لا يسيرٍ لمسلم، ولا قضاءَ على من تحلَّل قبل فوتِ الحج......
وقد مرَّ 1 أنه لو رفض إحرامه لا شيء عليه لرفضه، خلافًا لبعضهم 2، فليراجع بتأمل!، قاله شيخنا في الحاشية 3.
قوله: (لا يسير لمسلم) ظاهر ما في الإقناع 4 يخالفه، فإنه لم يقيد البدل بكونه لمسلم، بل أطلق.
قوله: (قبل فوات الحج) قال شيخنا 5: "مفهوم تقييده بقوله: (تحلل قبل فوات الحج) أنه لو تحلل بعده عليه القضاء، ولم أجد هذا القيد في الفروع، ولا الإنصاف، ولا التنقيح، ولا غيرها، بل أطلقوا أنه لا قضاء على المحصر 6.
فإن قيل: يؤخذ هذا القيد من كلامهم أولًا حيث قالوا: من طلع عليه فجر يوم النحر، ولم يقف بعرفة لعذر حَصْر، أو غيره، أو لا فاته الحج.
وقالوا بعده: عليه القضاء 7. قلت: لا يلزم ذلك، إذ التعميم قد يكون بالنسبة إلى فوات الحج فقط، كما يرشد إليه السياق"، انتهى من الحاشية 8.
ثم ضرب عليه، وأثبت ما نصه: "وصَحَّح ابن رزين في شرحه: لا قضاء فيما
ومثلُه من جُنَّ، أو أُغْمِيَ عليه.
ومن حُصر عن طوافِ الإفاضةِ فقط لم يتحلَّل حتى يطوف.
ومن حُصر عن واجبٍ لم يتحلل، وعليه دمٌ، وحجُّه صحيح.
إذا أحصر بعد، وذكره في الإنصاف" 1.
تتمة: الصغير، والبالغ في وجوب القضاء سواء، لكن لا يصح قضاء الصغير إلا بعد بلوغه، والحج الصحيح والفاسد في ذلك سواء، فإن حلَّ 2، ثم زال الحصر وفي الوقت سعة فله أن يقضي في ذلك العام.
قال الموفق 3 والشارح 4 وجماعة 5: وليس يتصور القضاء في العام الذي أفسد حجه فيه غير هذه المسألة، حاشية 6.
قوله: (ومثله من جُنَّ أو أغمي عليه) قال في شرحه 7: "أيْ: في عدم وجوب القضاء"، وفيه تأمل!.
قال شيخنا 8: "ولو قال في الأحكام السابقة كما قال في الإنصاف 9، لكن أظهر".
ومن صُدَّ عن عرفة في حجٍّ تحلَّلَ بعمرةٍ مجانًا.
ومن أُحصِرَ بمرض، أو ذهاب نفقةٍ، أو ضلَّ الطريقَ بقي محرمًا حتى يقدرَ على البيتِ، فإن فاتَه الحجُّ تحلل بعمرةٍ، ولا ينحر هديًا معه إلا بالحرمِ.
ومن شَرط في ابتداءَ إحرامه: "أن مَحِلِّي حيث حَبَسْتَني"، فله التحلُّل مجانًا في الجميع.
..................................
10 - بابُ الهدي، والأضاحي
الهديُ: ما يُهدَى للحرمِ من نعمٍ، وغيرِها.
والأُضْحيةُ: ما يُذبحُ من إبلٍ، وبقر، وغنم أهليةٍ أيامَ النَّحْرِ بسبب العيد تقربًا إلى اللَّه -تعالى-، ولا تُجزِئ من غيرِهِنَّ.
والأفضلُ: إبلٌ، فبقرٌ، فغنمٌ، إن أخرجَ كاملًا......
باب الهدي والأضاحي؛ أيْ: والعقيقة
قوله: (ما يهدى للحرم... إلخ) هو مأخوذ من الهدية، وعلى هذا فلا وجه لتسمية 1 مثل دم التمتع والقران هديًا، فيشكل -مثل ما سيأتي 2 من قولهم-: وإن لزمه هدي واجب؛ لأنه لا ينطبق عليه معنى الهدية المتعارف، [ولا معنى الهدي بهذا المعنى الذي في المتن] 3، إلا أن يدعى أن هذا الإطلاق مجازي، وحينئذٍ يُسْأل عن بيان وجه العلاقة فيه.
قوله: (ما يذبح)؛ أيْ: يذكى، تعبيرًا عن العام بالخاص.
قوله: (والأفضل إبل فبقر فغنم)؛ أيْ: إذا قوبل الجنس بالجنس فهو كذلك،
ومن كلِّ جنسٍ أسمنُ، فأغْلَى ثمنًا، فأشْهبْ -وهو: الأملَحُ، وهو: الأبيضُ أو ما بياضُه أكثرُ من سوادِه- فأصفرُ، فأسودُ.
ومن ثَنِيِّ مَعزٍ: جَذع ضَأنٍ، ومن سُبعِ بدنةٍ، أو بقرةٍ: شاةٌ.
ومن سبع شياه ومن المغالاةِ تعددٌ في جِنْسٍ.
وذكرٌ كأنثى.
ولا يُجزئ: دونَ جَذَعِ ضأن: ماله ستةُ أشهر، وثَنيُ معزٍ: ماله سنةٌ، وثَنيُ بقرٍ: ماله سنتان، وثَنيُ إبلٍ: ماله خمسُ سنين.
وتُجزئ شاةٌ عن واحدٍ، وأهل بيتِه، وعيالِه.
وبُدنة، أو بقرة عن سبعةٍ، ويُعتبَر ذبحُها عنهم، وسواءٌ أرادوا قُربةً، أو بعضهم 1، وبعضُهم لحمًا، أو كان بعضُهم ذِمِّيًّا.
ويُجْزِئ فيهم جَمَّاءُ......
وإلا فسيأتي أن سَبعَ شياه أفضل من البَدَنة والبقرة، والأمر فيه سهل.
قوله: (والمغالاة تعدد في جنس)؛ أيْ: والأفضل من المغالاة تَعَدُدٌ في جنس، فـ "من" تفضيلية، متعلقة بـ "الأفضل"، لا تبعيضية، كما يشير إلى ذلك حلُّ الشارح 2، فتدبر!.
قوله: (جمَّاء) وهي التي خلقت بلا قرن.
وبتْرَاءُ، وخصِيٌّ ومرضوضُ الخصيتَين، وما خُلقَ بلا أُذُنٍ، أو ذهب نصفُ أليتِهِ.
لا بينةُ العَوَر: بأن انخسفت عينُها، ولا قائمةُ العينين مع ذهابِ إبصارها، ولا عجفاءُ لا تُنْقي، وهي: الهزيلةُ التي لا مخَّ فيها.
ولا عرجاءُ: لا تُطيق مشيًا مع صحيحة، ولا بينةُ المرض.
ولا جِدَّاءُ وهي: الجَدباء، وهي: ما شابَ، ونشِفَ ضَرعُها.
ولا هَتْماء: وهي التي ذهبتْ ثناياها من أصلِها.
ولا عَصماء: ما انكسر غلافُ قَرْنِها.
ولا خَصِيٌّ مجبوبٌ.
ولا عضْباءُ: ما ذهب كثرُ أُذُنِها، أو قَرْنِها.
وتكره معيبتُهما بِخَرقٍ، أو شقٍّ، أو قطعِ نصفٍ فأقلَّ من الثلث.
وسُنَّ نحرُ الإبلِ قائمةً، معقولةً يدُها اليُسرى: بأن يطعنَها في الوَهْدَةِ 1 بين أصل العُنُق، والصَّدر.
قوله: (وبتراء) وهي التي لا ذنب لها سواء خلقت بلا ذنب أو قطع ذنبها، والصمعاء بالصاد المهملة والعين المهملة، وهي صغيرة الأذن 2.
قوله: (لا تنقى) "تنقى" بضم التاء وكسر القاف، من أنقت الإبل إذا سمنت
وذبحُ بَقَرٍ، وغنم على جنبِها الأيسرِ، موجهةً إلى لقبلة.
ويُسمِّي حين يُحرِّك بالفعل، ويُكبِّر 1، ويقول: "اللهم هذا منك، ولك" 2.
ولا بأس بقوله: "اللهم تقبلْ من فلان"، ويذبحُ واجبًا قبل نفل.
وسُنَّ إسلامُ ذابحٍ، وتولِّيه بنفسه أفضلُ، ويحضر إن وكَّلَ.
وتُعتبرُ نيتُه إذن إلا مع التعيين، لا تسميةُ المضحِّي عنه.
وصار فيها نقي، وهو مخ العظم، وشحم العين من السمن.
مبدع 3.
قوله: (ويذبح واجبًا قبل نفل)؛ أيْ: استحبابا قياسًا على الصدقة.
قوله: (ويعتبر نِيته إذن)؛ أيْ: حين التوكيل.
ووقتُ ذبح أُضْحيةٍ، وهديِ نذرٍ، أو تطوُعٍ، ومتعةٍ، وقرانٍ من بعد أسبق صلاةِ العيدِ بالبلد، أو قدرِها لمن لم يصلِّ -وإن فاتت بالزوال ذبح-، إلى آخر ثاني التشريق، وفي أولِها فما يليه أفضلُ.
ويُجْزِئ في ليلتِهما، فإن فات الوقتُ قضَى الواجبَ كالأداء، وسقط التطوُّعُ.
ووقتُ ذبح واجبٍ بفعل محظور من حينه، كان فعلَه لعذْرٍ فله ذبحُه قبلَه، وكذا ما وجبَ لتركِ واجبٍ.
قوله: (أو قدرها لمن لم يصل) شمل كلامه من لم يصل لعذر قام به، أو بالقوم، لتخلف بعض شروطها، أو كونهم صلَّوا الجمعة قبل الزوال واجتزوا بها عن صلاة العيد، كما هو المذهب فيها وفي عكسها 1، فتدبر!.
قوله: (ويجزئ في ليلتيهما) قال في الإقناع 2: "مع الكراهة".
وبخطه: الأَوْلَى في مثله إفراد المضاف، لئلا يلزم عليه اجتماع تثنيتَين، وهو مستثقل في لسان العرب 3.
قوله: (وإن فعله)؛ أيْ: أراد فعل المحظور... إلخ.
قوله: (وكذا ما وجب لترك واجب)؛ أيْ: ووقت ما وجب لترك واجب من حين تركه، كما أشار إليه الشارح 4، فراجعه!.
1
- فصل
ٌ
ويتعَيَّنُ هديٌ بهذا هديٌ، أو تقليدِه 1، أو إشعارِه، بنيِّتِه.
وأضحيةٌ: بهذه أضحيةٌ، أو للَّهِ، ونحوِه، فيهما، لا بنيتِه حالَ الشراءِ، ولا بِسَوقِه مع نيتِه كإخراجِه مالًا للصدقة به......
فصل
قوله: (ويتعين هدي: بهذا هدي) اعترضه ابن نصر اللَّه في حواشي المحرر 2: "بأن الهدي منه واجب وتطوع، وليس في هذا اللفظ ما يقتضي الوجوب إذ يجوز أن يريد هذا هدي 3 تطوعت به، أو تطوع به، ولو كانت هذه الصيغة للوجوب لم يكن لهدي التطوع صيغة، وللزم أنه إذا قال هذا المال صدقة أنه يلزمه، كما لو قال: للَّه علي التصدق به"، انتهى.
قال شيخنا 4: "ويجاب: بأن هذه الصيغة للإنشاء، والتطوع لا يحتاج لإنشاء"، انتهى.
أقول: هذا الجواب فيه تسليم أن هذه الصيغة نص في الوجوب، ولِمَ لا يجوز أن يكون المراد بقولهم يتعيَّن: يتميز، بدليل أنهم عطفوا على الهدي الأضحية، مع أنها سنة عندنا، لا واجبة -كما سيأتي 5 -.
وما تعين جاز نقَلُ الملكِ فيه، وشراءُ خيرٍ منه، لا بيعُه في دَيْن ولو بعدَ موت.
وإن عُيِّن معلومٌ عيبة تعيَّنَ، وكذا عما في ذمتِه، ولا يُجزئُه، ويَملكُ ردَّ ما علم عيبَه بعدَ تعيينِه......
ومعنى الكلام: أنه يتميز الهدي عن غيره، والأضحية عن غيرها بقوله: هذا هدي، أو: هذه أضحية، من الصيغ القولية، أو بالإشعار ونحوه من القرائن الفعلية، ولو كان المراد بقولهم يتعين: يجب، كما فهم ابن نصر اللَّه، لاقتضى إيجاب الأضحية، إلا أن يلْتَزم أن الأضحية في الأصل سنة، وأنها بمجرد قوله: هذه أضحية تفسير واجبة، وفيه نظر!.
قوله: (وما تعين جاز نقل الملك فيه وشراء خير منه) بخلاف المنذور عتقه نذر تبرر، فإنهم نصُّوا على عدم جواز بيعه 1.
وظاهره ولو بقصد 2 شراء خير منه، وقد يفرق بأن الحق في العتق للعتيق، فإذا أبدل فاته الغرض، والحق في الهدي والأضحية للفقراء، وإبداله منه أروَج لهم؛ لأنه يحصل معه الغرض وزيادة.
قوله: (وإن عين معلوم عيبه تعين) وأجزأ.
قوله: (ولا يجزئه)؛ أيْ: المعيب الذي عينه عما في الذمة؛ لأنه لم يتعين في هذا، فليس راجعًا للصورتَين، بدليل الفصل بقوله: "وكذا".
قوله: (ويملك رَدَّ ما علم عيبه بعد تعيينه) قال شيخنا في الحاشية 3:
وإن أخذَ الأرْشَ فكفاضلٍ من قيمته، ولو بانتْ معيَّنة مُستحقة لزمه بدلُها.
ويركبُ لحاجةٍ فقط بلا ضررٍ، ويَضْمنُ النقص.
وإن وَلَدت ذُبح معها إن أمكن حملُه، أو سوقُه، وإلا فكهديٍ عُطِبَ، ولا يشربُ من لبنِها إلا ما فضلَ عنه، ويجُزُّ صوفَها، ونحوَه لمصلحةٍ......
"والظاهر أنه يلزمه أن يشتري بثمنه بدله، كالأرَش لو أخذه"، انتهى.
قوله: (وإن أخذ الأرَش فكفاضل من قيمته) لو قال: وإن أخذ الأرَش اشترى به شاة أو سُبع بَدَنة كفاضل عن قيمة، لكان أحسن، وأخصر؛ لأنه كان يكتفى به عن ذكر المسألة الآتية 1، ولا يكون فيه إحالة على مجهول.
قوله: (ولو بانت معينة مستحقة لزمه بدلها) ينبغي أن تقيد المسألة بالمعين 2 عما في ذمة، أما المعين ابتداء فالظاهر أنه إذا بان مستحقًّا لا يلزمه بدله، كما لو قال عن عبد غيره: هذا حُر، وعن مال غيره: هذا صدقة، لكن كلامهم ليس فيه هذا القيد 3.
قوله: (وإلا فكهدي عطب) لو قال: وإلا ذبحه في موضعه كهدي عطب، لكان أحسن من جهة أن في كلامه إحالة على مجهول، وكان يكتفى به عن ذكر المسألة الآتية 4، تأمل!.
قوله: (لمصلحة)؛ أيْ: لها.
ويتصدقُ به، وله إعطاءُ الجازرِ منها هديةً، وصدقةً، لا بأجرته.
ويتصدقُ، أو ينتفعُ بجلدِها، وجُلِّها 1، ويحرمُ بيعُ شيءٍ منها، أو منهما.
وإن سُرق مذبوحٌ من أضحية، أو هدي معينٍ ابتداءً، أو عن واجبٍ في ذمة، ولو بنذرٍ، فلا شيءَ فيه، وإن لم يُعيَّن ضُمِنَ.
وإن ذبحها ذابحٌ في وقتِها بلا إذنٍ، فإن نواها عن نفسِه معَ علمِه أنها أضحيةُ الغير، أو فرَّق لحمَها لم تُجْزئ، وضَمن ما بين القيمتين إن لم يفرِّق لحمَها، وقيمتَها إن فرَّقه......
قوله: (ويتصدق به)؛ أيْ: ندبًا.
قوله: (لا بأجرته) بسبب، أو عَنْ أو "مِن"، بدلية أو بعضية.
قوله: (وإن سرق) بغير تفريط.
قوله: (وإن لم يعين ضمن) الظاهر أن في تسمية مثل هذا اللزوم ضمانًا تجوزًا، إذ الضمان التزام من يصح تبرعه أو نحوه ما على آخر -على ما سيأتي 2 - فتدبر!.
قوله: (أو فرق) "أو" هذه عاطفة لمحذوف، وذلك المحذوف معطوف على قوله: "مع علمه"، والتقدير: فإن نواها عن نفسه مع علمه، أو لم يعلم وفرَّق لحمها... إلخ، ويكون قد حذف مع ذلك المحذوف حرف عطف أيضًا.
ويجوز أن يكون المحذوف بعد قوله: "فرق لحمها"، والتقدير: أو فرق
وإلا أجزأتْ، ولا ضمانَ.
وإن ضحى اثنان كلٌّ بأضحية الآخرِ غلطًا: كفتهُما، ولا ضمانَ، وإن بقي اللحمُ تَرادَّاه.
وإن أتلفها أجنبيٌّ، أو صاحبُها ضمنَها بقيمتِها يومَ تلفٍ، تُصْرفُ في مثلِها، بخلافِ قِنٍّ تعيَّن لعتْق.
ولو مرضتْ فخاف عليها فذبحها فعليه بدلُها، ولو تركها فماتتْ فلا.
لحمها مع عدم علمه، وهذا أسهل 1 وأقل حذفًا من الأول، فتأمل!.
قوله: (وإلا أجزأت)؛ أيْ: كان لم ينوها عن نفسه، بل نواها عن ربها أو أطلق، أو نواها عن نفسه ولم يفرق لحمها مع عدم علمه أنها أضحية الغير أجزأت عن ربها.
قوله: (كفتهما) كان الظاهر: كفتاهما، لكنه فرَّ من اجتماع تثنيتَين في لفظ واحد.
قوله: (ضمنها) فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز.
قوله: (بخلاف قِنٍّ تعين) فلا يلزمه صرف قيمته في مثله.
قوله: (فعليه بدلها) يطلب الفرق بينها وبين الهدي إذا عطب، وكأن الفرق: أن الإتلاف هاهنا بفعله، بخلاف ما إذا عطب الهدي، وفي كلام الشارح 2 إشارة إليه.
قوله: (ولو تركها فماتت فلا)؛ لأن الموت ليس من صنعه، ولعله ما لم
وإن فضلَ عن شراء المثْلِ شيءٌ اشترى به شاةً، أو سُبع بُدنةٍ أو بقرةٍ، فإن لم يَبلغ تصدَّق به، أو بلحمٍ يُشترى به كأَرْش جنايةٍ عليه.
وإن عُطِب 1 بطريقٍ هديٌ واجبٌ، أو تطوعٌ بنيةٍ دامت، ذَبحَه موْضِعَه.
وسُنَّ غَمْسُ نعلِه في دمه، وضربُ صفحتِه بها ليأخذَه الفقراءُ، وحَرُم أكلُه وخاصَّتِه......
يحصل منه سبب ظاهري، كترك سقيها، أو علفها.
وقد يقال: لا يحتاج إلى ذلك القيد؛ لأن تعليق الهحكم بالمشتق يؤذن بالعلية، والمعنى: وإن ماتت بسبب المرض؛ أيْ: لا بسبب غيره، كترك السقي، أو العلف مما هو فعله، ويدل على إرادة ذلك مقابلة المص له فيما يأتي 2 بقوله: "وإن تلف أو عاب بفعله... إلخ"، فتدبر!.
قوله: (وإن فضل عن شراء المثل... إلخ) هذا ما أحال عليه فيما سبق 3.
قوله: (كأرَش جناية عليه)؛ أيْ: الهدي.
قوله: (ذبحَه موضعَه) هذا ما أحال عليه فيما سبق 4، فتنبه!.
قوله: (وخاصته) فيه العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وهو جائز عند ابن مالك تبعًا للكوفيين،......
منه.
وإن تَلِف، أو عاب بفعلِه، أو تفريطه لزمه بدلُه كأضحية.
وإلا أجزأ ذبحُ ما تعيَّبَ من واجبٍ بالتَّعيين، كتعيينه معيبًا فبَرِئَ.
وإن وجبَ قبل تعيينٍ كفديةٍ ومنذورٍ في الذمة فلا، وعليه نظيرُه، ولو زاد عما في الذمة، وكذا لو سُرِق، أو ضَلَّ، ونحوه.
ومذهب البصريين امتناعه 1، قال في الخلاصة 2:
وعَوْدُ خَافض لَدَى عَطْفِ على... ضَميرِ خَفْضٍ لازمًا قَدْ جُعِلَا
ولِيْس عِنْدي لازمًا إذْ قَدْ أتى... في النَّظمِ والنَّثْرِ الصَّحيحِ مُثْبَتَا
قوله: (منه)؛ أيْ: من الهدي العاطب ولو تطوعًا، بخلاف ما يأتي 3 من أنه له الأكل من هدي التطوع، فإنه محمول على غير العاطب، فتدبر!.
قوله: (فلا)؛ أيْ: فلا يجزئه؛ لأنه لم يتعين ما في الذمة فيه.
قوله: (وعليه نظيره ولو زاد عما في الذمة) كما لو كان في ذمته شاة، فعيَّن عنها بقرة، ثم تلفت أو تعيبت تلك البقرة فعليه نظيرتها، ولا يكفيه نظير الشاة التي في ذمته، هذا معنى ما في الشرح 4.
وليس له استرجاعُ عاطبٍ، ومعيب، وضالٍّ وُجِدَ، ونحوِه.
2 - فصلٌ
ويجبُ هديٌ بنذر، ومنه: إن لبستُ ثوبًا من غزلك، فهو هديٌ.
فلَبِسَه، ونحوُه.
وسُنَّ سوقُ حيوانٍ من الحلِّ......
قوله: (وليس له استرجاع عاطب)؛ أيْ: إبقاؤه على ملكه، ولا التصرف فيه، بل يتعين للفقراء، وإن ذبح بدله.
قوله: (ونحوه) كمغصوب قدر عليه.
فصل
قوله: (يجب هدي بنذر) هذا مما يُرَشَّح أن 1 المراد من التعيين في قولهم: يتعين هدي بهذا هدي التمييز، لا الوجوب، كما تقدم الجواب به عن بحث ابن نصر اللَّه 2. قوله: (فلبسه)؛ أيْ: بعد ملكه له، شرح 3. قوله: (ونحوه)؛ أيْ: من النذور المعلقة على شرط إذا وجد، شرح 4. والمعنى حينئذٍ: ونحو ما لبست ثوبًا من غزلك... إلخ.
وأن يقِفَه بعرفةَ، وإشعارُ بُدْنٍ وبقرٍ: بشقّ صفحةِ اليُمنى من سنَام، أو مَحَلِّه، حتى يسيلَ الدم.
وتقليدُهما مع غَنمٍ النَّعلَ، وآذانَ القِربِ والعُرَى.
قوله: (وأن يقفه) مقتضى الظاهر يُوقفَه، مَن أوْقفَ؛ لأن وَقَفَ بهذا المعنى لازم، بخلاف وَقَّفَ بمعنى حَبَّس وسَبَّل، فإنه متعدٍّ، وأفصح من أوقف 1.
قوله: (وإشعار بدن... إلخ)؛ أيْ: إذا وصل إلى الميقات، إن كان ساقها وهو مسافر بها، وإن أرسلها مع غيره فمن بلده، حاشية 2.
قوله: (أو محله)؛ أيْ: محل السنام من البقرة، أو الإبل التي لا سنام لها، فظاهر كلامه كغيره أنه لا يشعر غير السنام.
وقال في الكافي 3: "يجوز إشعار غير السنام وذكره في الفصول عن أحمد" 4، حاشية 5.
والظاهر أن ما له سنامان من الإبل، كالبخاتي يكفي الإشعار في واحد منهما؛ لأن المقصود العلامة وقد حصلت.
قوله: (وتقليدهما) ما مرَّ يستدعي أن المحل: "لا".
قوله: (وآذان القرب) لعل الواو فيه، وفيما بعده بمعنى "أو"، وبها
وإن نذَر هديًا وأطلق، فأقلُّ مُجْزئ: شاةٌ، أو سُبْعٌ من بُدْنةٍ أو بقرة، وإن ذبحَ إحداهما عنه كانت كلُّها واجبةً.
وإن نذر بُدْنَة أجْزَأتْه بقرةٌ إن أطلق، وإلا لزمه ما نواه، ومعيَّنًا أجزأه، ولو صغيرًا، ومعيْبًا، أو غيرَ حيوانٍ، وعليه إيصالُه وثمنِ غيرِ منقولٍ لفقراء الحرم، وكذا إن نذَرَ سوقَ أُضْحيةٍ إلى مكة، أو قال: للَّه عليَّ أن أذبحَ بها.
وإن عيَّن شيئًا لغيرِ الحرم، ولا معصيةَ فيه، تعيَّن ذبحًا، وتفريقًا لفقرائِه.
عبر في الإقناع 1.
قوله: (ومعينًا أجزأه) لا إن عين المعيب عما في الذمة، فإنه لا يجزئه كما سبق 2.
ويلزمه ذبحه وتحصيل صحيح غيره، كما ذكروه أيضًا 3.
قوله: (وثمن غير منقول) كعقار، وينبغي أن يكون على قياس غير المنقول صيد البر الوحشي، إذا نذره، فإنه لو نقله لوجب عليه إطلاقه عند بلوغ الحرم -كما تقدم 4 -، فيبيعه حينئذٍ، ويوصل ثمنه لفقراء الحرم، كما نبَّه عليه في الحاشية 5.
وسُنَّ أكلُه، وتفرقته من هدي تطوُّعٍ كأضحيةٍ، ولا يأكلُ من واجبٍ، ولو بنذر، أو تعيينٍ، غير دم متعةٍ، وقران.
3 - فصلٌ
التضحية سنةٌ مؤكدةٌ: عن مسلمٍ، تامِّ المُلكِ، أو مكاتَبٍ بإذنٍ، وعن ميتٍ أفضلُ، ويعملُ بها كعَن حيٍّ.
قوله: (ولا يأكل من واجب)؛ أيْ: من هدي واجب، أما الأضحية فسيأتي (1) أنه يسن الأكل منها والتفرقة، ولو كانت واجبة.
قوله: (غير دم متعة وقران) فله الأكل منهما للورود (2).
فصل
في الأضحية
قوله: (التضحية) بفتح التاء المشددة: ذبح الأضحية 3.
قوله: (تام الملك) تام الملك هو الحُرُّ، والمبعَّض بقدر جزئه الحُرِّ.
قوله: (وعن ميت أفضل) انظر ما المراد من هذه المسألة، وما معنى الأفضلية؟.12
وتجبُ بنذرٍ، وكانت واجبةً على النَّبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 1، وذبحُها وعقيقةٍ أفضلُ من صَدَقة بثمنِها.
وسُنَّ أن يأكلَ منها، ويهدي ويتصدقَ أثلاثًا......
ولعل المراد أن قصد الميت بها أفضل من قصد الحي؛ لأن الميت أحوج منه إلى التقرب عنه، لعدم تمكنه من تحصيل القربة بنفسه، بخلاف الحي فكانت عنه أفضل، وهو المراد من قول المص في شرحه 2: "لعجزه واحتياجه إلى الثواب"، فتدبر!.
قوله: (وذبحها وعقيقة أفضل من صدقة بثمنها) وكذا هدي، والاقتصار على ما ذكر تبعًا للنص 3، ابن نصر اللَّه 4.
وبخطه -رحمه اللَّه تعالى-: على قوله: (وعقيقة) فيه الجَرْيُ على مذهب الكوفيين، ويونس 5، والأخفش 6 من جواز العطف على الضمير المجرور دون
حتى من واجبةٍ، ولكافرٍ من تطوع، لا ممَّا ليتيمٍ، ومكاتَبٍ في إهداءٍ، وصدقة.
ويجوزُ قولُ مضحٍّ: من شاء اقتطع......
إعادة الجار، اسمًا كان أو حرفًا، وهو اختيار الشلوبين 1، وابن مالك 2، ولذلك قال في الخلاصة 3:
وليسَ عِنْدِي لازمًا إذْ قَدْ أتى... في النَّظمِ والنَّثرِ الصَّحيحُ مُثْبَتَا
وجمهور البصريين على لزومه، وتقدم 4.
قوله: (ويجوز قول مُضَحٍّ من شاء اقتطع) ما لم يؤد ذلك إلى إيذاء بعضهم بعضًا، فإنه حينئذٍ يصير محرمًا فيما يظهر.
= "تفسير معاني القرآن"، و"المقاييس في النحو"، و"الاشتقاق"، مات سنة (210 هـ)، وقيل: (215 هـ). انظر: طبقات النحويين واللغويين ص (72)، إنباه الرواة (2/ 36)، شذرات الذهب (3/ 73).
وأكلُ أكثرٍ، لا كلِّها، ويضمنُ أقلَّ ما يقعُ عليه الاسمُ بمثلِه لحمًا، وما ملك أكلَه فله هديتُه، وإلا ضَمِنَه بمثلِه، كبيعِه، وإتلافِه، ويضمنُه أجنبيٌّ بقيمتِه.
وإن منع الفقراء حتى أنتن ضمن نقصه إن انتفعَ به......
قوله: (أكثرٍ) بالتنوين، وأصله: أكثر أضحيته 1، فحذف المضاف إليه، وأتى بتنوين العوض ككل، وبعض، بناء على أن تنوينها للعوض، لا للتمكين، ولا يجوز على المشهور جره من غير تنوين انتظارًا للمحذوف 2 لعدم وجود شرطه 3، قال ابن مالك في الخلاصة 4:
ويُحْذَفُ الثّاني فَيَبْقَى الأول... كَحَالِهِ إذا بهِ يَتَّصل
بِشرْطِ عَطْفٍ وإضَافَة إلى... مِثلِ الذي لَهُ أضيفَ أولا
قوله: (ويضمن أقل... إلخ) إن أكلها كلها.
قوله: (وما ملك كله... إلخ) كأكثرها.
قوله: (ويضمنه أجنبي بقيمته) وقال بعض الأصحاب: "بمثله" 5، وهو واضح دون ما هنا، إذ اللحم مِثليٌّ لا متقوم.
وإلا فقيمتَه، ونُسِخَ تحريمُ الإدخار.
ومن فرَّق نذرًا بلا إذنٍ لم يَضْمَن.
ويُعْتبَر تمليك فقير، فلا يكفي إطعامُه.
ومن ماتَ بعد ذبحِها قام وارثُه مقَامَه......
والشيخ في شرحه 1 جعل الضمير في "يضمنه" عائدًا على الهدي والأضحية، لا على اللحم، ثم قال: "وأما اللحم إذا تلف بعد الذبح فينبغي ضمانه بالمثل؛ لأنه مِثليٌّ"، انتهى.
قوله: (وإلا فقيمته) القياس أيضًا ضمانه بالمثل، لكن كلام الإنصاف 2 صريح في أن التعبير بالقيمة هو الموجود في كلام المقنع 3 تبعًا للأصحاب 4، وعبارته بعد نقله: "ويتوجه أن يضمن بمثله"، انتهى.
حكاه عنه شيخنا في شرحه 5، وقال بعده في الحاشية 6: "قلت: وهو مقتضى القواعد"، انتهى.
قوله: (ومن فرق نذرًا بلا إذن لم يضمن) سواء كان أضحية أو هديًا واجبًا 7، بسبب حرم، أو إحرام وفرقه ذلك الغير على فقراء الحرم، فتدبر!.
ويفعلُ ما شاءَ بما ذُبح قبلَ وقتِه.
وإذا دخل العشرُ حرُم على من يُضحِّي عنه: أخذُ شيءٍ من شعره، أو ظُفرِه، أو بشرتِه إلى الذبح.
المنقح (1): "ولو بواحدةٍ لمن يُضَحّي بأكثر".
وسُنَّ حَلقٌ بعده.
4 - فصلٌ
والعقيقةُ: سنةٌ في حقِّ أبٍ، ولو معسرًا، ويقترض......
قوله: (ويفعل ما شاء بما ذبح قبل وقته)؛ أيْ: ولا يكفيه، وعليه بدله إن كان واجبًا.
قوله: (وإذا دخل العشر)؛ أيْ: من ذي الحجة.
قوله: (ولو بواحدة)؛ أيْ: بأضحية واحدة.
فصل
في العقيقة قوله: (والعقيقة) اسم للذبيحة، وقيل: اسم للطعام الذي يصنع ويدعى إليه من أجل المولود 2. حاشية 3. قوله: (ويقترض)؛ أيْ: استحبابًا.1
فعن الغلامِ شاتان متقاربتان سنًّا وشبهًا، فإن عَدِم فواحدةٌ، وعن الجارية شاةٌ، ولا تُجزِئ بَدَنةٌ، أو بقر إلا كاملةً، تذبحُ في سابعة.
ويُحْلقُ فيه رَأسُ ذكرٍ، ويتصدَّقُ بوزنه وَرِقًا، وكُرِه لَطخُة من دمها، ويُسمَّى فيه، وحَرُم بمعبدٍ لغير اللَّه كعبدِ الكعبة، وبما يُوازي أسماءَ اللَّه -تعالى-، وما لا يليقُ إلا به، وكُرِه: بحَربٍ، ويسارٍ، ونحوِهما، لا بأسماء الأنبياء، والملائكة، وأحبُها: عبدُ اللَّه، وعبدُ الرحمن.
قوله: (وما يوازي أسماء اللَّه -سبحانه وتعالى-) كاللَّه، والرحمن.
قوله: (وما لا يليق إلا به) كملك الملوك، وسلطان السلاطين، وشاهٍ شاه، وكذا ملك الأملاك.
قوله: (ونحوهما) كرباح، ونجيح، للنهي عن ذلك 1؛ ولأنه ربما كان طريقًا للتشاؤم.
قوله: (لا بأسماء الأنبياء) وأما التكني بكنية النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- هل يكره، أو أنه لا يكره إلا لمن اسمه محمد فقط؟ فيه روايات 2، إحداهن لا يكره، قال في تصحيح الفروع 3: "قلت: وهو الصواب بعد موته -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد وقع فعل ذلك من الأعيان،
فإن فاتَ ففي أربعةَ عشرَ، فإن فات ففي إحدى 1 وعشرين، ولا تُعتَبرُ الأسابيعُ بعد ذلك.
ويَنزعُها أعضاءً ولا يكسرُ عظمَها، وطبخُها أفضلُ، ويكونُ منه بحُلْوٍ.
وحكمُها كأضحية، لكن يُباع جلدٌ، ورأسٌ، وسواقطُ، ويُتَصدَّقُ بثمنه، وإن اتفق وقتُ عقيقةٍ، وأضحيةٍ، فعقَّ، أو ضحَّى أجزأ عن الأخرى.
ورضَاهُم به يدل على الإباحة"، وقال في الهدي 2: "الصواب أن التكنِّي بكنيته ممنوع، والمنع في حياته أشد، والجمع بينهما ممنوع"، انتهى، فظاهره التحريم، حاشية 3.
قوله: (فإن فات)؛ أيْ: الذبح في السابع.
شرح 4.
قوله: (وحكمها كأضحية) حتى في الأكل، والهدية، والصدقة.
قوله: (أجزأ عن الأخرى) مقتضى قاعدة: أنه لا ثواب في غير مَنْوِي أن الثواب عنهما لا يحصل إلا بنيتهما، وإن سقط طلب غير المَنْوِي بفعل المَنْوِي منهما 5.
ولا تُسنُّ فَرَعةٌ: نحَرُ أول ولد الناقة، ولا العَتِيرةُ: ذبيحةُ رجبٍ، ولا يُكْرَهان.
وبخطه: قال ابن نصر اللَّه 1: "ويتوجه عليه لو ولد له أولاد في يوم واحد تجزئه عقيقة واحدة بالطريق الأولى" حاشية 2.
8 -