[حقيقة الأسماء الشرعية]
ومن المعلوم أن الأسماء الشرعية والدينية، كاسم الصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك، هي باتفاق الفقهاء اسم لمجموع الصلاة الشرعية2، والزكاة الشرعية، والحج الشرعي، ومن قال إن الاسم إنما يتناول ما يتناوله عند الإطلاق في اللغة، وأن ما زاده الشارع إنما هو زيادة في الحكم وشرط فيه لا داخل في الاسم، كما قال ذلك القاضي أبو بكر بن الطيب3، والقاضي أبو يعلى4، ومن وافقهما على أن الشرع زاد أحكامًا شرعية جعلها شروطًا في القصد و [الأعمال]5والدعاء، ليست داخلة في مسمى الحج والصيام والصلاة، فقولهم مرجوح عند الفقهاء وجماهير المنسوبين إلى العلم، ولهذا كان الجمهور من أصحاب الأئمة الأربعة على خلاف هذا القول.6
فإذا قال قائل: إن اسم الإيمان إنما يتناول مجرد1ما هو تصديق،
وإما كونه تصديقًا بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وكون ذلك مستلزمًا لحب الله ورسوله ونحو ذلك هو شرط في الحكم لا داخل في الاسم، إن لم يكن أضعف من ذلك القول فليس بدونه1في الضعف.
فكذلك من قال: الأعمال الظاهرة لوزام للباطن، لا تدخل في الاسم عند الإطلاق، يشبه قوله قول هؤلاء.
والشارع إذا قرن بالإيمان العمل فكما يقرن بالحج ما هو من تمامه كما إذا قال: من حج البيت وطاف وسعى [و]2وقف بعرفة ورمى الجمار، ومن صلى فقرأ وركع وسجد، كما قال: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا... "3، ومعلوم أنه لا يكون4صومًا شرعيًا إن لم يكن إيمانًا واحتسابًا.
[و]5قال: "من حج هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه"6، ومعلوم أن الرفث7الذي هو الجماع يفسد الحج، والفسوق ينقص ثوابه، وكما قال: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا"8، فلا يكون مصليًا إن لم يستقبل قبلتنا في الصلاة.
وكما قال - صلى الله عليه وسلم -: "خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة، من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له"1، فذكر المحافظة2عليها، ومعلوم أنه لا يكون مصليًا لها على الوجه المأمور إلا بالمحافظة عليها، ولكن بين أن الوعيد مشروط بذلك، ولهذا لم3
يلزم من عدم المحافظة عليها أنه1لا يصليها، بل قد يصليها2بعد الوقت، فلا يكون محافظًا عليها، إذ المحافظة تستلزم فعلها في الوقت.3
كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238] نزلت لما أخرت العصر عام الخندق قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس".4
وبهذا يظهر أن الاحتجاج بذلك5على أن تارك الصلاة لا يكفر حجة ضعيفة، لكنه يدل على أن تارك المحافظة عليها6لا يكفر، فإذا صلاها بعد الوقت لم يكفر.7
ولهذا جاءت في الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها قيل له8: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: (لا ما صلوا).9
وكذلك لما سئل ابن مسعود عن قوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: 59]
قال: هو تأخيرها عن وقتها، فقيل له: كنا نظن ذلك تركها، فقال: لو تركوها لكانوا كفارًا.1
والمقصود أنه يدخل في الاسم المطلق أمور كثيرة وإن كانت تخص بالذكر، وقيل لمن قال دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز: نزاعك لفظي، فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم موجبًا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن، فإذا اعترفت بهذا كان النزاع لفظيًا.
وإن قلت: ما هو حقيقة قول جهم وأتباعه من أنه قد2يستقر الإيمان التام الواجب في القلب مع إظهار ما هو كفر، وترك جميع الواجبات الظاهرة.
قيل لك: فهذا يناقض قولك إن الظاهر لازم له، وموجب له، بل3حقيقة قولك: إن الظاهر يقارن الباطن تارة ويفارقه أخرى، فليس بلازم له ولا موجب ومعلول له، ولكنه دليل إذا وجد دل على وجوب4الباطن،
وإذا عدم لم يدل عدمه على العدم، وهذا حقيقة قولك، وهو أيضًا خطأ عقلًا، كما هو خطأ شرعًا، وذلك أن هذا ليس بدليل قاطع، إذ هذا يظهر من المنافق [فإنه يبقى]1دليلًا في بعض الأمور المتعلقة بدار الدنيا، كدلالة اللفظ على المعنى، وهذا حقيقة قولك.
فيقال لك: فلا يكون ما يظهر من الأعمال لا2ثمرة للإيمان الباطن، ولا موجبًا له، ولا3من مقتضاه، وذلك أن المقتضي لهذا الظاهر إن كان هو نفس الإيمان الباطن لم يتوقف وجوده على غيره، فإن ما كان [معلولًا]4للشيء وموجبًا له لا يتوقف على غيره، بل يلزم من وجوده وجوده، فلو كان الظاهر موجب الإيمان الباطن لوجب أن لا يتوقف على غيره، بل إذا وجد الموجَب وجد الموجِب.