[الصناعات والتجارات والزراعات من فروض الكفاية]
فإن المسلمين لم يكن لهم بالمدينة إلا ما يجلب من الثياب، فكانوا يجلبون من اليمن ومن الشام ومصر، وأهل تلك الأمصار كفار، فكانوا يلبسون ما جاءهم من ذلك ولا يغسلونه، ويأكلون ما جاءهم من طعام ودهن ونحوه، ولا يتحرجون في شيء من ذلك، فحاجة الناس إلى خبز يخبز، وطعام يصنع، أكثر من حاجتهم إلى ثياب تلبس، وحاجتهم إلى بيوت يسكنونها، أعظم من القسمين الأولين.
فلذلك ذهب جماعة من الأئمة كمالك، والأوزاعي، وسفيان، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وبه قال أبو حامد الغزالي1وأبو الفرج بن الجوزي2،
أن هذه الصنائع فرض كفاية1، فإنه لا تتم المصالح بين الناس بدون ذلك، كالجهاد، وطلب العلم الشرعي الذي يجب على كل أحد أن يتعلم ما يجب عليه من ذلك، فإن هذا شيء مبني على الأعيان، وكل من وجبت عليه الصلاة كان عليه أن يتعلم ما يتيقن به سقوط الفرض عنه، وكذلك في سافر العبادات المشروعة.
قال - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح عنه: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"2،
فكل من أراد الله به خيرًا يفقهه في الدين، فمن لم يفقهه في الدين ليس كذلك.
والدين هو ما بعث الله به رسوله، وهو ما يجب على المرء تصديقه فيه، والعمل به، وعلى كل أحد أن يصدق محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به تصديقًا عامًا، ويطيعه فيما أمر طاعة عامة، وإذا ثبت عنه خبر كان عليه أن يصدقه به تصديقًا مفصلًا، فإن كان مأمورًا فيه بأمر كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة.
وكذلك غسل الموتى، وتكفينهم، والصلاة عليهم، وهو من فروض الكفاية.