أولًا: الرد على الخوارج:
يرد عليهم المصنف بما حكموا به في مرتكب الكبيرة بقوله: "ومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنّة: 1 - فإن الله سبحانه أمر بقطع يد السارق دون قتله، ولو كان كافرًا مرتدًا لوجب قتله، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من بدل دينه فاقتلوه".
2 - وقال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس يقتل بها".
# 3 - وأمر سبحانه أن يجلد الزاني والزانية مائة جلدة، ولو كانا كافرين لأمر بقتلهما. 4 - وأمر سبحانه بأن يجلد قاذف المحصنة ثمانين جلدة، ولو كان كافرًا لأمر بقتله. 5 - وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجلد شارب الخمر ولم يقتله. 6 - وأيضًا فإن الله سبحانه قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ فقد وصفهم بالإيمان والأخوة وأمرنا بالإصلاح بينهم".1
## ثانيًا: الرد على المعتزلة: أما المعتزلة فيرد عليهم رحمه الله بقوله: وهؤلاء يرد عليهم بمثل ما ردوا به على الخوارج.
1 - فيقال لهم: كما أنهم "يعني: الخوارج" قسموا الناس إلى مؤمن لا ذنب له، وكافر لا حسنة له، قسمتم الناس إلى مؤمن لا ذنب له، وإلى كافر وفاسق لا حسنة له، فلو كانت حسنات هذا كلها محبطة وهو مخلد في النار، لاستحق المعاداة المحضة بالقتل والاسترقاق، كما يستحقها المرتد، فإن هذا قد أظهر دينه بخلاف المنافق.. 2 - وأيضًا فقد تواترت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أنه يخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشفع في أقوام دخلوا النار... 3 - وأيضًا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد شهد لشارب الخمر المجلود مرات بأنه يحب الله ورسوله، ونهى عن لعنته، ومعلوم أن من أحب الله ورسوله أحبه الله ورسوله بقدر ذلك...
# 4 - وأيضًا فإن الذين قذفوا عائشة أم المؤمنين كان فيهم مسطح بن أثاثة، وكان من أهل بدر، وقد أنزل الله فيه لما حلف أبو بكر أن لا يصله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. 5 - وكذلك حاطب بن أبي بلتعة كاتب المشركين بأخبار النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما أراد عمر قتله، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".1
وقد ذكر المصنف رحمه الله فائدة في موضع آخر وهي أن المعتزلة لما ظهر لهم ضعف قول الخوارج في الحكم بكفر مرتكب الكبيرة خالفوهم في أحكام الدنيا، فحكموا بأنه في منزلة بين المنزلتين، ولم يستحلوا دمه وماله كما صنعت الخوارج.2
## ثالثًا: الرد على الكرامية: يذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن قول الكرامية في الإيمان: "بدعة ابتدعوها مخالفة للكتاب والسنّة وإجماع سلف الأمة، وهذه الدعة الشنعاء هي التي انفرد بها الكرامية دون سائر مقالاتهم".3
فكيف يعتبرون المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار مؤمنين كاملي الإيمان -مع تسليمهم على الصحيح بأنهم مخلدون في النار- بالتلفظ بالقول فقط.
ويرد المصنف على الكرامية بقوله: 1 - "وقد احتج الناس على فساد قول الكرامية بحجج صحيحة.. مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)﴾ قالوا: فقد نفى الإيمان عن المنافقين، فنقول: هذا حق، فإن المنافق ليس بمؤمن، وقد ضل من سماه مؤمنًا".4
# 2 - ويقول رحمه الله في موضع آخر: "وبعض الناس يحكي عنهم أن من تكلم به (يعني: بالإيمان) بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون: إنه مؤمن كامل الإيمان، وأنه من أهل النار، فيلزمهم أن يكون المؤمن الكامل الإيمان معذبًا في النار، بل يكون مخلدًا فيها، وقد تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه: "يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان". وإن قالوا: لا يخلد وهو منافق، لزمهم أن يكون المنافقون يخرجون من النار، والمنافقون قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)﴾، وقد نهى الله نبيه عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم وقال له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. 3 - فإن قالوا: هؤلاء قد كانوا يتكلمون بألسنتهم سرًا فكفروا بذلك، وإنما يكون مؤمنًا إذا تكلم بلسانه ولم يتكلم بما ينقضه، فإن ذلك ردة عن الإيمان، قيل لهم: لو أضمروا النفاق ولم يتكلموا به كانوا منافقين قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64)﴾، وأيضًا قد أخبر الله عنهم أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم وأنهم كاذبون، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)﴾.1
## رابعًا: الرد علي مرجئة الفقهاء: لا بد أن نشير أولًا إلى أن هذه البدعة -يعني الإرجاء، وهي إخراج الأعمال من مسمى الإيمان- قد قال بها طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، وكانت هذه البدعة عندهم لم تبرح الجانب النظري في حياتهم، أما الجانب العملي فلم يتأثر بها مطلقًا، حيت كانوا يوصون بالأعمال، وهم أنفسهم كانوا من أكثر الناس عبادة وعملاً، ولكن هذا القول كان بعد ذلك ذريعة
إلى ظهور الفسق، وموطئًا لإرجاء الجهمية الغالي، "فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببًا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في الإرجاء".1
ويوضح شيخ الإسلام مذهب المرجئة الفقهاء الذين يقولون: إن الأعمال ليست من الإيمان، وما يترتب على ذلك، فيقول: "إن الإيمان يزيد، بمعنى أنه كما أنزل الله آية واجب التصديق بها، فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي قبله، لكن بعد إكمال ما أنزل الله، ما بقي الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان الناس كلهم سواء، إيمان السابقين الأولين كأبي بكر وعمر، وإيمان أفجر الناس، كالحجاج وأبي مسلم الخراساني وغيرهما.. ".2 غير أن شيخ الإسلام -وهو من هو في إنصاف المخالفين- يبين أن لهؤلاء أدلة شرعية أخطأوا في فهمها، وغلطوا في الاستدلال بها، واشتبه الأمر عليهم بسببها، ومن هذا الأدلة: 1 - أن الله عزّ وجلّ قد فرّق في كتابه بين الإيمان والعمل، فقال في غير موضع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وما دام أنه قد عطف الأعمال الصالحة على الإيمان، ففي هذا دليل على أن الأعمال ليست من الإيمان، لأن العطف يقتضي المغايرة.
2 - أن الله سبحانه قد خاطب الإنسان بالإيمان قل وجود الأعمال، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
3 - قالوا: لو أن رجلًا آمن بالله ورسوله ضحوة، ومات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال لمات مؤمنًا، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان.3
ويرد شيخ الإسلام على هذه الأدلة بما يلي: أولاً: أما قولهم إن الله قد فرق بين الإيمان والعمل فهذا صحيح، وقد أفاض رحمه الله في بيان أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها، وقد يقرن الله به الأعمال، ونظائر ذلك كثيرة. ويقول رحمه الله موضحًا لتلك القضية: "والمرجئة أخرجوا العلم الظاهر عن الإيمان، فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضًا وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بين، ومن قصد إخراج العمل الظاهر، قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن، فبقي النزاع في أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن، أو لازم لمسمى الإيمان؟. والتحقيق أنه تارة يدخل في الاسم، وتارة يكون لازمًا للمسمى -بحسب إفراد الاسم واقترانه- فإذا قرن الإيمان بالإسلام كان مسمى الإسلام خارجًا عنه، كما في حديث جبريل، وإن كان لازمًا له، وكذلك إذا قرن الإيمان بالعمل، كما في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فقد يقال: اسم الإيمان لم يدخل فيه العمل، فإن كان لازمًا له، وقد يقال: بل دخل فيه وعطف عليه عطف الخاص على العام".1
ويقول رحمه الله في موضع آخر: "وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها، وقد يقرن به الأعمال، وذكرنا نظائر لذلك كثيرة، وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولاً للملزوم واللازم، وإن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال، فإنه أريد أنه لا يكتفي لإيمان القلب، بل لا بد معه من الأعمال الصالحة".2
فتبين أن ذكر الأعمال بعد الإيمان هي من باب عطف الخاص على العام. وعلى هذا فالأمر -كما يفهم من كلام شيخ الإسلام- في هذه الصورة لا يخلو من حالين: إما أن يكون هذا الخاص (الأعمال) داخلاً في العام (الإيمان)، فيكون مذكورًا مرتين. إما أن يكون عطفه عليه يقضي أنه ليس داخلاً فيه هنا، وإن كان يدخل فيه منفردًا، كما هو الحال في الشهادتين، ولفظ الفقير والمسكين، وغيرها من الألفاظ التي تتنوع دلالاتها بالإفراد والاقتران.1
ثانيًا: وأما قولهم: إنهم خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال، "فنقول: إن قلتم: إنهم خوطبوا به قبل أن تجب تلك الأعمال، فقبل وجوبها تكن من الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم، قبل أن يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه، فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين".2
ثالثًا: وأما قولهم إن من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمنًا ودخل الجنة "فصحيح، لأنه أتى بالواجب عليه، والعمل لم يكن وجب عليه بعد".3
كما يرد على هؤلاء بإجماع السلف الصالح قاطبة رضوان الله عليهم، أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي.