[معنى العقل]
وهكذا لفظ العقل، يراد به الغريزة التي بها يعلم، ويراد بها أنواع من العلم، ويراد به العمل بموجب ذلك العلم1، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كان أحدكم صائمًا، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه، أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم".2
## [معنى الجاهلية] والجهل هنا هو الكلام الباطل، بمنزلة الجهل المركب، ومنه قول الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا... فنجهل فوق جهل الجاهلينا3ومن هذا سميت الجاهلية جاهلية، وهي متضمنة لعدم العلم، أو لعدم
العمل به1، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية"2، لما ساب الرجل وعيره بأمه.
إذ3قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: 26]، فإن الغضب والحمية يحمل المرء على فعل ما يضره، وترك ما ينفعه، وهذا من الجهل الَّذي هو عمل بخلاف العلم، حتى يقدم المرء على فعل ما يعلم أنَّه يضره، وترك ما يعلم أنَّه ينفعه، لما في نفسه من البغض والمعاداة لأشخاص وأفعال، وهو في هذه الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية، لكنه لما في نفسه من بغض وحسد غلب موجب ذلك لموجب العلم، فدل على ضعف العلم لعدم موجبه ومقتضاه، ولكن ذلك الموجب والنتيجة لا يوجد4عنه وحده، بل عنه وعما في النفس من حب ما ينفعها، وبغض ما يضرها، فإذا حصل لها مرض ففسدت به أحبت ما يضرها، وأبغضت ما ينفعها، فتصير النفس كالمريض الَّذي تناول ما يضره لشهوة نفسه له، مع علمه أنَّه يضره.
قلت: هذا معنى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات" رواه البيهقي مرسلًا.5
وقد قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45)﴾ [ص: 45]، فوصفهم بالقوة [في]1العمل، والبصيرة في العلم، وأصل القوة قوة القلب الموجبة لمحبة الخير وبغض الشر، فإن المؤمن قوته في قلبه، وضعفه في جسمه، والمنافق قوته في جسمه، وضعفه في قلبه، فالإيمان لا بد نيه من هذين الأصلين: التصديق بالحق والمحبة له، وهذا2أصل القول، وهذا أصل العمل، ثم الحب التام مع القدرة، يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر والعمل الظاهر ضرورة كما تقدم، فمن جعل مجرد العلم والتصديق موجبًا لجميع ما يدخل في مسمى الإيمان، وكل ما يسمى3إيمانًا فقد غلط، بل لا بد من العلم والحب، والعلم شرط في محبة المحبوب، كما أن الحياة شرط في العلم، لكن لا يلزم من العلم بالشيء والتصديق بثبوته محبته، إن لم يكن بين العلم والمعلوم معنى في المحب أحب لأجله، ومعنى في المحبوب كان محبوبًا لأجله.4
## [الأعمال والأقوال الظاهرة هي موجب ما في القلب] ولهذا كان الإنسان يصدق بثبوت أشياء كثيرة ويحلمها وهو يبغضها، كما يصدق بوجود الشياطين والكفار ويبغضهم، فنفس5التصديق بوجود الشيء لا يقتضي محبته، لكن الله سبحانه يستحق لذاته أن يحب ويعبد، وأن يحب لأجله رسوله، والقلوب فيها معنى يقتضي حبه وطاعته، كما فيها معنى يقتضي العلم والتصديق به، فمن صدق به وبرسوله، ولم يكن محبًا له ولرسوله، لم يكن مؤمنًا حتَّى يكون فيه مع ذلك الحب له ولرسوله، وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، والأعمال الظاهرة، فما6يظهر على البدن من