[الجواب على أدلة من لم ير كفر تارك الصلاة]
وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها لتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جوابًا لهم عن التارك، مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي كما تقدم.
وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة كقوله: "من
شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، أدخله الله الجنة"1ونحو ذلك من النصوص.
وأجود ما اعتمدوا عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من2حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة".3
قالوا: فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة، والكافر لا يكون تحت المشيئة، ولا دلالة في هذا، فإن الوعد تعلق4بالمحافظة عليها، والمحافظ5فعلها في أوقاتها كما أمر.
كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238]، وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة العصر يوم الخندق، فأنزل الله [آية]6الأمر بالمحافظة عليها، وعلى غيرها من الصلوات.7
وقد قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)﴾ [مريم: 59]، فقيل لابن مسعود: ما كنا نظن ذلك إلا تركها، فقال: لو تركوها لكانوا كفارًا! !8/. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ4الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ
سَاهُونَ5﴾ [الماعون: 4، 5] ذمهم مع أنهم يصلون، لأنهم سهوا عن حقوقها الواجبة، من فعلها في الوقت، وإتمام أفعالها المفروضة.
كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس1يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر2أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا".3
فجعل هذه صلاة المنافقين، لكونه أخرجها4عن الوقت ونقرها. وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر الأمراء بعده الذين يفعلون ما ينكر وقالوا: يا رسول الله أفلا نقاتلهم! قال: "لا ما صلوا".5
وثبت عنه أنه قال: "سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة".6
فنهى عن قتالهم إذا صلوا، وكان في ذلك دلالة على أنهم إذا لم
يصلوا قوتلوا، وبين أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، وذلك ترك المحافظة عليها لا تركها.
وإذا عرف الفرق بين الأمرين، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها لا من تركها1، ونفس ترك صفة2المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها، ولا يتناول من لم يحافظ، فإنه لو يتناول3ذلك قتلوا كفارًا مرتدين بلا ريب.4