[قولهم بتساوي إيمان الأنبياء مع الفساق]
(وخامسها): وهو يلزمهم ويلزم المرجئة أنهم قالوا: إن العبد قد يكون مؤمنًا تام الإيمان، إيمانه مثل [إيمان]6الأنبياء والصديقين و [لو]7لم يعمل خيرًا [لا صلاة]8ولا صلة ولا صدق حديث، ولم يدع كبيرة إلا ركبها، فيكون الرجل عندهم، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وهو مصر على دوام الكذب والخيانة ونقض العهود، لا سجد9لله سجدة، ولا يحسن إلى أحد حسنة، ولا يؤدي أمانة، ولا يدع ما يقدر عليه من كذب وظلم وفاحشة إلا فعلها، وهو مع ذلك مؤمن تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء، وهذا يلزم كل من لم يقل إن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان الباطن، فإذا قال: إنها من لوازمه، وأن إيمان الباطن10يستلزم عملًا صالحًا ظاهرًا، كان بعد ذلك قوله: إن تلك الأعمال لازمة لمسمى الإيمان، أو جزءًا مه نزاعًا لفظيًا كما تقدم.
(وسادسها): أنه يلزمهم أن من سجد للصليب والأوثان طوعًا، وألقى
المصحف في الحش عمدًا، وقتل النفس بغير حق، وقتل كل1من رآه يصلي، وسفك دم كل من رآه يحج البيت، وفعل ما فعلته القرامطة بالمسلمين2، يجوز أن يكون مع ذلك مؤمنًا وليًا لله، إيمانه كإيمان النبيين والصديقين.
لأن الإيمان الباطن إما أن يكون منافيًا لهذه الأمور، وإما أن لا يكون منافيًا.
فإن لم يكن منافيًا لها3أمكن وجودها معه، فلا يكون وجودها دالًا على4عدم الإيمان الباطن.
وإن كان منافيًا للإيمان الباطن كان ترك هذه من موجب الإيمان ومقتضاه ولازمه، فلا يكون مؤمنًا في الباطن الإيمان الواجب إلا من ترك هذه الأمور، فمن لم يترك5دل ذلك على فساد إيمانه الباطن.
لماذا كانت الأعمال والتروك الظاهرة لازمة للإيمان الباطن كانت من موجبه ومقتضاه، وكان من المعلوم أنها تقوى بقوته، وتضعف بضعفه6، وتزيد بزيادته، وتنقص بنقصانه، فإن الشيء المعلول لا يزيد إلا بزيادة موجبه ومقتضيه، ولا ينقص إلا بنقصان ذلك، فإذا جعل العمل الظاهر
موجب الباطن ومقتضاه لزم أن يكون1زيادته لزيادة الباطن، فيكون دليلًا على زيادة الإيمان الباطن ونقصه2، ولنقص الباطن، فيكون نقصه دليلًا على نقص الباطن، وهو المطلوب.
وهذه الأمور كلها إذا تدبرها المؤمن بعقله، تبين له أن مذهب السلف هو المذهب الحق الذي لا عدول عنه، وأن من خالفهم لزمه فساد معلوم بصريح المعقول، وصحيح المنقول كسائر ما يلزم الأقوال المخالفة لأقوال السلف والأئمة والله أعلم.