الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي[حقيقة الإرادة الجازمة]

وأما الإرادة الجازمة، فلا بد أن يقترن بها مع القدرة فعل المقدور، ولو بنظرة، أو حركة رأس، أو لفظة، أو خطرة، أو تحريك بدن، وبهذا يظهر معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"4، فإن المقتول أراد قتل صاحبه، فعمل ما يقدر عليه من القتال، وعجز عن حصول المراد، وكذلك الَّذي قال: لو أن لي مثلما لفلان، لعملت فيه مثل

ما يعمل فلان، فإنه أراد [فعمل]1ما يقدر عليه، وهو الكلام، ولم يقدر علي غير2ذلك.3
ولهذا كان من دعا إلى ضلالة، كان عليه مثل أوزار من اتبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا4، لأنه أراد ضلالهم [ففعل]5ما يقدر عليه من دعائهم، إذ لا يقدر إلَّا على ذلك.6
وإذا تبين هذا في الإرادة والعمل، فالتصديق الَّذي في القلب وعلمه يقتضي عمل القلب، كما يقتضي الحس الحركة الإرادية، لأن النفس فيها قوتان: قوة [الشعور بالملائم]7والمنافي، والإحساس بذلك، والعمل.

والتصديق به، وقوة الحب [للملائم والبغض للمنافي]1والحركة عن الحس، بالخوف والرجاء والموالاة والمعاداة، وإدراك الملائم، يوجب اللذة والفرح والسرور، وإدراك المنافي يوجب الألم والغم.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، ويمجسانه كما تنتج البهيمة [بهيمة]2جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ".3 فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقًا به، ودينًا له، لكن يعرض لها ما يفسدها، ومعرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه، لما في الفطرة من حب الحق، وبغض الباطل، لكن قد يعرض لها ما يفسدها إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن اتباعه، ولهذا أمرنا الله أن نقول في الصلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾ [الفاتحة: 6، 7].

جارٍ التحميل