أهل الأثرالأرشيف العلمي

ثالثًا: مولده ونشأته وشيوخه ومكانته العلمية في نظر معاصريه:

في هذه الأجواء الأسرية العلمية ولد شيخ الإسلام رحمه الله (سنة 661 هـ) بحرَّان في العاشر من شهر ربيع الأول، وفي (سنة 667 هـ) ارتحل به أبوه وأهله وأقاربه خوفًا من جور التتار، يحملون الذرية والكتب على عجلة تجرها البقر، وقد كلَّت البقر من ثقل العجلة، وتوقفت عن السير، وكاد يدركهم العدو، ولجأوا إلى الله عز وجل، فسارت البقر، وأنقذهم الله عزّ وجلّ من عدوهم، ووصلوا إلى دمشق آمنين.1
وقد مر أن والده الشيخ عبد الحليم ابن تيمية لما وصلوا إلى دمشق عرف الناس وأهل العلم فضله ومكانته، وأنه تولى مشيخة دار الحديث السُّكرية، وكان يلقي دروسًا في الجامع.
وفي دمشق الفيحاء نشأ شيخ الإسلام في حجر والده، مكبًا على التعلم، وأخذ عنه كثيرًا، وقد كان والده حريصًا على تشجيعه، ورصد المكافآت المالية له في صغره، لترغيبه في الحفظ والعلم2، وأخذ عن جمع كبير من العلماء في عصره، وقد ذكر أن عدد شيوخه الذين أخذ عنهم يربو على مائتي شيخ3، ومن هؤلاء الشيوخ: 1 - والده الشيح عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية.
2 - زين الدين أحمد بن عبد الدائم المقدسي (ت 688 هـ). 3 - تقي الدين إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر التنوخي (ت 672 هـ). 4 - شمس الدين عبد الرحمن بن قدامة المقدسي الجماعيلي الحنبلي (ت 682 هـ). 5 - شمس الدين عبد لله بن محمد بن عطاء الحنفي (ت 673 هـ). 6 - شرف الدين محمد بن عبد المنعم بن القواس (ت 683 هـ).4

ولم يكتف شيخ الإسلام بشيوخ عصره، بل أخذ عن الشيوخ المتقدمين، والعلماء السالفين، الذين لم يدركهم، فطالع مصنفاتهم، واستظهر مؤلفاتهم.
ويبدو للناظر أن سرَّ عظمة شيخ الإسلام وبلوغه في العلم والمكانة شأوًا لا يكاد يلحق فيه، ليس بسبب شيوخه ومعلميه، بقدر ما هو نبوغه وذكاؤه المفرطين اللذين كان يرعاهما توفيق الله عزّ وجلّ وعنايته.
وقد أعطى الله هذا الإمام ذاكرة قد بلغت في الحفظ والقوة والإتقان غاية لم يكد يصل إليها أحد من الناس -إلا قليلًا- وزاد من ذلك حرص عجيب على التحصيل، وصرف الوقت والجهد في الطلب، ومتى اجتمع هذان الأمران في شخص كان من أكابر العلماء البارزين.
يقول الإمام الذهبي رحمه الله: "وبرع في الحديث وحفظه، فقلَّ من يحفظ ما يحفظه من الحديث.. ".1 وقال أيضًا - صلى الله عليه وسلم -: "وكانت له خبرة تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، وهو عجيب في استحضاره واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند، بحيث يصدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث.. ".2 ويقول عه تلميذه الحافظ البزار رحمه الله: "وأمده الله بكثرة الكتب وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم، وبطء النسيان.. ".3 وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله بعد أن ساق عبارة قريبة من عبارة الحفاظ البزار: "حتى قال غير واحد: إنه لم يكن يحفظ شيئًا فينساه.. ".4

وقد ظهرت مخايل الذكاء والنجابة والعبقرية على الشيخ وهو صغير، فقد ذكر أن أحد علماء حلب قدم دمشق لاستطلاع حال هذا الفتى الصغير الذي وصلت شهرته في الحفظ إلى خارج دمشق، وأجرى له امتحانًا عسيرًا في الحفظ، وأعاد الامتحان، وكانت النتيجة ذكاءًا مفرطًا وحفظًا عجيبًا وذاكرة نادرة، ثم تُوِّج ذلك الامتحان بشهادة زكية حين قال: إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإن هذا لم ير مثله1! ! !. وقد تحققت توقعات هذا الشيخ -وتوقعات كثيرين معه في هذا المجال- وصار لذلك الفتي الصغير شأن وأي شأن، وصدق الله حيث يقول: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]. ولقد عرف شيخ الإسلام وهو صغير الدعوة إلى الله عزّ وجلّ، ومن ذلك ما ذكر من إسلام يهودي على يديه، حيث كان يمر به ويثير عليه أسئلة وشبهات، وكان شيخ الإسلام يجيب عنها مع صغر سنه.2
ولقد برع شيخ الإسلام في كافة العلوم كالفقه والأصول، والتفسير وعلوم القرآن، والتوحيد والفرق والأديان والنحل، والحديث وعلومه، واللغة والبلاغة والأدب والشعر، والفلسفة والمنطق وعلم الكلام، والتاريخ وأيام الناس، بل إنه ليضرب بنصيب وافر في علم الحساب، والهندسة، والجبر والمقابلة، والفلك، والطب، والكيمياء، والجغرافيا، وغيرها من العلوم.3

ولكي ندرك شيئًا من المكانة العلمية التي وهبها الله عزّ وجلّ لشيخ الإسلام، فلا بأس بفسح المجال لرأي ثلة من علماء الأمة في علم شيخ الإسلام وتبحره في كافة العلوم على حد سواء.
يقول الشيخ الحافظ العلامة تقي الدين بن دقيق العيد لما سئل عن ابن تيمية؛ وكاد قد اجتمع به: "رأيت رجلًا سائر العلوم بين عينيه، يأخذ ما شاء منها، ويترك ما شاء.. ".1 ويقول عنه شيخ المحدثين في عصره؛ وأستاذ أئمة الجرح والتعديل في زمانه أبو الحجاج المزي: "ما رأيت مثله، ولا أرى هو مثل نفسه، ما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنّة رسوله، ولا أتبعه لهما منه".2

ويقول الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني: "كان إذا سئل عن فنٍّ من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، ولا يُعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا يتكلم في علم من العلوم سواء كان من علوم الشرع أو غيرها إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.. ".1 ويقول الحافظ ابن سيد الناس: "ألفيته ممن أدرك من العلوم حظًا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه، وذو روايته، أو حاضر بالنحل والملل لم يُر أوسع من نحلته، ولا أرفع من درايته.
برز في كل فنٍّ على أباء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه.. ".2 وقال الشيخ عماد الدين الواسطي، وقد تُوفي قبل الشيخ: "فوالله، ثم والله، لم ير تحت أديم السماء، مثل شيخكم ابن تيمية، علمًا، وعملًا، وحالًا، وخلقًا، واتباعًا... ".3 ويقول عنه تلميذه شيخ المؤرخين الإمام الذهبي: "كان آية في الذكاء وسرعة الإدراك، رأسًا في معرفة الكتاب والسنّة والاختلاف، بحرًا في النقليات، وهو في زمانه فريد عصره علمًا وزهدًا وشجاعة وسخاءً، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وكثرة تصانيف، وقرأ وحصل، وبرع في

الحديث والفقه، وتأهل للتدريس والفتوى، وهو ابن سبع عشرة سنة، وتقدم في علم التفسير والأصول، وجميع علوم الإسلام: أصولها وفروعها، ودقها وجلها سوى علم القراءات1، فإن ذكر التفسير فهو حامل لوائه،

..................................

وإن عبد في الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق، وإن حضر الحفاظ نطق وخرسوا، وسرد وأبلسوا، استغنى وأفلسوا، وإن سُمي المتكلمون فهو فردهم، وإليه مرجعهم، وإن لاح ابن سينا يقدم الفلاسفة فلَّهم وتيَّسهم، وهتك أستارهم، وكشف عوراهم، وله يد طولى في معرفة العربية والصرف واللغة، وهو أعظم من أن يصف كلمي، أو ينبه على شأوه قلمي.. ".1 وقد أنشد فيه الشيخ الحافظ كمال الدين ابن الزملكاني قوله: ماذا يقول الواصفون له... وصفاته جلت عن الحصر هو حجة لله قاهرة... هو بيننا أعجوبة الدهر هو آية للخلق ظاهرة... أنوراها أربت على الفجر2ولإمام النحاة في عصره الشيخ أبو حيان الأندلسي النحوي، شعر فائق يمتدح فيه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لما دخل الشيخ مصر واجتمع به، ومنه: لما رأينا تقي الدين لاح لنا... داعٍ إلى الله فردًا ما له وزر على محياه من سيما الأُلَى صحبوا... خير البرية نور دونه القمر حبر تسربل منه دهره حِبَرًا... بحر تقاذف من أمواجه الدرر قام ابن تيمية في نصر شرعتنا... مقام سيد تيم إذ عصت مضر فأظهر الدين إذ آثاره درست... وأخمد الشرك إذ طارت له شرر يا من تحدث عن علم الكتاب أصح... هذا الإمام الذي قد كان ينتظر3

وأقوال العلماء في الثناء عليه والمبالغة في مدحه كثيرة، لا يتسع المجال لذكرها في هذا المقام، وما ذكرته غيض من فيض، واكتفيت بذكر كلام بعض المعاصرين له يرحمه الله.
ويخرج المطالع للأقوال السابقة بعدة خصائص انفرد بها شيخ الإسلام، وشهد له بها المخالفون في الموافقين، ومن هذه الخصائص: 1 - الشمول والتبحر في جميع العلوم النقلية والعقلية، وإتقانه رحمه الله لمعارف عصره.
2 - تفوقه في معرفة المذاهب الأخرى والمخالفة، حتى إنه ليكاد يتفوق على أصحاب كل مذهب ونحلة ومخالف، في معرفة مذاهبهم ونحلهم وأقوالهم، واستفادتهم منه في ذلك المجال.
3 - كثرة تصانيفه وانتفاع الأمة بها، وقد يجد المرء غيره من المكثرين في التصنيف من العلماء، أما أن يجد الكثرة الكاثرة من المصنفات، والنفع والفائدة والبركة في جل تلك المؤلفات، فليست تلك المزية خالصة إلا لشيخ الإسلام رحمه الله.
4 - قوة حافظته، وإملاؤه لغالب مصنفاته من حفظه، وفي ذلك يقول تلميذه الحافظ أبو حفص البزار: "ومن أعجب الأشياء في ذلك، أنه في محنته الأولى بمصر، لما أخذ وسُجن، وحيل بينه وبين كتبه، صنف عدة كتب صغارًا وكبارًا، وذكر فيها ما احتاج إلى ذكره من الأحاديث والآثار، وأقوال العلماء وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم، وعزا كل شيء من ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم، وذكر أسماء الكتب التي ذكر فيها، وأي موضع هو منها، كل ذلك بديهة من حفظه، لأنه لم يكن عنده حينئذٍ كتاب

يطالعه، ونُقِّبَت واختُبرَت واعتُبرت فلم يوجد فيها بحمد الله خلل ولا تغير، ومن جملتها كتاب (الصارم المسلول على شاتم الرسول) وهذا من الفضل الذي خصه الله تعالى به.. ".1 ## رابعًا: دعوته وجهاده: إن شيخ الإسلام ليعلم علم اليقين أن ثمرة العلم هو العمل، والعلماء هم ورثة الأنبياء في تطبيق العلم بالعمل وتعليم الناس ذلك عن طريق القدوة الحية في حياتهم، وما لم يكن العالم عاملًا بعلمه داعيًا إلى الله عزّ وجلّ، فما فائدة العلم إذن؟. لقد أدرك شيخ الإسلام رحمه الله هذه الحقيقة تمام الإدراك، ولذا كانت حياته كلها صفحات مشرقة بالدعوة والتعليم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى قبضه الله إليه. فهو يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وربما خرج مع أصحابه إلى أهل المنكرات، من مروجي أم الخبائث، وكسَّروا أواني الخمور، وقاموا بتعزير جماعة منهم، وفرح الناس بذلك.2
"ولقد أقام الفضيلة والأخلاق عندما صار رجل دمشق، وحاكمها غير المتوج، عندما فر حكامها في سنة (699 هـ) وأصبح إنكار المنكر حقًا عليه بالفعل لا بالقول والقلب، إذ صار مبسوط اليد والسلطان فيها، فحطموا أوانى الخمر، وشقوا قربها، وأراقوا الخمور، وعزروا أصحاب الحانات المتخذة للفواحش، فلقي ذلك من العامة ترحابًا، إذ رأوا حكم القرآن ينفذ، وعهد الرسول يعود.. ".3 ولم يفت في عضده تآلب الحسدة والفسدة عليه، والوشاية به وشكايته عند السلطان، بسبب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، بل ظل على حاله غير آبه بمعاداتهم وتألبهم عليه.4

وها هو يحارب البدعة، ويناجز المبتدعين في دين الله عزّ وجلّ، ويعمل جهده لإقامة السنة، ونشرها بين الناس، فقد أنكر رحمه الله بعض الصلوات المبتدعة التي كان يجتمع عليها بعض الناس.1
وحين يتعلق الناس بأثر مبتدع، لا يقر له قرار حتى يغدو عليه وأصحابه، فينسفوه نسفًا، ومن ذلك صخرة كانت بنهر تزار وينذر لها، فأمر الحجارين بقطعها، وزال الشرك من هناك بزوالها.2
أما المبتدعة فهو رحمه الله يقيم عليهم الحجة أولًا، فإن أبوا الانصياع، وأصروا على المضي في طريق الابتداع، نابذهم وزجرهم وقهرهم بقوة الحق والسنّة. فمن ذلك إحضاره لشيخ مبتدع فتان، يدعى المجاهد إبراهيم القطان، وأمره بحلق رأسه، وتقليم أظفاره -وكانت طويلة جدًا- وحف شاربه، واستتابه من أكل الحشيشة، ومن قول الفحش. وبعده استحضر المدعو بالشيخ محمد الخباز البلاسي، واستتابه من أكل المحرمات ومخالطة أهل الذمة، وكتب عليه مكتوبًا أن لا يتكلم في تعبير المنامات ولا في غيرها بما لا علم له به.3
وأما إنكاره على المتصوفة فأمر أشهر من التفصيل فيه، فقد كبت متقدميهم وانتقدهم بالتأليف والتصنيف، وأما متصوفة عصره فقد لاقوا منه مقاومة عنيفة عصفت بهم في كثير من الأحيان، ومن ذلك إنكاره على دجاجلة البطائجة أو الأحمدية، الذين كانوا يتعاطون من الأحوال الشيطانية ما يحسبه الجهال والمعتقدون فيهم أنه من كرامات الصالحين، وبشارات المتقين، ففضح أسرارهم، وهتك أستارهم، وأظهر الله السنة على يديه، وأخمد بدعتهم، وأبطل فتنتهم.4

ومع ذلك فالعصر قد غلبت عليه الصوفية، ولقد سعى أربابها جاهدين في الإيقاع بشيخ الإسلام، ورأوا أنه أكبر عدو لهم، وأنه ما لم يتخلص منه، فلن تقوم لهم بعد اليوم قائمة، وقد تحقق لهم في إحدى المرات ما أرادوا، وأدخل الشيخ السجن بسببهم، فلبث فيه قدر سنتين.1
والعالم الرباني كالغيث متى وقع بأرض نفع، وهكذا كان شيخ الإسلام، ولم يكن لتضعف عزيمته في السجن، أو نفل إرادته، ولم يكن ليتخلى عن دعوته حتى وهو بين المجرمين وغيرهم من أصناف المحبوسين.
يقول تلميذه ابن عبد الهادي رحمه الله: "ولما دخل الحبس وجد المحابيس مشتغلين بأنواع من اللعب، يلتهون بها عما هم فيه، كالشطرنج والنرد، ونحو ذلك من تضييع الصلوات، فأنكر الشيخ عليهم ذلك أشد الإنكار، وأمرهم بملازمة الصلاة، والتوجه إلى الله بالأعمال الصالحة، والتسبيح، والاستغفار، والدعاء، وعلمهم من السنّة ما يحتاجون إليه، ورغبهم في أعمال الخير، وحضهم على ذلك، حتى صار الحبس بما فيه من الاشتغال بالعلم والدين خيرًا من الزوايا والربط والخوانق والمدارس، وصار خلق من المحابيس إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المترددون إليه، حتى كان السجن يمتلئ منهم.. ".2 أما الروافض والنصيرية فقد ذهب شيخ الإسلام إلى عقر دارهم في جماعة من أصحابه، واستتابوا خلقًا منهم، وألزموهم بشرائع الإسلام.
وحين نكثوا ما التزموا به، خرج شيخ الإسلام مع جيش المسلمين بقيادة نائب السلطان لغزوهم وقتالهم، فأنزل الله النصر عليهم، ومنحهم أكتاف عدوهم، وأبادوا منهم خلقًا كثيرًا، وقاتل شيخ الإسلام في تلك الغزاة بنفسه.3

وأما دعوته وجهاده مع النصارى فإن واقعة عساف النصراني الذي سب النبي - صلى الله عليه وسلم -، خير شاهد ودليل، ولئن أوذي شيخ الإسلام رحمه الله بسبب تلك الواقعة، فلقد أسفرت عن تأليف سفره العظيم: "الصارم المسلول على شاتم الرسول".1
وقد شارك رحمه اللهُ في فتح "عكا" واستنقاذها من أيدي الصليبيين، "وحدثوا أنهم رأوا منه في فتح عكة أمورًا من الشجاعة يعجز الواصف عن وصفها، قالوا: ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها، بفعله ومشورته وحسن نظره.. ".2 ولم تقف دعوة شيخ الإسلام عند حدود المخالفين من المنتسبين إلى المسلمين، بل كان لأصحاب الديانات الأخرى نصيب لا بأس به من دعوته، ومن ذلك إرساله كتابًا إلى ملك قبرص النصراني يدعوه فيه إلى الإسلام، ويبين فيه أن دين الأنبياء عليهم السلام واحد، ويذكر له تلبيسات القساوسة، وابتداعات الرهبان، ويناقشهم تفصيلات في دينهم، كإدخال الألحان في صلواتهم، وقد كان خطاب شيخ الإسلام لملك قبرص فياضًا باللين والسماحة والحكمة والموعظة الحسنة، فهو يبتدي خطابه للملك بقوله: "من أحمد بن تيمية إلى سرجوان عظيم أهل ملته، ومن تحوط به عنايته من رؤساء الدين، وعظماء القسيسين.. سلام على من اتبع الهدى.. وإنما نبه الداعي لعظيم ملته وأهله، لما بلغني ما عنده من الديانة والفضل، ومحبة أهل العلم وطلب المذاكرة... ونحن نحب الخير لكل أحد، ونحب أن يجمع الله لكم خير الدنيا والآخرة.. وأنا ما غرضي الساعة إلا مخاطبتكم بالتي هي أحسن، والمعاونة على النظر في العلم، واتباع الحق،

وفعل ما يجب.. وأصل ذلك أن تستعين بالله، وتسأله الهداية، وتقول: اللهم أرني الحق حقًا، وأعني على اتباعه، وأرني الباطل باطلًا، وأعني على اجتنابه.. والكتاب لا يحتمل البسط أكثر من هذا، لكن أنا ما أريد للملك إلا ما ينفعه في الدنيا والآخرة.. وأبو العباس (وهو أحد أسارى المسلمين) حامل هذا الكتاب، قد بث محاسن الملك وإخوته عندنا، واستعطف قلوبنا إليه، فلذلك كاتبت الملك لما بلغتني رغبته في الخير، وميله إلى العلم والدين، وأنا من نواب المسيح وسائر الأنبياء في مناصحة الملك وأصحابه.. والله المسئول أن يعين الملك على مصلحته التي هي عند الله المصلحة، وأن يخير له من الأقوال ما هو خير له عند الله، ويختم له بخاتمة خير، والحمد لله رب العالمين.. ". ولم ينس شيخ الإسلام أن يذكر ملك القبارصة النصارى أنه سعى عند التتار في فك جميع الأسرى من أهل الملة، ومن أهل الذمة من اليهود والنصارى، وأن ليس جزاء الإحسان إلا الإحسان، وأن على الملك ومن معه إطلاق أسرى المسلمين.
على أن شيخ الإسلام -وهو الداعي الحكيم- تأخذه العزة لله، والحرقة على مصاب أسرى المسلمين في قبرص، فيلجأ أحيانًا إلى لهجة التهديد، ونبرة الوعيد، وإن كان يحاول مزجها بشيء من الاعتذار، فهو يقول مثلًا: "فيا أيها الملك! ! كف تستحل سفك الدماء، وسبي الحريم، وأخذ الأموال بغير حجة من الله، ورسله، ثم أما يعلم الملك أن بديارنا من النصارى أهل الذمة والأمن ما لا يحصي عددهم إلا الله، ومعاملتنا فيهم معروفة، فكيف يعاملون أسرى المسلمين بهذه المعاملات التي لا يرضى بها ذو مروءة ودين؟ لست أقول عن الملك وأهل بيته ولا إخوته، فإن أبا العباس شاكر للملك ولأهل بيته كثيرًا.. أفتأمنون مع هذا أن يقابلكم المسلمون ببعض هذا، وتكونون مغدورين؟ والله ناصرهم ومعينهم، لا سيما في هذه الأوقات، والأمة قد امتدت للجهاد، واستعدت للجلاد، ورغب الصالحون وأولياء الرحمن في طاعته، وقد تولى الثغور الساحلية أمراء ذوو

بأس شديد.. ثم عبد المسلمين من الرجال الفداوية1الذين يغتالون الملوك في فرشها، وعلى أفراسها.. وأما ما عندنا في أمر النصارى، وما يفعل الله بهم من إدالة المسلمين عليهم، وتسليطه عليهم، فهذا مما لا أخبر به الملك، لئلا يضيق صدره ".2 وحين لاحظ شيخ الإسلام ازديادًا في النشاط التنصيري في عصره، ورأى أن بعض علمائهم قاموا يسيحون في الأرض لنشر ديانتهم، والتشكيك في دين الإسلام، ونشر الشبهات حوله، بادر رحمه الله إلى تأليف كتابه العظيم "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" الذي قوض به معالم النصرانية، وأطاح يه بعبادة الصليب، وأبان بجلاء ما احتوت عليه هذه الديانة من أكاذيب وأباطيل وخرافات، وأن المسيح عليه السلام بريء منها، وأنها مخالفة لدين الأنبياء جميعًا.3

وأما جهاده للتتار فهو الحلقة الأكثر بروزًا في صفحات جهاده المديدة، ولقد ظلت مأساة سقوط بغداد عام (656 هـ) على أيدي التتار صدمة عنيفة محفورة في ذاكرة كثير من المسلمين، ومع كسر شوكة التتار في موقعة عين جالوت سنة (658 هـ)، وانحسار موج التتار العاتي، إلا إن بعض فلولهم استطاعت من جديد أن توحد صفوفها، وبدأت بمحاولة لإعادة سلطان التتار الهمجي الذي يقوم على سفك الدماء، وإزهاق الأنفس، والسعي في إزالة دين الإسلام، بالتعاون مع أعداء المسلمين من يهود ونصارى وروافض ونصيريين.
وقد قام التتار في أواخر القرن السابع الهجري وأوائل القرن الثامن الهجري بعدة حملات على بلاد الشام -مع إسلام بعض أسلافهم، وادعائهم أنهم مسلمون- وروعوا الآمنين، ونهبوا الأموال، وسبوا النساء، وكانت وقعة قازان (ملك التتر) سنة (699 هـ) هزيمة مروعة للمسلمين.
وفي خضم هذه الأحداث العظام، والأمور الجسام كان شيخ الإسلام بلا منازع قائد الأمة في الملمات، ومرشدها إذا اشتدت الأزمات، ولم يكن شيخ الإسلام ليهن أو يحزن وهو يعلم أن المؤمنين هم الأعلون دومًا، حتى وإن وقعت الهزيمة، وتمزفت الجموع.
فها هو يخرج في جماعة من العلماء والأعيان إلى قازان المنتصر لتلقيه، ويكون هو المتكلم الرسمي للوفد، والمفاوض باسمه، وشيخ الإسلام كشأن العلماء الربانيين في كل زمان ومكان لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو وأمثاله رحمهم الله المعنيون بقول الحق في محكم الترتيل: ﴿الَّذِينَ

يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)﴾ [الأحزاب: 39]. وأخذ الشيخ في الكلام مع الخان الأعظم، وارتفع صوته، ووعظه وشدد عليه، واقترب منه وجثا على ركبتيه، وكان مما قاله للملك: "أنت تزعم أنك مسلم، ومعك قاضٍ وإمام وشيخ ومأذون -على ما بلغنا- فغزوتنا، وأبوك وجدك كانا كافرين، وما عملا الذي عملت، عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت وجرت.. ". وقد أنزل الله المحبة والهيبة للشيخ في قلب الخان قازان، وأعجب به أيما إعجاب، وسأل عن الشيخ، ولما عرف أن موطنه حران، عرض عليه أن يعمرها وأن يعتني بها، وأن ينقله أميرًا عليها، فبادر شيخ الإسلام إلى القول: "لا والله، لا أرغب عن مهاجر إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، وأستبدل به غيره.. ". وصدق الله القائل: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾ [القصص: 83]. وقد خرج من عنده معززًا مكرمًا، قد حقن الله به دماء المسلمين، وكبت به قلوب الحاسدين.1
ولكن التتار ما زالوا على أبواب دمشق المحروسة، وقد أسلمت قيادها لهم، وخطب لقازان على منابر الفيحاء نحوًا من مائة يوم2، والمرجفون في المدينة لم ينتهوا عن نشر الفتنة والأراجيف بين الناس، وماجت الإشاعات أن التتار يوشكون على الهجوم، فزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وكثرت الظنون، وزلزل الناس هنالك زلزالًا شديدًا.
وفي تلك الأيام المعصية التي يضن كل شجاع فيها بنفسه، خرج شيخ الإسلام إلى معسكر التتار خارج دمشق، وكلم أحد أمراء التتار، واستنقذ مه عددًا كثيرًا من المسلمين.3

بل إن شيخ الإسلام يرسل إلى المتولي على قلعة دمشق ينهاه أشد النهي عن تسليمها للتتار ويقول له: لو لم يبق فيها إلا حجر واحد فلا تسلمهم ذلك إن استطعت، وكان في ذلك مصلحة عظيمة لأهل الشام.1
وقبل أن يلفظ القرن السابع الهجري أنفاسه، و "وردت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام، وأنهم عازمون على دخول مصر، فانزعج الناس لذلك، وازدادوا ضعفًا على ضعفهم، وطاشت عقولهم وألبابهم، وشرع الناس في الهرب.. ".2 وما كان شيخ الإسلام ليدع دمشق حاضرة الإسلام يفر الناس منها، وعز عليه أن يرى الخور والذل وحب الدنيا وكراهية الموت في سبيل الله يسيطر على كثير من الناس. فقام رحمه الله وجلس في الجامع، وحرض الناس على القتال، ونهى عن الإسراع في الفرار، ورغب في الجهاد بالفى والحال؛ وأن ما ينفق في أجرة الهرب إذا أنفق في سبيل الله كان خيرًا ونصرًا بإذن الله، وفي هذا المجلس أوجب جهاد التتار حتمًا، وتتابعت دروس الشيخ وخطبه التي كان يوقظ بها جموع الأمة من سكرة الحياة الدنيا، ويسوقهم إلى دار القرار بالجهاد في سبيل الله، ويذكرهم أن الفرار الحقيقي هو في الآخرة من نار تلظى. وكان من بركة تلك المجالس الإيمانية العامرة صدور مرسوم سلطاني بمنع السفر إلا بورقة وإذن.3
وكان رحمه الله يدور على الأسوار كل ليلة يحرض الناس على الجهاد والقتال، ويأمرهم بالصبر، ويذكر لهم فضل الشهادة في سبيل الله.4
ولئن كان شيخ الإسلام رحمه الله يطوف ين الجماهير داعيًا إلى الجهاد،

فلقد كان لحكام المسلمين وأمرائهم من دعوته المجال الرحب، فها هو يسافر إلى مصر حيث مقر السلطان، ويحثه على المسير إلى الشام لمناجزة التتار، والذب عن حياض المسلمين، وكان مما قاله للحكام هناك: "إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته، أقمنا له سلطانًا يحوطه ويحميه ويستغله زمن الأمن.. ولو قدر أنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه، واستنصركم أهله، وجب عليكم النصر، فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم.. ".1 ولقد توجت تلك الجهود الكبيرة التي بذلها شيخ الإسلام في جهاد التتار، بالمنقبة الحميدة والمأثرة الجليلة التي تجلت في معركة "شقحب" وكانت الكثرة في العدد والعدة تميل لصالح كفة التتار الجائرة أصلًا، واعتقد الناس أنه لا طاقة لجيش المسلمين بهذه الجيوش المتكاثرة من التتار، ولكن شيخ الإسلام يؤمن أن النصر لعباده المؤمنين، وأنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين، وبلغ التوكل واليقين بنصر الله وفضله وكرمه أن قام شيخ الإسلام يطوف بين صفوف المقاتلين من المجاهدين حالفا مؤكدًا أن النصر في هذه الكرة للمسلمين، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله! ! فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، ويفتي الشيخ الناس بالفطر في رمضان للتقوي على مجاهدة أتباع قازان، وحين تردد بعض الناس في قتالهم لدعواهم الإسلام، بين رحمه الله أن هؤلاء من جنس الخوارج المارقين الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.2 وقد تحقق ما وعد به الشيخ، وما انفك يحلف به، وأنزل الله النصر على المسلمين، فأوقعوا بالتتار يقتلون فريقًا، ويأسرون فريقًا، وكانت معركة مهولة ذكرت المسلمين بموقعة عين جالوت، ولم تكد تقم للتتار بعدها قائمة، وقاتل فيها شيخ الإسلام قتالًا عجيبًا، وكان الناس في

استقبال الشيخ وأصحابه لما دخل دمشق، فرحين به، مهنئينه بالنصر، وداعين له بما يسر الله على يديه من النصر المبين.1
## خامسًا: محنه وسجنه: قضى الله عزّ وجلّ أن يمتحن العلماء الربانيون، وأن يعيش كثير منهم في هذه الدار على جناح الابتلاء والإيذاء من قبل أعداء حقيقيين، أو جهلاء متعين لغيرهم، وقد كان لشيخ الإسلام مكانة عند الناس أمراء وعامة، لا تكاد تعدلها مكانة، فكبر على طائفة من علماء عصره أن يتبوأ ابن تيمية تلك المكانة العليا.
إن خصوم شيخ الإسلام هم في غالبهم ثلاثة أصناف: إما من علماء المذاهب الفقهية الذين يرون أن من خرج بقول عنها أتى بشيء عظيم، وإما من علماء الكلام الذين أفسدوا العقائد، وإما من المتصوفة الذين رأوا أن سلطانهم بين الناس بدأ في التأرجح وخافوا عليه من الاضمحلال.
وبين هذه الأصناف الثلاثة دافع مشترك من حب الحطام، والرغبة في جمع الأموال، والظهور بين الأنام.
ولعلنا لا نجد خيرًا من الحافظ عمر بن علي البزار تلميذ شيخ الإسلام يفسر لنا الأسباب الكامنة وراء تآزر الخصوم في وجه الشيخ.
يقول رحمه الله: "ولما رأوا هذا الإمام العالم عالم الآخرة، تاركًا لما هم عليه من تحصيل الحطام، من الشبه الحرام، رافضًا الفضل المباح فضلًا عن الحرام، تحققوا أن أحواله تفضح أحوالهم، وتوضح خفي أفعالهم، وأخذتهم الغيرة النفسانية.. فحرصوا على الفتك به أين ما وجدوه.. ".2 وبعد أن ذكر بعض جهود شيخ الإسلام في جهاد التتار، ونصيحة

سلطان المسلمين قال: "ولم يزل المبتدعون أهل الأهواء، وآكلوا الدنيا بالدين، تعاضدين متناصرين في عدوانه، باذلين وسعهم في الفتك به، متخرصين عليه بالكذب الصراح، مختلقين عليه، وناسبين إليه ما لم يقله ولم ينقله، ولم يوجد له به خط، ولا وجد له في تصنيف ولا فتوى، ولا سمع منه في مجلس.. ".1 ثم يبين بجلاء سبب الخصومة من قبل هؤلاء العلماء فيقول: "وسبب عداوتهم له: أن مقصودهم الأكبر طلب الجاه والرئاسة، وإقبال الخلق، ورأوه قد رقاه الله إلى ذروة السنام من ذلك بما أوقع له في قلوب الخاصة والعامة من المواهب التي منحه بها، وهم عنها بمعزل، فنصبوا عداوته، وامتلأت قلوبهم بمحاسدته، وأرادوا ستر ذلك عن الناس، حتى يفطن بهم، فعمدوا إلى اختلاق الباطل والبهتان عليه، والوقوع يه، خصوصًا عند الأمراء والحكام، وإظهارهم الإنكار عليه بما يقي به من الحلال والحرام، فشققوا قلوب الطغام بما اجترحوه من زور الكلام.. ".2 ومن ذلك أنه زُوِّر على شيخ الإسلام مكتوب، زعم مزوره الكذوب أن شيخ الإسلام ومعه بعض أهل الفضل والعلم يكاتبون التتار، ولكن كشف الأمر، وظهر الحق، وقطعت يد الكاتب الأثيم.3
ويشير أحد تلامذة شيخ الإسلام -وهو الحافظ ابن كثير- إلى سبب عداوة الخصوم له بقوله: "وكان للشيخ تقي الدين بن تيمية جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة، وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له، ومحبتهم له، وكثرة أتباعه، وقيامه في الحق، وعلمه وعمله.. ".4 وكان بلوغ شيخ الإسلام الذروة في المكانة والشهرة إيذانًا بابتداء نزول المحنة، بل المحن المتعاقبة التي لم يكن يخرج من محنة إلّا ليواجه

أخرى، حتى انتهت بمحنته الأخيرة التي أودع فيها السجن، وطويت آخر صفحاته المشرقة بموته رحمه الله. ويا ليت السهام التي وجهت إلى شيخ الإسلام كانت من صوب أعداء الملة من اليهود والنصارى والمغول، ولكن كانت في غالبها من علماء مسلمين منتسبين إلى أهل السنّة، ضاقوا بآرائه النيرة، وأحكامه الموفقة، وفتاويه التي لم تخرج عن الكتاب والسنّة، فغدوا وعلى أعينهم غشاوة من الحسد والإحن، ولا هم لهم إلا الإيقاع بهذا العالم الرباني، حتى لو كان ذلك عن طريق التشهير المغرض، والافتراء الساقط. ومن تلك المحن التي تعرض لها شيخ الإسلام رحمه الله: 1 - محنته سنة (698 هـ) بسبب كتابه "العقيدة الحموية"، وبلغ الأمر أن طافوا به، ونودي عليه بأن لا يُستفتى، ولكن سرعان ما انجلت هذه المحنة، وعوقب من تسبب بها.1
2 - محنته ومسائلته عن عقيدته، سنة (705 هـ)، ومناظرته للعلماء في "العقيدة الواسطية"، وخروجه معززًا مكرمًا منها، وإجازة تلك العقيدة.2
3 - محنته وسفره رحمه الله إلى مصر في السنة نفسها، وامتحان العلماء له، وإدخاله السجن، وفي تلك الفترة هُدد الشيخ وتُوعد بالقتل، وما زاده إلا إيمانًا وتسليمًا، ومكث في السجن سنة ونصف السنة، حتى أخرجه ابن مهنا أمير العرب بعد استئذانه من أولي الأمر، وانمحت تلك المحنة، ومكث رحمه الله قرابة ستة أشهر يقرئ العلم، وينشر العقيدة الصحيحة التي تكالب المتكلمون والمتصوفون على دفنها بين ركامات علم الكلام وجهالات التصوف.3
4 - محنته بسبب ثورة الصوفية وتظاهرهم ضده، وشكواهم من أنه

يسب مشايخهم، ويسفه أحلامهم، وجرت في ذلك أمور انتهت بدخوله سجن القضاة في شوال سنة (707 هـ)، وكان ذلك أشبه بالإقامة الجبرية، حيث كان الناس يتوافدون إلى الشيخ لاستفتائه والاستفادة منه، ثم نقل رحمه الله إلى الإسكندرية حيث حبس في برج مطل على البحر، وطلاب العلم والناس يترددون عليه، وبقي في الإسكندرية ثمانية أشهر، حتى طلبه السلطان الناصر الذي عاد إلى الحكم في الثامن من شهر شوال سنة (709 هـ)، بعد أن تسلطن الجاشنكير مدة يسيرة، وأراد السلطان معاقبة أعداء شيخ الإسلام من العلماء، ليس انتصارًا للشيخ بقدر ما هو انتقام منهم، حين مالؤا عليه عدوه في الحكم، ففطن رحمه الله للأمر، وتكلم في تعظيم أهل العلم، ونهاه أن يمسهم بسوء، حتى صفح السلطان عنهم، وفي ذلك قال خصمه العنيد القاضي ابن مخلوف المالكي: ما رأينا مثل ابن تيمية، حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا1، وقد استمرت هذه المحنة بالشيخ عامين، ومكت الشيخ بمصر يدرس ويفتي ويؤلف إلى سنة (712 هـ)، ولم تنسه المهام الصعبة التي كان يقوم بها حينذاك أن يكتب إلى أمه الرؤوم في دمشق يسلم عليها، ويعتذر لها من بقائه في مصر لمصالح في الدين والدنيا.2
5 - قيام جماعة من الغوغاء بالاعتداء المشين على شيخ الإسلام في جامع مصر، وضربه والنيل منه، ولكن الشيخ صبر وأمر أتباعه بالصبر والاحتساب، وأخمد الله به نار فتنة كادت تعصف بالقاهرة، مؤثرًا سلامة الناس وأمنهم على سلامته وأمنه3، وقد عاد الشيخ إلى مسقط رأسه دمشق، بعد أن غاب عنها أكثر من سبعة أعوام في بلاد مصر.4
6 - محنته في دمشق بسبب فتياه في مسائل الطلاق5، وكانت بداية

المحنة في منتصف شهر ربيع الأول من سنة (718 هـ)، حيث أشير عليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فأجاب رحمه الله إلى ذلك، وجاء مرسوم من السلطان بمنعه من الإفتاء في تلك المسألة، ونودي بذلك في البلد، ولكن الشيخ رأى بعد ذلك أنه لم يعد يسعه كتمان العلم، فعاد إلى الإفتاء بها، وكان ذلك سببًا عند متعصبة المذاهب وفاسدي البصائر لسجنه في القلعة نحوًا من ستة أشهر، وكان ذلك في الثاني والعشرين من شهر رجب عام (720 هـ)، ثم عاد إلى سابق عهده من التدريس والتأليف والتصنيف والإفتاء.1
7 - المحنة الأخيرة: وذلك بسبب فتواه في عدم جواز شد الرحل وفصد السفر إلى قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وما زال أعداؤه يتربصون به الدوائر، وينقبون في كلامه وفتاويه حتى وجدوا ضالتهم المنشودة في تلك الفتوى التي أفتى بها منذ سبعة عشر عامًا، وفي اليوم السادس عشر من شهر شعبان من سنة (726 هـ)، اعتقل شيخ الإسلام رحمه الله في قلعة دمشق التي طالما حرص على حمايتها، فهو اليوم حبيس فيها، وكان آخر العهد به في حياة الناس العامة التي شغلها بفكره وعلمه ودعوته وجهاده.2
وما كان موقفه في تلك المحن العصيبة والأحداث الكبيرة، غير الصبر والسلوان، بل الفرح والسرور والرضا والاطمئنان لعلمه بعواقب المحن، ولما جاء قرار الاعتقال ما زاد عن قوله: "أنا كنت منتظرًا لذلك، وهذا فيه خير كثير ومصلحة كبيرة! ! ".3

وفي هذه المرة أوذي جماعة من أكابر أصحاب شيخ الإسلام وتلاميذه الأبرار، وحبسوا وأوذوا إيذاءًا عظيمًا، وعزروا وطيف بهم، وتم التشهير بهم، ثم أطلقوا كلهم سوى صفي شيخ الإسلام وتلميذه المقرب الحافظ الجليل ابن قيم الجوزية رحمه الله.1
ولما دخل شيخ الإسلام القلعة محبوسًا مأسورًا، وصار داخل سورها نظر إليه وفال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: 13].
وكان يقول في حبسه: لو بذلت ملء هذه القعلة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة.
وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه.
أما كلماته العذبة المؤمنة التي أثمرها الإيمان، وزكاها الامتحان، وتناقلها الناس عبر الأجيال فهي التي يقول فيها: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة2! ! !.

فصول الكتاب · 224 فصل · 670 صفحة
فصول الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي · 670 صفحة
مقدمة الكتابمقدمةأما الأسباب العامة فهيأما الأسباب الخاصة فهيتمهيدالمبحث الأول ترجمة المؤلف رحمه اللهأولًا: اسمه ونسبه:ثانيًا: مكانة أسرته العلمية والاجتماعية:ثالثًا: مولده ونشأته وشيوخه ومكانته العلمية في نظر معاصريه:سادسًا: تلاميذه وأثره:سابعاً: مصنفاته وكتبه:المبحث الثاني دراسة تحليلية وتفصيلية عن الكتابالقسم الأولدراسة المسائل الأصليةالمسألة الأولى أقسام الناس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -المسألة الثانية تعريف النفاق والسلام عليهسبب ظهور النفاقأقسام النفاقالأول: نفاق اعتقاديالثائي: نفاق عمليكيفية جهاد المنافقينالمسألة الثالثة وجوب التفريق بين الحكم الظاهر والباطنالمسألة الرابعة الخلاف في مسمى الإيمانأولًا: أصل الخلاف في الإيمان، وسبب التفرق في مفهومه:الشبهة الأولىالقاعدة الأولى: أن شعب الإيمان ليست متلازمة في الانتفاء1:القاعدة الثانية: أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف.أولًا: الرد على الخوارج:خامسًا: الرد على الجهمية والأشاعرة والماتريدية:خامسًا: مناقشة تحليلية لمذاهب المرجئة من الجهمية ومن اتبعهم كالأشاعرة، والماتريدية، وغيرهم، الذين أخرجوا الأعمال من الإيمان:الطريق الأولالأمر الأولالأمر الثانيالمسألة الخامسة تقرير مذهب السلف في الإيمانأولًا: زيادة الإيمان ونقصانه:الأقوال في الإسلام والإيمان والفرق بينهماالقول الأولالقول الثانيالقول الثالثالقسم الثانيدراسة المسائل الفرعيةالمسألة الأولى مناقشات المصنف لبعض أقوال الفلاسفة وغلاة المتصوفةأولًا: مناقشة الفلاسفة:المسألة الثانية الكلام على الأحاديث التي ذكر فيها الإسلام والإيمان(تابع المسائل الأصلية) الإحسان والكلام عليهتعريف الإحسانتعريف الإخلاصالإحسان في العلمالإحسان في المعاملاتالإحسان في البيوعإزالة الضرر من الإحسان الواجبالنهي عن الرشوة من الإحسانوضع الجوائح من الإحسانطلب الرزق والمعاش من الإحسانالورع واتقاء الشبهات من الإحسانالحديث الأولالحديث الثانيأوَّلًا: أي الكتابين أسبق تصنيفًا؟أولًا: الاختصار في شرح حديث جبريل، والإسهاب في الإيمان الكبير:ثانيًا: كثرة مصادر "الإيمان الكبير"، وقلّتها في "شرح حديث جبريل":ثالثًا: منهجه في "شرح حديث جبريل" يغلب عليه التقرير:رابعاً: كثرة الاستطرادات والتكرار في "الإيمان الكبير" دون "شرح حديث جبريل":خامساً: ورود بعض المصطلحات في كتاب دون الآخر:ثالثاً: ما تميز به كتاب "شرح حديث جبريل" عن كتاب "الإيمان الكبير":أولاً: اسم الكتاب:ثانياً: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف:ثالثاً: المطبوع من نسخ الكتاب:الطبعة الأولىالطبعة الثانيةرابعاً: المخطوط من نسخ الكتاب:[مقدمة الكتاب]فصل[أصناف الناس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -][ما أنزل الله -عز وجل- في المنافقين][المراد بالزنديق عند الفقهاء][خيانة امرأة لوط عليه السلام في الدين لا في الفراش][أول خلاف ظهر في الإسلام][مذهب الخوارج والرد عليهم][اجتناب الكبائر سبب لتكفير الصغائر][المغفرة قد تكون مع الكبائر][الصلاة أول الأعمال التي يحاسب عليها المرء][النافلة خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -][التوحيد والعدل عند المعتزلة][الكفر محبط لجميع الحسنات والتوبة محبطة لجميع السيئات][احتجاج الخوارج والمعتزلة على مذهبهم]فصل[مذهب الناس في الوعد والوعيد][قول الفلاسفة في الوعد والعيد]فصل[النزاع في مسائل الإيمان][مذهب أهل السنة في مسائل الإيمان][اختلاف عبارة السلف في الإيمان، والمعنى واحد][معنى عبارات السلف في الإيمان][إنكار السلف على المرجئة، مع عدم تكفيرهم][مذهب أبي حنيفة وابن كلاب في الإيمان][مذهب الجهمية في الإيمان وتكفير من قال به][لوازم مذهب الجهمية في الإيمان][مذهب الصالحي والأشعري في المشهور عنه][الأشاعرة من المرجئة][القول الثاني للأشعري الذي وافق فيه السلف][مأخذ الاستثناء عند الأشعري][مذهب الماتريدي في الإيمان][هل شعب الإيمان متلازمة في الانتفاء والثبوت][الإيمان له شعب، ويتبعض][اختلاف حقيقة الإيمان بالنسبة للمكلفين][قد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وإيمان وشعبة من شعب الكفر][قد تتلازم شعب الإيمان عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف][تسمية الحسن البصري للفاسق منافقًا][أنواع الشرك والكفر، وما ينقل عن الملة وما لا ينقل][تفي اسم الإيمان بسبب انتفاء كماله الواجب][هل يعاقب على الإرادة بغير عمل؟ ][حقيقة الإرادة الجازمة][اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون، وسبب ذلك][أصل الإيمان هو قول القلب وعمل القلب][لفظ النصارى ليس مرادفًا للفظ الإيمان في اللغة][العلم التام بالله عَزَّ وَجَلَّ ليس شرطًا في الإيمان به، والعذر بالجهل][معنى العقل][القلب هو الأصل والبدن هو الفرع]َ الصَّالِحِينَ[جماهير المرجئة على أن عمل القلب من الإيمان][فرق المرجئة][السمرية][أصحاب أبي ثوبان][النجارية][الغيلانية][أصحاب محمد بن شبيب][أبو حنيفة وأصحابه (مرجئة الفقهاء)][التومنية][المريسية أصحاب بشر المريسي][الجهمية والصالحية لا تدخلان عمل القلب في الإيمان][حكاية الأشعري مقالة أهل السنة][اختلاف دلالات الألفاظ بالإفراد والاقتران][أسباب انحراف الجهمية المرجئة في الإيمان][التلازم بين الظاهر والباطن][سب الله ورسوله طوعًا كفر باطنًا وظاهرًا][امتناع أبي طالب عن التوحيد][كفر إبليس وفرعون واليهود مع علمهم]فصل [وجوه التفاضل في الإيمان][المدلول المستلزم للدليل][إيمان القلب مستلزم لأعمال الجوارح][يختلف لفظ الإيمان بحسب وروده مفردًا أو مقترنًا][حقيقة الأسماء الشرعية][مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزمًا للإيمان النافع عند الله][امتناع وجود الإيمان التام في القلب بلا ظاهر][أخطاء الجهمية والمرجئة في الإيمان][قولهم بتساوي إيمان الأنبياء مع الفساق][فصل] [مشابهة الجهمية للفلاسفة معنى السعادة عند الفلاسفة][معنى الملائكة عند الفلاسفة][خاتم الأولياء أعظم عند ابن عربي من خاتم الأنبياء][قول بعض الفلاسفة: إن الفيلسوف أعظم من النبي][تنازع ابن عربي والسهروردي في التجلي][حقيقة مذهب ابن عربي][ضلال ملاحدة المتصوفة][إبطال مذهب ابن عربي ومن تابعه بإثبات المباينة بين الخالق والمخلوق][شعر ابن الفارض في وحدة الوجود]فصل [الكلام على الأحاديث التي تبين حقيقة الإسلام والإيمان][الكلام على حديث ضمام، الطريق الأولى][الطريق الثانية][الكلام على حديث الأعرابي][الكلام على حديث النعمام بن قوقل][الكلام على حديث ابن عمر][الجواب عن سبب اختلاف الروايات][فصل] [الخلاف في زمن فرض الحج][الكلام على حديث معاذ][كفر من ترك الشهادتين مع القدرة على التكلم بهما][كفر من جحد معلومًا من الدين بالضرورة][ثبوت الشروط وانتفاء الموانع في التكفير][امتناع وجود الإيمان في القلب من غير عمل في الظاهر][الأدلة على كفر تارك الصلاة][الجواب على أدلة من لم ير كفر تارك الصلاة][ضعف قول من قال: إن تارك الصلاة يقتل حدًّا][ارتباط الظاهر بالباطن][جنس الأعمال من لوازم الإيمان][قد يجتمع في العبد إيمان ونفاق][خطأ بعض الفقهاء في فهم ارتباط الظاهر بالباطن][أحكام المنافقين][قتال علي - رضي الله عنه - للخوارج][تنازع الأئمة في تكفير أهل الأهواء وتخليدهم][القول الفصل في تكفير أهل الأهواء][كيفية جهاد المنافقين][تعريف الإحسان][مدح الإحسان وشموله لجميع الأعمال الظاهرة والباطنة][كتب الله الإحسان على كل شيء][الإخلاص في العلم تعلمًا وتعليمًا][إحسان الظن بالشيخ][الإحسان في أعمال الجوارح]فصل [العارية من الإحسان][من الإحسان بذل منافع البدن][الصناعات والتجارات والزراعات من فروض الكفاية][فروض الكفاية][قيامه عليه الصلاة والسلام بالولايات الدينية][متى تصبح فروض الكفاية فروض أعيان؟ ][جواز المزارعة][فضائل نية نفع الخلق، والنفقة على العيال][أكل المرء من عمل يده][احتياج البيوع إلى الصدق][إطعام المحتاج فرض كفاية][كسوة العرايا فرض كفاية][الصدقة بفضول الأموال][محاولة اليهود رشوة عبد الله بن رواحة][العلم النافع هو ما قام عليه دليل عن النبي عليه الصلاة والسلام][مكاتبة النبي عليه الصلاة والسلام العالم، ودعوتهم إلى الإسلام]حرف الألفحرف الباءحرف التاءحرف الثاءحرف الجيمحرف الحاءحرف الخاءحرف الدالحرف الذالحرف الراءحرف الزايحرف السينحرف الشينحرف الصادحرف الضادحرف الطاءحرف الظاءحرف العينحرف الغينحرف الفاءحرف القافحرف الكافحرف الميمحرف النونحرف الهاءحرف الواو
عن المتن
الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي
تأليف ابن تيمية
تقدّمك في الكتاب: ثالثًا: مولده ونشأته وشيوخه ومكانته العلمية في نظر معاصريه: — 9 من 224
جارٍ التحميل