[هل يعاقب على الإرادة بغير عمل؟ ]
وبهذا يزول الاشتباه في هذا المقام، فإن الناس تنازعوا في الإرادة بلا عمل، هل يحصل بها عقاب؟ وكثر النزاع في ذلك، فمن قال: لا يعاقب احتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - الَّذي في الصحيحين: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به".6
وبما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وابن عباس - رضي الله عنهما -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[قال]1: "إذا هم العبد بسيئة، لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإذا هم بحسنة، كتبت له حسنة كاملة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف".2
وفي رواية: "فإن تركها فاكتبوها3له حسنة، فإنها تركها من جراي".4
ومن قال: يعاقب، احتج بما في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه".5
وبالحديث الَّذي رواه الترمذي وصححه عن أبي كبشة الأنصاري6
عن النبي -صلى الله عليه وسلم -: في الرجلين اللذين أوتي أحدهما علمًا ومالًا، فهو ينفقه في طاعة الله، ورجل أوتي علمًا ولم يؤت مالًا، فقال: لو أن لي مثل مال فلان، لعملت فيه مثل ما يعمل فلان، قال: فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالًا، ولم يؤته علمًا، فهو ينفقه في معصية الله، ورجل لم يؤته الله علمًا ولا مالًا، فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثلما يعمل فلان، فهما في الوزر سواء".1
## [الفرق بين الهم والإرادة] والفصل في ذلك أن يقال: فرق بين الهم والإرادة، فالهم قد لا يقترن به شيء من الأعمال الظاهرة، فهذا لا عقوبة فيه بحال، بل إن تركه لله كما ترك يوسف همه، أثيب على ذلك، كما أثيب يوسف - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا قال أحمد: (الهم همان: همّ خطرات، وهمّ إصرار).
ولهذا كان الَّذي دل عليه القرآن، أن يوسف لم يكن له في هذه القصة2ذنب أصلًا، بل صرف الله عنه السوء والفحشاء، إنه من عباده المخلصين، مع ما حصل من المراودة، والكذب، والاستعانة عليه بالنسوة، وحبسه، وغير ذلك من الأسباب التي لا يكاد بشر يصبر معها عن الفاحشة، ولكن يوسف اتقى الله وصبر، فأصابه3الله برحمته في الدنيا، ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)﴾ [يوسف: 57]