[ضلال ملاحدة المتصوفة]
(أحدها): أن ما مثلوا به من المادة مع الصورة، والكليات مع الجزئيات، والوجود مع الثبوت، كل ذلك يرجع عند التحقيق إلى شيء واحد لا شيئين، فجعلوا الواحد اثنين، كما جعلوا الاثنين واحدًا، في مثل صفات الله، يجعلون العلم هو العالم، والعلم هو المعلوم، والعلم هو القدرة، والعلم هو الإرادة، وأنواع هذه الأمور التي إذا تدبرها العاقل تبين له أن هؤلاء من أجهل الناس بأمور الإلهية4، وأعظم الناس قولًا للباطل، مع ما في نفوسهم ونفوس أتباعهم من الدعاوي الهائلة الطويلة العريضة، كما يدعي إخوانهم القرامطة الباطنية أنهم أئمة معصومون مثل الأنبياء، وهم من أجهل الناس وأضلهم وأكفرهم.
(الثاني): أنهم على كل تقدير من هذه التقديرات يجعلون وجوده مشروطًا بوجود غيره الذي ليس هو مبتدعًا5له، فإن وجود الكليات في الخارج مشروط بالجزئيات، ووجود المادة مشروط بالصورة، وكذلك بالعكس.
ووجود الأعيان مشروط بثبوتها المستقر في العدم، فيلزمهم على كل
تقدير أن يكون واجب الوجود مشروطًا بما ليس من مبتدعاته1، وما كان وجوده موقوفًا على غيره الذي هو ليس مصنوعًا له2لم يكن واجب الوجود بنفسه، وهذا بين.
(الثالث): أن هذا الكلام يعود عند التحقيق إلى أن يكون وجود الخالق عين وجود المخلوقات، وهم يصرحون بذلك لكن يدعون المغايرة بين الوجود والثبوت، أو بين الوجود والماهية أو3بين الكلي والجزئي، وهو المغايرة، و4بين المطلق والمعين5، فلهذا كانوا يقولون بالحلول، تارة يجعلون الخالق6حالًا في المخلوقات، وتارة محلًا لها، وإذا حقق الأمر عليهم بعدم المغايرة كان7حقيقة قولهم أن الخالق هو نفس المخلوقات، فلا خالق ولا مخلوق، وإنما العالم واجب الوجود بنفسه.
(الرابع): أنهم يقرون بما يزعمونه من "التوحيد" عند8التعدد في صفاته الواجبة، وأسمائه، وقيام الحوادث به، وعن كونه جسمًا أو جوهرًا، ثم هم عند التحقيق يجعلونه عين الأجسام المتخيلة9الكائنة الفاسدة المتقذرة10ويصفونه بكل نقص كما صرحوا بذلك.
و11قالوا ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات؟ وأخبر بذلك عن نفسه، وبصفات النقص12، وبصفات الذم، وقالوا: العلي لذاته هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفًا وعقلًا وشرعًا، أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا،
وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة، فهو متصف عندهم بكل صفة مذمومة، كما هو متصف بكل صفة محمودة، وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع1، فإن أمرهم أعظم من أن يبسط هنا، ولكن المقصود التنبيه على تشابه رؤوس الضلال، حتى إذا فهم المؤمن قول أحدهم أعانه على فهم قول الآخر، واحترز منهم، وبين ضلالهم لكثرة ما أوقعوا في الوجود من الضلالات.2
فابن عربي بزعمه: إنما تجلي الذات عنده هو شهود3وجود4مطلق، هو وجود الموجودات مجردًا مطلقًا لا اسم له ولا نعت، ومعلوم أن من تصور هذا لا يمكن أن يحصل له عنه خطاب، فلهذا زعم أن عند تجلي الذات لا يحصل خطاب، وأما أبو حفص السهروردي فكان أعلم بالسنة، وأتبع للسنة من هذا، وخيرًا منه، وقد رأى أن ما جاءت به الأحاديث من أن الله يتجلى لعباده، ويخاطبهم حين تجليه لهم5، فآمن بذلك6لكن ابن عربي في فلسفته أشهر من هذا في سنته.
ولهذا كان أتباعهما1يعظمون ابن العربي2عليه، مع إقرارهم بأن السهروردي أتبع للسنة، كما حدثني الشيخ الملقب بحسام الدين3القادم علينا4السالك طريق ابن حمويه5الذي يلقبه أصحابه سلطان الأقطاب، وكان عنده من التعظيم لابن عربي وابن حمويه والغلو فيهما أمر عظيم، فبينت له كثيرًا مما يشتمل عليه كلامهما من الفساد والإلحاد والأحاديث المكذوبة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجرى في ذلك فصول، لما كان عنده من التعظيم مع عدم فهم حقيقة أقوالهما، وما تضمنته من الضلالات، وكان مما حدثني عن شيخه الطاووسي6الذي كان بهمدان عن سعد الدين ابن
حمويه أنه قال: محي الدين ابن عربي بحر لا تكدره الدلاء! ! و1لكن نور المتابعة النبوية التي2على وجه الشيخ شهاب الدين السهروردي شيء آخر.
فقلت له: هذا كما يقال: كان هولاكو3ملك الكفار ملكًا عظيمًا4، لكن نور الإسلام الذي على شهاب الدين غازي5صاحب ميافارقين شيء6آخر.
فإنهم كانوا يعظمون ابن عربي، لأن الشيخ شهاب الدين لم يكن متمكنًا من معرفة السنة ومتابعتها، وتحقيق ما جاءت به الرسل كتمكن ابن عربي في طريقه التي سلكها، وجمع فيها بين الفلسفة والتصوف، وهؤلاء إنما يقطع دابرهم المباينة لله1بين الخالق والمخلوق، وإثبات تعينه منفصلًا عن المخلوق، ترفع إليه الأيدي بالدعاء، وإليه كان معراج الأنبياء.