أولاً: اسم الكتاب:
اشتهر هذا الكتاب باسم "الإيمان الأوسط"، وقد قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، في هامش مقدمة الكتاب: "هذا كتاب الإيمان الأوسط"1، ويبدو أنَّ هذه التسمية قد أخذها الشيخ عبد الرحمن من نسخة الكتاب المخطوطة التي اعتمدها في مجموع الفتاوى2، وربما أطلق على هذا الكتاب اسم: "الإيمان الصغير" كما ذُكر ذلك في النسخة المحمودية للكتاب.3
وقد سبقت الإشارة -عند الحديث عن منهج شيخ الإسلام في التصنيف- إلى تعدد أسماء كثير من مصنفاته، ولا يملك الباحث في هذا المقام إلَّا أن يجزم أنَّ هذا الكتاب الذي بين أيدينا، من هذه المصنفات التي تعددت أسماؤها، ولا يُدرى أيضًا هل قام شيخ الإسلام بتسمية هذا الكتاب، أم أنَّ أحداً من تلامذته أو النسّاخ هو الذي قام بذلك؟.
ولكن الحقيقة التي توصلت إليها بعد بحث، أن الكتاب عبارة عن
جواب للمصنف شرح خلاله حديث جبريل - عليه السلام - في الإسلام والإيمان والإحسان.
وقد ذكر ابن عبد الهادي أنَّ من بين مصنفات شيخ الإسلام -رحمه الله-، مصنف باسم: شرح حديث جبريل - عليه السلام -، ووصفه بأنه في مجلد لطيف1، وممن ذكر ذلك أيضًا ابن شاكر الكتبي2، وإن لم يكن كتابنا هذا هو الذي ذكره ابن عبد الهادي، فأي كتاب يكون إذن؟.
والكتاب كذلك متفق مع أسلوب شيخ الإسلام الموسوعي الذي عُرف به، حيث ترد إليه الأسئلة، فربما أجاب عن السؤال الواحد منها بجواب مطول3، يبلغ مجلداً في بعض الأحيان.
ومما يدل على أنَّ هذا الكتاب الذي قمت بتحققه، هو شرح لحديث جبريل - عليه السلام - ما يلي: 1 - ما جاء في اللوحة الثانية (صفحة ب) من النسخة التركية، ونصه كالتالي: "كتاب الإيمان، يتضمن الحديث سؤال جبريل - عليه السلام - النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، عن الإسلام والإيمان، والإحسان، وجوابه - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك بأفصح بيان، أملاه الشيخ الإمام العالم العامل، الورع الناسك، شيخ الإسلام، بقية السلف الكرام، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية.. ". 2 - ما جاء في اللوحة الثانية (صفحة أ) من النسخة التركية أيضاً، ونصه: "قال الفقيه أبو الليث السمرقندي -رحمه الله-: فإن قيل: الإيمان مخلوق، فقل: الإيمان إقرار بوحدانية الله وهداية، وأما الإقرار فهو صنع العبد وهو مخلوق، وأما الهداية فهو صنع الرب، وهو غير مخلوق.
قال كاتبه -رحمه الله-: والدليل على الهداية قول الله -رحمه الله-: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا..﴾. قلت: قال شيخ الإسلام في أثناء كتابه الذي أملاه في الإيمان على سؤال جبريل - عليه السلام -.. " ثم شرع في نقل نص كبير من الكتاب المعروف "بالإيمان الأوسط".
وهذان الأمران يكفيان في بيان أنَّ كتاب "الإيمان الأوسط" هو الكتاب الذي شرح شيخ الإسلام خلاله حديث جبريل - عليه السلام -، ويؤكدان ذلك أشد التأكيد.
3 - استهلالة الكتاب التي تنبئ أنه عبارة عن جواب لسؤال ورد إلى المصنف، ونص هذه الاستهلالة كما جاء في النسخة التركية: "يتضمن الحديث سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وقوله في آخر الحديث: هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم.. ".1 4 - قول المصنف بعد أن مضى غالب الكتاب: فصل: أول ما في الحديث سؤاله عن الإسلام، فأجابه بأن الإسلام أن تشهد أن لا إله إلَّا الله... وهذا برهان آخر على أنَّ المصنف قد جعل كتابه هذا شرحاً لحديث جبريل - عليه السلام -، بدليل أنه عاد إلى الحديث بعد كلام طويل، وذكر العبارة الآنفة التي تشبه العبارات التي يستخدمها شرَّاح الحديث.
5 - قول المصنف في آخر الكتاب: "فصل: وأمّا الإحسان، فقوله: أن تعبد الله كأنك تراه... فإحسان الدين هو -والله أعلم- الإحسان المسؤول عنه في حديث جبريل، فإنه سأله عن الإسلام والإيمان.. ".2 وكل هذه الأمور تجعل الباحث يطمئن إلى أنَّ هذا الكتاب هو "شرح شيخ الإسلام لحديث جبريل - عليه السلام -، وهو ما عناه الحافظ ابن عبد الهادي -رحمه الله-.
ومن خلال ما سبق يتضح أنَّ هناك أربعة أسماء للكتاب، وهي: الإيمان الأوسط، والإيمان الصغير، والإيمان، وشرح حديث جبريل - عليه السلام -، ولا يهم اختلاف هذه الأسماء، على أنَّ هناك تساؤلاً حولها -خاصة الاسم الرابع- وهل هي اسم للكتاب، أم هو وصف لكلام المصنف؟.
فالكتاب لا شك أنه شرح مستفيض لحديث جبريل - عليه السلام -، ولكن الشك يقع في هذه التسميات، هل هي من وضع المصنف، أو من وضع أحد من تلاميذه أو النساخ؟.
لكن بعد بحث وجدت شيخ الإسلام قد أشار إلى كتابه هذا في موضع آخر، حيث يقول: "وهذا التفصيل في الإيمان هو كذلك في لفظ البر والتقوى والمعرفة وفي الإثم والعدوان والمنكر، تختلف دلالتها في الإفراد والاقتران لمن تدبر القرآن، وقد بسط هذا بسطاً كبيراً في الكلام على الإيمان، وشرح حديث جبريل.. ".1 ومن المعلوم أنَّ الكلام على اختلاف دلالات الألفاظ وسبب ذلك، وفائدته، قد أفاض شيخ الإسلام فيه في كل من "الإيمان الكبير" و"الإيمان الأوسط".
ثم عاد شيخ الإسلام ثانية، وأشار إلى حديث جبريل، حيت قال: "والمشهور عند أهل الحديث أنه لا يستثنى في الإسلام، وهو المشهور عن أحمد - رضي الله عنه -، وقد روي عنه فيه الاستثناء، كما قد بسط هذا في شرح حديث جبريل وغيره من نصوص الإيمان.. ". ولكن ما ذكره شيخ الإسلام عن موضوع الاستثناء في الإسلام لم يرد مطلقاً في كتاب "الإيمان الأوسط" الذي هو بالفعل شرح لحديث جبريل - عليه السلام -، بل إنَّ شيخ الإسلام في كتاب "الإيمان الأوسط" لم يذكر الاستثناء في الإيمان -وهو أشهر من بحث الاستثناء في الإسلام- إلا لماماً.
والمتابع لما يكتبه شيخ الإسلام يلحظ أنه لا يعير في كثير من الأحيان الدقة في الأسماء، فيذكر الكتاب باسمه، ثم يعود ويذكره باسم آخر.
وليس أدل على ذلك من قول المصنف في مجموع الفتاوى (13/ 47) بعد أن تكلم عن مذهب جهم، وتكفير وكيع وأحمد من قال بذلك: "وقد بسط الكلام على أقوالهم وأقوال غيرهم في الإيمان".
وكذلك قوله في مجموع الفتاوى (13/ 58) بعد أن تكلم عن مذاهب الناس في الإيمان: "وبسط الكلام في هذا له مواضع أخر، وقد صنفت في ذلك مجلداً غير ما صنفت فيه غير ذلك"، وقد يقال: إنَّ كلاً من كتاب الإيمان الكبير، وكتاب الإيمان الأوسط، شرح لحديث جبريل - عليه السلام -، وليس ذلك ببعيد، على أنَّ الأوّل هو الراجح.
والنتيجة بعد كل هذا، أنَّ اسم الكتاب الذي قمت بتحقيقه هو: شرح حديث جبريل - عليه السلام -، وهو الاسم الذي ذكره بعض من ترجم لشيخ الإسلام من تلاميذه1، وهو المتفق مع صفة الكتاب وموضوعاته.
كما أنه الاسم الذي أشار إليه المؤلف نفسه -رحمه الله-، وذكره أكثر من مرة.
ولكن اسم "الإيمان الأوسط" للكتاب، قد اشتهر وذاع على الألسنة والأقلام، وهو مناسب لحجم الكتاب إذا قيس بكتاب "الإيمان الكبير".
فإذا أُخذ بالأول وافق الأصل، وإن أُخذ بالثاني وافق المشهور عند المشايخ وطلبة العلم والباحثين.