الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي[الجواب عن سبب اختلاف الروايات]

[الجواب عن سبب اختلاف الروايات]

[فأجاب بعض الناس]1أن2سبب هذا أن الرواة اختصر بعضهم الحديث الذي رواه، وليس الأمر كذلك، فإن هذا طعن في الرواة و [نسبة لهم]3إلى الكذب4، إذ هذا الذي ذكره إنما يقع في الحديث الواحد، مثل حديث وفد عبد القيس، حيث ذكر بعضهم الصيام، وبعضهم لم يذكره، وحديث ضمام حيث ذكر بعضهم الخمس، وبعضهم لم يذكره، وحديث النعمان بن قوقل حيث ذكر بعضهم فيه الصيام، وبعضهم لم يذكره.5
فهنا6يعلم أن أحد [الراويين]7اختص بالنقص8أو غلط في الزيادة.
فأما الحديثان المنفصلان9فليس الأمر كذلك، لا سيما والأحاديث

قد تواترت بكون الأجوبة كانت مختلفة، وفيها ما يبين1قطعًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم بهذا تارة، وبهذا تارة.
والقرآن يصدق ذلك فإن الله سبحانه في بعض الآيات علق الأخوة الإيمانية بالصلاة والزكاة فقط2كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11].
كما أنه3علق ترك القتال على ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5]. وقد تقدم حديث ابن عمر الذي في الصحيحين موافقًا لهذه الآية. وأيضًا فإن في حديث وفد عبد القيس ذكر خمس المغنم، لأنهم كانوا طائفة ممتنعة يقاتلون، ومثل هذا لا يذكر جواب سؤال سائل بما يجب عليه في حق نفسه. ولكن عن هذا (جوابان): (أحدهما): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتين، ثم الصلاة، فإنه أمر بالصلاة في أول أوقات الوحي.4
بل قد ثبت في الصحيح أنه أول ما نزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ1خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ2اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ3الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ4عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ5﴾ [العلق: 1 - 5].5 ثم أنزل عليه بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ1قُمْ فَأَنْذِرْ2﴾ [المدثر: 1، 2]6، فهذا الخطاب إرسال له إلى الناس، والإرسال بعد الإنباء، فإن

الخطاب الأول ليس فيه إرسال وآخر سورة اقرأ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19]، فأول السورة هو أمر [بالقراءة]1، وآخرها أمر بالسجود، والصلاة مؤلفة من أقوال وأعمال، وأفصل أقوالها القراءة، وأفضل أعمالها السجود، والقراءة أول أقوالها المقصودة، وما بعده تبع له.
وقد روي أن الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي2، ثم فرضت الخمس ليلة المعراج3، وكانت ركعتين ركعتين، فلما هاجر أقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.4

وكانت الصلاة تكمل [شيئًا]1بعد شيء، فكانوا أولًا يتكلمون في الصلاة، ولم يكن فيها تشهد، ثم أمروا بالتشهد2، وحرم عليهم الكلام.3

وكذلك لم يكن بمكة لهم أذان، وإنما شرع الأذان بالمدينة بعد الهجرة1، وكذلك صلاة الجمعة2، والعيد، والكسوف، والاستسقاء،

وقيام رمضان، وغير ذلك إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة، وأمروا بالزكاة والإحسان فى مكة أيضًا، ولكن فرائض الزكاة ونصبها إنما شرعت بالمدينة1، وأما صوم رمضان فهو إنما فرض في السنة الثانية من الهجرة2، وأدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - تسع رمضانات.

جارٍ التحميل