أولًا: زيادة الإيمان ونقصانه:
وتلك قضية تتمشى مع جميع طوائف المرجئة الذين اتفقت كلمتهم على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان، إذ أن الإيمان عندهم شيء ثابت لا يتغير، ولا يزيد، ولا ينقص، وما دام أن الأعمال ليست منه، فكيف يزيد وينقص1؛ لأن الإيمان عندهم إما هو التصديق، وإما التصديق والإقرار، وهذا مما يتساوى فيه الناس، كما يقولون.
وقد ذكر المصنف رحمه الله عددًا لا بأس به من الأدلة المأثورة، من الكتاب والسنّة وأقوال الصحابة، ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾ [آل عمران: 173]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)﴾ [الأنفال: 2].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح: 4].
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا".
وقال عمير بن حبيب من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الإيمان يزيد وينقص، قيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فتلك نقصانه".
ولم يكتف المصنف بذلك، بل أورد وجوهًا تبين زيادة الإيمان ونقصانه وأن ذلك الحق لا ريب فيه.
وهي عبارة عن أدلة وبراهين عقلية، لها أصولها الشرعية، تثبت بما لا يدع مجالًا للشك، أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الناس يتفاضلون فيه تفاضلًا عظيمًا، وأنه لا شيء أعظم تفاوتًا من الإيمان، وهذه البراهين العقلية لها جميعًا مستندات شرعية، وقد ذكر المصنف في كتاب "شرح حديث جبريل"1سبعة وجوه، بينما ذكر في كتاب "الإيمان الكبير" ثمانية
وجوه1، وغالب هذه الوجوه قد ذكرت في الكتابين، وسنذكر خلاصة ما ذكر في كل منهما، فنقول: أولًا: الأعمال الظاهرة، فإن الناس يتفاضلون فيها، وتزيد وتنقص، وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة والنقصان فيه. لكن وقع الخلاف في دخول هذه الأعمال في مسمى الإيمان، فالذين ينفون دخولها في الإيمان، يقولون: هي من ثمرات الإيمان، وقد يقولون: إنها تدخل في الإيمان مجازًا لا حقيقة، وهذا معنى زيادة الإيمان ونقصانه عندهم، أي زيادة ثمراته ونقصانها. وقد تقرر أن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان وموجباته، فإنه يمتنع أن بكون إيمان تام في القلب بلا قول ولا عمل ظاهر، وأما كونه لازمًا أو جزءًا منه، فهذا يختلف -كما سبق- بحسب استعمال لفظ الإيمان مفردًا أو مقرونًا بلفظ الإسلام والعمل، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فقولهم: إن الزيادة في العمل الظاهر لا في موجبه خطأ بين، فإن التفاضل معلول الأشياء، ومقتضاها يقتضي تفاضلها في نفسها، وإذا تماثلت الأسباب الموجبة لزم تماثل موجبها، فتفاضل الناس في الأعمال الظاهرة يقتضي تفاضلهم في موجب ذلك، وهو الإيمان الباطن.2
ثانيًا: أعمال القلوب، فإن دخول الزيادة والنقصان فيها، أمر يجده كل مؤمن، فإن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والإخلاص له، كما يتفاضلون في سلامة القلوب من الرياء، والكبر والعجب، ونحو ذلك، كما يتفاضلون في الرحمة للخلق والنصح لهم.
وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه
تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة.1
ثالثًا: إن نفس التصديق والعلم في القلب يتفاضل ويتفاوت، ويكون بعضه أقوى من بعض، كما تفاضل وتفاوت سائر صفات الحي من القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، بل وسائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض. وإذا كانت القدرة على الشيء تتفاوت، فكذلك الإخبار عنه يتفاوت، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه، كما أن الحس الظاهر بالشيء الواحد، مثل رؤية الهلال، وإن اشترك الناس فيها، فإن رؤية بعضهم أتم من بعض، وكذلك سماع الصوت الواحد، وشم الرائحة الواحدة، وذوق الشيء الواحد من الطعام. والإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومه تفاضل حاله فيه، كما يتفاضل حاله في سمعه لمسموعه، ورؤيته لمرئيه، وقدرته على مقدوره، وحبه لمحبوبه، وبغضه لبغيضه، فكذلك في معرفة القلب وتصديقه، يتفاضل الناس فيها أعظم من تفاضلهم في تلك الأمور.2
رابعًا: أن التصديق المستلزم لعمل القلب، أكمل وأتم من التصديق الذي لا يستلزم عمله، فالعلم الذي يعمل به صاحبه، أكمل من العلم الذي لا يعمل به، وإذا كان هناك رجلان يعلمان أن الله حق، ورسوله حق، والجنة حق، والنار حق، وهذا علمه أوجب له محبة الله، وخشيته، والرغبة في الجنة، والهرب من النار، والآخر علمه لم يوجب له ذلك، فعلم الأول وتصديقه أكمل، فإن قوة المسبب دال على قوة السبب.
وذلك جاء في الحديث (ليس الخبر كالمعاينة)3، فإن موسى عليه السلام
لما أخبره ربه أن قومه عبدوا العجل، لم يلق الألواح، فلما رآهم قد عبدوه ألقاها1، وليس ذلك لك موسى في خبر الله، لكن المخبَر وإن جزم بصدق المخبِر، فقد لا يتصور المخبَر به في نفسه، كما يتصوره إذا عاينه، فهذا الصديق أكمل من ذلك الصديق.2
خامسًا: أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة دوام ذلك وثباته وذكره واستحضاره، فالعالم بالشيء في حال غفلته عنه دون العالم بالشيء في حال ذكره له، والتصديق والعلم الذي يكون العبد ذاكرًا له مستحضرًا له، بحيث لا يكون غافلًا عنه، أكمل ممن صدق به وغفل عنه، وهذا يختلف بين الإنسان ونفسه، فإنه يجد أنه أحيانًا قد قرأ شيئًا من القرآن الكريم، وظهر له في أثناء قراءته من المعاني ما لم يكن يخطر له على بال، فيؤمن بتلك المعاني، ويزداد علمه وعمله. أما اختلاف ذلك من شخص إلى آخر فأمر واضح.3
سادسًا: أن التفاضل في العلم والتصديق وعمل القلب يحصل من جهة الأسباب المقتضية لها، فمن كان تصديقه ومحبته أدلة يقينية، لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأدلة ظنية، ولا شك أن العلم بكثرة الأدلة وقوتها، وبفساد الشبه المعارضة لها، ليس كالعلم الحاصل عن دليل واحد، من غير أن يعلم الشبه المعارضة له، فإن الشيء كلما قويت أسبابه وتعددت، وانقطعت موانعه وانتهت، كان أوجب لكماله وقوته وتمامه.4
سابعًا: أن الإنسان قد يكون مكذبًا ومنكرًا لأمور لا يعلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر بها وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر، بل
قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق، ولا بأمر إلا بحق، ثم يسمع الآية أو الحديث، أو يتدبر ذلك، أو يُفسر له معناه، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه، فيصدق بما كان مكذبًا به، ويعرف ما كان منكرًا له، وهذا تصديق جديد، وإيمان جديد ازداد به إيمانه، ولم يكن قبل ذلك كافرًا بل جاهلًا.1
ثامنًا: الإجمال والتفصيل في ما أمروا به، فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بحد نزول القرآن كله، وكذلك لا يجب على من عرف ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - مفصلًا، ما يجب على من لم يعرف ذلك إلا مجملًا، ومعلوم أن من مات مؤمنًا بالله والرسول، قبل أن يعرف شرائع الدين، أو يجب عليه شيء من الأعمال، مات مؤمنًا الإيمان الذي وجب عليه، وليس إيمان هذا كإيمان من عاش حتى عرف ذلك مفصلًا، وعمل بما عرف.2
تاسعًا: الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم، فمن آمن بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - مطلقًا، فلم يكذبه قط، لكن أعرض عن معرفة أمره ونهيه وخبره، وطلب العلم الواجب عليه، فلم يعلم الواجب عليه ولم يعمل به، بل اتبع هواه، وآخر قد طلب العلم الذي أمر به، فعمل به، وآخر طلب علمه فعلمه وآمن به ولم يعمل به، فهؤلاء وإن اشتركوا في الوجوب، فمعلوم أن الثاني الذي آمن وعلم وعمل إيمانه أكمل من الثالث الذي آمن وعلم ولكنه لم يعمل، كما أن الثالث أكمل من الأول الذي آمن ولم يعرف ما أمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لم يعمل بذلك، فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فصدقه، وما أمر به فالتزمه، كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك، وإن كان معه التزام عام وإقرار عام.3
معنى زيادة الإيمان عند طوائف من المرجئة: قد سبق أن بعض المرجئة يرى أن زيادة الإيمان بزيادة ثمراته من الأعمال، وقد أورد شيخ الإسلام تساؤلًا لأبي المعالي -أحد متكلمي الأشاعرة- يقول فيه: "فإن قال القائل: أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان المنهمك في فسقه، كإيمان النبي - صلى الله عليه وسلم -! ! ! ". ثم ذكر ما أجاب به على ذلك، وهو: "قلنا: الذي يفضل إيمانه على إيمان من عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك، واختلاج الريب، والتصديق عرض من الأعراض لا يبقى، وهو متوالي للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ثابت لغيره في بعض الأوقات، وزائل عنه في أوقات الفترات، فيثبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - أعداد من التصديق، ولا يثبت لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه لذلك أكثر وأفضل! ". ثم قال: "ولو وصف الإيمان بالزيادة والنقصان، وأريد به ذلك كان مستقيمًا". ثم يعقب شيخ الإسلام على هذا الكلام الفاسد بقوله: "قلت: فهذا هو الذي يفضل به النبي - صلى الله عليه وسلم - غيره في الإيمان عندهم، ومعلوم أن هذا غاية في الفساد، من وجوه كثير".1
## ثانيًا: الاستثناء في الإيمان: وهو قول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، وهل هذا الاستثناء جائز؟ أم لا؟.
وقبل أن نخوض في الموضوع لا بد من التذكير بأن السلف رحمهم الله تعالى قد كرهوا أن يسأل الرجل: أمؤمن، أو هل أنت مؤمن؟ واعتبروا ذلك بدعة.2
لم يفصل المصنف رحمه الله في كتاب "شرح حديث جبريل" الذي نعني بتحقيقه ودراسته القول في الاستثناء في الإيمان، وإنما أشار بإيجاز بالغ إلى أن أهل السنّة والجماعة يجيزون الاستثناء1، وإلى إنكار مرجئة الفقهاء له2، ثم ذكره ثانية حين تحدث عن القول المشهور لأبي الحسن الأشعري رحمه الله في الإيمان، وهو التصديق حيث قال: "ومع هذا فهو وجمهور أصحابه على قول أهل الحديث في الاستثناء في الإيمان، والإيمان المطلق عنده ما يحصل به الموافاة، والاستثناء عنده يعود إلى ذلك".3
مذاهب الناس في الاستثناء: المذهب الأول: الذين يجعلون الاستثناء واجبًا، وهؤلاء لهم مأخذان: المأخذ الأول: أن الإيمان هو ما يموت عليه الإنسان، واعتبر هؤلاء أن الإنسان يكون مؤمنًا أو كافرًا بالموافاة، وما سبق في علم الله أنه يموت عليه، وقالوا: الإيمان الذي يتعقبه الكفر، فيموت صاحبه كافرًا ليس بإيمان، كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال، وكالصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وهذا مأخذ كثير من الكلابية، وعندهم: أن الله عزّ وجلّ يحب في أزله من كان كافرًا، إذا علم أنه يموت مؤمنًا، فالصحابة ما زالوا محبوبين لله، وإن كانوا قد عبدوا الأصنام مدة من الدهر، وإبليس ما زال الله يبغضه، وإن كان لم يكفر بعد4، وهذا هو مأخذ الأشاعرة. وقد أنكر شيخ الإسلام أن يكون أحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم قد علل بالموافاة الاستثناء.5
المأخذ الثاني: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل المأمورات كلها،
وترك المحرمات جميعها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار، فقد شهد لنفسه بأنه من الأولياء الأبرار المتقين، القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، وهذه من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لنفسه بما لا يعلم، ولو صحت هذه الشهادة، لكان يحق له أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، ولا أحد يهد لنفسه بالجنة، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون في الإيمان، مع أنهم يجوزون ترك الاستثناء لسبب آخر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.1
المذهب الثاني: الذين يجعلون الاستثناء محرمًا، وهم المرجئة والجهمية، ومأخذهم في ذلك أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب، فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، وكما أعلم أني فرأت الفاتحة، وكما أنه لا يجوز أن يقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله، كذلك لا يجوز أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله، وقالوا: من استثنى في إيمانه فقد شك فيه، وسموا من يستثني في الإيمان بالشكاكة.2
المذهب الثالث: من يجعل الاستثناء وتركه جائزًا، فمأخذهم حين أجازوا الاستثناء -كما سبق- أن الإيمان المطلق يتضمن فعل جميع المأمورات، وترك جميع المحرمات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى، لأن ذلك من تزكية النفس بلا علم.3
أما مأخذهم حين أجازوا ترك الاستثناء، فالمنع من الشك في أصل الإيمان، وليس يعني ذلك أن من ترك الاستثناء يكون إيمانه كاملاً، كالمرجئة.4
ويتبين بعد كل ما سبق، أن هذا المذهب هو أصح المذاهب.5
حكم الاستثناء في الإسلام: وهو قول الإنسان: أنا مسلم إن شاء الله تعالى، وفيه قولان: الأول: الجواز.
والثاني: المنع.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والمشهور عند أهل الحديث أنه لا يستثنى في الإسلام، وهو المشهور عن أحمد - رضي الله عنه -، وقد روي عنه فيه الاستثناء.. ".1 والراجح في هذه المسألة التفصيل. فالاستثناء الممنوع هو الاستثناء في أصل الإسلام، الذي يتحقق بالشهادتين، وبهما يتم الدخول في الإسلام. وأما الاستثناء الجائز فهو الاستثناء في الإسلام الكامل (المطلق)، وهو الإتيان بالأركان الخمسة. وفي ذلك يقول رحمه الله: "بل المراد أنه إذا أتى بالكلمة دخل في الإسلام، وهذا صحيح، فإنه يشهد له بالإسلام، ولا يشهد له بالإيمان الذي في القلب، ولا يستثنى في هذا الإسلام، لأنه أمر مشهور، لكن الإسلام الذي هو أداء الخمس كما أمر به يقبل الاستثناء، فالإسلام الذي لا يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط، فإنها لا تزيد ولا تنقص، فلا استثناء فيه".2
ويقول في موضع آخر: "وتعليل أحمد وغيره من السلف ما ذكروه في اسم الإيمان يجيء في اسم الإسلام، فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء، كما نص عليه أحمد وغيره، وإذا أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها، فالاستثناء فيه كالاستثناء في الإيمان.. ".3
المسألة السادسة [*] الفرق بين الإيمان والإسلام1هذه المسألة وقع فيها شيء من الخلاف بين أهل السنّة والجماعة، وإن كان جمهور أهل السنّة يقولون بالفرق بينهما، حتى قيل: "إن السلف لم يرو عنهم كير التفريق".2
وممن روي عنهم عدم التفريق البخاري ومحمد بن نصر وابن منده، ونصر هذا القول ابن حزم.3
وممن نصر القول بأن الإسلام يفترق عن الإيمان الإمام الخطابي في معالم السنن، وفي أعلام الحديث4، والإمام البغوي في شرح السنّة5، والحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم.6
وقد تصدى المصنف رحمه اللهُ تعالى في كتاب "شرح حديث جبريل" لهذه المسألة وأورد من الأدلة الظاهرة من الكتاب والسنّة ما يبين أن الفرق بين الإسلام والإيمان هو القول الصواب، ولكن على أي حال فهذه المسألة ليست من المسائل التي يبدع فيها المخالف، والخطب فيها هين.
ومن الأدلة التي تدل على أن هناك فرقًا بين الإسلام والإيمان في القرآن الكريم -كما ذكر المصنف- ما يلي: 1 - قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14].
2 - قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)﴾ [الذاريات: 35 - 36].
# 3 - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]. وأما السنّة فقد ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: "أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجالًا، ولم يعط رجلًا، فقلت: يا رسول الله، أعطيت فلانًا، وتركت فلانًا وهو مؤمن، فقال: أو مسلم؟ قال: ثم غلبني ما أجد، فقلت: يا رسول الله، أعطيت فلانًا وفلانًا، وتركت فلانًا وهو مؤمن، فقال: أو مسلم؟ مرتين أو ثلاثًا، وذكر في تمام الحديث أنه يعطي رجالًا، ويدع من هو أحب إليه منهم، خشية أن يكبهم الله في النار على مناخرهم". فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب عن عدم إعطاء الرجل الذي كلمه فيه سعد بجوابين: الأول: أن هذا الرجل قد يكون مسلمًا لا مؤمنًا. الثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم - وإن كان هذا الرجل مؤمنًا -قد يعطي من هو أضعف إيمانًا منه، لئلا يحمله منع العطاء على الردة، فيكون من أهل النار. والجواب الأول هو المطلوب، وهو إثبات الفرق بين الإسلام والإيمان. وعلى هذا فالإسلام أوسع من الإيمان، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا. "ويقولون في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" أنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام، ودوروا للإسلام دارة (يعني دائرة)، ودوروا للإيمان دارة أصغر منها في جوفها، وقالوا: إذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلى الكفر".1
والإحسان كذلك عبارة عن دائرة أصغر من دائرة الإيمان تقع في جوفها أيضًا، فكل محسن مؤمن، وليس كل مؤمن محسنًا.
ومثال ذلك أن الإسلام والإيمان والإحسان كمثل بيت واحد من ثلاث طبقات، فالطبقة العليا هي الإحسان، والطبقة الوسطى هي الإيمان، والطبقة الدنيا هي الإسلام، فإذا خرج من الإحسان لم يخرج من الإيمان، وإذا خرج من الإيمان لم يخرج من الإسلام.1
و