طلب الرزق والمعاش من الإحسان
: ويذكر أن الأنصار - رضي الله عنه - كان غالب عملهم هو الزراعة، وذكر الحديث الصحيح في فضل الغرس والازدراع، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يزرع زرعًا، أو يغرس غرسًا، فيأكل منه طير، أو سبع، أو حيوان، إلا كان له صدقة".
كما ذكر أن الصحابة رضوان الله عليهم كانت لهم أسباب ومعايش شتى، مع كثرة جهادهم وغزوهم، ولكنهم كانوا كما قال قتادة رحمه الله: "كان القوم يتبايعون، ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله، لم تلههم تجارة، ولا بيع عن ذكر الله، حتى يؤدونه إلى الله.. ".1 ## فقه الحلال والحرام من الإحسان: وقد سبق طرف من الكلام في ذلك، والمصنف هنا يركز على حال الصحابة الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين فيقول: "ولا خلاف أن الصحابة كانت لهم أسباب، ومعائش شتى، مع كثرة اشتغالهم بالغزو، الذي هو من أشد الأعمال على النفوس، وكان تورعهم واجتهادهم وفقههم الذي يتدارسونه بينهم معرفة الحلال والحرام، في المآكل والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، ونحو ذلك، وكانوا يرجعون في ذلك كله إلى الكتاب والسنة، ويستفتون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حال حياته، ويسأل بعضهم بعضًا عن سنته بعد وفاته، حتى حفظ عنهم في باب المعاملات ما قطع حجة كل أفاك أثيم، وعرف من شعارهم ما لو تمسكنا به لم نعدل عن النهج القويم، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.. ".2
فأما سؤال الصحابة رضوان الله عليهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته، فيضرب له المصنف مثالًا بقصة ذي النورين عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، حين سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أجرة الكيل، هل هي على البائع أو على المشتري؟.1
وأما سؤالهم رضوان الله عليهم لبعضهم عن سنته وهديه بعد موته، فيستشهد المصنف بقصة البراء بن عازب وزيد بن أرقم في الصرف.2
## أكل الحلال من الإحسان: بذكر المصنف في هذا المقام الحديث العظيم الذي رواه البخاري في صحيحه، وبوَّب به له بابًا قال فيه: باب من لم يبال من أين يكسب المال، عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء من أين أخذ المال، من حرام، أم من حلال".3
وإن المتأمل اليوم ليجد أن هذا الحديث الريف من أمارات نبوته - صلى الله عليه وسلم -، حين يرى تكالب الناس والشركات على تحصيل الربح وأخذ المال من أي طريق كان، وإن آخر شيء يفكر فيه هؤلاء القوم هو أحلال ما صنعوه أو حرام! !.