سابعاً: مصنفاته وكتبه:
لا أحسب أحداً من العلماء كتب لمصنفاته وكتبه القبول عند الأمة -كماً وكيفاً- كمثل شيخ الإسلام -رحمه الله-.
يقول الحافظ الذهبي: "ولقد سارت بتصانيفه الركبان، في فنون العلم وألوانه، لعل تواليفه وفتاويه في الأصول والفروع والزهد واليقين والتوكل والإخلاص وغير ذلك تبلغ ثلاثمائة مجلد، بل أكثر.. ".1 وقال في موضع آخر: "وما أبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلد.. ".2 وذكر -رحمه الله- أنه جمع مصنفات شيخ الإسلام فوجدها ألف مصنف، ثم وجد له مصنفات أخرى.3
ويقول الحافظ ابن عبد الهادي: "وللشيخ -رحمه الله- من المصنفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل وغير ذلك من الفوائد ما لا ينضبط، ولا أعلم أحداً من متقدمي الأمة ولا متأخريها جمع مثل ما جمع، ولا صف نحو ما صنف، ولا قريباً من ذلك، مع أن أكثر تصانيفه إنما أملاها من حفظه، وكثير منها صنفه في الحبس، وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب.. ".4 وقال كاتبه ابن رشيق المغربي: "لو أراد الشيخ تقي الدين -رحمه الله- أو
غيره، حصرها -يعني مؤلفات الشيخ- لما قدورا، لأنه ما زال يكتب، وقد منّ الله عليه بسرعة الكتابة، ويكتب من حفظه من غير نقل.. ".1 ويقول تلميذه الحافظ البزار: "وأما مؤلفاته ومصنفاته، فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها، أو يحضرني جملة أسمائها، بل هذا لا يقدر عليه غالباً أحد، لأنها كثيرة جداً، كباراً وصغاراً، وهى منشورة في البلدان، فقلّ بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه... ".2 ويقول الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "وأما تصانيفه -رحمه الله-، فهي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر، سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار، قد جاوزت حد الكثرة، فلا يمكن أحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعد المعروف منها، ولا ذكرها... ".3 وقد جمع الحافظ ابن قيم الجوزية -رحمه الله- طائفة من مصنفات شيخه في رسالة بعنوان "أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية".
كما أفاض الحافظ ابن عبد الهادي -رحمه الله- في "العقود الدرية"4في سرد مؤلفات شيخ الإسلام، وكذلك صنع كل من المؤرخ ابن شاكر الكتبي5، وصلاح الدين الصفدي6، والحافظ ابن رجب الحنبلي7وغيرهم.8
وأجد لزاماً أن أشير إلى الملامح العامة لمنهج شيخ الإسلام في التأليف، وطريقته في التصنيف، وأعود لأذكر بما سبق التنويه عنه عند الحديث عن مكانته العلمية، وأن من الخصائص التي تفرد بها إملاؤه لغالب مصنفاته من حفظه، ومن خصائصه في باب التأليف سرعة الكتابة والتصنيف. لكن المتأمل لا يستطيع إلا أن يجد أثر ما أحاط بشيخ الإسلام من وقائع وظروف، وما واجهه من محن وأحداث، وبالتالي يمكن إلى حد ما أن يفسر المرء بعض الملاحظات على مصنفاته -رحمه الله-، ومنها: أولاً: كثرة المصنفات وتنوعها. ثانياً: اختلاف مسمياتها وتكرارها. ثالثاً: أسباب تأليفها، ودواعي تصنيفها، وزمن كتابتها. رابعاً: تباين أحجامها وعدد أجزائها ومجلداتها.1
وكل هذه التساؤلات لا يمكن الإجابة عنها، إلا إذا ربطت بحياة شيخ الإسلام وما صاحبها من تقلبات متأرجحة بين السراء والضراء.
فالشيخ -رحمه الله- في ذهنه الشيء الكثير مما يود التصنيف فيه، وهو حين يطالع كتب المتقدمين يجد في كثير من الأحيان، دافعاً إلى التعقيب، خصوصاً إن كانت هذه الكتب شائعة في مدارس الفقهاء ومقروءة بين الناس، وقد تقع حادثة في المجتمع فيجد الشيخ نفسه ملزماً ببيان الحق وحكم الدين من خلال تصنيف نافع، وقد ترد أسئلة من أقطار شتى، فتجد الجواب من بحر العلم في مصنف كبير، وربما كتب في شيء ما يحضره الساعة، ثم عاد إليه بعد زمن وأضاف إليه أشياء.
وخلاصة القول أن جميع مصنفات شيخ الإسلام ومؤلفاته ورسائله وفتاويه عبارة عن أصداء لعصره الذي عاش فيه، وهي ترجمان لما فهم من
حكم الله وحكم رسوله في القضايا والوقائع والأحداث والشخصيات، وليس بمعصوم -رحمه الله-، ولكنه مجتهد مصيب في الغالب، وغالب أقواله إن لم تكن هي البرهان الراجح والموقف الصحيح، فليست أقوالاً شاذة، ولا مخالفة لصريح الكتاب والسنّة، وأين يجد المرء مثل شيخ الإسلام؟ ! !. وخير من ينبئ عن منهج شيخ الإسلام في التصنيف الحافظ ابن عبد الهادي حيث يقول: "وكان يكتب الجواب، فإن حضر من يبيضه، وإلا أخذ المسائل خطه وذهب، ويكتب قواعد كثيرة في فنون العلم: في الأصول والفروع والتفسير وغير ذلك، فإن وجد من نقله من خطه، وإلا لم يشتهر، ولم يعرف، وربما أخذه بعض أصحابه، فلا يقدر على نقله، ولا يرده إليه فيذهب.. وكان كثيراً ما يقول: قد كتبت في كذا وفي كذا، ويسأل عن الشيء فيقول: قد كتبت في هذا، فلا يدري أين هو، فيلتفت إلى أصحابه، ويقول لهم: ردوا خطي وأظهروه، لينقل، فمن حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه.. فلهذه الأسباب وغيرها تعذر إحصاء ما كتبه وما صنفه.. ".1 ويلمح ابن عبد الهادي إلى دور الظروف والأحداث التي أحاطت بشيخ الإسلام في طبيعة مصنفاته فيقول: "إلا أنه لما حبس تفرق أتباعه، وتفرقت كتبه، وخوّفوا أصحابه من أن يظهروا كتبه، ذهب كل أحد بما عنده وأخفاه، ولم يظهروا كتبه، فبقي هذا يهرب بما عنده، وهذا يبيعه، أو يهبه، وهذا يخفيه ويودعه، حتى إن منهم من تسرق كتبه أو تجحد، فلا يستطيع أن يطلبها، ولا يقدر على تخليصها، فبدون هذا تتمزق الكتب والتصانيف، ولولا أن الله تعالى لطف وأعان ومنّ وأنعم، وجرت العادة في حفظ أعيان كتبه وتصانيفه لما أمكن لأحد أن يجمعها...2 ويقول البزار في الأعلام العلية بعد أن تحدث عن كتبه: "وأما فتاويه
ونصوصه وأجوبته على المسائل، فهي أكثر من أن أقدر على إحصائها، لكن دُوِّن بمصر منها على أبواب الفقه سبعة عشر مجلداً، وهذا ظاهر مشهور، وجمع أصحابه أكثر من أربعين ألف مسألة، وقلّ أن وقعت واقعة وسئل عنها، إلا وأجاب فيها بديهة بما بهر واشتهر، وصار ذلك الجواب كالمصنف الذي يحتاج فيه غيره إلى زمن طويل ومطالعة كتب، وقد لا يقدر مع ذلك على إبراز مثله.. ".1 ومما سبق يتضح أن شيخ الإسلام -رحمه الله- بسبب الظروف التي أحاطت به، وبسبب دواعي التأليف العامة لديه، ووجود عدد من العلماء المتتلمذين على يديه، الذين كانوا يبيضون ما يكتبه، ويحرصون أشد الحرص على اقتناء ما يكتب، تفرقت مؤلفاته، وربما تباينت وتعددت عناوين طائفة منها، وربما أيضاً تجزأت بعضها، وصار كل جزء منها رسالة مستقلة.
كما يتضح أيضاً أن شيخ الإسلام في كثير من هذه المصنفات لم يعن بعناوينها، وربما لم يعنون طائفة منها، ولأن جملة كبيرة منها لم تبيض، ولم يراجعه -رحمه الله-، وجاءت بعض العناوين إما من تلامذته الذين حازوا هذه الكنوز الثمينة من مصنفاته، وإما من أهل العلم أو النساخ الذين وصلت إلى أيديهم بعد ذلك.
ويقول الحافظ ابن محمد الهادي: "وسأجتهد إن شاء الله في ضبط ما يمكنني من ضبط مؤلفاته في موضع آخر غير هذا، وأبين ما صنفه منها بمصر، وما ألفهُ منها بدمشق، وما جمعه وهو في السجن، وأرتبه ترتيباً حسناً غير هذا الترتيب، بعونه تعالى وقوته ومشيئته.. ". ولا يدري الباحث هل وفَّى ابن عبد الهادي بما وعد به، وضاع ما صنفه في هذا الباب ولم يصل إلينا، أم أنه لم يؤلف في ذلك شيئاً، وإن كنت أميل إلى الاحتمال الثاني، لسببين: الأول: لم يذكر أن ابن عبد الهادي له مصنف مستقل عن مؤلفات شيخ الإسلام.
الثاني: أنه مات في الأربعين من عمره، وله مؤلفات لم يكملها، كما ذكر الحافظ ابن رجب في الذيل.1
كما أن هناك ملاحظة عامة عن مصنفات شيخ الإسلام -رحمه الله-، وهي أن كثيراً منها لم يبيض، وبقيت مسودات المصنف كما هي.2
وبعد هذه الإطلالة الموجزة عن أبرز الملامح العامة لمنهج شيخ الإسلام في التأليف والتصنيف، هذه أسماء بعض أهم مصنفاته: 1 - الاستقامة.3
2 - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم.4
3 - الإيمان.5
4 - بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية.6
# 5 - التدمرية.1
6 - التسعينية.2
7 - التعليق على المحرر في الفقه.3
8 - التفسير.4
# 9 - جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية.1
10 - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح.2
11 - الحموية.3
12 - درء تعارض العقل والنقل.4
# 13 - الرد على البكري في الاستغاثة.1
14 - الرد على المنطقيين.2
15 - السبعينية.3
16 - شرح حديث جبريل في الإيمان والإسلام.4
17 - شرح حديث النزول.5
# 18 - شرح العقيدة الأصفهانية.1
19 - شرح العمدة.2
20 - الصارم المسلول على شاتم الرسول - صلى الله عليه وسلم -.3 21 - الصفدية.4
# 22 - العبودية.1
23 - العقيدة الواسطية.2
24 - الفتاوى الكبرى المصرية.3
25 - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.4
26 - الفرقان بين الحق والباطل.5
27 - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة.6
# 28 - الكلم الطيب.1
29 - الكيلانية.2
30 - مقدمة في أصول التفسير.3
31 - منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية.4
32 - النبوات.5
## ثامناً: جوانب أخرى في حياة شيخ الإسلام: ما زالت العظمة تحوط بشخصية شيخ الإسلام من جميع جوانبها،
ويأتي الكلام باقتضاب عن جوانب هامة أخرى في حياته -وإن كانت خاصة بشخصيته- لم يتكلم عنها قبل ذلك في هذه الترجمة.
ولا يستطيع المطالع لحياته -رحمه الله- إلا أن يجزم بعظمة دين الإسلام، الذي ما تمثله أحد من الناس في حياته، إلا جاء بما يبهر العقول والأبصار، ويكون قمة عالية في هذه الحياة، وقدوة رائعة في الواقع، فكيف بعالم من العلماء! !. وشيخ الإسلام حياته من مبتدئها إلى منتهاها تفسير لقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ [الذاريات: 56]، وتطبيق دائم لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ [الأنعام: 162، 163]. والعبودية بمفهومها الشامل الواسع الذي لا يدع صغيرة ولا كبيرة من حياة الإنسان، ولا حركة ولا سكنة ولا ثانية إلا أدخلها فيها، هي العبودية التي عاشها مؤلفنا الكبير، ودعا إليها.
وشخص كشيخ الإسلام وقف أمام الأمة يقودها مجاهدًا بالسيف والقلم، وصمد أمام جحافل التتار، وجاهد النصارى والروافض والنصيريين، وأخرس ألسن المبتدعين، من صوفية وطرقية ومتكلمين، وعلماء لاهثين وراء الحطام والأموال، ورماه جمع هؤلاء عن قوس واحدة، لا بد أن يأوي إلى ركن شديد، وهو إيمانه بالله، ولا بد أن يكون وثيق الصلة جداً بخالقه ومولاه.
وخير من ينبئ عن ذلك تلميذه أبو حفص البزار، حيث يعطي القارئ بياناً تفصيلياً عن عادة شيخ الإسلام في قضاء ليله ونهاره، وكيف أنه قد حقق العبودية الكاملة الشاملة: "أما تعبده - رضي الله عنه -، فإنه قل أن سمع بمثله، لأنه كان قد قطع جل وقته وزمانه فيه، وكان في ليله متفرداً عن الناس كلهم، خالياً بربه عزّ وجلّ، ضارعاً مواظباً على تلاوة القرآن العظيم، مكرراً لأنواع التعبدات الليلية والنهارية، وكان إذ ذهب الليل وحضر مع الناس بدأ بصلاة الفجر يأتي بسنتها قبل إتيانه إليهم، وكان إذا أحرم بالصلاة تكاد تتخلع القلوب لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام..
وكان قد عرفت عادته لا يكلمه أحد بغير ضرورة بعد صلاة الفجر، فلا يزال في الذكر يسمع نفسه، وربما يسمع ذكره من إلى جانبه، مع كونه في خلال ذلك يكثر من تقليب بصره نحو السماء، هكذا دأبه حتى ترتفع الشمس ويزول وقت النهي عن الصلاة.. ". ثم يذكر خروجه من المسجد وإقبال الناس عليه ويقول: "وإذا رأى منكراً في طريقه أزاله، أو سمع بجنازة سارع إلى الصلاة عليها، أو تأسف على فواتها، وربما ذهب إلى قبر صاحبها بعد فراغه من سماع الحديث فصلى عليه.. ثم يعود إلى مسجده، فلا يزال تارة في إفتاء الناس، وتارة في قضاء حوائجهم، حتى يصلي الظهر مع الجماعة، ثم كذلك بقية يومه.. وكان مجلسه عاماً للكبير والصغير، والجليل والحقير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، قد وسع على كل من يرد عليه من الناس، يرى كل منهم في نفسه أن لم يكرم أحداً بقدره.. ثم يصلي المغرب، ثم يتطوع بما يسره الله، ثم أقرأ عليه من مؤلفاته أو غيري، فيفيدنا بالطرائف ويمدنا باللطائف، حتى يصلي العشاء، ثم بعدها كما كنا وكان، من الإقبال على العلوم، إلى أن يذهب هوي من الليل طويل، وهو في خلال ذلك كله في النهار والليل، لا يزال يذكر الله تعالى، ويوحده ويستغفره.. وكان في كل أسبوع يعود المرضى، خصوصاً الذين بالبيمارستان... وأخبرني غير واحد ممن لا يشك في عدالته: أن جميع زمن الشيخ ينقضي على ما رأيته، فأي عبادة وجهاد أفضل من ذلك؟ فسبحان الموفق من يشاء لما يشاء.. ".1 ويتحدث البزار عن زهده فيقول: "أما زهده في الدنيا ومتاعها، فإن الله تعالى جعل ذلك به شعاراً من صغره، حدثني من أثق به عن شيخه الذي علمه القرآن المجيد، قال: قال لي أبوه وهو صبي -يعني الشيخ-: أحب إليك أن توصيه وتعده بأنك إن لم تنقطع عن القراءة والتلقين أدفع إليك كل شهر أربعين درهماً، قال: ودفع إليّ -يعني أبوه- أربعين درهماً،
وقال: أعطه إياها، فإنه صغير، وربما يفرح بها فيزداد حرصه في الاشتغال بحفظ القرآن ودرسه، وقل له: لك في كل شهر مثلها، فامتنع من قبولها، وقال: يا سيدي، إني عاهدت الله تعالى، أن لا آخذ على القرآن أجراً، ولم يأخذها.. ولقد اتفق كل من رآه، خصوصاً من أطال ملازمته، أنه ما رأى مثله في الزهد في الدنيا، حتى لقد صار ذلك مشهوراً.. بل لو سئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ: من كان أزهد أهل هذا العصر، وأكملهم في رفض فضول الدنيا، وأحرصهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية رحمة الله عليه.. ".1 ومع ذلك فقد كان - رضي الله عنه - "مع شدة تركه للدنيا ورفضه لها، وفقره فيها، وتقلله منها، مؤثراً بما عساه يجده منها، قليلاً كان أو كثيراً.. فقد كان يتصدق حتى إذا لم يجد شيئاً نزع بعض ثيابه المحتاج إله فيصل به الفقير، وكان يستفضل من قوته القليل الرغيف والرغيفين، فيؤثر بذلك على نفسه، وربما خبأهما في كمه ويمضي، ونحن معه لسماع الحديث، فيراه بعضنا وقد دفعه إلى الفقير مستخفياً، يحرص أن لا يراه أحد.. ".2 أما شجاعة شيخ الإسلام وقوة جنانه ورباطة جأشه فأمر فوق الوصف، ولقد قال الذهبي: "وأما شجاعته فيها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال.. ".3 ويقول البزار: "كان - رضي الله عنه - من أشجع الناس وأقواهم قلباً، ما رأيت أحداً أثبت جأشاً منه، ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه، كان يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لومة لائم.. وكان إذ ركب الخيل يتحنك ويجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، ويكبر تكبيراً أنكى في العدو من كثير من الفتك بهم، ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت.. ".4 وكان -رحمه الله- له نظرة في ذلك حيث كان يقول: "لن يخاف الرجل
غير الله إلا لمرض في قلبه، فإن رجلاً شكى إلى أحمد بن حنبل خوف من بعض الولاة، فقال: لو صححت لم تخف أحداً، أي خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك.. ".1 وقد ذكرت طرفاً من شجاعة شيخ الإسلام عند الحديث عن جهاده ودعوته، ويذكر البزار قصته مع ملك مصر والشام السلطان الناصر حين أخبر الشيخ أنه سمع عنه أنه يعد العدة للإطاحة بملكه، فقال له بجنان راسخ، وصوت سمعه كثير من الحاضرين في المجلس: "أنا أفعل ذلك؟ والله إن ملكك وملك المغل لا يساوي عندي فلسين.. ".2 وأختم الحديث بكلمة لتلميذه المقرب الحافظ ابن قيم الجوزية ملخصاً لحياة شيخه حيث يقول: "وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب عنا ذلك كله، وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إليها.. ".3 ## تاسعاً: وفاته: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27 - 30]. لقد آن لهذا الجسد المُعنَّى أن يستريح، وحان لذلك القائد أن يترجل، فلكل أجل كتاب، ولقد قضى الله عزّ وجلّ أن تنتهي تلك الحياة العامرة الطيبة لشيخ الإسلام الحافلة بالجهاد والدعوة والكفاح عند السَّحر
من ليلة الإثنين يوم الثاني والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام سنة ثمان وعشرين وسبعمائة للهجرة.
وفي القلعة الدمشقية قضى شيخ الإسلام -رحمه الله- نحبه مسجوناً مظلوماً، وكان في جسه الأخير قد أقبل على تفسير كتاب الله، وقد ضيق عليه بآخره، وأخذوا منه الدواة والقلم، فكتب -رحمه الله- بالفحم أوراقاً لبعض أصحابه1، وفي السجن ختم القرآن مدة إقامته في القلعة ثمانين ختمة، وفي الختمة الإحدى والثمانين انتهى إلى قول الحق تعالى ناصر المظلومين، وقامع المتجبرين: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55﴾ [القمر: 54، 55]. وكان قد مرض أياماً يسيرة، ولم يعلم أكثر الناس بمرضه، ولم يفجأهم إلا موته، ولقد زلزلهم الحدث، واهتزت يومئذِ دمشق، فلئن كان شيخ الإسلام يهزها بالأمس بجهاده ودعوته، فهو اليوم يهزها بعد مماته، وتخرج دمشق التي أحبته بجميعها، برجالها وصغارها، بأمرائها وأعيانها، بأثريائها وفقرائها، تبكي على الشيخ وتتأسف عليه، وأغلقت الأسواق والحوانيت، وتجمع الخلق في حشد عظيم لم تعرف له مثيلاً في ذلك الزمان، وقد صلي عليه في القلعة، أولاً، ثم صلي عليه في جامع بني أمية الكبير عقب صلاة الظهر، ودفن ذلك اليوم، وقد صليت عليه صلاة الغائب في غالب أقطار الإسلام، في مصر والشام والعراق واليمن وغيرها، ولقد ذكر أنه صلي عليه صلاة الغائب حتى في الصين.
وجنازة شيخ الإسلام التي تسابقت إلى حملها الأفئدة قبل الأيدي، تذكر الناس بمقولة إمام أهل السنّة والجماعة، الإمام المبجل أبو عبد الله أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - حين قال: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز.2
ولم تكن دمشق آنذاك كثيرة العدد مكتظة السكان، ولكن حسبها أنها أخرجت كل ما فيها، وكما قيل: الجود من الموجود، ولقد تراوحت تقديرات المؤرخين لأعداد الحاضرين بين الخمسين ألفاً وبين المائتي ألف.
وها هو شيخ الإسلام يرحل عن هذه الحياة الدنيا، ويغيب عنها ليجتمع مع خصومه بين يدي ملك الملوك الذي لا يظلم مثقال ذرة.
ولئن غيبت الأرض شيخ الإسلام، فإن علمه حاضر بين العالمين، وقد جعل الله له لسان صدق في الآخرين، وها هم أعداؤه قد غادروا أيضاً هذه الحياة، فهلكوا لا يدري عنهم أحد، وأما شيخ الإسلام فذكره الطيب على كل لسان، من أهل العلم المنصفين، وجماهير أهل السنّة الصالحين.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم اجعل ما قدمه في خدمة دينك وكتابك وأمتك في موازين حسناته، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
اللهم اجزه خير الجزاء، واجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم اكتب له بكل حرت كتبه حسنة وضاعفها، وتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة.
اللهم عليك بمن خاصمه في الدين، وسعى لإطفاء نور السنّة، واستمات في نصر البدعة، وعليك اللهم بكل من نال منه من أعداء كتابك، وسنة نبيك - صلى الله عليه وسلم -. اللهم انفع الأمة بعلمه وكتبه ويسر لها من يخدمها ويقوم على نشرها، واجعلها قذى في أعين المبتدعين، وشوكة تغص بها قلوب الحاقدين.
واغفر لمن ساهم في ذلك، ولمن قام بتحقيق هذا الكتاب، ولمشايخه ووالديه والمسلمين أجمعين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
المبحث الثاني دراسة تحليلية وتفصيلية عن كتاب "الإيمان الأوسط" لقد آثرنا خلال هذه الدراسة أن نقسمها إلى قسمين: الأول: دراسة المسائل الأصلية.
الثاني: دراسة المسائل الفرعية.