(31) كِتَابُ الحُدُودِ وهي: جمع "حَدٍّ"، وهو: عقوبةٌ مُقَدَّرةٌ شَرْعًا في معصيةٍ؛ ليُمْنَعَ من الوقوعِ في مثلِها 1. ولا يجبُ إلا على مكلَّفٍ، ملتزِمٍ، عالمٍ بالتحريمِ 2. وإقامتُه لإمامٍ...... كتاب 3 الحدود قوله: (ملتزِم)؛ أي: أحكامَ المسلمين، فدخل الذميُّ، وخرج الحربيُّ، والمستأمن 4، والمعاهد، لكن تقدم في الهدنة: أنه 5 تؤخذ بحد الآدميِّ دون حدّ اللَّه تعالى 6.
ونائبِه مطلقًا 1. وتحرُمُ شفاعةٌ وقبولُها، في حَدٍّ للَّه تعالى، بعدَ أن يبلُغَ الإمامَ.
ولسيدٍ حُرٍّ مكلَّفٍ، عالمٍ به، وبشروطِه -ولو فاسقًا، أو امرأةً- إقامتُه بجَلْدٍ 2، وإقامةُ تعزيرٍ على رقيقٍ كُلُّه له -ولو مكاتَبًا......
قوله: (مطلقًا) سواءٌ كان للَّه، أو لآدميٍّ 3، وسواء كان المقام عليه حُرًا، أو رقيقًا.
قوله: (ولسيدٍ حُرٍّ)، لا مكاتَبٍ 4، ولا مبعَّضٍ.
[قوله] 5: (إقامتُه بجَلْدٍ)، لا بالرجم؛ لانتفاء شرط الإحصان؛ إذ من شرطه الحرية 6.
قوله: (ولو مكاتَبًا) (تبع فيه التنقيح، وهو مبني على ضعيف؛ كما في
أو مرهونًا، أو مستأجَرًا- 1 لا مُزَوَّجَةٍ 2. وما ثبتَ بعلمِه 3 أو إقرارٍ، كبيِّنةٍ 4. وليس له قتلٌ في رِدَّةٍ، وقطعٌ في سَرِقَةٍ 5. وتجبُ إقامةُ الحدِّ، ولو كان مَنْ يُقيمُه شريكًا، أو عونًا لمن يُقيمه عليه في المعصيةِ 6. تصحيح الفروع) حاشية 7.
وتحرُمُ إقامتهُ بمسجدٍ 1، أو أن يُقيمَهُ إمامٌ أو نائبُه بعلمِه 2، أو وَصِيٌّ على رقيقِ مولِّيهِ كأجنبي 3. قوله: (وتحرُم إقامتُه بمسجد) يردُّ عليه قصةُ ماعز 4؛ حيث رُجم 5 في مصلَّى العيد، وهو مسجدٌ عندنا، فانظر: ما الجواب؟ وقد يقال: إن معنى قولهم: "مصلَّى العيد مسجدٌ": أن له حكمَ المسجد في الجملة، لا من كلِّ وجه، أو يقال: هذه خصوصية للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فليحرر 6.
ولا يَضمنُ مَنْ ليس له إقامتُه، فيما حَدُّه الإتلافُ 1.
ويُضْرَبُ الرجلُ قائِمًا بسوطٍ -لا خَلَقٍ، ولا جديدٍ- بلا مَدٍّ، ولا رَبْطٍ، ولا تجريدٍ 2.
ولا يُبالَغ في ضربٍ، ولا يُبدي ضاربٌ إِبْطَه في رفعِ يَدٍ 3.
وسُنَّ تفريقُه على الأعضاء، ويُضرَبُ من جالسٍ ظهرُه وما قارَبَهُ.
وبجبُ اتِّقاءُ وجهٍ، ورأسٍ، وفَرْجٍ، ومَقْتَلٍ 4.
وامرأةٌ كرجلٍ، إلا أنها تُضرب جالسةً، وتُشَدُّ عليها ثيابُها، وتُمسَكُ يداها 5.
ويُجزئُ بسوطٍ......
قوله: (بَسْوط) 6؛ أي: من نوع الشجر، لا من الجِلْد، وأن يكون لا ثمرَ له 7.
مغصوبٍ 1. وتُعْتبَرُ نِيَّةٌ، لا موالاةٌ 2. وأشدُّه: جلدُ زِنًى، فقذفٍ...... قوله: (لا موالاة) قال الشيخ تقي الدين: فيه نظر؛ لأنه [لا] 3 يحصل منه حينئذ تألمٌ يقتضي زجرًا ولا ردعًا 4. قوله: (وأشدُّه جَلْدُ زِنًى) إما أن تعتبر الأشديةُ بالوصف الذي يترتب عليه قوةُ الإسلام، أو باعتبار عموم المُقام عليه، وليس المرادُ: الأشدية بكثرة العدد؛ لأن ذلك لا يظهر بين حد القذف وشرب المسكر؛ إذ العدد فيهما واحد 5. قوله: (فقذفٍ... إلخ) المعطوف 6 مجردٌ عن معنى الأشدية، والمعنى: فيليه 7 في الشدة قذفٌ... إلخ، وهذا التأويلُ لابدَّ منه، وإلا، فلو تساويا في = وكشاف القناع (9/ 2986).
فشُرْبٍ، فتعزير 1.
وإن رأى إمامٌ -أو نائبُه- الضربَ حَدِّ شربٍ، بجريدٍ، أو نِعالٍ 2 -وقال جمعٌ: "وأَيْدٍ" 3، المنقّحُ: "وهو أظهرُ"-، فله ذلك 4.
ولا يؤخَّرُ حدٌّ لمرضٍ -ولو رُجِيَ زوالُه 5 - ولا لَحِرٍّ، أو بَرْدٍ 6......
الأشدية، لم يتأت 7 الترتيب، فتدبر.
قوله: (ولا يؤخَّرُ حدٌّ 8 لمرضٍ) قيده في الإقناع بقوله: (حد زنى) 9، والظاهر: أن ما هنا من الإطلاق أولى وأظهر، فتدبر.
أو ضَعْفٍ 1.
فإن كانَ جَلْدًا، وخيفَ من السوطِ: لم يتعيَّنْ، فيُقامُ بطرفِ ثوبٍ، وعُثْكولِ نخلٍ 2.
ويؤخَّرُ لسُكْرٍ حتى يَصْحُوَ.
فلو خالفَ: سقطَ إن أَحَسَّ، وإلَّا: فلا.
ويؤخَّرُ قطعٌ خَوْفَ تَلَفٍ 3.
ويحرُم -بعدَ حدٍّ- حبسٌ، وإيذاءٌ بكلامٍ 4.
ومن ماتَ في تعزيرٍ، أو حَدٍّ بقطعٍ أو جَلْدٍ -ولم يلزمْ تأخيرهُ- فهَدرٌ 5.
قوله: (أو ضعفٍ)؛ بأن كان نِضْوَ الخِلْقة؛ كما عبر به في الإقناع 6.
قوله: (ولم يلزم تأخيرُه) قال شيخنا في الحاشية: "ينبغي عودُه للقطع
ومن زادَ -ولو جلدةً 1 - أو في السوطِ، أو اعتمدَ في ضربه 2، أو بسوطٍ لا يحتملُه......
فقط؛ لأنه هو الذي [يلزم] 3 تأخيرُه على ما مر".
انتهى.
أقول: ذكر المصنف في غير هذا الباب: أن الحامل لا يقام عليها الحدُّ حتى تضعَ، وتسقيَ ولدها اللِّبَأَ 4، فقد لزمَ تأخيرُ الحدِّ في بعض المواضع، كما لزم تأخيرُ القطع 5 في بعض المواضع، فلا حاجةَ إلى التخصيص، ثم رأيت المحشِّيَ تنبه لذلك، فحمله على العموم في شرحه 6، وعدل عما صنعه في الحاشية 7، فارجع إليه.
قوله: (أو في السوط)؛ أي: ضربه بسوطٍ زائدٍ في الكيفية على ما قُدِّر شرعًا 8.
وقوله: (أو بسوطٍ لا يحتمله)؛ أي: أو ضربه بسوطٍ مساوٍ لما قدر شرعًا، وهو لا يحتمل الضرب به؛ لمرضٍ أو نحوه.
كذا يؤخَذ من شرح
فَتَلِفَ: ضَمِنَه بديتِهِ 1.
ومَنْ أُمر بزيادةٍ، فزادَ جهلًا: ضَمِنَهُ آمِرٌ 2، وإلَّا: ضارِبٌ 3.
وإن تعمَّده العادُّ فقط، أو أَخطأَ، وادَّعى ضاربٌ الجهلَ: ضَمِنه العادُّ 4.
شيخنا على الإقناع 5.
[قوله] 6: (ضَمِنَه بديته)؛ أي: كاملةً، وقيل: ضمنه بنصفِها 7. أقول: وهو أقربُ للقواعد؛ لأنه ترتب على فعلٍ مأذونٍ فيه، وفعلِ غير مأذونٍ فيه، فتدبر.
قوله: (ضمنه العادُّ) 8؛ لحصول التلف بسبب تعمُّده، أو خطئه 9 10.
وتعمُّدُ إمامٍ لزيادةٍ: شِبْهُ عمدٍ، تحملُه عاقلتُه 1. ولا يُحْفَرُ لرجمٍ ولو لأنثى، وثبتَ ببيِّنةٍ 2. ويجب في حدِّ زِنًا حضورُ إمامٍ، أو نائبِه 3، وطائفةٍ من المؤمنين -ولو واحدًا 4 -. قوله: (تحمله عاقِلَتُه)، والقياس وجوبُ الكفارة أيضًا في ماله، فليحرر 5. قوله: (وثبت ببينةٍ) عطف على مدخولِ لو 6. قوله: (ولو واحدًا) 7؛ لأن الطائفة تطلق عليه،......
وسُنَّ حضورُ من شَهِدَ، وبُداءتُهم برَجْم، فلو ثبتَ لإقرارٍ: سُنَّ بداءةُ إمامٍ، أو مَنْ يُقيمُه 1.
ومتى رجعَ مُقِرٌّ به، أو بسرقةٍ، أو شُرْبٍ، قبلَه -ولو بعدَ الشهادةِ على إقراره- لم يُقَم.
وإن رجعَ في أثنائه، أو هَرَبَ: تُرِكَ 2.
فإن تُمِّم: فلا قَوَدَ، وضُمِنَ راجِعٌ -لا هاربٌ- بالدية 3.
وإن ثبتَ ببيِّنةٍ على الفعل، فهربَ: لم يُترك 4.
ومن أتى حَدًّا: سَتَرَ نفسَه، ولم يجبْ -ولم يُسَنَّ- أن يُقرَّ به عندَ حاكمٍ 5.
من قولهم: نَفْسٌ طائفة 6.
ومن قالَ لحاكمٍ: "أصَبْتُ حَدًّا"، لم يلزمْهُ شيءٌ (1). والحدُّ كفّارةٌ لذلك الذَّنبِ (2).
1 - فصل
وإن اجتمعتْ حدود للَّه تعالى من جنسٍ؛ بأن زنى، أو سرق، أو شرب مِرارًا، تداخَلَتْ: فلا يُحَدُّ سوى مرةٍ (3).
ومن أجناس -وفيها قتلٌ- استُوفي وحدَه.
وإلَّا: وجب أن يُبدأ بالأَخَفِّ فالأَخَفِّ (4).
ويُستوفى حقوقُ آدميٍّ كلُّها، ويُبدأ -بغيرِ قتلٍ- الأخفُّ فالأخفُّ، وجوبًا (5).
فصلٌ
612345 = فأكثر، على الصحيح من المذهب.
وكذا لو اجتمعَتْ مع حدود اللَّه تعالى: ويُبدأ بحقِّ آدميٍّ 1. فلو زنى، وشرب، وقَذَفَ، وقَطَعَ يدًا: قُطع، ثم حُدَّ لقذفٍ، ثم لشربٍ، ثم لزنًى 2. لكن: لو قَتَل وارتدَّ، أو سرقَ وقطعَ يدًا: قُتل، أو قُطع، لهما 3. قوله: ([وقطع] 4 يد أقطع) 5؛ لأنه حقُّ آدمي اتفاقًا 6. قوله: (ثم حُدَّ لقذفٍ)؛ لأنه مختلَف في كونه حقَّ آدميٍّ 7. قوله: (ثم لشربٍ) 8؛ لأنه أخفُّ 9 من الزنى 10.
ولا يُستوفى حَدٌّ حتى يَبْرأَ ما قبلَه (1).
2 -
فصل
2
ومن قتلَ، أو أتى حَدًّا خارجَ [حرمِ] 3 مكةَ، ثم لجأَ -أو حربيٌّ، أو مرتَدٌّ- إليه: حَرُمَ أن يُؤاخَذَ -حتى بدونِ قتلٍ- فيه.
لكن: لا يُبايَعُ، ولا يُشارى 4، ولا يُكَلَّم حتى يخرجَ، فيقام عليه 5. ومن فعلَه فيه: أُخِذَ به فيه 6.
ومن قُوتِل فيه: دفع عن نفسه فقط 7.
..................................1
ولا تَعصم الأشهرُ الحُرُمُ شيئًا من الحدودِ والجناياتِ 1. وإذا أتى غازٍ حَدًّا، أو قَوَدًا، بأرضِ العدوِّ: لم يؤخَذْ به حتى يرجعَ إلى دارِ الإسلام 2. ..................................
1 - بابُ حَدِّ الزِّنى
وهو: فعلُ الفاحشةِ في قُبُلٍ، أو دُبُرٍ 1.
إذا زنى مُحْصَنٌ: وجبَ رجمُهُ حتى يموتَ.
ولا يُجْلَدُ قبلَه، ولا يُنفى 2.
و"المحصَنُ": مَنْ وَطِئَ زوجتَه بنكاحٍ صحيح -ولو كتابيةً- في قُبُلها -ولو في حيضٍ، أو صومٍ، أو إحرامٍ، ونحوِه- وهما مُكلَّفان حُرَّانِ 3......
بابُ حدِّ الزِّنى
قوله: (وجب رَجْمُه) بالحجارة المتوسطة كالكفِّ، لا أكبر كالصخر، ولا أصغر كالحصى 4.
-ولو ذمِّيين أو مستأمنين-، ولا يسقط بإسلام، وتصير هي -أيضًا- مُحصَنَةً 1. ولا إحصانَ لواحدٍ منهما، مَعَ فَقْدِ شيءٍ مما ذُكر 2. ويثبُتُ بقولِه: "وَطِئْتُها"، أو: "جامعتُها"، أو: "دخلتُ بها"...... قوله: (أو مستأمنين)؛ أي: في ثبوت الإحصان، لا في وجوب الحد وإقامتِه 3؛ لمنافاته ما تقدم في أول 4 كتاب الحدود من قوله: (ملتزم... إلخ) 5، وفي باب الهدنة من أنه لا يقام عليه حدٌّ للَّه كحدِّ الزنى ونحوِه 6، لكن هذا الحملَ يخالفه قولُه في شرحه هنا: (ويُحَدُّ المستأمنُ إذا زنى وهو مسلم، أو ذمي) 7، ويمكن الجواب عنه؛ بأنا لم نُقم عليه الحدَّ [إلا] 8 في حال كونه ملتزِمًا لأحكامنا، لا في حال كونِه مستأمنًا 9.
لا بولدِه منها مع إنكارِ وَطْئِها 1.
وإن زنى حرٌّ غيرُ محصَنٍ: جُلدَ مِئةً، وغُرِّب عامًا 2، ولو أنثى، بمَحْرَمٍ......
قوله: (لا بولده منها مع إنكار وطئِها)؛ لأن الإحصانَ لا يثبتُ إلا بالوطء المحقق؛ بخلاف إلحاق الولد، فإنه يكفي فيه مجردُ الإمكان 3، فتدبر.
[قوله] 4: (وغُرِّبَ عامًا) من غير حبسٍ في المغرَّبِ [إليه] 5، فإن رجع قبل أن يمضي العام، أُعيد 6، وليس لازمًا أن يُعاد إلى محلِّ تغريبه الأولِ، ولذلك لو رجعَ بعد تمام العامِ، ثم زنى، وأُريد تغريبه، فليس لازمًا أن يغرب في غير محله الذي غُرِّب إليه أولًا، فليحرر.
[قوله] 7: (بمحرم)؛ أي: ويكون تغريب الأنثى بمحرم 8. = على منتهى الإرادات لوحة 544 - 545.
باذلٍ وجوبًا، وعليها أجرتُه؛ فإن تعذَّرَ منها، فمن بيتِ المال 1، فإن أبى -أو تعذَّر- فوحدَها إلى مسافة قصرٍ 2. ويُغرَّبُ غريبٌ ومغرَّبٌ، إلى غيرِ وطنِهما 3. قوله: (باذلٍ)؛ أي: (باذلٍ نفسَه للسفر معها وجوبًا؛ لعموم نهيها عن السفر بلا محرم) شرح 4. قوله: (وجوبًا)؛ أي: عليها 5، وعبارة الإقناع أظهر 6 7.
وإن زنى قِنٌّ: جُلِدَ خمسين، ولا يُغرَّب، ولا يُعيَّرُ.
ويُجلَدُ ويغرَّبُ مبعَّضٌ بحسابهِ 1.
وإن زنى محصَنٌ ببِكْرٍ: فلكلٍّ حَدُّه 2، وزانٍ بذاتِ مَحْرمٍ كبغيرِها 3.
قوله: (ولا يُعَيَّر)؛ أي: زانٍ 4، وليس الضمير راجعًا للقِنِّ؛ لقصوره 5.
قوله: (ويغرَّبُ مبعَّضٌ بحسابهِ) (فالمنضَّف يُجلَد خمسًا 6 وسبعين جلدة، ويغرَّب نصفَ عام نصًا، ويُحسب زمنُ التغريب عليه من نصيبه الحر).
شرح 7.
قوله: (فلكلٍّ حَدُّه)، لكن لا تُحد هي إلا 8 إذا كانت مطاوعة -كما تقدم مرارًا-.
= فيجب إذ ذاك أخذُه معها، سواء كان بأجرة، أو متبرعًا.
اهـ).
ولُوطيٌّ -فاعلٌ ومفعولٌ به- كزانٍ 1، ومملوكُهُ كأجنبيٍّ 2. ودُبُرُ أجنبيةٍ كَلِواطٍ 3.
ومن أَتى بهيمةً: عُزِّرَ، وقُتلَتْ 4......
قوله: (ودُبُرُ أجنبيةٍ كَلِواطٍ)، أما دبرُ زوجته، فليس في الحكم كذلك، لكنه كبيرةٌ، ويعزر على فعله 5، فتدبر.
وبخطه -رحمه اللَّه تعالى-: في شرح المنار في أصول فقه الحنفية للشيخ زين 6 ما نصه: (قوله: كالكفر، مثالٌ لما قَبُح لعينه 7 وضعًا؛ لأن واضعَ اللغة 8
لكن: بالشهادةِ على فعلِه بها 1، ويكفي إقرارُه: إن مَلَكَها 2، ويحرُمُ أكلُها: فيَضْمَنُها 3.
وضعه لفعل قبيح في ذاته عقلًا، من غير توقفٍ على ورودِ الشرع؛ لأن قُبْح كُفرانِ النعم [مركوزٌ] 4 في العقول، كما أن شكر المنعم واجبٌ عقلًا، ومن هذا النوع: الظلمُ، والعبث، والكذب، واللواط؛ كما ذكره القاآني 5، وهو صريح في أن اللواط قبيحٌ [عقلًا، كما هو قبيح] 6 شرعًا وطبعًا، فلذا كان أقبحَ من الزنى؛ لعدم قبحه طبعًا، وحكم هذا النوع عدمُ الشرعية أصلًا) 7. انتهى.
كذا بخط شيخنا غنيمي 8.
1 - فصل
وشروطُه ثلاثةٌ 1:
1 - تغييبُ حَشَفَةٍ أصليةٍ، ولو من خَصِيٍّ، أو قدرِها......
فصلٌ 2
قوله: (تغييب 3 حَشَفَةٍ أصليةٍ)؛ أي: بدون حائل؛ كما يؤخذ من قول أبي بكر 4: "يوجب الغسل" 5. = في محاسن أم البراهين".
وجمع ما علقه خلال إلقاء دروسه في جامع ابن طولون بالقاهرة- على تفاسير البيضاوي والزمخشري وأبي السعود في كتاب سمي: حاشية الغنيمي في التفسير.
كانت وفاته سنة 1044 هـ. خلاصة الأثر (1/ 312).
لعدمٍ في فرجٍ أصليٍّ، من آدميٍّ حَيٍّ، ولو دُبُرًا 1.
2 - انتفاءُ الشُّبهةِ 2.
فلو وَطِئ زوجَتَه في حيضٍ، أو نفاسٍ أو دُبُرٍ 3 أو أَمَتَة المحرَّمَةَ أبدًا برضاعٍ أو غيرِه، أو المزوَّجَةَ 4، أو المعتدَّةَ، أو المرتدَّةَ، أو المجوسيةَ، أو أَمَةً له أو لولدِه أو مكاتَبِهِ، أو لبيتِ المالِ فيها شِرْكٌ 5، أو في نكاحٍ أو ملكٍ مختلَفٍ فيه يَعتقدُ تحريمَهُ 6: كمتعةٍ، أو بلا وليٍّ 7......
.................................. = نقل هنا عن أبي بكر: شمس الدين ابن مفلح في الفروع (6/ 76)، وبرهان الدين ابن مفلح في المبدع في شرح المقنع (9/ 67)، وقالا بعد ذلك: (فدل على أنه يلزم من نفي الغسل: الحدُّ، وأَوْلى).
وقال البهوتي في كشاف القناع (9/ 3001) بعد أن نقل ذلك عنهم: (فيؤخذ منه أنه لا حد على من غيبه بحائل).
وشراءٍ فاسدٍ بعدَ قبضِهِ 1، أو بعَقْدِ فُضولِيٍّ -ولو قَبْلَ الإجازةِ 2 - أو امرأةً على فراشِه، أو في منزلهِ ظَنَّها زوجَتَهُ، أو أَمَتَهُ، أو ظَنَّ أن له أو لولده فيها شركٌ؛ أو جهل تحريمَهُ؛ لقربِ إسلامِه، أو نشُوئِهِ بباديةٍ بعيدةٍ، أو تحريمَ نكاحٍ باطلٍ إجماعًا، ومثلُه يجهلُه...... قوله: (أو ظَنَّ أنَّ له أو لولدِه 3 فيها شرك)، أو دعا أعمى زوجتَه أو أَمَتَه فأجابه غيرها 4، فوطِئَها، فلا حَدَّ 5. وبخطه -رحمه اللَّه تعالى-: (صوابه: شركًا) إلا أن يقال: إن هذا على حدِّ قوله -عليه السلام-: "إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ" 6، فيكون
أو ادَّعى أنها زوجتُه، وأنكرتْ، فلا حَدَّ 1. ثم إن أقرَّتْ أربعًا بأنه زنى: حُدَّت 2. وإن وطئ في نكاح باطل إجماعًا مع علمه؛ كنكاح مزوَّجَةٍ، أو معتدَّةٍ، أو خامسةٍ، أو ذاتِ محرَمٍ من نسب أو رَضاعٍ، أو زنى بحربِيَّةٍ مستأمنةٍ......
"شرك" مبتدأ خبره أحد المجرورينِ 3، والجملة خبر "أن"، واسمها ضمير الشأن 4، واللَّه أعلم، أو هو منصوبٌ منونٌ، لكنه وقف عليه بحذف ألفه على لغة ربيعة.
قوله: (أو ادَّعى أنها زوجتُه... إلخ) وعلى قياس ما يأتي في السرقة أن يسمى هذا بالزاني الظريف 5.
قوله: (حُدَّتْ)؛ أي: إن تضمن إقرارها كونَها مطاوعةً عالمةً بالتحريم؛ كما أشار إليه الشيخ في شرحه 6.
قوله: (أو معتدَّةً)؛ أي: من غير زِنًى 7؛ لأن.
المعتدةَ منه مختلَفٌ في
أو بمَنْ استأجَرَها لزنًى أو غيرِه، أو بمن له عليها قَوَدٌ، أو بامرأة، ثم تزوَّجها، أو مَلَكَها، أو أقرَّ عليها، فسكتَتْ، أو جحدَتْ، أو بمجنونةٍ 1، أو صغيرةٍ يوطأ مثلُها 2، أو أَمَتِهِ المحرَّمَةِ بنسبٍ، أو مُكْرَهًا، أو جاهِلًا بوجوبِ العقوبة: حُدَّ 3. صحةِ نكاحها 4. قوله: (أو مُكْرَهًا)؛ أي: على الزنى، على الأصح، واختاره الأكثرُ 5؛ لأن وطء 6 الرجل لا يكون إلا مع انتشار، والإكراهُ ينافيه 7.
وإن مَكَّنَتْ مكلَّفَةٌ -من نفسها- مجنونًا، أو مميزًا، أو من يجهله، أو حربيًا، أو مستأمنًا، أو استدخَلَتْ ذَكَرَ نائمٍ: حُدَّتْ 1.
لا إن أُكُرِهَتْ، أو مَلُوطٌ -بإلجاء، أو تهديدٍ......
قوله: (وإن مَكَّنَت من نفسِها مجنونًا) 2، لا حيوانًا 3 غيرَ آدميٍّ كقردٍ، فإنها لا تحدُّ بل تُعزر 4 [تعزيرًا] 5 بليغًا؛ كما صرح به في الإقناع 6 7، فتنبه.
قوله: (أو مُميزًا) هل المراد: من يطأ مثلُه، وهو ابن عشر؟ 8.
قوله: (حُدَّت)؛ أي: دونَ مَنِ استدخلَتْ ذكرَه، ومَنْ ذُكر قبله، ومن جملة ذلك: [المستأمن، وهو مما يقوي إشكال شيخنا السابق أول الباب 9 عند قوله: أو] 10 (مستأمنين) 11.
أو منعِ طعامٍ أو شرابٍ- مع اضطرارٍ ونحوِه فيهما 1. 3 - ثبوته، وله صورتان: إحداهما: أن يُقرَّ به مكلَّفٌ -ولو قِنًّا- أربعَ مراتٍ، ولو في مجالسَ 2. ويُعتبر أن يُصرِّح بذِكْرِ حقيقةِ الوطء -لا بمن زنى- 3، وألا يرجعَ حتى يَتِمَّ الحدُّ 4. فلو شهدَ أربعةٌ على إقرارِه به أربعًا، فَأنكرَ 5، أو صَدَّقَهم دونَ أربعٍ: فلا حَدَّ عليه، ولا على مَنْ شهد 6. الثانية: أن يَشهدَ عليه في مجلسٍ أربعةُ رجالٍ عدولٍ...... قوله: (ولا على من شهدَ)؛ أي: ولا حدَّ للقذف على من شهدَ في هذه الحالة.
-ولو جاؤوا متفرِّقين، أو صَدَّقهم- بزنًى واحدٍ، ويَصفونه 1.
فإن شهدوا في مجلسينِ فأكثرَ، أو امتنعَ بعضُهم، أو لم يكمِّلْها 2، أو كانوا -أو بعضُهم- لا تُقبل شهادتُهم فيه؛ لعمًى، أو فسقٍ 3، أو لكونِ أحدِهم زوجًا، حُدُّوا للقذفِ، كما لو بانَ مشهودٌ عليه مجبوبًا، أو رتقاءَ، لا زوجٌ لاعَنَ، أو كانوا مَسْتوري الحالِ، أو ماتَ أحدُهم قبلَ وَصْفِهِ، أو بانَتْ عذراءَ 4.
قوله: (ويصفونه)، ويجوز للشهود حينئذٍ النظرُ إليهما لإقامة الشهادة عليهما 5.
قوله: (لا زوجٌ لاعَنَ)؛ (أي: لا يُحد زوجٌ لَاعَنَ زوجتَه بعدَ شهادته عليها بالزنى.
وتقدم).
حاشية 6.
لأن عَيَّنَ اثنانِ زاويةً من بيتٍ 1 صغيرٍ عُرفًا، واثنان أُخرى منه، أو قال اثنان: "في قميصٍ أبيضَ، أو قائمةً"، واثنان: "في أحمرَ، أو نائمةً" كمُلَتْ شهادتُهم 2.
وإن كان البيت كبيرًا، أو عيَّن اثنان بيتًا، أو بلدًا، أو يومًا، واثنان آخر: فَقَذَفَةٌ 3، ولو اتفقوا على أن الزنى واحد.
وإن قال اثنان: "زنى بها مطاوِعَةً"، وقال اثنان: "... مكرَهَةً"......
قولة: (فَقَذَفَةٌ) لشهادةِ اثنينِ منهم بزنًى غيرِ الذي شهدَ به الآخرانِ، فلم تكمُل الشهادة في واحد منهما، فيُحَدُّون 4 للقذف 5. = شرح منتهى الإرادات (3/ 349). وانظر: معونة أولي النهى (8/ 304)، كما ذكر ذلك الشيخ عثمان النجدي في حاشيته على منتهى الإرادات لوحة 545.
لم تكمُل 1، وعلى شاهِدَيِ المطاوعَةِ حدَّانِ، وشاهِدَيِ الإكراهِ واحدٌ: لقَذفِ الرجلِ وحدَه 2.
وإن قال اثنان: "وهي بيضاءُ"، وقال اثنانِ غيرَهُ: لم تُقبل 3.
وإن شهدَ أربعةٌ، فرجعوا، أو بعضهم قبل حَدٍّ -ولو بعدَ حُكْمٍ- حُدَّ الجميعُ 4.
وبعدَ حَدٍّ: يُحَدَّ راجعٌ فقط......
قوله: (لم تكمل)، مع أنه يحتمل أن تكون في أول الفعل 5 مكرهةً، وفي انتهائه 6 مطاوعةً.
قوله: (وعلى شاهديِ المطاوعةِ حَدَّانِ)؛ لقذف الرجل، ولقذف المرأة 7.
قوله: (وبعدَ حَدٍّ يُحَدُّ راجعٌ فقط)، أي: دول مَنْ لم يرجع؛ لأن إقامة
إن وُرِثَ حَدُّ قذفٍ 1. وإن شهد أربعةً بزناهُ بفلانةَ، فشهدَ أربعةٌ آخرونَ: "أَنَّ الشهودَ هُمُ الزُّناةُ بها"، حُدَّ الأولونَ فقط؛ للقذفِ وللزنى 2. الحدِّ كحكم الحاكم، فلا يُنقض 3 برجوع الشهودِ أو بعضِهم، لكن يلزمُ مَنْ رجع حدُّ القذفِ 4. قوله: (إن وُرِثَ حَدُّ قذفٍ)؛ بأن كان قد طولب به قبلَ موته 5. قوله: (حُدَّ الأولونَ)؛ لأنهم شهدوا بزنى لم يثبت، فهم قَذَفَةٌ، فيحدون للقذف، وثبت عليهم الزنى بشهادة الآخرين، فيحدون للزنى أيضًا 6. قوله: (للقذفِ وللزِّنى) انظر: هل مرادُه: حدان لهما؛ على قياس التي تقدمت في قوله: (وعلى شاهدَيِ المطاوِعَةِ حدانِ)، أو مراده: حدٌّ واحد؛ لأنه قذفٌ لهما بكلمة واحدة على ما يأتي؟ فليحرر 7.
وإن حملَتْ مَنْ لا لها زوجٌ، ولا سيدٌ: لم تُحَدَّ بذلك، بمجَرَّدِهِ 1.
قوله: (لم تُحَدَّ بذلك بمجرده)؛ لاحتمال أن تكون 2 قد وُطئت وهي نائمة؛ كواقعة عمر، أو تحملَت بماءٍ؛ كواقعة عليٍّ -رضي اللَّه عنهما- 3، لكنها تُسأل، ولا يجب سؤالها؛ لما فيه من إشاعة الفاحشة المنهي عنه 4.
= وكشاف القناع (9/ 3008): أنهما حدان حيث ذُكِر في كل حد روايتان.
وهو الظاهر أيضًا من كلام المصنف في معونة أولي النهى (8/ 604)، وكلام البهوتى في شرح منتهى الإرادات (3/ 350)، حيث عللا كلَّ حد منهما.
وليس في هذه الكتب ما يدل على أنه حد واحد للقذف والزنى.
2 - بابُ القَذْفِ
وهو: الرميُ بزنًى، أو لواطٍ، أو شهادةٌ بأحدِهما، ولم تكمُلِ البينةُ 1.
ومن قذفَ وهو مكلَّفٌ مختارٌ -ولو أخرسَ بإشارةٍ- مُحْصَنًا -ولو مجبوبًا-، أو ذاتَ مَحْرَمٍ، أو رَتْقاءَ......
بابُ القذفِ 2
المناسب لسابقه ولاحِقهِ أن يقول: بابُ حدِّ القذفِ، وليناسب الترجمةَ الأصليةَ، وهي: كتاب الحدود، فلينظر ما السرُّ في المخالفة؟.
قوله: (ولم تكمُلِ البينةُ)، أو كملت، ورجعوا، أو بعضُهم؛ بدليل ما سبق (3).
قوله: (بإشارةٍ)؛ أي: مفهومه: لا بكتابة؛ كما تقدم في الضمان 3.4
فصل
السابق.
حُدَّ حرٌّ ثمانين، وقِنٌّ -ولو عتق عقبَ قذفٍ- أربعين 1، ومبعَّضٌ بحسابِه 2.
ويجبُ بقذفٍ على وجه الغَيْرَةِ 3، لا على أبوَيْنِ -وإن علوا- لولدٍ -وإنْ سَفُلَ- كقَوَدٍ.
فلا يَرثُه عليهما، وإن وَرِثَهُ أخوهُ لأمِّهِ، وحُدَّ له......
قوله: (حُدَّ حرٌّ ثمانين) كان الظاهر: حُدَّ حُرًّا؛ ليكون في "حر" ضمير يربطه بالشرط، وقد يجاب بأنه يكفي العمومُ في الربط؛ كما 4 في "زيدٌ نِعْمَ الرجلُ"، أو أن "حرٌّ" خبر لمبتدأ 5 محذوف مع واو الحال؛ أي: "وهو حرٌّ"، والجملة في محل نصب على الحال، وكذا يقال في "قِنٌّ" و"مبعَّضٌ".
قوله: (الغَيْرَة) -بفتح الغين المعجمة-؛ أي: الحميَّة 6.
لتبعُّضِهِ 1.
والحقُّ في حَدِّه للآدميِّ: فلا يُقامُ بلا طلبه 2، لكنْ لا يستوفيه بنفْسِهِ 3.
[قوله] 4: (لتبعُّضِه)؛ أي: لأنه يتأتى فيه التبعيض، لكن في غير هذه الصورة.
كذا قرره شيخنا، وفي الشرح 5 تصوير التبعيض بملكِ طلبِ بعضِ الورثة له، وأنه يُحد لمن طلبه كاملًا، مع عفو باقيهم، فتنبهْ له.
قوله: (لكن لا يستوفيه بنفسه) 6، فإن فعل، لا يُعتد به، وعلله القاضي بأنه 7 يعتبر نية الإمام أنه حد 8.
ويسقُط بعفوِه -ولو بعدَ طلبٍ- لا عن بعضِهِ 1. ومن قذفَ غيرَ محصَنٍ -ولو قِنَّهُ- عُزِّر 2. و"المحصَن" هنا: الحُرُّ، المسلمُ، العاقلُ، العفيفُ عن الزنى ظاهرًا -ولو تائبًا منه 3 -. قوله: (ويسقط بعفوه)، وبإقامة بينةٍ بما قذفه به، ويتصديقه 4 له فيه، ولِعانِه إن كان زوجًا 5. قوله: (لا عَنْ بعضِه)؛ كما لو كان المقذوف جماعة بكلمة واحدة، فعليه لجميعهم واحد 6، ولكل واحدٍ منهم حقٌّ في طلبه لإقامته، فلو عفا 7 أحدُهم لم يسقط حقُّ الباقين 8. = وهذا أحد وجهين في المسألة -كما مرَّ-.