الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي[كيفية جهاد المنافقين]

كما قال بعض السلف: "ما أسر أحد سريرة، إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه".2
وقد قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: 30] # فأقسم أنه لا بد أن يعرفهم في لحن القول#3فإذا أظهر المنافق من ترك الواجبات، وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة، عوقب على الظاهر، ولا يعاقب على ما يعلم من باطنه بلا حجة ظاهرة.
ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم من المنافقين من عرفه الله

بهم، وكانوا يحلفون له وهم كاذبون، وكان يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى.
وأساس النفاق الذي يبنى1عليه الكذب، والمنافق لا بد أن تختلف سريرته وعلانيته، وظاهره وباطنه.
ولهذا يصفهم الله [في كتابه]2بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق.
قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 10].

#وقال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)﴾ [التوبة: 77] #.3 وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]، ومثل4هذا كثير.

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)﴾ [الحجرات: 15].
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)﴾ [البقرة: 177]. وبالجملة: فأصل هذه المسائل، أن تعلم أن الكفر نوعان، كفر ظاهر، وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام الدار5الآخرة، كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا، فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين.

وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله، بقلبه أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا لا1صلاة، ولا زكاة، ولا صيامًا، ولا عير ذلك من الواجبات # ولو قدر أنه يؤدي الواجبات#2لا لأجل أن الله أوجبها، مثل من3يؤدي الأمانة، أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر.
فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -4، مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد - صلى الله عليه وسلم -. ومن قال بحصول الإيمان الواجب، بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازمًا للإيمان5أو جزءًا منه، فهذا نزاع لفظي، كان مخطئًا خطأً بينًا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف6، والصلاة فهي7أعظمها وأعمها8، وأولها وأجلها.9

جارٍ التحميل