[خيانة امرأة لوط عليه السلام في الدين لا في الفراش]
وكانت في الظاهر مع زوجها على دينه، وفي الباطن مع قومها على دينهم خائنة لزوجها، تدل قومها على أضيافه كما قال تعالى فيها: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: 10]. وكانت خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش، فإنه ما بغت امرأة نبي قط، إذ نكاح الكافرة قد يجوز في بعض الشرائع، ويجوز في شريعتنا نكاح بعض الأنواع، وهن الكتابيات.1
وأما نكاح البغي فهو دياثة، وقد صان الله النبي عن أن يكون ديوثاً، ولهذا كان الصواب قول من قال من الفقهاء بتحريم نكاح البغي حتى تتوب.2
والمقصود أن امرأة لوط لم تكن مؤمنة، ولم تكن من الناجين المخرجين، فلم تدخل في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35)﴾ وكانت من أهل البيت المسلمين، وممن وجد فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)﴾.
وبهذا تظهر حكمة القرآن حيث ذكر الإيمان لما أخبر بالإخراج، وذكر الإسلام لما أخبر بالوجود.
وأيضاً فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: 35].
وفرق1بين هذا وهذا، فهذه [ثلاثة]2مواضع في القرآن.3
وأيضًا فقد ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: (أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجالاً ولم يعط رجلاً4، فقلت: يا رسول الله، أعطيت فلاناً وتركت فلاناً وهو مؤمن، فقال: أو مسلم، قال: ثم غلبني ما أجد فقلت: يا رسول الله أعطيت فلاناً وفلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن،
فقال: أو مسلم، مرتين أو ثلاثاً.
وذكر في تمام الحديث أنه يعطي رجالًا ويدع من هو أحب إليه [منهم]1خشية أن يكبهم الله في النار على مناخرهم)2قال الزهري: "فكانوا يرون أن الإسلام الكلمة والإيمان العلم".3
فأجاب سعدًا بجوابين: أحدهما: أن هذا الذي شهدت له بالإيمان قد يكون مسلماً لا مؤمناً.4
الثاني: إن كان مؤمناً وهو أفضل من أولئك، فأنا قد أعطي من هو أضعف إيماناً لئلا بحمله الحرمان على الردة، فيكبه الله في النار على وجهه، وهذا من إعطاء المؤلفة قلوبهم.5
وحينئذ فهؤلاء الذين أثبت لهم القرآن والسنة الإسلام دون الإيمان،
هل هم المنافقون الكفار في الباطن؟ أم يدخل فيهم قوم فيهم بعض الإيمان؟.
فقالت طائفة من أهل الحديث1والكلام وغيرهم: بل هم المنافقون الذين استسلموا وانقادوا في الظاهر، ولم يدخل إلى قلوبهم شيء من الإيمان، وأصحاب هذا القول قد يقولون: الإسلام المقبول هو الإيمان، ولكن هؤلاء أسلموا ظاهرًا لا باطناً، فلم يكونوا مسلمين في الباطن، فلا يكونوا مؤمنين2، وقالوا إن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]، بيانه كل مسلم مؤمن، فما ليس من الإسلام فليس [مقبولًا]3يوجب أن يكون الإيمان منه، وهؤلاء يقولون كل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن إذا كان مسلمًا في الباطن.
وأما الكافر المنافق في الباطن، فإنه خارج عن المؤمنين المستحقين للثواب باتفاق المسلمين.
ولا يسمون بمؤمنين عند أحد من سلف الأمة وأئمتها، ولا عند أحد من طوائف المسلمين، إلا عند طائفة من المرجئة وهم الكرامية4، الذين
قالوا: إن الإيمان هو مجرد التصديق في الظاهر، فإذا فعل ذلك كان مؤمناً، وإن كان مكذباً في الباطن، وسلموا أنه معذب مخلد في الآخرة، فنازعوا في اسمه لا في حكمه.1
ومن الناس من يحكي عنهم أنهم جعلوهم من أهل الجنة، وهو غلط عليهم2، ومع هذا فتسميتهم له مؤمناً بدعة ابتدعوها مخالفة [للكتاب]3والسنة وإجماع سلف الأمة.
وهذه البدعة الشنعاء هي التي انفردت4بها الكرامية دون سائر مقالاتهم.
و1قال الجمهور من السلف والخلف2: بل هؤلاء الذين وصفوا بالإسلام دون الإيمان، قد لا يكونون كفاراً في الباطن، بل معهم بعض الإسلام المقبول، وهؤلاء يقولون: الإسلام أوسع من الإيمان، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، ويقولون في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"3أنه يخرج من الإيمان إلى
الإسلام، ودوروا [للإسلام]1دارة، ودوروا [للإيمان]2دارة أصغر منها في جوفها، وقالوا: إذا زنا خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلى الكفر، ودليل ذلك أن الله تعالى قال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)﴾ [الحجرات: 14 - 17] فقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.
وهذا [الحرف]3[أي لمّا]4ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده5ولم يوجد بعد، فنقول6لمن ينتظر غائباً، وتقول7قد جاء، لما يجيء بعد، فلما قالوا: آمنا قيل: لم تؤمنوا بعد، بل الإيمان مرجو منتظر منهم، ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ﴾: أي لا ينقصكم من
أعمالكم المثبتة شيئاً، أي في هذه الحال، فإنه لو أراد1طاعة الله ورسوله بعد دخول الإيمان في قلوبهم، لم يكن في ذلك فائدة لهم ولا لغيرهم، إذ كان من المعلوم أن المؤمنين يثابون على طاعة الله ورسوله، وهم كانوا مقرين به فإذا قيل لهم: المطيع2يثاب والمراد به المؤمن الذين يعرف أنه مؤمن لم تكن3فيه فائدة جديدة.
وأيضاً فالخطاب لهؤلاء المخاطبين قد أخبر عنهم لما يدخل الإيمان4في قلوبهم، وقيل لهم: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ فلو لم يكونوا في هذه الحال [مثابين]5على طاعة الله ورسوله، لكان خلاف مدلول الخطاب، وبين6ذلك أنه وصف المؤمنين الذين أخرج هؤلاء منهم فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)﴾ وهذا نعت المحقق للإيمان7، لا نعت من معه مثقال ذرة من إيمان، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ2الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ3﴾ [الأنفال: 2 - 3]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور: 62].
ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.. " وأمثال ذلك.
فدل البيان8على أن الإيمان المنفي عن هؤلاء الأعراب هو هذا
الإيمان الذي نفي عن فساق أهل القبلة الذين لا يخلدون في النار، بل قد يكون مع أحدهم مثقال ذرة من إيمان، ونفي هذا الإيمان لا يقتضي ثبوت الكفر الذي يخلد صاحبه في النار.1
## [تحقيق المقام في الوصف بالإسلام] و