[احتياج البيوع إلى الصدق]
فعامة البيوع المباحة تحتاج إلى الصدق، وهو محض الحق، وبذل النصح، وتفسد بالكذب، وكتمان العيب أو النقص، وهذا عين الخيانة، وأصل الغش.
والبيع تارة يكون مباحًا، كرجل احتاج إلى ثمن شيء فباعه، لا يريد بذلك إلَّا الثمن، لنفقة واجبة، أو مصلحة ظاهرة، وتارة يكون البيع واجبًا، كطعام يجب بذله لمحتاج إليه بثمن المثل، لا وكس1ولا شطط.2
## [النهي عن تلقي الركبان] ولهذا: "نهي عن تلقي الركبان" الحديث3، وأثبت له الخيار إذا بلغ السوق.
ولهذا كان مذهب أكثر الفقهاء على أنَّه نُهي عن ذلك من أجل ضرر
البائع هنا، لأنه إذا لم يكن عرف قيمة المثل، ولا درى السعر بالحاضر، وتُلقيت منه السلعة، فاشتريت بمبلغ لعله دون القيمة، فأثبت له الخيار إذا بلغ السوق. وفي الخيار هنا أقوال: منها أنَّه يثبت له الخيار إذا غبن في البيع، واليه ذهب أحمد، والثاني: أنَّه يثبت مطلقًا، وبه قال الشافعي وأكثر أهل العلم، وهو أظهر قوله.1
وقال طائفة: إنما نهى من أجل ضرر المشتري، لأنه إذا اشتراه بثمن لا يبيعه في السوق إلَّا بزيادة، فيغلو على المحتاج إليه2، فكأنه - عليه السلام - أراد أن يشتريه من يحتاجه بغير واسطة، لئلا يتضاعف الربح فيغلو.
وفي الجملة فقد نهى فضلًا للمصلحة، فإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البيع الَّذي هو حلال الجنس، حتَّى يعرف السعر البائع، ويتحقق
المشتري السلعة، وصاحب القياس الفاسد يقول للمشتري: أن يشتري ما شاء أين شاء! ! وقد اشترى يرضى البائع.
والشارع رعى المصلحة العامة، لأن الجالب إذا لم يعرف السعر، ولا أخبر بثمن المثل، كان المشتري قد غرَّه، وليس ذلك من الصدق والنصح في شيء، إنما هو خيانة وغش، فإن أضاف إليها كذبًا صريحًا مثل أن يقول: قد أعطيت فوق ما يساوي في سوقه، لأجل حاجتي إلى ذلك، ونحو هذا مما يستعمله من لا عناية له بمطعمه ومشربه، ومن جل قصده تثمير المال، والمفاخرة والمكاثرة بحسن المخادعة في البيوع، وكل ذلك محرم محذور.
ولذلك ألحق مالك وأحمد كل سليم الصدر في الفهم، لا يساوم، ولا يماكس1بالجالب، فلا يؤخذ من هؤلاء إلَّا قيمة المثل، وأن يقنع في معاملتهم بأيسر الربحين، لأنهم جاهلون2بالسعر، والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا تبع للعلم، وأما إذا لم يعلم المشتري بسعر المبيع، ولا الجيد من جنسه، فاستسلم للبائع، فإنما رضاه باختياره له، وليس ذلك الرضا المشترط في صحة البيع.
وأما إذا علم أنَّه غبن في المشترى، ودلس عليه في جنسها ورضي، فهذا لا بأس به، لأنه يجوز للعبد أن يترك بعض حقه، وهو يقدر على استيفائه، وإذا أخذ منه ثمن المثل ولم يرض، لم يلتفت إلى سخطه.
ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن يعلم العيب والتدليس3، فإن الأصل في السلعة الصحة، وأن يكون الظاهر كالباطن، فإذا اشترى على ذلك اعتبر رضاه، فإذا اطلع على عيب أو غبن، فهو كالجالب الجاهل بقيمة المثل إن
وجد عيبًا، وكالمشتري من الجالب جاهل الصفة، فثبت له الخيار حفظًا للجانبين، فإن المشتري إذا علم عيبًا في المبيع، أو غبن في الثمن، قد يرضى وقد لا يرضى، فإن لا يرضى فله فسخ البيع. ففي الصحيحين عن حكيم بن حزام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما) الحديث.1
## [دفع الضرر] وفي السنن: (أن رجلًا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة، فشكى ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمر صاحب الجرة أن يتبرع إن شاء، أو يأخذ من ملك الرجل شجرة بدلها، فأبى إلَّا قطعها، أو الدخول عليه من أجلها، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أنت مضار").2
وحاجة الناس إلى الطعام والشراب واللباس وآلات الحرب، مما يستعان به على الجهاد، وما لا تتم المصالح إلَّا به، أكبر من حاجة هذا الرجل إلى حفظ أرضه.
فلهذا أمروا بالعدل في البيوع، والصدق في المعاملات، ليكون ذلك سبب سماح نفس صاحب السلعة ببيعها، ورغبة المحتاج إلى شرائها، فهذا وجه الحكمة في قوله: "بورك لهما في بيعهما".
فلو أن إنسانًا غبن في سوق مرة على إثر أخرى، حمله ذلك على أن لا يحمل إليه سلعة، ولا يعامل فيه مخلوقًا، فجر ذلك ضررًا وأثر فسادًا.
ولهذا يعين على الإمام أنهم إذا كانوا لا يتبايعون الطعام بثمن معروف، سعر لهم فيما يحفظ حرمة البائع والمشتري، وهو بيع الطعام بثمن المثل، وقيمة العدل، لا شطط ولا وكس.
فصل قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)﴾ [الإنسان: 8، 9].