[تفي اسم الإيمان بسبب انتفاء كماله الواجب]
وبهذا تبين1أن الشارع ينفي اسم الإيمان عن الشخص، لانتفاء كماله الواجب، وإن كان معه بعض أجزائه، كما قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن".2
ومنه قوله: "من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا"3فإن صيغة "أنا" و"نحن" ونحو ذلك من ضمير المتكلم في مثل ذلك، يتناول النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمؤمنين معه الإيمان المطلق، الَّذي يستحقون به الثَّواب بلا عقاب، ومن هنا قيل: إن الفاسق الملي يجوز أن يقال: هو مؤمن باعتبار، ويجوز أن يقال: ليس بمؤمن4باعتبار.
وبهذا يتبين5أن الرجل قد يكون مسلمًا، لا مؤمنًا، ولا منافقًا مطلقًا، بل يكون معه أصل الإيمان دون حقيقته الواجبة، ولهذا أنكر أحمد وغيره من الأئمة على من فسر قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس منا"، أي6ليس منا، أو ليس من خيارنا، وقال: "هذا تفسير المرجئة"7، وقالوا: لو لم يفعل
هذه الكبيرة، كان يكون مثل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك تفسير الخوارج والمعتزلة، بأنه يخرج من الإيمان بالكلية [و]1يستحق به الخلود في النار، تأويل منكر كما تقدم، فلا هذا، ولا هذا.
ومما [يبين]2ذلك أنَّه من المعلوم أن معرفة الشيء المحبوب، [تقتضي]3حبه، ومعرفة المعظم تقتضي تعظيمه، ومعرفة المخوف تقتضي خوفه، فنفس العلم، والتصديق بالله، وما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، توجب4محبة القلب له، وتعظيمه وخشيته، وذلك يوجب إرادة طاعته، وكراهة5معصيته.
والإرادة الجازمة مع القدرة، تستلزم وجود المراد، ووجود المقدور عليه منه، فالعبد إذا كان مريدًا للصلاة إرادة جازمة مع قدرته عليها صلى، فإذا لم يصل مع القدرة دل ذلك على ضعف الإرادة.