[أول خلاف ظهر في الإسلام]
وبتحقيق2هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع، ونعلم3أن في المسلمين قسماً ليس هو منافقاً محضاً في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)﴾ ولا من الذين قيل فيهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فلا هم منافقون، ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقاً، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل له طاعات ومعاص، وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا [يخلد]4معه في النار، وله من الكبائر ما يستوجب وروده5دخول النار، وهذا القسم قد6يسميه بعض الناس الفاسق الملي، وهذا مما تنازع الناس في اسمه وحكمه، والخلاف فيه أول خلاف ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين.7
فنقول: فصل1## [ظهور الخوارج] لما قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وصار2علي بن أبي طالب إلى العراق، وحصل بين الأمة من الفتنة والفرقة يوم الجمل3، ثم يوم
صفين1ما هو مشهور، خرجت الخوارج2المارقون على الطائفتين جميعاً، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر بهم، وذكر حكمهم. قال الإمام أحمد: "صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه".3
وهذه العشرة أخرجها مسلم في صحيحه موافقة لأحمد.4
وروى البخاري منها عدة أوجه.1
وروى أحاديثهم أهل السنن والمسانيد من وجوه [أخرى].2
ومن أصح حديثهم حديث علي [بن أبي طالب]3وأبي سعيد [الخدري].4
ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: إذا حدثكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثاً فوالله لئن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "سيخرج في آخر الزمان [أحداث]5الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة".6
وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: "بعث علي بن أبي طالب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من اليمن [بذهيبة]1في أدم مقروض2لم تحصل من ترابها3فقال: فقسمها بين أربعة نفر، فقال رجل من أصحابه: كنا أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء" قال: فقام رجل غائر العينين4، مشرف الوجنتين5، ناشز الجبهة6، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله اتق الله! ! ! فقال: "ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ " قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه، فقال: (لا لعله أن يكون يصلي) قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" قال: ثم نظر وهو مقف فقال: "إنه يخرج من ضئضيء7هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" قال أظنه قال:
لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" اللفظ لمسلم.1
ولمسلم في بعض الطرق عن أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ذكر قوماً يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق، ثم قال: شر الخلق أو من شر الخلق تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق" قال أبو سعيد: (أنتم قتلتوهم يا أهل العراق) وفي لفظ [له]2: (تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق).3
وهذا الحديث مع ما ثبت في الصحيح عن أبي بكرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للحسن بن علي - رضي الله عنهما-: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين".4
فبين أن كلا الطائفتين كانت مؤمنة، وأن اصطلاح الطائفتين كما فعله الحسن، كان أحب إلى الله ورسوله من اقتتالهما، وأن اقتتالهما وإن لم يكن مأموراً به فعلي بن أبي طالب وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، وأن قتل1الخوارج مما أمر به النبي2- صلى الله عليه وسلم - ولذلك اتفق على قتالهم الصحابة والأئمة.3
وهؤلاء الخوارج لهم أسماء4يقال لهم الحرورية، لأنهم خرجوا بمكان يقال له حروراء5، ويقال لهم أهل النهروان6لأن علياً قاتلهم
هناك، ومن أصنافهم الإباضية أتباع عبد الله بن إباض1والأزارقة أتباع نافع بن الأزرق2، والنجدات أصحاب نجدة الحروري.3