[المراد بالزنديق عند الفقهاء]
ومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يسمى الزنديق في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة ونقلة مقالات الناس.
ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول، لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك [أو]2أسره، وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله أخبر بزيادة الكفر، كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] أو3تارك الصلاة وغيرها من الأركان أو مرتكبي
الكبائر كما أخبر بزيادة عذاب [بعض]1الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: 88].
فهذا أصل ينبغي معرفته فإنه مهم في هذا الباب، فإن كثيراً ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر لتكفير أهل الأهواء لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام2، ومن تدبر هذا علم أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع، قد يكون مؤمنًا مخطئاً جاهلاً ضالاً عن بعض ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد يكون منافقاً زنديقاً يظهر خلاف ما يبطن.
و[هنا]3أصل آخر، وهو أنه جاء في الكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان فقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)﴾ [الحجرات: 14].
وقال تعالى في قصة لوط: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: 35، 36]. وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الآية تقتضي أن مسمى الإسلام والإيمان4واحد، وعارضوا بين الآيتين، وليس كذلك، بل هذه الآية توافق الآية الأولى، لأن الله تعالى أخبر أنه أخرج من كان فيها مؤمناً وأنه لم يجد إلا أهل بيت من المسلمين، وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين، ولم تكن من المخرجين الذين نجوا، بل كانت من الغابرين الباقين في العذاب.