أولًا: مناقشة الفلاسفة:
من أهم القضايا التي ناقش المصنف فيها الفلاسفة قولهم: "إن سعادة الإنسان أن بعلم الوجود على ما هو عليه"2، "حتى يصير الإنسان عالمًا مطابقًا للعالم الموجود"3فالعلم هو الذي تتحقق به السعادة عند الفلاسفة، وليس هو العلم الشرعي المأثور عن الأنبياء والمرسلين، ولكنها الفلسفات العقيمة التي تورث الحيرة والشك.
وبين رحمه الله أن العلم وحده لا يكفي أبدًا في تحقيق السعادة، دون أن يقود صاحبه إلى محبة الله عز وجلّ، والعمل بمرضاته.
وفي هذا يقول رحمه الله: "وليس صلاح الإنسان ونفسه في مجرد أن يعلم الحق دون أن لا يحبه ويريده ويتبعه.
كما أنه ليست سعادته في أن يكون عالمًا بالله مقرًا بما يستحقه، دون أن يكون محبًا لله عابدًا لله مطيعًا لله، بل أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فإذا علم الإنسان الحق وأبغضه وعاداه كان مستحقًا من غضب الله وعقابه ما لا يستحقه من ليس كذلك، كما أن من كان قاصدًا للحق طالبًا له -وهو جاهل بالمطلوب وطريقه- كان فيه من الضلال، وكان مستحقًا من اللعنة -التي هي البعد عن رحمة الله- ما لا يستحقه من ليس مثله.
ولهذا أمرنا الله تعالى أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾ [الفاتحة: 6 - 7]، والمغضوب عليهم علموا الحق فلم يحبوه ولم يتبعوه، والضالون قصدوا الحق لكن بجهل وضلال به وبطريقه، فهذا بمنزلة العالم الفاجر، وهذا بمنزلة العابد الجاهل، وهذا حال اليهود فإنهم مغضوب عليهم، وهذا حال النصارى فإنهم ضالون.. ".1 بل إن المصنف -كعادته دائمًا- حين يقارن بين المذاهب والنحل والأديان والفرق، ويذكر أيها أقرب إلى الحق، ينتقد الفلاسفة انتقادًا عنيفًا، ويقول عنهم: إنهم أسوأ حالًا من اليهود والنصارى، لأنهم جمعوا بين جهل النصارى وضلالهم، وبين فجور اليهود وظلمهم. ثم يُذكِّر أن هؤلاء الفلاسفة بمعزل عن العلم الإلهي الذي تنال به السعادة، الذي جاء به الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأن جهلهم أكبر من علمهم، وضلالهم أكبر من هداهم.2
ومن المسائل الهامة التي عرض لها المصنف خلال مناقشته، مسألة وجود الله، التي يسميها الفلاسفة واجب الوجود، ولم يفته -وهو العالم المنصف- أن يذكر أن كلامهم في هذا المقام لم يخل من بعض الحق رغم قلته، ولكن الباطل فيه أكثر، والفساد عليه مهيمن.
ولقد أماط المصنف اللثام عن حقيقة كلام الفلاسفة في كثير من القضايا التي تكلموا فيها، وبين أن كلامهم لا حقيقة له في الواقع البتة، وإنما هو أفكار وأوهام تدور في العقول، ويظن أصحابها خطأً أنها واقعة في الوجود. وذكر أن كلامهم: "يعود عند التحقيق إلى أمور مقدرة في الأذهان، لا حقيقة لها في الأعيان".1
كما نبَّه المصنّف على أن كلام الفلاسفة -في العقول والنفوس2- فيه من الشرك واتخاذ الأنداد، ما هو أقبح من كلام النصارى في التثليث بكثير.3
أما النبوات، فيذكر المصنف أن المتقدمين منهم ليس لهم كلام فيها، وأما المتأخرون منهم فحائرون فيها، فبعضهم يكذب بها، وبعضهم يصدق بها، ومن هؤلاء مقدمهم ابن سينا، ولكنهم يجعلون النبي بمنزلة ملك عادل، ويجعلون الوحي الذي تكون به النبوة من جنس ما يقع لبعض الصالحين من الكف والتأثير والتخيل.4
وعند كثير من الفلاسفة يكون الفيلسوف أفضل من النبي كما قال الفارابي، وقد يقول بعض هؤلاء: إن النبوة قد تكون أفضل بالنسبة للجمهور والعامة، لا عند الخاصة.5
وعند هؤلاء أن الرسل عليهم السلام: "خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لا حقيقة لها في الباطن، وإنما هي أمثال مضروبة لتفهيم حال النفس بحد المفارقة، وما أظهروه لهم من الوعد والوعيد، وإن كان لا حقيقة له، فإنما تعلق لمصلحتهم في الدنيا، إذ كان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريق.. ".6
وأخيرًا يصف المصنف رحمه الله كلامهم بأنه عبارة عن: "لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل.. ".1 ## ثانيًا: مناقشة غلاة المتصوفة: من العقائد الكفرية التي يعتقد بها بعض المتصوفة، اعتقادهم أن المرء إذا وصل إلى درجة من العبادة والرياضة الروحية، تسقط عنه التكاليف، ولِم يعد يخاطب بحلال ولا بحرام، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾ [الحجر: 99]. وقد رد المصنف على هؤلاء بأن اليقين في هذه الآية هو الموت، واستدل على ذلك، واعتبر هذا القول من أقوال ملاحدة الفلاسفة.2
وحين عرج المصنف على موقف الفلاسفة من النبوات، عرج أيضًا على مواقف بعض غلاة المتصوفة الذين صدقوا بالنبوة، ولكن كان ذلك لغايات خبيثة في نفوسهم، وهي تواطؤهم على إلغاء عقيدة ختم النبوة، وإن اختلفت أساليبهم في ذلك.
فبينما كان يحاول ويجهد ابن سبعين المغربي -وأمثاله- في الرياضات الشاقة، ويخلو في غار حراء، طالبًا للنبوة، وساعيًا في اكتسابها، حيث إن النبوة عند هؤلاء ليست اصطفاءًا واختيارًا، وإنما هي رياضة ومجاهدة واكتساب، نرى إمام الغلاة محيي الدين ابن عربي يلجأ إلى أسلوب آخر، أشد خطورة، وأخبث مسلكًا.
وذلك باختراعه خاتم الأولياء بزعمه، فابن عربي يقر أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - هو خاتم الأنبياء والمرسلين، ولكنه يقول: إن الأولياء كالأنبياء لهم خاتم، وكما أن خاتم الأنبياء هو أفضل الأنبياء، فكذلك خاتم الأولياء هو أفضل الأولياء، وليس ذلك فحسب، بل إن خاتم الأولياء أفضل وأعظم من خاتم الأنبياء، لأن النبي يأخذ بواسطة الملك، وأما الولي فيأخذ عن الله من غير واسطة، وقد ادعوا أن جميع الأنبياء والمرسلين يستفيدون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء.3
وقد بين المصنف أن حقيقة قول هؤلاء الغلاة من المتصوفة -وقول الفلاسفة الذي سبق ذكره- هو قول الدهرية الطبعية، الذين ينكرون واجب الوجود، ويقولون: إن العالم نفسه هو واجب الوجود.1
ثم أطال المصنف النفس قليلًا لمناقشة مذهب ابن عربي، وبيَّن أن مذهبه يجمع بين التعطيل والاتحاد، وذكر أن حقيقة الرب عنده "وجود مجرد لا اسم له ولا صفة، ولا يمكن أن يرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام قائم به، ولا علم، ولا غير ذلك، ولكن يرى ظاهرًا في المخلوقات، متجليًا في المصنوعات، وهو عنده عين وجود الموجودات".2
ويذكر المصنف أن الأصل الفاسد الذي بنى عليه ابن عربي مذهبه في وحدة الوجود، هو غلط المناطقة الذين اعتمد كلامهم.
وبين أن قولهم في هذا المقام على عكس قولهم في النبوات.
يقول عن ذلك: "وإنما أتي فيه هؤلاء من حيث إنهم تصوروا في أنفسهم معاني كلية مطلقة، فظنوا أنها موجودة في الخارج، فضلالهم في هذا عكس ضلالهم في أمر الأنبياء، فإن الأنبياء شاهدت أمورًا خارجة عن أنفسهم، فزعم هؤلاء الملاحدة أن تلك كانت في أنفسهم.
وهؤلاء الملاحدة شهدوا في أنفسهم أمورًا كلية مطلقة فظنوا أنها في الخارج، وليست إلا في أنفسهم، فجعلوا ما في أنفسهم في الخارج وليس فيه، وجعلوا ما أخبرت به الأنبياء في أنفسهم، وإنما هو في الخارج، فلهذا كانوا مكذبين بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء مدعين أن ما يبصرونه في خيالهم هو من جنس الغيب الذي أخبرت به الأنبياء.. ".3 وهذا ملحظ رائع مهم في تناقض هؤلاء وعكسهم للحقائق، فقد تخيلوا أشياء في أنفسهم ظنوها حقائق خارجية.
ولهم تشبيهات -أعني غلاة المتصوفة من أصحاب الحلول وأصحاب عقيدة وحدة الوجود- لوجود الله عزّ وجلّ بالنسبة لوجود المخلوقات، حيث يقول المصنف: "ثم جعلوا وجود الرب الخالق للعالمين، البائن عن مخلوقاته أجمعين، هو من جنس وجود الإنسانية في الأناسي، والحيوانية في الحيوان، أو ما أشبه ذلك، كوجود المادة في الصورة، أو الصورة في المادة، أو كوجود الوجود في الثبوت -عند من يقول: المعدوم شيء- فإنهم أرادوا أن يجعلوه شيئًا موجودًا في المخلوقات مع مغايرته لها، فضربوا له مثلًا تارة بالكليات، وتارة بالمادة أو الصورة وتارة بالوجود المغاير لثبوت، وإذا مثلوه بالمحسوسات مثلوه بالشعاع في الزجاج، أو بالهواء في الصوفة، فضربوا لرب العالمين الأمثال، فضلوا فلا يستطيعون سبيلًا".1
ثم يبين ضلالهم وانحرافهم عن الحق من عدة وجوه: الأول: إن تمثيلاتهم السابقة -سواء تمثيلهم المادة مع الصورة، أو الكليات مع الجزئيات، أو الوجود مع الثبوت- ترجع عند التمحيص والتحقيق إلى شيء واحد، لا شيئين، فجعلوا الواحد اثنين، والاثنين واحدًا.2
أي أنهم جعلوا المادة والصورة، أو الكليات والجزئيات -وهي في الحقيقة شيء واحد- شيئين اثنين، وجعلوا وجود الله عزّ وجلّ ووجود مخلوقاته -وهما شيئان مختلفان- شيئًا واحدًا.
الثاني: أنهم جعلوا وجود الله عزّ وجلّ -من خلال التمثيلات السابقة- مشروطًا بوجود غيره الذي ليس مبدعًا له، فإن وجود المادة مشروط بالصورة والعكس، ووجود الكليات مشروط في الخارج بالجزئيات، ووجود الأعيان مشروط بثبوتها المستقر في العدم، فيلزمهم على كل هذه التقديرات والتمثيلات أن يكون واجب الوجود مشروطًا بما ليس هو من مبتدعاته، ومعلوم أن ما كان وجوده موقوفًا على غيره الذي
ليس هو مصنوعًا له لم يكن واجب الوجود بنفسه.1
الثالث: أن كلامهم يعود عبد التحقيق إلى أن يكون وجود الخالق -جل وعلا- عين وجود المخلوقات، وهم يصرحون بذلك، لكنهم يقولون: إن هناك تغايرًا بين الوجود والثبوت، أو بين الكل والجزء، أو المطلق والمعين، ولذلك كانوا يقولون بالحلول، فيجعلون الخالق تارة حالًا في المخلوقات، وتارة محلًا لها، وعند التحقيق في قولهم وإبطال هذه المغايرة، يكون معنى قولهم وحقيقة أن الخالق هو نفس المخلوقات، فلا خالق ولا مخلوق، وإنما العالم واجب الوجود بنفسه.2
الرابع: أن هؤلاء يقرون بما يزعمونه من التوحيد عند التعدد في صفاته الواجبة وأسمائه، وقيام الحوادث به، وعن كونه جسمًا أو جوهرًا، ولكنهم عند التحقيق يجعلونه عين الأجسام المتخيلة الكائنة الفاسدة المتقذرة، ويصفونه بكل نقص كما صرحوا بذلك. وقالوا: إنه يظهر بصفات المحدثات، وبصفات النقص، وبصفات الذم. وقالوا: العلي لذاته هو الذي يكون له الكمال، ولكن ما هو الكمال يا ترى عند هؤلاء الغلاة من المتصوفة؟. قالوا: إنه الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفًا وعقلًا وشرعًا، أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة، فهو متصف عندهم بكل صفة مذمومة، كما هو متصف بكل صفة محمودة.3
وفي الختام فإن المصنف يرى أن دابر هؤلاء وكفرهم وضلالهم لا يقطعه إلا المباينة بين الخالق والمخلوق، وأن هناك خالقًا منفصلًا عن المخلوق ترفع إليه الأيدي بالدعاء، وإليه كان معراج خاتم الأنبياء.4