الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي[التلازم بين الظاهر والباطن]

[التلازم بين الظاهر والباطن]

والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان، فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضًا، وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بين، ومن قصد إخراج العمل الظاهر قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن، فبقي النزاع في أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن؟ أو هو لازم لمسمى الإيمان؟ والتحقيق أنَّه تارة يدخل في الاسم، وتارة يكون1لازمًا للمسمى بحسب إفراد الاسم واقترانه، فإذا قرن الإيمان بالإسلام كان مسمى الإسلام خارجًا عنه، كما في حديث جبريل - عليه السلام -، وإن كان لازمًا له، وكذلك إذا قرن الإيمان بالعمل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾2فقد يقال: اسم الإيمان لم يدخل فيه العمل، وإن كان لازمًا له، وقد يقال: بل دخل فيه، وعطف عليه عطف الخاص على3العام، وبكل حال فالعمل تحقيق لمسمى الإيمان وتصديق له، ولهذا قال طائفة من العلماء كالشيخ أبي إسماعيل الأنصاري4وغيره: "الإيمان

تصديق كله"، فالقلب يصدق ما جاءت به الرسل، واللسان مصدق1ما في القلب، والعمل يصدق القول، كما يقال: صدق قوله عمله.2
ومن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "العينان تزنيان، وزناهما النظر، والأذنان تزنيان، وزناهما السمع، واليدان تزنيان، وزناهما البطش، والرجلان تزنيان، وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه".3
والتصديق يستعمل في الخبر وفي الإرادة، يقال: فلان صادق العزم، وصادق المحبة، وحملوا حملة صادقة.
والسلف اشتد نكيرهم على المرجئة لما أخرجوا العمل من الإيمان، وقالوا: إن الإيمان يتماثل الناس فيه، ولا ريب أن قولهم: يتساوى4إيمان الناس من أفحش الخطأ، بل لا يتساوى الناس لا5في التصديق، ولا في الحب، ولا في الخشية، ولا في العلم، بل يتفاضلون من وجوه كثيرة.

وأيضًا فإخراجهم العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضًا، وهذا باطل قطعًا، فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه، فهو كافر قطعًا بالضرورة، وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضًا، لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن.1
## [امتناع قيام الإيمان بالقلب من غير عمل ظاهر] وليس المقصود هنا ذكر عمل معين، بل من كان مؤمنًا بالله ورسوله بقلبه، هل يتصور إذا رأى الرسول وأعداؤه يقاتلونه، وهو قادر على أن ينظر إليهم، ويحضر على نصر الرسول بما لا يضره، هل يمكن مثل هذا في العادة أن لا يكون منه حركة ما إلى نصر الرسول؟ فمن المعلوم أن هذا ممتنع! فلهذا كان الجهاد المتعين بحسب الإمكان من الإيمان، وكان عدمه دليلًا على انتفاء حقيقة الإيمان، بل قد ثبت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم -: "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق"2، وفي الحديث دلالة على أنَّه يكون فيه بعض [شعب]3النفاق مع ما معه من الإيمان.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)﴾ [الحجرات: 15].
وأيضًا فقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"4، وفي رواية5: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة

خردل"1، فهذا يبين أن القلب إذا لم يكن فيه بغض ما يكرهه الله من المنكرات كان عادمًا للإيمان، والبغض والحب من أعمال القلوب.
ومن المعلوم أن إبليس ونحوه يعلمون أن الله -عَزَّ وَجَلَّ- حرم هذه الأمور ولا يبغونها، بل يدعون إلى ما حرمه الله ورسوله.
وأيضًا فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالتثليث، وكل كلمة من كلمات2الكفر، ليس هو كفر في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون السباب3الشاتم في الباطن عارفًا بالله موحدًا له مؤمنًا به، فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافر باطنًا وظاهرًا، قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب الباطن، وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك، فيقال لهم: معنا أمران معلومان: (أحدهما): بالاضطرار من الدين، و (الثاني): معلوم بالاضطرار من أنفسنا عند التأمل.

جارٍ التحميل