[مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزمًا للإيمان النافع عند الله]
وأما إذا وجد معه تارة، وعدم أخرى، أمكن أن يكون من موجب ذلك الغير، وأمكن أن يكون موقوفًا عليهما جميعًا، فإن ذلك الغير إما مستقل بالإيمان، أو مشارك للإيمان، وأحسن أحواله أن يكون الظاهر موقوفًا عليهما معًا: على ذلك الغير، وعلى الإيمان، بل قد علم أنه يوجد بدون الإيمان، كما في أعمال المنافق، فحينئذٍ لا يكون العمل الظاهر مستلزمًا للإيمان، ولا لازمًا له، بل يوجد معه تارة، ومع نقيضه تارة، ولا يكون الإيمان علة له، ولا موجبًا، ولا مقتضًا، فيبطل حينئذٍ أن يكون دليلًا عليه، لأن الدليل لا بد أن يستلزم المدلول، وهذا هو الحق فإن مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزمًا للإيمان النافع عند الله. ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد لما قال له: هو مؤمن، قال: أو مسلم!.5
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ
اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] فدل ذلك على أن مجرد إظهار الإسلام لا يكون دليلًا على الإيمان في الباطن، إذ لو كان كذلك لم تحتج المهاجرات اللاتي جئن مسلمات إلى الامتحان، ودل ذلك على أنه بالامتحان والاختبار يتبين باطن الإنسان، فيعلم أهو مؤمن أم ليس بمؤمن.
كما في الحديث المرفوع: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان".
فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: 18].1 فإن قيل2: الأعمال الظاهرة تكون من موجب الإيمان تارة، ومن موجب غيره أخرى، كالتكلم بالشهادين: تارة يكون من موجب إيمان القلب، وتارة يكون للتقية3كإيمان المنافقين.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ
بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8]، ونحن إذا قلنا هو1من ثمرة الإيمان إذا كانت صادرة عن إيمان القلب لا عن نفاق، قيل: فإذا كانت صادرة عن إيمان، إما أن يكون نفس الإيمان موجبًا لها، واما أن يقف2على أمر آخر، فإن3كان نفس [الإيمان]4موجبًا لها ثبت أنها لازمة لإيمان القلب معلولة له5لا تنفك عنه، وهذا المطلوب، وإن توقفت6على أمر آخر كان الإيمان جزءًا لسبب7جعلها ثمرة للجزء الآخر ومعلولة له، إذ حقيقة الأمر أنها معلولة لهما وثمرة لهما.
فتبين أن الأعمال الظاهرة الصالحة لا تكون ثمرة للإيمان الباطن ومعلولة له، إلا إذا كان [موجبًا]8لها ومقتضيًا لها، وحينئذٍ فالموجَب لازم لموجِبِه، والمعلول لازم لعلته، وإذا [نقصت]9الأعمال الظاهرة الواجبة كان ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان، فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب أن تعدم الأعمال الواجبة الظاهرة10، بل يلزم من وجود هذا كاملًا، وجود هذا كاملًا، كما يلزم من نقص هذا نقص هذا و11تقدير إيمان تام في القلب بلا ظاهر من قول وعمل، كتقدير موجِب تام بلا موجه، وعلة تامة بلا محلولها، وهذا ممتنع.12