[حقيقة مذهب ابن عربي]
فإن حقيقة الرب عنده وجود مجرد لا اسم له ولا صفة، ولا يمكن أن ترى ذاته1لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا له كلام قام به2، ولا علم ولا غير ذلك، ولكن يرى ظاهرًا في المخلوقات متجليًا في المصنوعات، وهو عنده عين3وجود الموجودات، وشبهه4تارة بظهور الكلي في جزئياته، كظهور الجنس في أنواعه، والنوع في الخاصية5كما تظهر الحيوانية في كل حيوان، والإنسانية في كل إنسان.6
وهذا بناه على غلط أسلافه "المنطقيين اليونانيين" حيث ظنوا أن الموجودات العينية تقارنها جواهر عقلية [بحسب]1ما يحمل عليها2من الكليات، فيظنون أن في الإنسان المعين إنسانًا عقليًا، وحيوانًا عقليًا، وناطقًا عقليًا، و [حساسًا]3عقليًا، وجسمًا عقليًا، وذاك هو الماهية التي يعرض لها الوجود، وتلك الماهية مشتركة بين جميع المعينات.
وهذا الكلام له روعة4عند من لم يفهمه ويتدبره، فإذا فهم [حقيقته]5تبين له أنه بكلام المجانين أشبه منه بكلام العقلاء، وإنما ذلك مخالفة6للحس والعقل، وإنما [أتي]7فيه هؤلاء من حيث إنهم تصوروا في أنفسهم معاني كلية مطلقة، فظنوا أنها موجودة في الخارج، فضلالهم في هذا عكس ضلالهم في أمر الأنبياء، فإن الأنبياء8[شاهدت]9أمورًا خارجة عن أنفسهم، فزعم هؤلاء الملاحدة أن تلك كانت في أنفسهم.
وهؤلاء الملاحدة شهدوا في أنفسهم أمورًا كلية مطلقة فظنوا أنها في الخارج، وليست إلا في أنفسهم، فجعلوا ما في أنفسهم في الخارج وليس فيه، وجعلوا ما أخبرت به الأنبياء في أنفسهم، وإنما هو في الخارج، فلهذا كانوا مكذبين بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء # [مدعين]10أن ما يبصرونه في خيالهم هو من جنس الغيب الذي أخبرت به الأنبياء #11، ثم جعلوا وجود الرب الخالق للعالمين، البائن عن مخلوقاته أجمعين، هو من
جنس وجود الإنسانية في الأناسي، والحيوانية في الحيوان، أو ما أشبه ذلك # كوجود المائدة في الصورة، أو الصورة في المائدة #1، أو كوجود الوجود في الثبوت -عند من يقول: المعدوم شيء- فإنهم أرادوا [أن يجعلوه]2شيئًا موجودًا في المخلوقات مع مغايرته لها، فضربوا له مثلًا تارة بالكليات، وتارة بالمادة أو3الصورة وتارة بالوجود المغاير للثبوت، وإذا مثلوه بالمحسوسات مثلوه بالشعاع في الزجاج، أو بالهواء في الصوفة، فضربوا لرب العالمين الأمثال، فضلوا فلا يستطيعون سبيلًا.
وهم في هذه الأمثال ضالون من وجوه: