو زرعة عن هذه الزيادة: إنها مفتعلة.
وقال أبو حاتم: لا أعلم في: "اللهم بارك لأمتي في بكورها" حديثًا صحيحًا.
راجع: تلخيص الحبير (4/ 98).

ثم على مَنْ بمجلسه 1. ويصلّي: إن كان بمسجدٍ تَحِيَّتَه، وإلا: خُيّر 2. والأفضلُ: الصلاةُ 3. ويَجلس على بِساطٍ ونحوِه 4، ويدعو بالتوفيقِ والعِصْمَةِ: -مستعينًا، متوكلًا- سِرًّا 5.  للراكب والماشي 6 السلامُ على الجالس 7. قوله: (ويجلس على بساطٍ ونحوِه) يختص به؛ ليتميز [به] 8 عن غيره

ولْيَكُنْ مجلِسُه لا يَتأذّى فيه بشَيءٍ، فَسِيحًا؛ كجامع -ويَصُونُه مما يُكرهُ فيه-، ودارٍ واسعةٍ وسَط البلدِ: إن أمكَنَ 1. ولا يَتَّخِذُ حاجِبًا ولا بَوَّابًا بلا عُذرٍ 2، إلا في غيرِ مجلسِ الحُكم: إن شاء 3. ويعرضُ القِصَص......  ممن في المجلس؛ لأن هذا مقامٌ عظيم يجب فيه إظهارُ الحرمةِ؛ تعظيمًا للشرع 4. [قوله] 5: (كجامعٍ)، فيجوز القضاءُ في المساجِد 6 والجوامعِ من غير كراهةٍ، أما الحائضُ، فتوكلُ، أو تأتي القاضيَ ببيته 7، والجنبُ يغتسلُ 8.

وبجبُ تقديمُ سابقٍ لا في أكثرَ من حكومةٍ 1. ويُقرِعُ: إن حضروا دفعةً، وتَشاحُّوا 2. وعليه العدلُ بين متحاكِمَيْن: في لَحْظِه، ولَفْظِه، ومجلسِه، ودخولٍ عليه 3. إلا إذا سَلَّم أحدُهما: فَيُردُّ، ولا يَنتظِرُ سلامَ الثاني 4، وإلا المُسْلِمَ مع كافر: فيُقدَّمُ دخولًا 5، ويُرفَعُ جلوسًا 6. ولا يُكرهُ قيامُه للخَصْمَيْن 7......   [قوله] 8: (لا في 9 أكثرَ من حكومةٍ)، (وإن ادعى المدَّعَى عليه على

ويحرمُ أن يُسارَّ أحدَهما، أو يُلَقِّنَه حُجَّةً، أو يُضَيّفَه، أو يُعلّمَه: كيف يَدَّعي؟ 1 إلا أن يَترُكَ ما يلزم ذكرُه؛ كشرطِ عقدٍ، وسببٍ ونحوه: فله أن يَسأل عنه 2. وله أن يَزِن، ويَشفَعَ؛ ليَضعَ عن خَصمه، أو يُنظِرَه 3. وأن يؤدِّبَ خَصْمًا افتاتَ عليه، ولو لم يَثبُت ببيِّنةٍ 4. وأن يَنتهرَهُ: إذا التَوَى 5. وسُنَّ أن يُحضِرَ مجلسَه فقهاءَ المذاهبِ، ومُشاورتُهم فيما يشكِلُ 6. فإن اتَّضَح، وإلا: أَخَّرَهُ، فلو حَكم ولم يَجتهد......  المدَّعِي، حكمَ بينهما؛ لأننا إنما نعتبر الأول فالأول في الدعوى، لا في المدعى عليه).
إقناع 7.

لم يصحَّ -ولو أصابَ الحقَّ- 1. ويحرُم تقليدُ غيرِه -ولو كان أعلمَ- 2، والقضاءُ: وهو غضبانُ كثيرًا، أو حاقِنٌ، أو في شِدَّةِ جوعٍ أو عطشٍ، أو هَمٍّ، أو مللٍ أو كسلٍ أو نُعاسٍ، أو بردٍ مؤلِمٍ، أو حَرٍّ مزعجٍ.
وإن خالف، فأصابَ الحقَّ: نَفَذ 3. وكان للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- القضاءُ مع ذلك، لأنه لا يجوزُ عليه غلطٌ يُقَرُّ عليه -لا قولًا، ولا فعلًا- في حُكمٍ 4.   قوله: (لأنه [لا] 5 يجوز عليه غلطٌ 6 يُقَرُّ 7 عليه، لا قولًا 8، ولا فعلًا في حكمٍ) هذه العبارة تعطي: أنه يجوز عليه خطأ لا يقر عليه، وهو مشكل، وأنه يجوز عليه الغلطُ في غير الحكم، والثاني واردٌ، فراجع الشرح 9.

ويحرُم قبولُه رِشْوَةً.
وكذا هَدِيَّةٌ، إلا ممن كان يُهاديهِ قبلَ ولايتِه: إذا لم تكن له حكومةٌ: فيُباحُ؛ كمفتٍ، ورَدُّها أَوْلى 1. فإن خالف: رُدَّتا لمعطٍ 2. ويُكرهُ بيعُه وشراؤه، إلا بوكيلٍ: لا يُعرَفْ به، وليس له ولا لوالٍ أن يتَّجِرَ 3.   قوله: (ويحرم قبولُه 4 رشوةً) -بتثليث الراء 5 -. قوله: (ولا لوالٍ 6 أن يَتَّجِر) إلا أن يحتاج إلى مباشرةِ عقدِ البيع، ولم = "ما لكم؟ "، قالوا: قلتَ كذا وكذا، قال: "أنتم أعلمُ بأمرِ دنياكم" أخرجه مسلم في صحيحه في باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره -صلى اللَّه عليه وسلم- من معايش الدنيا على سبيل الرأي برقم (2363) (15/ 117) من حديث عائشة، وأنس بن مالك -رضي اللَّه عنهما-.
شرح منتهى الإرادات (3/ 471).

ويُسنُّ له عِيادةُ المَرْضَى، وشهادةُ الجنائزِ، وتوديعُ غازٍ وحاجٍّ: ما لم يشغَلْه 1. وهو: في دعواتٍ كغيرِه.
ولا يجيبُ قومًا ويَدَع قومًا بلا عذرٍ 2. ويوصِّي الوكلاءَ والأعوانَ ببابه بالرفقِ بالخصومِ، وقِلَّة الطمعِ، ويجتَهدُ أن يكونوا شُيوخًا أو كُهولًا: من أهلِ الدِّين والعِفَّةِ والصِّيَانَةِ 3. ويُباحُ أن يَتَّخِذَ كاتبًا.
ويُشترطُ كونهُ: مسلمًا، عدلًا 4. ويُسنُّ كونُه: حافظًا، عالمًا، ويَجلسُ بحيثُ يشاهِدُ ما يكتُبه.
ويَجعلُ القِمَطْرَ......  يكن له ما يكفيه، فلا يُكره له أن يتجر 5. قوله: (القِمَطْر) -بكسر القاف وفتح الميم وسكون الطاء- أعجميٌّ معرَّب 6.

-وهو: ما تَجتمِعُ فيه القضايا مختومةً- بينَ يدَيْه 1. ويُسنُّ حكمُه بحضرةِ شُهودٍ، ويحرُم تعيينُه قومًا بالقبول 2. ولا يصحُّ، ولا يَنفُذُ حكمُه على عَدُوِّه 3 -بل يُفتِي 4 -، ولا لنفسِه 5، ولا لمن لا تُقْبَلُ شهادتُه لهم 6.   قوله: (ولا لمن لا تُقبل شهادتُه لهم) -ولو كانت الخصومة بين والديه، أو بين والده وولده 7 -. = الإرادات (3/ 472)، وكشاف القناع (9/ 3216).

وله استخلافُهم؛ كحكمِه لغيرِهم بشهادتِهم (1)، وعليهم.

1 - فصل ويُسنُّ أن يَبدأَ بالمحبوسين، فيُنْفِذَ ثقةً: يكتُبُ أسماءَهم، ومَنْ حبَسهم، وفيم ذلك؟.
ثم يُنادي في البلد: أنه ينظرُ في أمرهم.
فإذا جلس لمَوعدِه، فمن حضر له خَصمٌ......   قوله: (وله استخلافُهم) (2)؛ أي: استنابتُهم في القضاء عنه إن كانوا أهلًا لذلك (3).

فصلٌ

4 قوله: (يكتب أسماءهم)؛ أي: أسماء المحابيس، كل واحدٍ في رقعة منفردة؛ لئلا يفضي إلى التكرار 5. قوله: (فمن حضر له خصمٌ) تأمل هذه العبارة من جهة العربية، وحررها.123

نَظَر بينهما 1، فإن كان حُبِس لتُعدَّلَ البينة: فإعادتُه مبنيَّةٌ على حبسِه في ذلك 2، ويُقْبَلُ قولُ خصمِه: في أنه حبَسه بعدَ تكميلِ بَيِّنَتِهِ وتعديلِها 3. وإِنْ حُبِس بقيمةِ كلبٍ، أو خمرِ ذِمِّيٍّ، وصدَّقَهُ غريمُه: خُلِّيَ 4.   قوله: (فإعادتُه مبنيةٌ 5 على حبسه في ذلك)، والأصحُّ: حبسُه في ذلك، فيعاد إلى الحبس 6. [قوله] 7: (ويُقبل قولُ خصمِه في أنه حبسه بعد تكميلِ بَيِّنَتِه وتعديِلها)؛ لأن الظاهر: أن الحاكمَ إنما حكم عليه لحقٍّ ترتَّبَ عليه 8. قوله: (وإن حُبس بقيمة كلبٍ)؛ أي: في اعتقاد المدَّعي، وإلا، فالكلبُ

وإن بانَ حبسُه في تُهمَةٍ، أو تعزيرٍ؛ كافْتِياتٍ على القاضي قبلَه، ونحوِه: خَلَّاهُ، أو أبقاهُ بقدرِ ما يَرَى 1. فإطلاقُه......  لا قيمَة له شرعًا 2؛ لأنه لا يصح بيعُه 3، ولا يضمن بقيمةٍ إذا أتلف 4 5. قوله: (أو تعزيرٍ) من ظرفيةِ 6 العامِّ للخاصِّ؛ لأن التعزير يكون بالحبس وغيرِه.
قوله: (قبلَه)؛ أي: الكائنِ قبلَه.
قوله: (ونحوِه)؛ أي: نحو الحبس] 7؛ ككونه غائبًا 8. قوله: (فإطلاقُه) مبتدأ خبرُه قول المصنف (حكمٌ).

وإذنُه -ولو في قضاءِ دَينٍ ونفقةٍ ليرجعَ، ووضع ميزابٍ وبناءٍ، وغيرِه- وأمرُه بإراقةِ نبيذٍ، وقُرعتُه -حكمٌ: يَرْفَعُ الخِلافَ إن كان 1. وكذا نوعٌ من فعلِه؛ كتزويجِ يتيمةٍ، وشراءِ عينٍ غائبةٍ، وعقدِ نكاحٍ بلا وليٍّ 2، وحكمُه بشيءٍ حكمٌ بلازمِه 3 4. وإقرارُه غيرَه على فعلٍ مختلَفٍ فيه......   قوله: (وكدا نوعٌ من فعله... إلخ)؛ أي: في محل الحكم، وإنما أتي بهذه العبارة؛ فرارًا من بعض أفعاله؛ كأكله وشربه، ففرَّ 5 من محظور، فوقع في غيره.
تأمل.
قوله: (وعقدِ نكاحٍ بلا وليٍّ)؛ أي: حيث رآه 6 كالحنفي 7. قوله: (على فعل مختلَفٍ فيه)؛ أي: في صحته، أو حِلِّه 8.

وثبوتُ شيءٍ عنده- ليس حكمًا به 1.   قوله: ([و] 2 ثبوت شيء عنده... إلخ) انظره مع قوله في فصل المفوضة من كتاب الصداق تبعًا لصاحب الفروع: (فدلَّ أن ثبوتَ سببِ المطالبةِ؛ كتقديرِه أجرةَ مثلٍ، أو نفقة، ونحوه 3، حكمٌ، فلا يغيره حاكمٌ آخَرُ ما لم يتغيرِ السببُ).
انتهى 4. وقد حاول الشارح 5 الجواب عن 6 ذلك، حاصلُه: أن الفرق بين ثبوت شيء، وثبوتِ صفة شيء، وما هنا من 7 ثبوت الشيء، وهو ليس بحكمٍ 8 بصحته 9؛ كثبوت وقفٍ وبيعٍ وإجارة، وما هناك من ثبوت صفة شيء؛ كصفة عدالة، وأهليةِ وصيةٍ، فإنه حكم.
قال: (وكذا ثبوتُ سببِ المطالبة؛ كفرضِه مهرَ مثلٍ، أو نفقة أو أجرة -كما تقدم-).
انتهى 10.

وتنفيذُ الحكم يَتَضَّمنُ الحكمَ بصحةِ الحكم المنفَّذِ.
وفي كلام الأصحاب ما يَدُلُّ على أنه حكمٌ.
وفي كلام بعضهم: أنه عملٌ بالحكم، وإجازةٌ له، وإمضاءٌ؛ كتنفيذِ الوصيةِ 1. والحكمُ بالصحةِ يَستلزمَ ثبوتَ الملكِ والحِيازةِ قطعًا 2. والحكمُ بالمُوجَبِ: حكمٌ بموجَبِ الدعوي الثابِتة ببيِّنةٍ أو غيرِها.
فالدعوة: المشتمِلةُ على ما يقتضِي صحةَ العقدِ المدعَى به، الحكمُ فيها بالموجَبِ: حكمٌ بالصحةِ.
وغيرُ المشتملةِ على ذلك، الحكمُ فيها بالموجَبِ ليس حكمًا بها 3.   قوله: (وتنفيذُ الحكم... إلخ) انظر هذا مع قول شارح المحرر في باب طريق الحكم وصفته: (نفس الحكم في شيء لا يكون حكمًا بصحة الحكم فيه، لكن لو نفذه حاكم آخرُ، لزمه إنفاذه؛ لأن الحكم المختلَف فيه صار محكومًا به، فيلزمه تنفيذُه كغيره) 4. قوله: (ليس حكمًا بها)؛ أي: بالصحة؛ [لأنه صورةُ عقدٍ فقط 5، وحينئذ 6

وقال بعضهم 1: "الحكمُ بالموجَب يستديِر صحةَ الصيغةِ، وأهليَّة التصرف.
ويزيدُ الحكمُ بالصحة كونَ تصرُّفهِ في محلِّه".
وقال أيضًا: "الحكمُ بالموجَبِ هو: الأثرُ الذي يُوجِبُه اللفظ، وبالصحة: كونُ اللفظِ بحيثُ يترتَّبُ عليه الأثر.
وهما مختلفان......  فالحكمُ بالموجب على هذا القول عامٌّ فيهما، والحكمُ بالصحة] 2 أخصُّ منه، فبينهما على هذا القول عمومٌ وخصوصٌ مطلَقٌ.
قوله: (وقال بعضُهم)، وهو الشيخ الإمام تقيُّ الدين السبكيُّ، وتبعه ابنُ قُندس 3. قوله: (يستدعي صحةَ الصيغِة)؛ أي: الإيجاب، والقبول، والمعاطاة 4. قوله: (كونَ تصرُّفه في محلِّه) 5؛ ككونه متصرِّفًا فيما له التصرُّفُ فيه 6. قوله: (وهو الأَثَرُ)؛ أي: الحكمُ بالأثر، لا أنه الأثرُ نفسُه 7. قوله: (بحيث يترتَّب عليه الأثرُ) من انتقال الملك والحيازة 8.

فلا يُحكَمُ بالصحة إلا باجتماع الشرط 1. والحكم بالإقرارِ ونحوِه كالحكم بموجَبِهِ.
والحكمُ بالموجَب لا يشملُ الفسادَ".
انتهى 2. المنقِّحُ: "والعملُ على ذلك.
وقالوا: الحكمُ بالموجَب يرفع الخلافَ" 3.   قوله: (وقالوا: الحكمُ بالموجَبِ يرفعُ الخلافَ).
رأيت بخط المصنف بآخر نسخة الأصل نقلًا عن خط ابن نصر اللَّه البغدادي ما نصه: (كثيرًا ما يقع في سجلات 4 القضاة: الحكمُ بالموجَب تارةً، والحكمُ بالصحة أخرى، وقد اختلف كلام المتأخرين في الفرق بينهما وعدمِه، ولم أجد لأحدِ من أصحابنا كلامًا منقولًا في ذلك.
والذي نقوله -بعد الاعتصام باللَّه تعالى، وسؤالِه التوفيقَ-: أن الحكم بالصحة لا شك أنه يستلزم ثبوتَ الملك والحيازة قطعًا، فإذا ادَّعى رجل أنه ابتاع من أحدٍ عينًا، واعترف المدَّعَى عليه بذلك، لم يجز 5 للحاكمِ الحكمُ 6 بصحةِ البيع بمجرد ذلك حتى يدَّعي المدَّعَى [عليه] 7 أنه باعه العينَ المذكورةَ وهو مالكٌ لها، ويقيم

......................  البينةَ بذلك، فأما لو اعترف البائع له بذلك، لم يكف في جواز الحكم بالصحة؛ لأن اعترافه يقتضي ادعاءه ملكَ العينِ المبيعةِ وقتَ البيع، ولا يثبت ذلك بمجرد دعواه، بل لابد من بينةٍ تشهد بملكه [و] 1 حيازته حالَ البيع حتى يسوغَ للحاكم الحكمُ 2 بالصحة.
وأما الحكم بالموجَب -بفتح الجيم 3 -، فمعناه 4: الحكمُ بموجب الدعوى الثابتة بالبينةِ، أو غيرِها.
هذا هو معنى 5 الموجَب، لا معنى له غير ذلك.
فإذا قيل في السجل: وحكم بموجب ذلك، فإنما يقال ذلك بعد أن ذكر أنه ثبت عنده الأمر الفلانيُّ بدعوى مُدَّعٍ، وقيامِ البينة على دعواه، وبدعواه الثابتةِ بطريق من طرق الثبوت؛ كعلم القاضي، وغير ذلك، وحينئذ فينظر في الدعوى، فإن كانت مشتملةً على ما يقتضي صحةَ العقد المدعَى به، [كان الحكمُ فيها بالموجَب حكمًا بالصحة، وإن لم تكن الدعوى مشتملةً على ما يقتضي صحةَ العقد المدعى به] 6، لم يكن الحكم بموجبها حكمًا بصحة العقد.
ويتبين ذلك بمثالين: الأولُ: أن يدَّعي أنه باعه العينَ وهي في ملكه وحيازته، ولا مانع من بيعها،

......................  وتشهد له اليينةُ بذلك كلِّه، فإذا حكم الحكم 1 في ذلك بموجَبه، فذلك حكمٌ بصحة البيع؛ لأن موجَبَ الدعوى في ذلك 2 [صحةُ] 3 انتقال الملك إليه؛ لاستيفاء 4 شروطه، وصحةِ العقد، وقد حكم به، فيكون حكمًا بالصحة، وهذا ظاهر جليٌّ؛ إذ موجب الدعوى هو الأمر الذي أوجبته، فهي موجبة له، وهو موجب لها، والذي أوجبته في هذه الصورة صحةُ العقد -كما ذكرنا-، واللَّه أعلم.
فإن 5 قيل: الصحةُ لم يقع بها دعوى، فكيف يصحُّ الحكمُ بها؟ قيل: إنه -وإن لم يقع في الدعوى صريحًا-، فهي واقعة فيها ضمنًا؛ لأن مقصودَ المشتري من الحكم ذلك.
المثال الثاني: أن يدَّعي أنه باعه العينَ هذه، ولا يدَّعي أنها ملكُه، فيعترف له البائعُ بالبيع، أو ينكر، فتقوم 6 البينةُ 7، فيحكم الحاكمُ بموجب ذلك.
فموجب الدعوى في هذه الصورة هو: حصولُ صورةِ بيعٍ بينهما، ولم تشمل الدعوى على ما يقتضي صحةَ ذلك البيع؛ [لأنه لم يذكر في دعواه أن العينَ كانت ملكًا للبائع، ولم يُقم بذلك بينةً، وصحةُ البيع] 8 متوقفةٌ على ذلك، فلا يكون الحكمُ بالموجب

جارٍ التحميل