[فصل] [مشابهة الجهمية للفلاسفة معنى السعادة عند الفلاسفة]
وقول جهم ومن وافقه أن الإيمان مجرد العلم والتصديق، وهو بذلك وحده مستحق3الثواب والسعادة، يشبه قول من قال من الفلاسفة المشائين وأتباعهم4: إن سعادة الإنسان في مجرد أن يعلم الوجود على ما هو عليه5، كما أن قول الجهمية وهؤلاء الفلاسفة في مسائل "الأسماء والصفات" و "مسائل الجبر والقدر" متقاربان، وكذلك في مسائل الإيمان، وقد بسطنا الكلام على ذلك وبينا بعض ما فيه من الفساد في غير هذا الموضع6، مثل أن العلم هو أحد قوتي النفس، فإن النفس لها قوتان:
قوة العلم والتصديق، وقوة الإرادة والعمل، كما أن الحيوان له قوتان: قوة الحس وقوة الحركة بالإرادة.1
وليس صلاح الإنسان ونفسه2في مجرد أن يعلم الحق دون أن لا يحبه ويريده ويتبعه.
كما أنه ليست3سعادته في أن يكون عالمًا بالله مقرًا بما يستحقه، دون أن يكون محبًا لله عابدًا لله مطيعًا لله، بل أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه4، فإذا علم الإنسان الحق وأبغضه وعاداه كان مستحقًا من غضب الله وعقابه ما لا يستحقه من ليس كذلك، كما أن من كان قاصدًا للحق طالبًا له -وهو جاهل بالمطلوب وطريقه- كان فيه من الضلال، وكان متحقًا من اللعنة- التي هي البعد عن رحمة الله5- ما لا يستحقه من ليس مثله.
ولهذا أمرنا الله تعالى أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ6صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ7﴾ [الفاتحة: 6، 7]، والمغضوب عليهم علموا الحق فلم يحبوه ولم يتبعوه، والضالون قصدوا الحق لكن بجهل وضلال به وبطريقه، فهذا بمنزلة العالم الفاجر، وهذا بمنزلة العابد الجاهل، وهذا حال اليهود فإنهم1مغضوب عليهم، وهذا حال النصارى فإنهم ضالون.2
كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون".3
## [فساد قول المتفلسفة] والمتفلسفة أسوأ حالًا من اليهود والنصارى، فإنهم جمعوا بين جهل هؤلاء وضلالهم، وبين فجور هؤلاء وظلمهم، فصار فيهم من الجهل والظلم ما ليس في اليهود ولا النصارى، حيث جعلوا السعادة في مجرد أن يعلموا الحقائق، حتى يصير الإنسان عالمًا معقولًا مطابقًا للعالم الموجود.4
ثم لم ينالوا من معرفة الله وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله وخلقه وأمره إلا شيئًا نزرًا5قليلًا، فكان جهلهم أعظم من علمهم، وضلالهم أكبر من هداهم، وكانوا مترددين بين الجهل البسيط والجهل المركب6، فإن كلامهم في الطبيعات والرياضات7لا يفيد كمال النفس وصلاحها وزكاها8، وإنما يحصل ذلك بالعلم الإلهي، [وكلامهم]9فيه
لحم جمل غث1على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل، فإن كلامهم في "واجب الوجود" ما بين حق قليل، وباطل فاسد كثير.